مؤسسة نون والقلم للفكر والثقافة والإعلام
Открыть в Telegram
" لَنْ تُسْأَلْ لِمَاذَا لَمْ يَنْتَصِرْ الْحُقُّ ؟ وَلَيْسَ شَرْطًا أَنَّ تُرى التَّمْكِينِ( وَإِمَّا نَرِيَنَّكَ بَعْضٌ الَّذِي نَعُدُّهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) وَلَكُنَّ سَتَسْأَلُ عَنِ اِتِّبَاع الْحُقِّ( مَاذَا أَجِبْتُم الْمُرْسِلِينَ).. !
БольшеСтрана не указанаРелигия и духовность122 751
705
Подписчики
Нет данных24 часа
Нет данных7 дней
Нет данных30 дней
Архив постов
وذكرنا في محله أننا نوافق على هذا الكلام في الجملة، وذلك إن تغير المقدمات والوسائل أمر طبيعي حياتي، ولكن هذا لا يعني عدم أخذ قيد أو شرط أو ظرف اجتماعي في موضوع تلك الأحكام، فلابد من تشخيص الموضوعات هل أخذت بنحو مطلق أم أنها مقيدة بشرائط اجتماعية خاصة.
وأما تغير الوسائل فهي مرتبة تأتي بعد تحقق الموضوع وفعلية الوجوب، فيحرك المكلف نحو تحقيق المقدمات والوسائل من قبيل تحضير جواز السفر والتسجيل وتهيئة ما يحتاجه في أداء مناسك الحج، فإنها تأتي بعد تحقق الاستطاعة الذي هو موضوع الحكم.
4 ـ في الخطوة الرابعة ذكر السيد الحائري العلاقة بين الأحكام المنصبة على العناوين الكلية في الموضوعات أو المتعلق وبين مصاديقها، وإن تغير المصاديق لا يوجب تغير الحكم، وذكر لذلك مصاديق من قبيل: ستر جميع بدن المرأة ما عدا الوجه والكفين حيث اعتبره هو موضوع الحكم، ومفهوم الإحسان الذي تتغير مصاديقه مع ثبات مفهومه.
وقد بينّا وقوع الخلط في بعض الأمثلة بين موضوع الحكم وبين مصداق الموضوع من قبيل الحجاب، فإن الموضوع ليس ما ذكره، وإنما الموضوع هو الحجاب والستر، ولذا وقع الخلاف بين اللغويين والمفسرين والفقهاء في حدود الستر، ولو كان الموضوع من الوضوح كما وصفه لم يكن اختلاف.
على أننا لا ننفي وجوب ستر المرأة لتمام بدنها ما عدا الوجه واليدين، كما أننا نوافق السيد الحائري إن التغير في المصاديق لا يوجب تغير الموضوعات، وهذا خروج عن محل النزاع ولا علاقة له بالموضوع.
مضافاً إلى أن ما ذكره في الخطوة الرابعة ما هو إلا عبارة ثانية عن مبنى سماحة الأستاذ (وحدة المفهوم وتعدد المصداق) وكان السيد الحائري في مقدمة الخطوات قد شن هجمة ضدها ووصفها بواضحة الفساد وها هو يطبقها دون أن يلتفت إلى تناقضه.
5 ـ وفي الخطوة الخامسة ذكر (إنّ الشيء المعيّن الذي لم يكن مصداقاً للعنوان الكلي المأخوذ في حكم من الأحكام في الزمان القديم قد يصبح مصداقاً لذلك العنوان الكلي في ظروف اجتماعيّة جديدة، فيترتّب عليه ذلك الحكم).
وقد أجبنا إن هذه الخطوة لا تستحق الإفراد، لأنها يمكن أن تدخل تحت تغير المصاديق بأي نحو كانت، سواء كانت موجودة في السابق واستحدثت مصاديق أخرى للعنوان الكلي، أو لم يكن موجوداً أساساً وتجدد مصداق آخر فيكون مشمولاً بذاك العنوان الكلي، ولا خلاف لدينا في ذلك، وهي من تطبيقات وحدة المفهوم وتعدد المصداق ولا علاقة لها بمحل النزاع، وهو إثبات أن جميع الأحكام الشرعية منصبة على العناوين الكلية دون لحاظ أي شرط أو ظرف اجتماعي. يتبع...
أقلُّ طلبة المرجع الديني السيد كمال الحيدري( دام ظله)- ضياء المنصوري
٢٠/ رجب الاصب/١٤٤٢ هجري
(جدلية شمول الأحكام الشرعية لكل زمان ومكان وعدم تغيرها)
نقدٌ لـ (فكرة عدم تغيّر الأحكام الشرعية وفقاً للظروف الاجتماعية التي طرحها السيد علي أكبر الحائري)
(الحلقة الثامنة والثلاثون)
قال السيد علي أكبر الحائري: (*شمولية الأحكام الإلهية* الحلقة الثامنة: *الخاتمة* وفي ختام هذا البحث اُقدّم لكم موجزاً عن الخطوات العشر الماضية ضمن النقاط التالية).
الخاتمة:
أقول:
بما أن الخاتمة لا تشتمل على قول جديد ولا معنى مفيد سوى اختصار وإيجاز لما مر من الخطوات العشر الماضية التي ذكرها السيد الحائري، فلا نرى ضرورة تكرارها، وإن إيرادها بمفردها والتعليق على كل خطوة ما هو إلا اجترار لما قلناه وتكرار لما أسلفناه، بعد أن اتضح لنا بالتفصيل بطلان كثير من هذه الخطوات العشر إما لخروجها تخصصاً عن محل النزاع، وإما لضعف دليلها، وإما كانت عبارة عن مصادرات وقفز على النتائج دون تحقيق المقدمات، وإما اتهامات باطلة، وإما نسبة أقوال ناتجة عن فهم خاطئ لكلام سماحة الأستاذ السيد كمال الحيدري (حفظه الله)، وكانت هناك نقاط اشتراك وموافقة بيننا وبين ما طرحه سماحة السيد علي أكبر الحائري، إلا أنها لم تكن مؤثرة على أصل النظرية لكونها جزئية وتطبيقات لا تمس أصل نظرية عدم شمول بعض الأحكام الشرعية لكل زمان ومكان لتقييدها بشرائط وظروف زمانها أو ظروف مشابهة لها، ولدخالة عنصر الزمان والمكان في عملية الاستنباط وفهم النص الديني وهو عنصر مشترك وكبرى كلية وقاعدة أصولية لم يبذل الأصوليون وسعهم في التأسيس والتقعيد لها ومناقشتها ورسم حدودها وقطرها ومساحتها وبيان أدلتها وحدود صلاحية المرجع الديني فيها، وذلك لمعرفتهم أنها تقضي على كثير من الموروثات والأسس المرتكزة التي لا دليل عليها سوى التلقي والاجماعات وأن العلماء عدوها من المسلمات، وقد حاولنا أن نؤسس لهذه النظرية في أطروحتنا في الدكتوراه ولكن جوبهت بالرفض الشديد، والمنع العتيد، لأسباب معرفية حاكمة في الأروقة العلمية التي لا تسمح لإبداء الآراء الحرة ولا تؤمن بحرية التعبير عن الأفكار، وترى في طرح هذه المسائل اجتياحاً حداثوياً لحصون الفكر التقليدي، وهكذا راحت الأطروحة ضحية التعصب الأعمى وقمع الرأي المخالف، وعدم حاكمية الدليل والمنطق السليم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وقد اتضح لنا من خلال ما مر بإيجاز ومنه يعرف خلاصة ما طرحه السيد علي أكبر الحائري في خاتمة مقالاته:
1 ـ تناول السيد علي أكبر الحائري في الخطوة الأولى خاتمية الشريعة المحمدية، وإن القول بعدم شمول الأحكام لكل زمان ومكان يلزم منه شريعة جديدة وبعث نبي جديد!
