ru
Feedback
المنهج العلمي الواقعي | علي آل شُبَّر

المنهج العلمي الواقعي | علي آل شُبَّر

Открыть в Telegram

قناة علمية أنشر فيها بعض الأفكار والنتائج المنطقية والرياضية والطبيعية سواء التي أجدها عند الغير أو التي أكتشفها بالتأمل المستقل.

Больше
Страна не указанаКатегория не указана
939
Подписчики
+324 часа
+647 дней
+7830 день
Архив постов
[ختام مبحث يقينية الرياضيات] قد رأيت الآن أن أعدل عن إكمال البحث وأن أكتفي بما ذكرت. فإن التطرق التفصيلي لجميع المبادئ ولجميع المسائل المرتبطة بهذا البحث، مع إبراز جميع الأدلة، بعد مناقشة جميع الآراء المتضادة ذات القيمة العلمية، ثم ختام البحث بالأدلة النهائية والموصلة للجواب النهائي الذي لا يبقى بعده بحث ... هذا شأن الرسائل العلمية والكتب وليس شأن القناة العامة. يكفيني أنني قدمت مقدمة منطقية مفيدة، وذكرت بعض الآراء المشهورة مع أدلتها والمناقشات التاريخية، وأضفت إليها أدلة إضافية، وثم ذكرت الرأي الذي أميل إليه وبواعث الميل إليه، وبينت بعض المبادئ المناسبة لهذا البحث والتي لم يتطرق إليها القوم، وطرحت بعض الشكوك والإشكالات الموجبة لإعادة النظر. فمن الآن وصاعدًا لن أزيد من عندي شيء، وسأكتفي إن نشرت شيئًا يخص هذا البحث بالمنتخبات من بعض الكتب مترجمة إلى الإنجليزية، من دون التعليق عليها. هذا يكفي في بعث العقول المتعطشة للبحث، وإثارة العقول المفتشة عن الحق، بل هو أزيد من الحاجة. وكل من أراد أن يرد أو يناقش في قناته العامة أو مجموعته الخاصة فله ذلك، بل له ذلك متفضلًا ومشكورًا، إذ منه أستفيد بإذن الله.

[عدم شمولية صناعة البرهان بالوجه الأرسطي؟!] فإذا تعقلنا أن صناعة البرهان موجهة للعلم المطلق والضروري بنوع محدد من أنواع المطلوبات، وهو العرض الموجود لموضوعه بسبب ما لا بشرط تعقلنا... وأدركنا أن بعض العلوم ليس المطلوب فيها هو هذا النوع من أنواع المطلوبات، وليست الأسئلة العلمية المتوجهة لمطلوبها هي الأسئلة العلمية الموجهة لهذا النوع من أنواع المطلوبات... فإن علينا أن نعترف أن صناعة البرهان (بالنحو الموجود في التحليلات الثانية) غير شاملة لمطلق العلوم وغير موجهة لمطلق المطلوبات العلمية. ولا ينبغي علينا أن نتحرج في ردّ السلطات العلمية المقبولة – عند عموم الذي يقبلون كلمات الأكبار والرؤساء والعلماء – التي تفيد انطباق صناعة البرهان على مطلق العلوم، أو التي تفيد انطباق صناعة البرهان على الرياضيات. فإنك إن أردت الصدق، علمت أن جملة من المشائين لم يكونوا من العلماء المتخصصين في الرياضيات: كالمعلم الأول أرسطوطاليس، والمعلم الثاني أبي نصر، والشيخ الرئيس أبي عليّ، والشارح الأكبر أبي الوليد. نعم، من الزيغ أن يُقال إن صناعة البرهان لا تنطبق على مطلق العلوم، كما أنه من الزيغ أن يقال إن المنطق لا ينطبق على مطلق المعارف. الحق أن صناعة البرهان عند أرسطو كانت موجهة ابتداء نحو صنف معين من أصناف العلوم. ولكن صناعة البرهان أعم من صناعة البرهان التي كتبها أرسطو، فإنه لم يكتب صناعة البرهان، وإنما كتب كتابًا في صناعة البرهان. ولذلك ليس من العيب أن نشرح التحليلات الثانية مع التبيين أثناء شرحها المطلوبات والعلوم التي من أجلها كتب أرسطو ذلك الكتاب. وليس من المعيب أن يكتب من يهتم بالتصنيف والتأليف والمناهج أن يكتب كتابًا في صناعة البرهان أحد أقسام الكتاب صناعة البرهان بنحوٍ عام، وثاني الأقسام صناعة البرهان بالنحوٍ الخاص الأرسطي، وثالث الأقسام صناعة البرهان بالنحو الخاص غير الأرسطي. كل هذا طبعًا، على تقدير ثبوت الأمر الذي أميل إليه غاية الميل.

