ru
Feedback
كُنَّاشة من دروس السيد المددي

كُنَّاشة من دروس السيد المددي

Открыть в Telegram

قناة تُعنى بجمع الفوائد العلمية، والترجمات المختارة من دروس الأستاذ آية الله السيد أحمد المددي الموسوي/ جمعها مصطفى زهير السوداني

Больше
Страна не указанаКатегория не указана
711
Подписчики
+124 часа
+377 дней
+3930 дней
Архив постов
7. الفضاء السابع في علم الأصول: الفضاء القانوني (**الفضاء السابع هو الفضاء القانوني. وهذا الفضاء يمكن ملاحظة جذوره – إلى حدٍّ ما – في كلمات المتقدمين من الأصوليين، إلا أنه في القرنين الأخيرين، ومع تطور مفهوم القانون وتبلور البيئة القانونية بصورة خاصة، أصبح هذا الفضاء يُطرح بصورة أكثر جدية. وفي الفضاء القانوني يكتسب القانون ذاته حقيقةً وكياناً مستقلاً. ولذلك فإن مخالفة القانون لا تُعد ظلماً للمولى، وإنما تُعد ظلماً للإنسان نفسه. ووفق هذا التصور – بخلاف الرأي الكلامي عند #الأشاعرة الذين كانوا يرون أن القانون والشريعة لا يدوران مدار المصالح والمفاسد، وإنما يتبعان مجرد جعل الشارع – فإن القانون يقوم على المصالح والمفاسد الواقعية، وله – بالإضافة إلى ذلك – نظامه الداخلي الخاص. كما ينبغي أن يكون هناك نوعٌ من الانسجام والتناسب بين القوانين، بينما لم يكن مثل هذا التناسب مطروحاً في إطار علاقة العبد بالمولى. فلو قال المولى لعبده: «افعل هذا»، ثم قال له بعد ساعتين: «افعل ذلك»، ورأى العبد أن الأمرين متنافيان، لم يكن له حق الاعتراض. نعم، في النظم القانونية المعاصرة يُراعى التناسب بين الجريمة والعقوبة، إلا أن هذا التناسب لا يختص بباب العقوبات، بل ينبغي أن يسري على جميع منظومة علم الأصول. وأما البحث المعروف في علم الأصول بعنوان «قبح العقاب بلا بيان»، فهو ينتمي إلى الفضاء الكلامي. ولو أردنا أن نعالجه ضمن الفضاء القانوني، لكان الأنسب أن نطرح بدلاً منه مسألة «التنجز وعدم التنجز»، فنبحث: هل أصبح الحكم منجزاً أم لا؟ فإن تنجز الحكم ترتب عليه العقاب قهراً. فالبحث في التنجز وعدم التنجز هو بحث أصولي ينتمي إلى الفضاء القانوني، كما أن موضوع الأحكام الجزائية هو الأحكام المنجزة. وفي الفضاء القانوني لا يكون البحث منصبّاً على قضايا العقاب والثواب، والشفاعة، والجبر والاختيار، وإنما يبني العقلاء على أن الأحكام الجزائية تترتب على الحكم المنجز؛ لأن موضوع العقوبات هو عصيان القانون والتمرد عليه، ولا يتحقق هذا العصيان إلا إذا كان الحكم قد بلغ مرتبة التنجز.)

6. الفضاء السادس في علم الأصول: الفضاء الفلسفي (**الفضاء السادس هو الفضاء الفلسفي. وفي هذا الفضاء سعى الأصوليون إلى تجنب إدخال المباحث الكلامية – كالبحث في العقاب – في علم الأصول، إلا أنهم تناولوا المسائل الأصولية من منظور فلسفي؛ أي إنهم كانوا ينظرون إلى المسائل من خلال الواقع، وتفسير حقيقة الوجود أو الموجود. وأول من طرح هذا المنهج في الفقه الإمامي هو #فخر_المحققين في كتابه «إيضاح الفوائد»؛ إذ أكثر من استعمال المصطلحات الفلسفية، وقد ترك ذلك أثراً في بعض المواضع، إلا أن هذا الأثر ليس واضحاً تماماً في جميع الموارد. وفي العصور المتأخرة أيضاً، تناول أعلامٌ أمثال #المحقق_الإصفهاني مباحث علم الأصول في إطار هذا الفضاء الفلسفي. أما في علم الأصول عند أهل السنة، فلا نجد لهذا الفضاء حضوراً يُذكر.)