وقد أجبنا عن ذلك مفصلاً، بأن هناك شرائع مؤقتة لعدم قابليتها لمواكبة التطورات البشرية عبر الزمان، وهناك شريعة خاتمة وهي الشريعة المحمدية التي جعل الله في نصوصها قابلية التوسع والتوليد في المفاهيم والمصاديق، وجعل للنص ظاهراً وبطناً، وأوكل استجلاء المضامين العميقة المساير لكل زمان إلى المرجع الديني العارف بزمانه وبأدوات عصره المعرفية التي ينفذها في فهم النص بما يساير الحياة وبذلك كانت شريعة خاتمة قابلة الانطباق والتطبيق في كل عصر من خلال نظرية (وحدة المفهوم وتعدد المصداق).
مضافاً إلى أن سماحة السيد الأستاذ لم يتبنَ نظرية تغير جميع الأحكام ليرد هذا الإشكال وإنما تبنى الموجبة الجزئية، أي: بعض الأحكام مأخوذ فيها الشرائط والظروف الزمانية ولم تعد صالحة لزماننا.
2 ـ في الخطوة الثانية تناول السيد الحائري أن الأحكام منصبة على العناوين الكلية وقد أخذت بنحو القضية الحقيقية، ولم تقيد تلك العناوين الكلية بالشرائط والظروف.
وقد نقضنا هذا الكلام تفصيلاً في عدة نقاط لا تتسع الخاتمة لإيرادها، إلا أن هذه الدعوى هي دعوى بلا دليل، ومصادرة على المطلوب، بل هي عين المتنازع فيه، فنزاعنا هل أخذت جميع الأحكام بنحو مطلق بدون لحاظ قيد أو شرط سواء أخذت الأحكام بنحو القضية الحقيقية أو الخارجية، فالاستدلال على أنها لم تؤخذ كذلك بدليل أنها صدرت بنحو مطلق وبنحو القضية الحقيقية مصادرة واضحة البطلان. لخلو ألسنة النصوص من قيد الإطلاق أو الأخذ بنحو القضية الحقيقية، بل صرح في كثير منها أن الحكم الصادر إما شخصي وإما خارجي، فتسريته إلى عموم المكلفين يحتاج إلى دليل ولا دليل سوى المسلمات التي لا دليل عليها.
خصوصاً وإن سماحة السيد الأستاذ قد أبطل قاعدة اشتراك جميع المكلفين بالأحكام المطلقة لكل زمان ومكان وشروط زمكانية.
3 ـ في الخطوة الثالثة تعرض السيد الحائري إلى عدم وجود تلازم بين أن تكون الأحكام منصبة على العناوين الكلية وبين تغير المقدمات والوسائل والاستفادة من الوسائل الحديثة للتوصل إلى تحقيق العناوين الكلية.
يُرجى مراجعة هذه المشاركة… "(جدلية شمول الأحكام الشرعية لكل زمان ومكان وعدم تغيرها)نقدٌ لـ (فكرة عدم تغيّر الأحكام الشرعية وفقاً للظروف الاجتماعية التي طرحها السيد علي أكبر الحائري)(الحلقة الثامنة والثلاثون)".
http://nunwalqalam313.blogspot.com/2023/08/blog-post_29.html
أقل طلبة المرجع الديني السيد كمال الحيدري ( دام ظله) - ضياء المنصوري
١٩/ رجب الأصب/ ١٤٤٢ هجري
وبهذا يعرف إنّ إعمال حقّ الولاية من قبل الفقيه في حدود هذا المجال الثالث لا يحقّق أيضاً هدف القائلين بتبدّل الأحكام وفقاً للظروف والملابسات الاجتماعية الجديدة، وذلك لأنّ القائلين بهذه النظريّة لا يكتفون بتبديل الإباحات الإلهيّة بإلزاماتٍ ولائيّة عند تبدّل الظروف والملابسات الاجتماعيّة، ففي الأحكام الراجعة إلى المرأة مثلاً التي قال عنها السيّد الحيدري: إنّ تسعين بالمائة منها من هذا القبيل، نجد أنّ أكثرها تستدعي تبديل الأحكام الإلزامية الإلهيّة إلى إباحات، ومنها حكم الحجاب الذي صرّح فيه الحيدري بأنّ الحجاب الذي اُمرت به المرأة قبل أربعة عشر قرناً لا يناسب الظروف والملابسات التي نجدها اليوم في المجتمعات البشريّة، فلابدّ فيها من تبديل حكم الحجاب بالنحو المناسب لمستجدّات هذا العصر، وهذا يعني لزوم تغيير الحكم بوجوب ستر المرأة تمام بدنها عدى الوجه والكفين بحكمٍ آخر لا يشتمل على هذه الشدّة في الحجاب مراعاة للثقافة العصريّة في هذا الزمان، وهذا ما لا يمكن تصحيحه بالحكم الولائيي قطعاً، لأنّه يستلزم تبديل الحكم الإلزامي الإلهي بالإباحة الولائية، وهو خارج عن حدود حقّ الولاية للفقيه كما ذكرنا. وأكثر أحكام المرأة يكون من هذا القبيل.
وبالتالي قد ظهر أنّ هذه النظرية لا يمكن تصحيحها بالاستعانة بولاية الفقيه في عصر الغيبة بحسب كلّ المجالات التي فوّض الله تعالى فيها حقّ التشريع للفقيه. وبهذا قد انتهينا من الخطوات التي اردنا عرضها للرد على النظرية المذكورة.)