[الفرق بين الأعراض ذوات الأسباب والمعقولات النسبية الانتزاعية] إن البرهان الذي تناوله أرسطو بالبحث هو البرهان المفيد للعلم المطلق بالأعراض ذوات الأسباب. ومن شأن تلك الأعراض ذوات الأسباب أن تكون موجودة في موضوعاتها بتلك الأسباب لا بشرط عن تعقلنا أو تصرفنا. فإن قابلية الضحك موجودة في الإنسان بسبب النطق، سواء كنا نتعقل الإنسان وقابلية الضحك والنطق أم لم نكن نتعقلها. ومن الظاهر أن خصائص الأشكال الرياضية، وأكثر محمولات الرياضيات، ليست من هذا القبيل، فإنها عبارة عن نسب إضافية. والنسبة الإضافية [كنسبة الأعظية والأصغرية أو كنسبة المساواة] ليست من الأعراض الموجودة في موضوعاتها لا بشرط عن تعقلنا. فإن النسبة الإضافية مطلقًا معقولات تنتزع من نسبة أمرين لبعضهما البعض، ولولا نسبة الأمرين لبعضهما البعض لما اتصف أحدهما بأنه ذا نسبة كذا وكذا بالقياس إلى الآخر. فإن أحد طرفي النسبة الإضافية إن تعقلناه لا من حيث هو أحد طرفي النسبة الإضافية؛ أعني إن تعقلناه من حيث هو بشرط لا الانتساب إلى غيره، لم يكن موضوعًا لنسبة ما، ولم يكن أعظم ولا أصغر ولا مساوي لشيء من الأشياء أصلًا. هذا فضلًا عن أن النسبة لا يوجِدها إلا المتعقل إياها، فنحن عندما ننسب أمرين لبعضهما البعض نحن نفعل تلك النسبة، وعروض النسبة على الطرفين يكون في ذهننا وبحسب علمنا. وهذا شأن المعقولات الانتزاعية النسبية، فلا يعقل أن يكون في موضوع سببٌ واقعي لهذه النسبة حتى تكون النسبة موجودة له بمعزل عن تعقلنا. وهذا كله بخلاف ذوات الأسباب فإن لها أسباب واقعية تكون في الموضوع بمعزل عن تعقلنا ولذلك فإن الأعراض موجودة بمعزل عن تعقلنا. وهذا الفرق بين المعقول الانتزاعي النسبي الذي يكون لموضوعه بشرط تعقلنا، وبين والمعقول الذي له مصداق بالذات في الخارج والذي يكون لموضوعه لا بشرط تعقلنا لا ينبغي أن يهمل. نعم، فرق بين أن يكون للذهن مدخلية في إيجاد النسبة وبين أن يكون للذهن مدخلية في تعيين النسبة المخصوصة وكونها صادقة، ولكن النسبة المخصوصة ليس مصداقها إلا النسبة الموجودة. فإن الذهن عندما ينشئ النسبة بين زوايا المثلث والزاويتين القائمتين، فإنه ينشئ مطلق نسبة المقايسة الكمية، لا يدري أي صنف من أصناف تلك النسبة يتحقق، فيدري بعد البرهان. فليكن هذا القدر مسلَّمًا على أن يأتي تفصيله فيما بعد.