5. الفضاء الخامس في علم الأصول: الفضاء الكلامي (الفضاء الخامس الذي هيمن على علم الأصول هو الفضاء الكلامي، وقد ترك أثره في هذا العلم منذ أواخر القرن الثالث الهجري إلى القرن الخامس الهجري. فبعض الكتب الأصولية عند أهل السنة أُدرجت ضمن المؤلفات الكلامية، ولا سيما بعد ظهور المدرستين المتقابلتين: #الأشاعرة و#المعتزلة**، حيث ترسخ المنهج الكلامي في مباحث الأصول بصورة كبيرة. ومنذ القرن الثالث الهجري وما بعده، احتلت البحوث الكلامية موقعاً بارزاً في علم الأصول، وما تزال آثارها باقية إلى يومنا هذا. وفي المسائل الكلامية يتركز البحث غالباً على العقاب، واستحقاق الثواب والعقاب، وهل إن هذا الاستحقاق ثابت في نفسه، أم أنه من باب التفضل الإلهي؟ ومن أمثلة ذلك: أن #السيد_الخوئي، في بحثه حول ما إذا كان وجوب العلم طريقياً أو موضوعياً، بنى كلامه على مسألة العقاب، وهي مسألة ذات طابع كلامي. كما أن الأصوليين كانوا يبحثون أيضاً في قضايا التكليف، والعدل الإلهي، والحسن والقبح العقليين. ولهذا كان #الأشاعرة – لعدم التزامهم بمبدأ الحسن والقبح العقليين – ينتهون بطبيعة الحال إلى نتائج أصولية تختلف عن النتائج التي يصل إليها #المعتزلة. ومن أمثلة ذلك أيضاً: ما يقال في بحث وجوب التعلُّم، من أنه إذا كان وجوب التعلُّم وجوباً مولوياً نفسياً، فإن مقتضى ذلك استحقاق عقابين: أحدهما لترك التعلُّم، والآخر لمخالفة الواقع؛ فيلزم حينئذ تعدد العقاب. إلا أننا نرى أن بحث تعدد العقاب لا ينبغي أن يُطرح في هذا المقام؛ لأن إثارة مباحث من قبيل العقاب، وقبح العقاب بلا بيان، وحق الطاعة، تناسب المجال الكلامي، بينما محور البحث هنا هو التنجز؛ فإذا تحقق التنجز ثبت العقاب، وإذا لم يتحقق فلا عقاب.)