أقول:
1ـ إن ثبوت هذا المقدار من الصلاحية لولي الفقيه في عصر الغيبة بناء على نظرية الولاية المطلقة من باب أولى، وهو محل وفاق. والمختار لدى سماحة السيد الأستاذ ثبوت الولاية المطلقة ـ بحسب الدليل الشرعي ـ للمرجع الديني في عصر الغيبة لا في حدود منطقة الفراغ فقط.
2ـ إن الإباحة حكم شرعي، وتبديله إلى إلزامي يواجه نفس المشكلة التي تواجه تبديل الحكم الإلزامي إلى حكم مباح، فحكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد، وإن القول بتبديل الحكم المباح إلى إلزامي ليس من مصاديق طاعة المخلوق في معصية الخالق واضح البطلان؛ إذ الإباحة بالمعنى العام حكم إلهي وتبديله يلزم منه طاعة المخلوق في معصية الخالق على حد تبديل الحكم الإلزامي ولا يوجد ما يبرر هذا التفريق.
إلا أن يقال: قد دلت الأدلة الخاصة على هذا المقدار فقط. فيكون النقاش مبنائي، وإن الاستدلال بالارتكاز المتشرعي في تقييد إطلاق أدلة ولاية الفقيه مصادرة وعين المتنازع فيه، فما تراه مقيداً للفقيه بهذه الدائرة من الصلاحية يراه فقهاء آخرون أوسع من ذلك.
وهذا الكلام الذي ذكره السيد الحائري ينسجم مع نظرية منطقة الفراغ، ولا يلتحم مع نظرية ولاية الفقيه المطلقة التي لها أدلتها وبراهينها الخاصة.
ورغم ذلك قد أثبتنا سابقاً إن هذا المقدار من الولاية نافع جداً في تغيير الأحكام التي اُخذ في موضوعها الشرائط والظروف قيداً فيها.
3ـ يلزم بناء على ما ذكره السيد الحائري دخول الأحكام الثانوية في دائرة ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإن الأحكام الثانوية تغيّر الحكم الأولي سواء كان الزامياً او غير الزامي لاسيما اذا رأينا تضخم الاحكام الثانوية لدى الفقهاء بسبب عدم إمكان تطبيق الشريعة بالحكم الأولي لمنافاتها وبعدها عن الواقع والشرائط الزمكانية.
٤-لم يصرح سماحة السيد الأستاذ إن تسعين بالمئة من أحكام المرأة هي إلزامية حتى يُتهم سماحته بأنه يريد تبديل الأحكام الإلزامية إلى مباحة، فقد تكون هناك أحكاماً مباحة تتغير إلى إلزامية بمقتضى الشرائط الاجتماعية المعاصرة ومراعاة العدالة الاجتماعية، وقد تكون إلزامية لعدم تحقق موضوعها المقيد بشرائط خاصة؟ كما ذكرنا سابقاً العقد على الصغيرة والاستمتاع بالرضيعة.
وندعو سماحة السيد الحائري الخروج من دائرة التنظر العلمي والتقوقع على الماضي إلى الواقع الخارجي ومطالعة الروايات في شؤون المرأة وقراءة الدراسات المعاصرة لهذه النصوص ومعرفة المناهج العلمية الجديدة في قراءة النص لعل ذلك يؤدي إلى إنقداح أفكار وفهم واقعي للنصوص وملاحظة الكثير من القيود الاجتماعية الواضحة التي أخذت في موضوعات أحكام المرأة والأسرة وغيرهما. إلا أن يريد سماحته أن يبقى مقلداً للسلف الصالح، فهذا شأنه.
٥ـ إن الاصرار على اتهام السيد الأستاذ الحيدري بأنه يريد تغيير حكم الحجاب الإلزامي من ستر جميع بدن المرأة ما عدا الوجه والكفين إلى ما هو أقل شدة من ذلك اتهام باطل، وقد فصّلنا الكلام في ذلك سابقاً، وقلنا: إن سماحة السيد الحائري لم يميز بين الإثارات العلمية التي يطرحها سماحة الأستاذ عادة لتحريك الأذهان لإيجاد الحرك العلمي وبين الفتوى العملية، فسماحته لا يفتي بإباحة كشف المرأة عن بدنها أكثر من الوجه والكفين، والرسالة العملية والاستفتاءات في موقعه أكبر دليل على بطلان هذه التهم الجزاف التي تنبأ عن قصور في فهم كلام الآخرين وعدم التتبع والتثبت. يتبع ...
(جدلية شمول الأحكام الشرعية لكل زمان ومكان وعدم تغيرها)
نقدٌ لـ (فكرة عدم تغيّر الأحكام الشرعية وفقاً للظروف الاجتماعية التي طرحها السيد علي أكبر الحائري)
(الحلقة السابعة والثلاثون)
قال السيد علي أكبر الحائري: (والمجال الثاني: عبارة عن مجال تشخيص ما هو الأهمّ من الأحكام الشرعيّة المتزاحمة في مقام الامتثال، كما إذا وقع التزاحم بين امتثال وجوب دفع العدو وبين امتثال حرمة بعض المحرمات الشرعيّة الإلهيّة، كالمرور بالأرض المغصوبة، أو إتلاف الزرع التابع لمن لايرضى بإتلافه، أو حتى قتل بعض الأبرياء فيما إذا كان دفع العدو مستلزماً لقتلهم، أو غير ذلك. إذ قد يقع الإبهام في تشخيص ما هو الأهمّ من هذين الحكمين المتزاحمين في الامتثال، فمن حقّ الفقيه في مثل ذلك إعمال ولايته على الاُمّة في ما يعتقد به من التشخيص في الأهميّة. وهذا يستدعي طبعاً أن يعيّن رأيه مسبقاً في تشخيص الأهمّ من الحكمين المتزاحمين ولو بمراجعة أهل الخبرة في ذلك، ثمّ يقوم بإصدار الحكم الولائي على طبق ذلك. وهذا في الحقيقة ليس مجالاً مستقلّاً عن المجال الأوّل في الحكم الولائي ـ وإن سمّيناه بالمجال الثاني - وذلك لأنّ الأحكام الشرعيّة الإلهية في حالات التزاحم تصبح منوطةً بصفة الأهميّة، وتصبح هذه الصفة من الموضوعات الدخيلة في الحكم سلباً وإيجاباً، وسيكون إعمال الولاية من قبل الفقيه في تحميل رأيه على الاُمّة في مثل ذلك تابعاً للمجال الأوّل الذي مضى شرحه.