[البرهان المطلق: بالمعنى الأعم وبالمعنى الأرسطي] ولا يجب أن يُظَن أن قولي إن البراهين الرياضية براهين مطلقة يناقض قولي إن التحليلات الثانية لا تنطبق على العلوم الرياضية. وذلك لأن البراهين التي تطرَّق إليها أرسطوطاليس براهين على ذوات الأسباب، وفرق بين البرهان المطلق لا بشرط المورد الخاص والبرهان المطلق بشرط المورد ذي السبب. بل فرق بين العلم المطلق بمطلق المعلوم وبين العلم المطلق بخصوص المعلوم ذي السبب. وبيانه أن العلم المطلق بالمعنى الأعم ليس إلا العلم الضروري بالشيء المستنفد لجميع المطالب العلمية الممكنة. وأما العلم المطلق بذي السبب فهو العلم الضروري بالشيء من طريق سببه من حيث هو سبب له. ولذلك فإن البرهان المطلق بالمعنى الأعم هو القياس المفيد للعلم المطلق بالمعنى الأعم. وأما البرهان المطلق بذي السبب فهو القياس المفيد للعلم المطلق بذي السبب. وظاهر أن أرسطو لم يتناول العلم المطلق بالمعنى الأعم، ولم يتناول البرهان المطلق بالمعنى الأعم، اللهم إلا بالعرض. فإنه في الفصل الثاني من المقالة الأولى من التحليلات الثانية لم يقل إن العلم المطلق هو العلم الضروري المستنفد لجميع المطالب العلمية، وإنما قال هو العلم الضروري بالشيء [ذي السبب لِما سيأتي] من طريق سببه من حيث هو سبب له. ومن ثم فإنه لما انتقل من الغاية إلى شروط البرهان المطلق، من الظاهر أنه انتقل من الغاية بوصفها العلم المطلق بذي السبب لا مطلق العلم المطلق. فإن الصدق والعلية والأولية والمباشرة والأقدمية والأعرفية بوصفها مجموعًا واحدًا أمر يختص بمبادئ البرهان المطلق بذي السبب، لا بمطلق البرهان المطلق.

[البراهين الهندسية براهين مطلقة] أقول: خلافًا لـما يدّعيه بعض الفضلاء –ومنهم بيكولوميني– إن الدليل الهندسي برهان مطلق. [الكبرى] كل الأدلة التي تفيد العلم المستنفد لجميع المطالب العلمية براهين مطلقة. [الصغرى] كل الأدلة الهندسية أدلة تفيد العلم المستنفد لجميع المطالب العلمية. [النتيجة] كل الأدلة الهندسية براهين مطلقة. [دليل الكبرى] الكبرى قضية بدهية مباشرة لا برهان عليها، والتنبيه عليها بـما مر: – القياس مطلقًا آلة، والآلة مطلقًا تتقوَّم بالغاية التي من أجلها وضعت، والقياس البرهاني المطلق هو القياس الذي غايته تحصيل العلم الضروري المستنفد لجميع المطالب العلمية. – العلم المطلق هو العلم الضروري المستنفد لجميع المطالب العلمية الممكنة. – فإذن من الظاهر أن كل دليل [قياس] يفيد الغاية التي هي غاية البرهان المطلق فإنه برهان مطلق. [دليل الصغرى] الاستقراء التام لجميع الأدلة الرياضية، وتوضيح ذلك: – المطالب العلمية في الرياضيات تنحصر بطلب الوجود دون طلب الحد، والأدلة الرياضية تفيد الوجود، وتفيد علمًا ضروريًّا به. فإذن قد ثبت أن الأدلة الرياضية براهين مطلقة، وهذا ما أردناه (QED).