4. الفضاء الرابع في علم الأصول: فضاء المداليل والظهورات اللفظية (**الفضاء الرابع في علم الأصول هو فضاء المداليل والظهورات العرفية للألفاظ. وفي هذا الفضاء ينصبُّ جلُّ اهتمام الأصولي على الدلالة اللفظية؛ ولذلك قد يُفهم من لفظٍ معنى في موضع، ويُفهم منه معنى آخر في موضع آخر. فمثلاً، لا نستفيد من قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أن الصلاة مِلكٌ لله، بينما إذا قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، فإن اللام و«على» في اللغة العربية تدلان على الملك أو الاستحقاق، ومن ثم يُقال: إن الحج حقٌّ لله تعالى. وهذا الفضاء أيضاً ليس خالياً من الفائدة، بل أدّى – ولا سيما في علم الأصول الإمامي المتأخر – إلى تحليلات لغوية عميقة، كالبحث في المعنى الحرفي، والمعنى الفعلي، والمعنى الاسمي، ومفهوم الشرط، ومفهوم الوصف، وغير ذلك. ولو كان القانون في مجتمعٍ ما يتمتع بحقيقةٍ وكيانٍ مستقلين، لربما لم تكن المباحث اللفظية بهذه الدرجة من التأثير. أما إذا كان المجتمع يفتقر إلى الروح القانونية، أو – بتعبير آخر – يغيب فيه العرف القانوني، ويكون العرف العام هو الحاكم، فإن أفضل طريق لفهم النصوص هو الرجوع إلى المداليل اللفظية؛ لأن وجود روح قانونية مستقرة يجعل الفهوم متقاربة. فعلى سبيل المثال، في الحديث: «المؤمنون عند شروطهم»، فهم مشهور فقهائنا من كلمة «عند» أمرين: وجوب الوفاء بالشرط، وثبوت خيار تخلّف الشرط، وهذا ليس بالأمر الهيّن. وكذلك فهموا من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ معنى الملك أو الاستحقاق، بينما لم يفهموا ذلك من قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أو قوله سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. ولو كانت هناك روح قانونية واضحة تحكم النصوص، لتوحدت هذه الفهوم. ولو كان القانون هو النظام السائد في مكة والمدينة أو في جزيرة العرب – كما كان الحال في الروم القديمة أو العراق القديم – لفُهم من صيغة «افعل» معنى الوجوب. ولذلك فإن #السيد_المرتضى عندما يقول: إن صيغة «افعل» لا تدل على الوجوب، فإنما يقصد الوجوب بالمعنى القانوني الاصطلاحي، وتحليله في ذلك صحيح؛ لأن مكة والمدينة، وهما موطن ظهور الإسلام، لم تعرفا نظاماً قانونياً بالمعنى المصطلح. وفي النظام القانوني تتمثل روح القانون في أن يكون القانون كياناً مستقلاً عن الحاكم، غير مرتبط بشخصه، وهذه الروح القانونية لم تكن موجودة في المجتمع العربي آنذاك. ولهذا كان الاعتماد على الدلالات اللغوية واللفظية هو الطريق الأمثل، ما لم يثبت أن اللغة نفسها لا تساعد على استنباط تلك الدقائق. ومنذ عصر الصحابة، ذهب بعضهم – حتى مع الجهل بالحكم – إلى أن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، الوارد في النكاح أثناء العدة، يدل على أن إجراء عقد النكاح في العدة يوجب الحرمة الأبدية؛ لأن الآية لم تقل: «حُرِّم عليكم أن تنكحوا النساء في العدة»، وإنما قالت: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا﴾؛ أي: لا تقصدوا ولا تعزموا على العقد، وكأنها ترفع أصل الإرادة والقصد، فإذا ارتفع القصد على هذا النحو، كانت النتيجة هي ثبوت الحرمة المؤبدة، فلا يجوز للإنسان أن يقصد عقد النكاح في مدة العدة.) حاشية (**وهذا الفضاء أيضاً متأثر – إلى حدٍّ ما – بفضاء العرف العام، إلا أننا أفردناه بالبحث؛ لأنه يتميز بخصائصه ومباحثه اللفظية الخاصة. ويبدو كذلك أن هذا الفضاء هو نفسه المنهج الذي عُبِّر عنه سابقاً بـ«الأدبيات القانونية».)