وبهذا سيكون حال هذا المجال كحال المجال الأوّل في عدم قدرته على دعم النظريّة التي تؤمن بتغيير الأحكام الشرعيّة على طبق ما تتطلّبه الظروف والملابسات الاجتماعيّة الجديدة وذلك لما قلنا من أنّ هذه النظريّة تستدعي وضع أحكام جديدة على طبق الظروف والملابسات الجديدة، وليست المشكلة عندها مشكلة تشخيص الموضوعات الدخيلة في الأحكام الشرعيّة الإلهيّة كما وضّحناه) .
أقول:
لا شك في أن أحد وظائف ولي الفقيه هو تشخيص الأهم من الأحكام في مقام الامتثال وتقديم الأهم منها، وهذا المجال خروج عن محل النزاع، ولا علاقة له بالنظرية، على أننا نسأل السيد علي أكبر الحائري: إذا كانت وظيفة ولي الفقيه تقديم الحكم الأهم على المهم، فإن التقديم يكون بحسب الملاك الأهم، وقد سبق أن قال: إن ملاكات الأحكام تعبدية ولا سبيل لمعرفتها، فكيف يتسنى للفقيه معرفة الملاك الأهم مع غلق هذا الباب عليه؟
ونؤكد ما قلناه سابقاً: أن النظرية تعتمد على تشخيص الموضوعات التي أخذت فيها الشرائط الزمكانية والنظرية لا تذهب إلى جعل أحكام جديدة وفق الظروف المعاصرة مع بقاء الموضوع بشرائطه المقيد بها من دون تغيّر، فتأمل للمرة الألف.
وقد يفهم من هذه العبائر التجاوز على سماحته والأمر ليس كذلك، بعد أن كان النقاش في نقطة جوهرية لها آثار خطيرة تترآى لمن لم يهضم النظرية بأبعادها أن السيد الأستاذ يريد تحليل ما حرّمه الله أو تحريم ما أحلّه، ولذا لا ينبغي لمن لم يحط علماً بحيثيات النظرية الخوض فيها أو نقدها إلا بعد التثبت والفهم الصحيح لها، لما يستتبع عدم الإحاطة من اتهامات خطيرة للآخرين تصل إلى مستوى الانحراف والضلال.
قوله: (والمجال الثالث: عبارة عن مجال المصالح الطارئة التي يراها الولي الفقيه ضروريّة للناس في زمان معيّن أو في مكان معيّن، من قبيل ضرورة تعيين أسعار السلع والأمتعة في السوق في بعض الظروف، ومن قبيل ضرورة تعيين ضوابط معيّنة لنظام المرور في بعض الظروف أيضاً أو في ظروفٍ كثيرة، ومن قبيل ضرورة وضع ضرائب ماليّة معيّنة أحياناً زائداً على الضرائب الماليّة الثابتة في الشريعة الإسلاميّة من الأخماس والزكوات وغيرها. ولكنّ حق الولاية للفقيه في هذا المجال يختص بدائرة المباحات الشرعيّة الإلهيّة، ولايجري في دائرة الأحكام الإلزامية الإلهية، بمعنى أنّ ما كان حكمه الشرعي الإلهي إباحةً يمكن للفقيه أن يحوّل حكمه بالولاية إلى الإلزام من وجوبٍ أو حرمة، وأمّا ما كان حكمه الشرعي الإلهي إلزاماً من وجوبٍ أو حرمة، فلا حقّ للفقيه أن يحوّل حكمه بالولاية إلى الإباحة، وذلك لأنّ تحويل المباح إلى الإلزام لا يستلزم طاعة المخلوق في معصية الخالق، ولكن تحويل الإلزام إلى الإباحة يستلزم ذلك، وقد قلنا: إنّ شدّة ارتكاز بطلان طاعة المخلوق في معصية الخالق في أذهان المتشرّعة بل في أذهان عامّة الناس تمنع عن انعقاد الظهور الإطلاقي لأدلّة ولاية الفقيه لشمول حقّ الولاية لموارد الأحكام الإلزاميّة الصادرة من الله تبارك وتعالى، وهذا بخلاف موارد الإباحة الإلهيّة فإنّ تحويل حكمها من الإباحة إلى الإلزام بالحكم الولائي لا يستلزم طاعة المخلوق في معصية الخالق، لأنّ الالتزام بالفعل المباح لا معصية فيه.
يُرجى مراجعة هذه المشاركة… "(جدلية شمول الأحكام الشرعية لكل زمان ومكان وعدم تغيرها)نقدٌ لـ (فكرة عدم تغيّر الأحكام الشرعية وفقاً للظروف الاجتماعية التي طرحها السيد علي أكبر الحائري)(الحلقة السابعة والثلاثون)".
http://nunwalqalam313.blogspot.com/2023/08/blog-post_27.html
فبحسب المجال الأوّل من المجالات الثلاث للحكم الولائي لا يقوم الفقيه بالتصرف في مقتضى الحكم الإلهي، فلا يقوم بتحليل الآلة المعدّة لخصوص القمار، ولا بتحريم ما ليس معدّاً لخصوص القمار، وإنّما يقوم بإصدار الحكم الولائي في تشخيص القسمين فيما إذا وقع الإبهام في تشخيصهما، وهذا يستدعي طبعاً أن يقوم هو أوّلاً بتشخيص ذلك ـ ولو بمراجعة أهل الخبرة في ذلك - ثمّ يقوم بتحميل تشخيصه هذا وإلزامه على الناس بالحكم الولائي.
ومثل هذا أيضاً ما ثبت من إناطة حرمة بعض الألبسة بكونها موجبةً للتشبّه بالكفّار، فلا يقوم الفقيه ـ بحسب المجال الأوّل من مجالات الحكم الولائي ـ بالتصرّف في مقتضى الحكم الإلهي من تحريم ما أحلّه الله أو تحليل ما حرّمه، وإنّما يقوم بإصدار الحكم الولائي لتشخيص القسمين فيما إذا وقع الإبهام في تشخيصهما. إلى غير ذلك من الأمثلة المشابهة. فالهدف من إصدار الحكم الولائي في هذا المجال الأوّل إخراج الناس من الحيرة في تشخيص الموضوعات التي اُنيط بها الحكم الشرعي الإلهي.
وسيكون الحكم الولائي الصادر من الفقيه في هذا المجال على طبق ما ثبت عنده من الحكم الشرعي الإلهي، وليست طاعته من قبل الناس طاعةً للمخلوق في معصية الخالق، حتى وإن كان التشريع الإلهي السابق على الحكم الولائي عبارة عن حكم إلزامي.