وبهذا أكون قد فرغت من نقد باروسي، وسأشرع قريبًا بانتقاد بيكولوميني، فإنني ذكرت أنه لم يحز الحق من جميع الوجوه.

[سقوط الرد الإجمالي] هذا الرد مع الأسف مصداق واضح لتحريف دليل الخصم وتقريره على أسوء صورة، وأرجو أن يكون باروسي لم يفهم ترتيب بيكولوميني فأخطأ سهوًا. وذلك لأن بيكولوميني قبل أن تطرق للأدلة الخمسة كان يتناول أمورًا عامة ترتبط بالرياضيات عمومًا وبالهندسة خصوصًا ولم يكن في معرض الاستدلال على عدم وجود البرهان المطلق. وإن كانت تلك الأمور العامة منها بعض المبادئ المؤسسة لبعض الأدلة التي تطرق لها لاحقًا. فمن تلك الأمور العامة – بعد موضوع العلم ومبادئه ومعنى المسألة النظرية ومعنى المسألة العملية ومعنى الدليل التحليلي ومعنى الدليل التركيبي – تطرق إلى أن الهندسة لا تتضمن فاعلًا بالتحريك، ولا تتضمن غاية للمحرِّك، ولا تتضمن مادة غير المادة المعقولة التي هي بعينها المقدار المتخيل. ولـما انتهى من هذه المقدمات شرع في الاستدلال ابتداء بطرح تلك الأدلة الخمسة، ومن ثـم لما طرح دليله الثاني: الأوسط علة قريبة في البرهان المطلق. قسَّم أصناف العلل إلى أربعة وذكر أنه بيَّن سابقًا في المبادئ عدم وجود الأصناف الثلاثة، ومن ثـم فإنه تمم هذا الدليل بعدم وجود العلة الصورية. وذلك بدليل فلسفي حاصله أن مبدأ الفعل هو الصورة الجوهرية في المادّة، ولكن المقدار موجود في المادة أزلًا من دون توسط صورة جوهرية، فلا يمكن أن يكون المقدار مبدأ سببيًّا لبعض الخواص، وبالتالي لا معنى لوجود العلة الصورية أيضًا. وبغض النظر عن صحة دليله، فإنه من الظاهر أنه لم يرتكب الدور. وهذه الأدلة الخمسة لم يطرحها بيكولوميني لإثبات عدم وقوع العلة الصورية حدًا أوسطًا، بل طرحها لإثبات عدم وجود البراهين المطلقة، ولم يطرح قبل الخمسة دليلًا وإنما طرح بعض مبادئ الدليل. ومن ثم فإنه لم يثبت عدم وجود البراهين المطلقة حتى يُبطِل عدم وجود العلة الصورية حتى يثبت عدم وجود البراهين المطلقة، حتى يشتبه بوقوع الدور.

[سقوط الرد على الحجة الخامسة] قلت: كثير من الأصول مبادئ لبعضها البعض بغض النظر كانت تلك الأصول بعضها عكوس كلية لبعض أو لم تكن. فإننا باستعمال المبادئ الأولى نثبت المسألة A، ثم تكون المسألة A من المبادئ التي بها نثبت المسألة B. وغيرنا باستعمال المبادئ الأولى يثبت المسألة B فتكون المسألة B من المبادئ التي بها يثبت المسألة A. فالمسألة A قد تكون مبدأ للمسألة B، والمسألة B قد تكون مبدأ للمسألة A، فكل من المسألتين يستلزم الآخر. ولو كان الأمر هكذا، وهو كذلك، لم تكن البراهين على المسألتين من البراهين المطلقة التي توسَّط فيها العلل الحقيقية.