وأنت ترى أنّ الحكم الولائي بقدر ما يجري في هذا المجال الأوّل لا يخدم النظريّة التي يطرحها السيّد الحيدري في تبدّل الأحكام الشرعيّة بأحكام اُخرى تناسب الظروف والملابسات العصريّة، لأنّ الأحكام الجديدة التي لابدّ لها أن تحتل محل الأحكام الشرعيّة بحسب رأيه لا تتمّ من خلال تشخيص الموضوعات الخارجيّة لتلك الأحكام الشرعيّة، ما لم يعيّن حدود تلك الأحكام الشرعيّة مسبقاً. ففي مثل الأحكام الشرعيّة الراجعة إلى المرأة ـ التي يعتقد فيها الحيدري بأنّ تسعين بالمائة منها لابدّ وأن تخضع لهذه النظريّة ـ ليست المشكلة من حيث الأساس مشكلة الإبهام في التشخيص الخارجي للموضوعات الكلية الدخيلة في الأحكام الشرعيّة، حتى يُعمل الفقيه ولايته في تشخيصها، فمثلاً في حكم المرأة في الإرث، وحكمها في الشهادة، وحكمها في الدية، وغير ذلك من أحكامها يحتاج الحيدري إلى إثبات كون هذه الأحكام الشرعيّة منوطة بموضوعات تتبدّل بتبدّل الظروف والملابسات الاجتماعيّة حتّى وإن لم تبتل تلك الموضوعات بالإبهام في تشخيصها سلباً وإيجاباً في الواقع الخارجي، فالمشكلة عنده إذاً تنبع من أصل فهمه للأحكام الشرعيّة بالنحو الذي يجعها تتبدّل بحسب الظروف والملابسات، ومجرّدالحكم الولائي ـ بالقدر المطروح في هذا المجال الأوّل ـ لا يحل هذه المشكلة، بل لابدّ من حلّ هذه المشكلة عنده بما بحثناه بالتفصيل في الخطوات الماضية وأثبتنا عدم إمكان حلّها بما يريد).
أقول:
إن من أهم وظائف ولي الفقيه كما أشرنا سابقاً هو تشخيص الموضوعات بمقتضى قوله: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا)، وإن العمود الفقري لهذه النظرية هو دخالة الشرائط والظروف الاجتماعية في موضوع الحكم، فإذا أدرك المرجع الديني أن الموضوع مقيد بشرائط خاصة لا تشابهها الظروف المعاصرة، فالموضوع للحكم السابق لم يعد هو، ولا يمكن إجراء الحكم نفسه؛ بداهة عدم صحة إجراء حكم على غير موضوعه. فإذا كانت الآلة في السابق قد أُعدّت للقمار، ولم تعد كذلك في زماننا، فبأي دليل يمكن تطبيق الحرمة عليها، بل الحكم بالحرمة يكون سالبة بانتفاء الموضوع، وقد أشرتم سابقاً إلى أن المصداق إذا تبدل نتيجة الظروف الاجتماعية وأخذ عنواناً آخر فإن الحكم يتبع ذاك العنوان.
وما يريد إثباته سماحة السيد الحيدري هذا لا غير، واستبعاد أن يكون مراد السيد الحيدري من النظرية غير ذلك ناشئ عن خطأ في فهم نظريته وعدم تتبع كلامه بدقة.
وهذا يكشف عن مخاطر الاقتطاع والابتسار من كلام الآخرين وعدم لحاظ مجموع كلامهم وقد نهى الشارع عن ذلك كما هو المعلوم والمحقَّق في علم الأصول.
وأن فهم السيد الأستاذ وغيره من الأعلام كالإمام الخميني(رحمه الله) للأحكام التي أخذت موضوعاتها بشرط شيء أو لا بشرط، ليست مشكلة، بل هو الاستنباط المنهجي العلمي الذي يبتني على تشخيص الأحكام مسبقاً ومعرفة ما أُخذ منها بقيد متغير أو مطلق، وقد أشرنا سابقاً إلى أن إجراء الإطلاق الأزماني والمكاني في الأحكام هو عين المتنازع فيه، فلا يمكن أن يكون دليلاً على المدعى وهو شمول الأحكام، فتأمل. يتبع...
أقل طلبة المرجع الديني السيد كمال الحيدري( دام ظله) - ضياء المنصوري
١٨/ رجب الأصب/ ١٤٤٢ هجري
(جدلية شمول الأحكام الشرعية لكل زمان ومكان وعدم تغيرها)
نقدٌ لـ (فكرة عدم تغيّر الأحكام الشرعية وفقاً للظروف الاجتماعية التي طرحها السيد علي أكبر الحائري)
(الحلقة السادسة والثلاثون)
قال السيد علي اكبر الحائري: (وقد يخطر ببال أحدٍ إمكان تصحيح نظريّته هذه التي نحن بصددها في هذا البحث بالتمسك بإعمال الحكم الولائي من قبل الفقه للتوصّل إلى الأحكام المناسبة لمقتضى الظروف والملابسات الجديدة في مثل العصر الحديث، وذلك بدعوى أنّ من حقّ الفقيه ـ بناءاً على نظريّة ولاية الفقيه في عصر الغيبة ـ أن يغيّر الأحكام بطريقة الحكم الولائي على طبق ما تستدعيه الظروف والملابسات الاجتماعية بحسب كلّ زمان ومكان. ولكن هذا أيضاً خيال باطل، وذلك لأنّ أدلّة ولاية الفقيه في عصر الغيبة مختصّة بطبعها بالحالات التي لا تكون طاعة الفقيه فيها مستلزمة لطاعة المخلوق في معصية الخالق، لأنّ الارتكاز الذهني الموجود عند المتشرّعة بل عند عامّة الناس بشأن بطلان طاعة المخلوق في معصية الخالق يكون بدرجة من الوضوح والقوّة توجب المنع عن انعقاد الظهور الإطلاقي في أدلّة وجوب طاعة الفقيه لشمول الأوامر المنافية للأوامر الإلزاميّة الصادرة من الله تبارك وتعالى، فسيكون المستفاد من الأمر بطاعة الفقيه وجوب طاعته فيما لم يصدر فيه مسبقاً وجوب أو حرمة من الله تبارك وتعالى).
أقول:
1 ـ
إن صحة النظرية ـ عدم شمول جميع الأحكام لكل عصر وزمان مع اختلاف الشرائط والظروف ـ لا تتوقف على نظرية ولاية الفقيه المطلقة بعد أن أوضحنا المباني والآراء والأدلة.