[سؤال وجواب] سؤال: إذا لم يكن يمكننا أن نثبت الحد أو أجزاء الحد لذات المحدود بالبرهان كما تقول؛ فكيف يمكننا أن نبيَّن في الأعمال الهندسية أن شكلًا من الأشكال مربع أو مثلث متطابق الأضلاع من دون إثبات حد المربع أو حد المثلث متطابق الأضلاع له ومن دون إثبات أجزاء حد المربع أو أجزاء حد متطابق الأضلاع له؟! الجواب: هذا أجاب عنه جملة من فضلاء المناطقة، منهم جاكوبو زاباريلا في كتاب المناهج. وحاصل الجواب أن للحد اعتباران: الاعتبار الأول من حيث هو حد، والاعتبار الثاني من حيث هو محمول ما مجهول الوجود لذات الموضوع ويُطلَب وجوده لذات الموضوع. بالاعتبار الأول: لا يمكن إثبات الحد من حيث هو حد لذات المحدود، ولا يمكن إثبات جزء الحد من حيث هو جزء الحد لذات المحدود. والسر في عدم إمكان الإثبات: الذي ذكرته من أن لا وسط بين ذات المحدود والحد من حيث هو حد، ولا وسط بين ذات المحدود وأجزاء الحد من حيث هي أجزاء الحد، وإنما هذا أمر يعلم بالمباشرة والبداهة. وأما بالاعتبار الثاني: فليست ذات المحدود معقولة من حيث إن حدها هو هذا، ولا الحد من حيث هو حد لها، ولا أجزاء الحد من حيث هي أجزاء الحد. فإنما المعقول في الموضوع أنه أمر ليس حده ولا جزء حده تلك المحمولات، وتلك المحمولات معقولة على أنه محمولات ما يطلب وجودها في ذات المحدود. فإذا أقيم البرهان على وجود أجزاء الحد لذات المحدود لا من حيث هي اجزاء الحد، هنا يلتفت العقل بنحو مباشر إلى أنها أجزاء حد، لا ببرهان، ويدرك بنحوٍ مباشر أن الموضوع فرد من الطبيعة التي حدها كذا وكذا، لا ببرهان.

[مناقشة الرد على الحجة الرابعة] قلت: أكثر المسائل الهندسية عبارة عن حمل المجموع من النسبة وطرفها الثاني على الطرف الأول. المسألة 32 من المقالة الأولى مثلًا فيها حمل مساواة القائمتين على مجموع الزوايا الداخلية الثلاثة للمثلث الإقليدي. بتعبير آخر هي عبارة عن التصديق بواقعية نسبة مساواة طرفها الأول مجموع الزوايا الثلاثة الداخلية للمثلث الإقليدي وطرفها الثاني مجموع الزاويتين القائمتين. فقد يقول البعض الأول: إن مجموع الزاويتين القائمتين لا ينحصر في كونه طرفًا لنسبة مساواة طرفها الآخر مجموع زوايا المثلث. وذلك لأن إقليدس أثبت في المسألة 13 من المقالة الأولى أنه إن وقع مستقيم على آخر فإن مجموع الزاويتين الحادثتين يساوي مجموع الزاوتين القائمتين. ولكن قد يقول البعض الثاني: لا نقول في I.32 مساواة الزاويتين القائمتين بل نخصص ونخصص ونخصص حتى يكون المحمول مساويًا.. فالمحمول هو مساواة الزوايا الداخلية مستقيمة الخطين الثلاثة في شكل ثلاثي الأضلاع بالزاويتين القائمتين. والموضوع هو المثلث. فتكون I.32 كذا: المثلث [.] شكل تساوي زواياه الداخلية مستقيمة الخطين الثلاثة في شكل ثلاثي الأضلاع الزاويتين القائمتين. قلت: فليتأمل فيه، وهل يفعله عاقل بنحو تلقائي بحسب مقتضى البحث الرياضي أم أنه تكلّف وتعمّل؟