نعم ولاية الفقيه المطلقة التي يعتقد بها سماحة السيد الحيدري بحدود ما دل الدليل الشرعي عليها والتي تختلف عن مبنى المشهور في إثباتها من أهم المجالات والصلاحيات المعطاة للفقيه في تشخيص الموضوعات ومعرفة اختصاصها بزمانها أو شمولها لسائر الأزمان، على إن القائلين بولاية الفقيه لا يرون هذه الصلاحية تمتد إلى تحليل ما حرّمه الله أو تحريم ما أحلّه، وإنما يجب أن تكون الأحكام الصادرة موافقة للأسس والقواعد الدينية الحاكمة في الشريعة، فبعد تنقيح الموضوع فإن الحكم يتبع موضوعه، وإن فهم ولاية الفقيه بأنها تحلّ الحرام وتحرّم الحلال بعد ثبوت الحكم على موضوعه فهم خاطئ، فما يترآى للسيد الحائري من الأحكام الثابتة قد لا يراه فقيه آخر حكماً مطلقاً نتيجة اجتهاده في معرفة ملابسات صدور الحكم على الموضوع واطلاعه على الشرائط والظروف الدخيلة فيه.
2 ـ إن تقييد صلاحية ولي الفقيه في المباحات العامة هي إحدى النظريات التي ذكرناها سابقاً في معالجة عدم انسجام بعض الأحكام للشرائط الاجتماعية المعاصرة، وهناك نظرية أوسع منها والتي تبناها الإمام الخميني (رحمه الله)، وإن هذا الارتكاز المتشرعي إنما يصح بعد تشخيص نوع الموضوع المأخوذ في الحكم والفراغ عنه، وأما إذا لم يثبت للمرجع أن الحكم الإلزامي أخذ بنحو مطلق بلا شرط ولا قيد، فلا معنى لهذا الارتكاز المتشرعي ولا تقع هذه العملية الاستنباطية مصداقاً للإرتكاز أو مصداقاً لـ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
على أن ارتكاز عدم طاعة المخلوق في معصية الخالق لا تختص بالاحكام الإلزامية وإنما تشمل المباحات بالمعنى الأعم ، إذ أنها أحكام شرعية أيضاً تحتاج إلى دليل في إثباتها أو نفيها.
3 ـ إن تقييد ولاية الفقيه في عصر الغيبة بدائرة الفراغ كما ذهب إلى ذلك السيد الشهيد (قده) ليس محل اتفاق ولا إجماع بين القائلين بولاية الفقيه، وهناك دائرة أوسع من هذه الولاية كما صرح بها الإمام الخميني (رحمه الله)، حيث يقول: (إنّي على اعتقاد بالفقه الدارج بين فقهائنا وبالاجتهاد على النهج الجواهري، وهذا أمر لابدّ منه، لكن لا يعني ذلك أنّ الفقه الاِسلامي لا يواكب حاجات العصر، بل إنّ لعنصري الزمان والمكان تأثيراً في الاجتهاد، فقد يكون لواقعة حكمٌ لكنّها تتخذ حكماً آخر على ضوء الاَُصول الحاكمة على المجتمع وسياسته واقتصاده). صحيفة النور: ج 21، ص98. فيكون الخلاف مبنائي لا بنائي فلا يرد الإشكال.
قوله: (وفي ضوء هذا يظهر أنّ الفقيه ليس له حقّ الولاية إلّا في ثلاث مجالات فوّض الله تعالى فيها حقّ التشريع والتقنين إليه، من دون الابتلاء بمشكلة طاعة المخلوق في معصية الخالق، وهي عبارة عمّا يلي: المجال الأوّل: عبارة عن مجال تشخيص الموضوعات الخارجية خالياً عن التصرّف في مقتضى الحكم الإلهي.
توضيح ذلك: أنّ كثيراً من الأحكام التي شرّعها الله تبارك وتعالى قد أناطها بموضوعات كلية دخيلة في تلك الأحكام سلباً وإيجاباً، كإناطة حرمة آلات القمار مثلاً بكون الآلة معدّة لخصوص القمار، وفي الواقع الخارجي تكون الآلات على قسمين فبعضها معدّة لخصوص القمار، وبعضها ليست كذلك، فمقتضى الحكم الإلهي في الأوّل عبارة عن حرمة تلك الآلة، وفي الثاني عبارة عن عدم حرمتها.
يُرجى مراجعة هذه المشاركة… "(جدلية شمول الأحكام الشرعية لكل زمان ومكان وعدم تغيرها)نقدٌ لـ (فكرة عدم تغيّر الأحكام الشرعية وفقاً للظروف الاجتماعية التي طرحها السيد علي أكبر الحائري)(الحلقة السادسة والثلاثون)".
http://nunwalqalam313.blogspot.com/2023/08/blog-post_25.html
البعض بين البحث الاستدلالي وبين الفتوى حتى بلغ التفاوت عند بعضهم إلى ما يناهز المئتين.
وكم من فرق بين من يريد معرفة الحقيقة وبين من يتتبع كلمات الآخر ولو بالتزوير والتحريف لإسقاطه علمياً واجتماعياً.
وكان بإمكان السيد الحائري الاتصال والتواصل مع سماحة الأستاذ لمعرفة الحقيقة لتبرئ ذمته أمام الله تعالى من نسبة قضايا إليه غير مقطوعة الصدور، وإذا كان الترجل من علياءه صعباً كان بإمكانه الحصول على الرأي الفقهي لسماحته من خلال إرسال أو اتصال أحد تلامذته، على أننا لا نريد إنكار أصل النظرية التي تبناها سماحة الأستاذ، ولكن ما نسب إليه لم يكن صحيحاً خصوصاً في مسألة الحجاب، فالنقاش في أدلة الحجاب خصوصاً مع كثرة الإشكالات والتساؤلات حوله من أهم الدواعي لذلك لرفع الشبهات العالقة في أذهان المتحيرين والمتأثرين ببعض الأفكار الحداثوية والعلمانية، أو لتحريك الأذهان والدفع بها نحو البحث والتحقيق. يتبع....
أقلُّ طلبة المرجع الديني السيد كمال الحيدري ( دام ظله) - ضياء المنصوري
١٧/ رجب الأصب/ ١٤٤٢ هجري
(جدلية شمول الأحكام الشرعية لكل زمان ومكان وعدم تغيرها)
نقدٌ لـ (فكرة عدم تغيّر الأحكام الشرعية وفقاً للظروف الاجتماعية التي طرحها السيد علي أكبر الحائري)
(الحلقة الخامسة والثلاثون)
قال السيد علي أكبر الحائري: (وأما الأمر الثاني فهو مرفوض أيضاً بسببين: السبب الأوّل: أنّ ما ذكرناه في الخطوات السابقة (من أنّ أدلّة الأحكام الشرعييّة تشمل بإطلاقها جميع العصور وجميع الظروف والملابسات ولا يجوز لنا تخصيصها بخصوص ظروف معيّنة إلّا بالموازين الشرعيّة في استنباط الأحكام في عصر الغيبة، ولا يوجد في تلك الموازين ما يوجب اختصاص أدلّة الأحكام بظروف معيّنة) يجري بعينه بشأن هذه الأدلّة الواردة بشأن القياس والإدراك العقلي).
أقول:
لقد تكرر منّا بيان بطلان هذه المقولة بعشرات الأدلة وعدم ثبوت شمول الأحكام لكل زمان وظروف بنحو الموجبة الكلية، وأثبتنا اختصاص بعض الأحكام بظروفها وشرائطها.
مضافاً إلى إبهام هذه الموازين الشرعية في الاستنباط من قبل السيد الحائري وتكرارها في كلامه دون أن يفصح عنها ليتسنى نقدها ومعرفتها، ولكنه أرسلها إرسال المسلمات، وكأنها قواعد إلهية ثابتة ضرورية لا تتطور ولا تتغير ولا تتوسع بالنقض والإبرام، وكأن الاجتهاد من المقولات المتواطئة لا المشككة بعامل الصيرورة التاريخية.
ولكن سماحته أدرك أن الافصاح عنها سوف يعرّضها للنقد والهدم، فلا يمكنه أن يؤسس هذه المقالات الباطلة عليها. والكلام في هذا المقطع هو الكلام في السابق فراجع.
قوله: (والسبب الثاني: أنّ هذه الروايات هي بنفسها آبية عن الاختصاص بظروف عصرها والظروف المشابهة لها، لأنّها تدلّ بكلّ وضوح على أنّ العقل البشري بحسب الفطرة البشرية الموجودة عند كلّ البشر قاصر عن إدراك الأحكام الشرعية وتفاصيلها وملاكاتها وحدودها، لأنّ الأحكام الشرعية هي بذاتها تعبّديّة وملاكاتها مجهولة للناس، فلا يمكن إخضاع نفس هذه الروايات للنظرية التي يقول بها السيّد الحيدري من اختصاص أدلّة الأحكام أو الكثير منها بالظروف الاجتماعيّة التي كانت قائمة عند صدورها وبالظروف المشابهة لها دون الظروف الاجتماعيّة الاُخرى).
أقول:
إن الحكم على الروايات بأنها آبية عن التخصيص مصادرة، فلابد من الوقوف عند كل رواية وقراءة ظروفها وشروطها ومعرفة القرائن اللفظية واللبيّة، ومعرفة السياق اللفظي، والسياق المعنوي ـ الذي عبر عنه الشهيد الصدر بالفهم الاجتماعي كما سبق ـ لمعرفة إطلاقها أو اختصاصها، ولا يمكن تعميم الحكم بالإطلاق لكل الأحكام بعد أن أبطلنا قاعدة الاشتراك، وبطلان أخذ الأحكام بنحو القضية الحقيقية بنحو الموجبة الكلية، وإن كان أخذها كذلك لا يمنع من دخالة عنصر الزمان والمكان فيها كما أوضحناه سابقاً.
ثم إن الملاكات في الأحكام ليست تعبدية في المعاملات، وفي كثير من الأحكام العبادية، كما صرّحت كثير من الآيات والروايات بالعلة التي جعل الحكم من أجلها.
قوله: (إذاً فلا يمكن للسيّد الحيدري أن يتخلّص من مشكلة القياس والاستحسان العقلي المنهي عنهما في مقام استنباط الأحكام البديلة التي لابدّ من الإفتاء بها في الظروف والملابسات الاجتماعية الجديدة).
أقول:
تبين للجميع إمكان التفصي من هذا الإشكال المبني على أسس ركيكة، بل استند إلى إبطال أوضح الواضحات وهو حجية العقل الذي يعد حجة ورسولاً باطنياً على الخلق، وبه يعاقب المولى ويثيب.
وإن استنباط الحكم لا ينحصر بالقياس والاستحسان لوضوح بطلانهما، وإنما تعتمد عملية الاستنباط على الرؤية الشمولية للمباني والأسس التي بنيت عليها المنظومة الدينية والتي يعبر عنها ب (روح الشريعة)، وأن لا يكون الحكم مخالفاً لروح الشريعة، فالأحكام البديلة ـ كما أسلفنا ـ يكفي فيها الإباحة بعد سقوط الأحكام السابقة لاختصاصها بشرائط خاصة.
قوله: (*شمولية الأحكام الإلهية* *الحلقة السابعة:* *الخطوة العاشرة* *دور الحكم الولائي في هذه النظريّة* إنّ ما ذكرناه إلى حدّ الآن في الخطوات السابقة كانت مبنيّة على حمل كلمات السيّد الحيدري في نظريّته هذه على إرادة مقتضى الحكم الفتوائي، كما هو ظاهر ما اطلعنا عليه من كلماته في هذا المجال).
أقول:
إن بناء الخطوات السابقة على تصور أن سماحة الأستاذ السيد الحيدري كان في مقام الفتوى خطأ كبير وتوهم جسيم؛ إذ لو كان سماحة الأستاذ في مقام الفتوى فيما يطرحه في دروسه بحث الخارج أو في المحاضرات التنويرية لوجدنا هذه الفتاوى في رسالته العملية بعد أن صرح بها جهاراً نهاراً.
ولكن عدم التمييز بين مقام الثبوت والإثبات وبين الإثارة والفتوى أوجب لسماحة السيد الحائري وغيره هذا اللغط من الكلام الذي لا يشبه بعضه بعضاً، وكان من المفترض اعتماد الرسالة العملية في بناء الخطوات السابقة أو الاستفتاء الخاص لسماحته لمعرفة رأيه في المسألة، فليس كل ما يطرحه المرجع في أبحاثه التخصصية وما يتبناه على المستوى العلمي يفتي به عملياً، ودونك الموسوعات الاستدلالية للفقهاء ورسائلهم العملية لتجد الفرق عند
يُرجى مراجعة هذه المشاركة… "(جدلية شمول الأحكام الشرعية لكل زمان ومكان وعدم تغيرها)نقدٌ لـ (فكرة عدم تغيّر الأحكام الشرعية وفقاً للظروف الاجتماعية التي طرحها السيد علي أكبر الحائري)(الحلقة الخامسة والثلاثون)".
http://nunwalqalam313.blogspot.com/2023/08/blog-post_24.html
وأما الطريق الثاني وهو: الاستنباط العقلي غير المباشر، فالمراد منه ما كانت كبرى القياس الاستنباطي فيه عقلية، وهذا الذي يبحث في علم الأصول، باعتبار إن هذا النوع من القضايا تُعدّ عنصراً مشتركاً في عملية الاستنباط، ولا ندري كيف أبطل السيد الحائري الدليل العقل من أساسه في هذا المقال، فإن إلغاء الإنسان للدليل العقلي إلغاء لعقله. يتبع ...