[سقوط الرد على الحجة الثالثة] قلت: رد الصغرى بعد التسليم بعدم وجود الترتيب الطبيعي بوجود الترتيب الراجع للبراهين والعلل. وهذا رد متناقض في نفسه؛ لأن الترتيب الراجع للبراهين والعلل [إن كانت تلك البراهين مطلقة كما التي في التحليلات الثانية وكانت العلل حقيقية] هو ترتيب إثباتي مطابق ومنطبق على الترتيب الطبيعي حذو القذة بالقذة، وكان قد أنكره. فإن لم يكن هناك ترتيب طبيعي، فإن الترتيب الإثباتي إثباتي محض ليس بإزاءه ترتيب هو الترتيب عند الطبيعة. ومن ثم فإننا لا نحتاج لمثل أفلاطون أو برقلس حتى يقولوا لنا إن هذه البراهين الكثيرة المختلفة على المسألة الواحدة على درجة واحدة أو كثيرة، فإننا ندرك بأنفسنا أنها على درجة واحدة وأنه لا يمكن أن يكون بعضها أكمل من بعض بلحاظ العلم المستفاد، وأن أفضلها عندنا أخصرها وأقدمهما عندنا أوساطًا.

[سقوط الرد على الحجة الثانية] أقول: لقد نقض الصغرى بما مر إسقاطه، فسقط النقض.

[سقوط الرد على الحجة الأولى] أقول: لقد نقض الصغرى وهي السالبة الكلية بالإتيان بالموجبة الجزئية (متمثلة بالبرهان المثبت طبيعة الزاوية القائمة لفردها بتوسيط حدّ الزاوية القائمة)، وقد بينت أن قياسه ليس ببرهان، بل هو قياس سوفسطائي، فسقط النقض.

[تنبيه مهم لتجنب المغالطات] – لا يوجد برهان يُثبِت الحد للمحدود [الإنسان حيوان ناطق]. – لا يوجد برهان يثبت الطبيعة للفرد [زيد إنسان]. – لا يوجد برهان يثبت الذاتية للأمر الذي يُقال إنه ذاتي: — لا يوجد برهان يثبت الجنسية للأمر الذي يقال إنه جنس [الحيوان جنس]. – لا يوجد برهان يثبت الفصلية للأمر الذي يقال إنه فصل [الناطق فصل]. – لا يوجد برهان يثبت النوعية للأمر الذي يقال إنه نوع [الإنسان نوع]. فإن هذه الأمور كلها بدهية ومعلومة بنحوٍ مباشر فإنها غير ذوات أوساط، كل ما في الأمر أن بعضها يحتاج إلى التنبيه فقط لا غير. ولذلك لست أرتضي في الرياضيات أن توسَّط الحدود كما توسَّط النظريات والمبادئ التصديقية. فلا ينبغي أن يقال بتوسيط حد المربع إن الشكل (ABCD) مربع، وإنما يجب أن يُقال بحسب حدّ المربع إن الشكل (ABCD) مربع، والفرق بين التعبيرين ظاهر، فإن الأول موهم لتوسيط حد الطبيعة لإثبات الطبيعة لفردها، وهو غلط، وأما الثاني فهو تنبيه على أمر بدهي لا غير. ولا يستبعد بعد النظر في كلمات الفاضل باروسي أنه وقع في غلط من هذا القبيل.

[سقوط أمثلة فرانسيسكو باروسي: الجزء الثالث] ثانيًا: لا شيء من هذين "قياس" بتوسيط العلة المادية، فإنه قد حرَّف معنى توسيط العلة المادية وجعله عبارة عن إثبات المحدود بتوسيط تعريفٍ دون رتبة الحد التام. ثالثًا: الأكبر عبارة عن [صورة] الزاوية القائمة، والأوسط عبارة عن تعريف [صورة] الزاوية القائمة، فهذا قياس فيه إثبات الصورة بتوسيط تعريف الصورة. قلت: لا يدري أن زيدًا إنسان، ولا يتصور من الإنسان إلا الحيوان الناطق، لأن الحيوان الناطق هو القول الدال على حقيقة الإنسان، ويزعم مع ذلك أنه يدري أن زيدًا حيوان ناطق. رابعًا: لا فرق بين الأكبر والأصغر إلا بحسب محض العنوان، وإلا فإن كل واحد منهما عين الآخر ومصداقهما بالذات شيء واحد، فلا موضوع وعرض قائم في الموضوع بسبب علة خارجية، فكيف يكون البرهان المطلق بالنحو الذي ذكره أرسطو؟