اقل طلبة المرجع الديني السيد كمال الحيدري ( دام ظله) - ضياء المنصوري
١٦/ رجب الاصب/ ١٤٤٢ هجري
بخلاف المدركات العقلية المستقلة وغير المستقلة التي يبتني عليها الاستدلال في علم الكلام وعلم الفقه وعلم الأصول وسائر العلوم.
يقول السيد الشهيد (قده): (ولكن القائلين بعدم حجية الدليل العقلي استندوا إلى جملة من الروايات التي نددت بالعمل بالادلة العقلية، واكدت على عدم قبول اي عمل غير مبني على الاعتراف بأهل البيت ونحو ذلك من الالسنة. والصحيح ان الروايات المذكورة لا دلالة فيها على ما يدعى وانما هي بصدد امور اخرى، فبعضها بصدد المنع من التعويل على الرأي والاستحسان ونحو ذلك من الظنون العقلية، وبعضها بصدد بيان كون الولاية شرطا في صحة العبادة، وبعضها بصدد بيان عدم جواز الانصراف عن الادلة الشرعية والتوجه رأسا إلى الاستدلالات العقلية، مع ان التوجه إلى الادلة الشرعية كثيرا ما يحول دون حصول القطع من الاستدلال العقلي كما هو الحال في رواية ابان الواردة في دية اصابع المرأة). دروس في علم الأصول، الحلقة الثالثة: 292 ـ293 .
ولا أدري ـ ونصف العلم في قول: لا أدري ـ أن السيد الحائري هل غفل عن ذلك أم تغافل عمداً كغيره مستنداً إلى النظرية الميكافيلية الحاكمة (إن الغاية تبرر الوسيلة)، خصوصاً إذا اضيفت إليها الرواية الصحيحة السند والباطلة مضموناً لمخالفتها للقرآن والسنة القطعية والتعاليم الإسلامية( اذا رأيتم بعدي اهل البدع والضلال فاكثر من سبهم والبراءة منهم والوقيعة وباهتوهم ...) .
فإن تحقيق موضوع الحكم في الرواية كثيراً ما يتكفل به الشيطان والنفس الأمارة بالسوء وحب الدنيا والمصالح فيتهمون الانسان بالانحراف والضلال ومن كان ضالاً فيجوز الكذب عليه والبراءة منه وسبه والوقيعة والمباهتة، كما هو صريح فتاواهم.
قوله: (وسيكون موقف السيد الحيدري أمام هذه الروايات دائراً بين أمرين لا ثالث لهما:
الأوّل: أن ينكر الحاجة إلى الإدراك العقلي ويدّعي إمكان تحصيل الأحكام المناسبة للظروف والملابسات الحديثة من خلال أدلة الأحكام التي انتهى دورها بحسب رأيه بسبب اختلاف الظروف، من دون الابتلاء بالإدراكات العقلية).
أقول: لا موجب لإنكار المدركات العقلية بعد إثبات حجيتها، وبعد أن باتت تمثل عنصراً مشتركاً في عملية الاستنباط، مضافاً إلى عدم انحصار جعل الأحكام المناسبة للشرائط الزمانية بالمدركات العقلية الباطلة، فإن روح الشريعة والمباني العلوية الحاكمة في المنظومة الدينية أدلة قائمة بنفسها تصلح لجعل الحكم المناسب لها، ولا يحتاج الأمر سوى ما يحتاجه أي فقيه من إعمال العقل والجهد لفهم النصوص الدينية بمجموعها.
قوله : (والثاني: أن يسلّم بالحاجة إلى الإدراكات العقلية لاستنباط الأحكام البديلة عن الأحكام القديمة، ولكنه يقول بأنّ الروايات الراجعة إلى منع الأئمّة الأطهار عن استخدام الإدراك العقلي في التوصّل إلى الأحكام الشرعيّة هي بنفسها خاصّة بالظروف والملابسات القديمة والظروف المشابة لها، وأما في الظروف والملابسات غير المشابهة لها كما هو كذلك في العصر الحديث فيجوز استخدام الإدراك العقلي في فهم الأحكام).
أقول: إن الحاجة إلى المدركات العقلية في عملية الاستنباط الشرعي لا تختصر على السيد الأستاذ الحيدري وإنما هي أحد أهم الأسس العلمية في عملية الاستنباط ؛إذ تشكّل عنصراً مشتركاً فيها. وحصر الحكم البديل بالطريقين المذكورين مغالطة واضحة كما تبيّن ذلك.
وأما الروايات فقد أوضحنا القول فيها وهي خارجة تخصصاً وموضوعاً، لأن موضوعها القياس والعمل بالرأي وليس المدركات العقلية التي تشكل عنصراً مشتركاً في عملية الاستنباط.
قوله: (أمّا الأمر الأوّل فهو مرفوض بسبب ما نبّهنا عليه سابقاً من أنّه بعد التسليم الجدلي باختصاص الأحكام الصادرة في عصر التشريع أو اختصاص جملة منها بالظروف التي كانت حاكمة في ذلك العصر والظروف المشابهة لها، فستكون أمام الفقيه طريقتان لاستنباط الأحكام البديلة عن تلك الأحكام القديمة لأجل حفظ مقتضيات الظروف والملابسات الحديثة، وكلتا الطريقتين تمرّان بالإدراك العقلي شئنا أو أبينا، كما شرحنا ذلك بوضوح).
أقول: الكلام هو الكلام، فلو اطلع سماحة السيد الحائري على ما ذكرناه سابقاً لما وصل إلى هذه النتيجة الباطلة؛ إذ النتيجة تتبع أخص المقدمات، وقد أبطلنا نظرية شمول الأحكام لكل عصر وزمان بنحو الموجبة الكلية، واختصاص بعضها بالشرائط والظروف الاجتماعية. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، أوضحنا بإسهاب بطلان الطريقين الذين حصرهما السيد الحائري في استنباط الأحكام البديلة والجديدة، وذلك: إن الطريق الأول وهو: الاستنباط العقلي المباشر الذي جعله موازياً للاستحسان والقياس واضح البطلان؛ لعدم حجية هذه الطرق في الاستنباط عند الإمامية، وتفسيره هذا مخالف لاصطلاح الأصوليين؛ وهذه هفوة لا ينبغي أن تصدر من أمثال السيد الحائري، ولكن كثرت هفواته العلمية في هذه المقالات، حتى بات اكتشافها لأقل طلبة الأستاذ السيد الحيدري واضحاً، فهي أقل من أن ترتقي لنقد السيد الأستاذ.