[سقوط أمثلة فرانسيسكو باروسي: الجزء الثاني] [تقرير البراهنين] – برهانه الذي زعم أنه مطلق بالعلة المادية: (الصغرى) كل زاوية تقوم على قوس نصف الدائرة هي نصف الزاويتين القائمتين. (الكبرى) كل نصف الزاويتين القائمتين زاوية قائمة. (النتيجة) كل زاوية تقوم على قوس نصف الدائرة زاوية قائمة. – برهانه الذي زعم أنه مطلق بالعلة الصورية: (الصغرى) كل زاوية تقوم على قوس نصف دائرة فإنها تساوي الزاوية المجاورة لمثلها على نهاية مستقيم يقوم عمودًا على صاحبه. (الكبرى) كل زاوية تساوي الزاوية المجاورة لمثلها على نهاية خط يقوم عمودًا على صاحبه زاوية قائمة. (النتيجة) كل زاوية تقوم على قوس نصف الدائرة زاوية قائمة. [بيان السقوط] أولًا: هذان قياسان فيهما توسيط الحد لإثبات المحدود، فإن الحد الأوسط ليس إلا تمام حدّ الحد الأكبر، وهذا قياس حشوي لا يكسب علمًا. ومنشأ غلطه هذا: – أنه لم يفهم قولهم إن البرهان المطلق يكون من حِدّ العرض أو قولهم إن الحدَّ الأوسطَ حدُّ العرض. وبيان ذلك [وتفصيله عند جاكوبو زاباريلا في المقالة الرابعة من كتاب المناهج وفي المقالة الأولى من كتاب الحد الأوسط]: – أن مبدأ البرهان المطلق هو الحد السببي للعرض، والمقصود بالحد السببي هو الحد الناقص الدال على العلة الخارجية. فليس إذن مبدأ البرهان المطلق هو حد الحد الأكبر الذي هو صورة العرض، بل هو حد العرض (بوصفه معقولًا جزؤه الصورة). لكن لا الحد التام للعرض المؤلف من الصورة والمادة والسبب، وإنما مجرد الحد الناقص الدال على محض السبب. وأيضًا قولهم إن الأوسط حدّ العرض، لا يريدون أن الأوسط هو القول الدال على صورة العرض، وإنما يريدون أنه الحدّ السببي للعرض، أو الحد الناقص للعرض الدال على السبب، أو أنه السبب المأخوذ في حد العرض. وفرق كبير بين هذا وبين توسيط الحد لإثبات المحدود الذي قد يُتنازع في كونه قياسًا صالحًا، فضلًا عن كونه برهانًا.

[سقوط أمثلة فرانسيسكو باروسي: الجزء الأول] عرَّف فرانسيسكو باروسي الزاوية القائمة بتعريفين: – الأول [وسمّاه: الحد المادي] رسم ناقص، لا يساوي المحدود، وهو على طريقة السوفسطائيين. – التعريف الأول: الزاوية القائمة هي نصف الزاويتين القائمتين. – الثاني [وسمّاه: الحد الصوري] حد تام، وهو الذي وضعه إقليدس ضمن المبادئ التصورية للمقالة الأولى. – التعريف الثاني: الزاوية القائمة هي الزاوية المساوية لمثلها المجاورة لها عند نهاية خط مستقيم يقع عمودًا على مستقيم آخر. أقول: إن التعريف الأول لا يدل على حقيقة الزاوية القائمة، فإنه تعريف لها بالدلالة على نسبة إضافية تلحقها من بين نسب إضافية خارجة عن الحصر. وأما أنها نسبة إضافية من بين نسب خارجة عن الحصر، فلأن: الزاوية القائمة ثلث القوائم الثلاثة، وربع القوائم الأربعة، وخمس القوائم الخمسة، وسدس القوائم الستة... لا إلى نهاية. ثم إن كل واحدة من هذه النسب الإضافية المذكورة عرض عام على الزاوية القائمة. وذلك كما بين بابس السكندي بالبرهان الصريح وجود زاوية غير مستقيمة الخطين (وهي من جنس الزاوية الهلالية) تساوي الزاوية القائمة. فإذن واحدة من الزوايا الهلالية أيضًا نصف القائمتين، وثلث القوائم الثلاثة، وربع القوائم الأربعة، وخمس القوائم الخمسة، وسدس القوائم الستة ... لا إلى نهاية. ثـم كيف يكون القول الدال على حقيقة الشيء يتضمن حقيقة الشيء؟ فإنه قال إن الزاوية القائمة هي نصف الزاويتين القائمتين.

[خاطرة: هل يوجد فيلسوف معصوم عن الغلط؟!] أكثرنا في بداية الطلب العلمي – خلافًا لما ندعيه بألسنتنا من تقديم الدليل على التقليد، ومن تقديم الحق على الرجال – نقدم الرجال وأدلتهم على الحق وأدلته. والانتقال من تقديم الرجال على الحق إلى تقديم الحق على الرجال، ومن تقديم التقليد على الدليل إلى تقديم الدليل على التقليد.... يحتاج إلى خبرة علمية عميقة بلحاظ الكم والكيف معًا؛ ولا يكفي الكم دون الكيف؛ وبتلك الخبرة يحصل التحرر الحقيقي. وأما الذي يتقوقع على عالم فاضل واحد ومدرسته دون سائر الفضلاء ومدارسهم لا يمكن له أن يتحرر، لأنه عديم خبرة. وإن أردت الصدق، فإن الفضيلة العلمية عصيّة على أن يتفرد بها العالم الواحد دون سائر العلماء: فإن لكل صارم نبوة، ولكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة. وإن أردت الصدق مرة أخرى، فإنني أظن أن تجربتي في الهندسة الإقليدية كانت ذات مدخلية في تحرري (ولا أدعي أنني حزت الحرية المطلقة). فإنني بينت هناك أغلاط من أعترف لأكثرهم بالفضيلة العلمية والدرجة الرفيعة المحمودة في العلوم، مثل: أرسطوطاليس، وإقليدس، وبرقلس، وسيمبليسيوس، وإبن سينا، وإبن الهيثم، وعمر الخيام، ونصير الدين الطوسي، وقطب الدين الشيرازي، وجلال الدين الدواني، والشريف الجرجاني، وجون واليس، وإسحاق نيوتن، وديفد هيلبرت، وبيرتراند راسل، وتوماس هيث، وغيرهم. وقرأت أثناء تلك التجربة مئات الكتب في الهندسة الإقليدية من جلدتها إلى جلدتها، ورأيت من الرياضيين من هم أصحاب مناهج متعددة وفلسفات متباينة وآراء متضادة. مع أن كل واحد من هؤلاء يستحق عند المقلدين أن يكون مقلَّدًا على حد سواء، ولكن تقليد الكل ممتنع، فإذن ليت شعري ما العمل إذ لا يمكن تقليد الرجال ولا تقديمهم على الحق؟! فكان لابد من تقديم الحق على الرجال، ولـما تقدم الحق، ظهر أن كل واحد من هؤلاء الرجال الفضلاء صاحب غلط وهفوة بالإضافة إلى كونه صاحب حق ورفعة. ومن هنا انتصر الحق وصار معيارًا للحكم على الرجال، فلتنصر الحق ولتخلع تقديس من لا يستحق التقديس من الكبراء، وكل عالم مطلقًا فإنه لا يستحق التقديس.