3. الفضاء الثالث في علم الأصول: فضاء علاقة العبد والمولى (الفضاء الثالث هو أن نفسِّر علم الأصول على أساس العلاقات المتعارفة في مجتمع عصر النبي ﷺ، أي على أساس علاقة «العبد والمولى». إنَّ التصورات المطروحة في علم الأصول، سواء عند الإمامية أم عند أهل السنة، تقوم في معظمها على هذا المنظور، وعلى بيان طبيعة العلاقة بين العبد والمولى. ويقوم التفسير القانوني لعلاقة العبد والمولى على أساس أن ذات العبد، بكل شؤون وجوده، ملكٌ للمولى. وعلى هذا الأساس، إذا أمر المولى بشيء، فإن مخالفة أوامره تُعدُّ نوعاً من الإيذاء والظلم والتجرؤ والتعدي والإهانة في حقه. وبناءً على هذا التصور، فإن كل ما يملكه العبد يجب أن يكون تحت تصرف المولى؛ ولذلك، إذا شككنا في ثبوت الإباحة وعدمه، فإن أصالة الحظر هي التي تجري؛ لأن العبد مملوك للمولى، وإذا كان الأمر كذلك، فإن جميع تصرفاته – بطريق أولى – ينبغي أن تكون وفق إرادة المولى، ومن ثمَّ فكل ما يأمر به المولى يجب على العبد امتثاله. وقد كان لهذا الفضاء أثرٌ بالغ في علم الأصول إلى يومنا هذا، حتى إنَّ الإنسان يكاد يشعر بأن علم الأصول قد بُني بأكمله على أساس علاقة العبد والمولى. ولما كان علم الأصول هو البنية التحتية للفقه، فقد جرى تفسير الفقه أيضاً على أساس هذه العلاقة. غير أن الأمر – في الواقع – على العكس من ذلك؛ فإن الفقه هو الذي يحدِّد حدود علاقة العبد بالمولى، لا أن نبني علم الأصول على هذه العلاقة، ثم نستنبط الفقه على أساس تلك الأصول. فمثلاً: إذا قتل المولى عبده، فهل تجب عليه الدية أم لا؟ إنَّ الفقه هو الذي يجيب عن هذا السؤال ويحدد معالم هذه العلاقة، وليس العكس.) #حاشية حضور علاقة العبد والمولى في المجتمع الإسلامي وتمييزها عن التصور الماركسي (**لا شكَّ في أنَّ علاقة «العبد والمولى» كانت هي العلاقة السائدة في مجتمع عصر رسول الله ﷺ، في مكة والمدينة. ومن المعلوم أنَّ حدود العلاقة بين المولى وعبده، وكذلك حقوق العبيد، قد اختلفت عبر تاريخ البشرية؛ فمنها ما بلغ حدَّ التعذيب، والتنكيل، بل والقتل، إلى غير ذلك. والمقصود بحديثنا عن مجتمع «العبد والمولى» ليس التصور الذي تطرحه الكتب الماركسية، والتي ترى – على سبيل المثال – أن المجتمعات انتقلت من مرحلة المشاعية البدائية إلى مرحلة مجتمع الرق، ثم إلى المجتمع الإقطاعي. وقد حاول بعض الماركسيين تقديم تفسير للإسلام على هذا الأساس، فقالوا: إن المجتمع في عصر رسول الله ﷺ كان مجتمعاً قائماً على الرق، ثم تحول في عهد الخلفاء إلى مجتمع إقطاعي، غير أن هذا التفسير – في الإنصاف – غير مناسب. وقد تناول #كارل_ماركس في كتابه «رأس المال» بحثاً حول نمط الإنتاج الآسيوي، ويرى عدد من المفسرين الماركسيين أن ماركس نفسه كان متحيِّراً في كيفية تفسير البنية الاقتصادية للمجتمعات الآسيوية، ومنها المجتمع الإسلامي. وعليه، فعندما نقول: «مجتمع الرق»، فإننا لا نقصد به المعنى الذي يقصده الماركسيون، فضلاً عن أن ذلك التفسير الماركسي نفسه لم يثبت علمياً. وبالجملة، يمكن القول: إن المجتمع – ولا سيما في العصر العباسي – كان يتجه تدريجياً نحو النظام الإقطاعي، إلا أنه في الحقبة نفسها قامت في مصر، على يد #الإسماعيلية، حكومة شيعية ثورية مناهضة للإقطاع. كما أن حركة #حسن_الصباح في إيران كانت أيضاً حركة اجتماعية مناهضة للإقطاع. وأغلب الأشخاص الذين استهدفتهم تلك الحركة بالاغتيال كانوا من الإقطاعيين، أو من أركان السلطة، كرجال البلاط، أو قاضي القضاة، أو الوزراء. وكانت عمليات الاغتيال التي نفذها الإسماعيليون تستهدف في الغالب مجموعات مترابطة ومتماسكة داخل بنية السلطة. ومن شأن دراسة طبيعة هذه الاغتيالات وتحليل ظروفها أن تساعدنا على رسم صورة أوضح عن طبيعة المجتمع في تلك المرحلة التاريخية.)

2. الفضاء الثاني في علم الأصول: فضاء العرف العام (الفضاء الثاني هو فضاء العرف العام، والمقصود به العرف العام، لا العرف القانوني الخاص. فمثلاً، عندما يقول #السيد_المرتضى: إن صيغة «افعل» لا تدل على الوجوب، فإن مراده هو العرف العام. ذلك أن صيغة «افعل» في العرف العام تدل على الإلزام، أما الوجوب فهو مفهوم ينتمي إلى العرف الخاص. وفي هذا النمط من البحث، عندما يراد تقديم تفسير أصولي، فإن الفضاء الأصولي يُنشأ لتفسير الفقه على أساس العرف العام؛ ولذلك، إذا قيل في العرف العام: «اخرج»، فلا يُفهم منه الوجوب بالضرورة، بل قد يكون المراد منه الاستحباب أيضاً. وفي العرف العام لا يُبحث عن المعاني الاصطلاحية ولا عن اللوازم الذهنية، بل يمكن أن نقول – على وجه التقريب –: إنه ينظر إلى اللغة القانونية بالطريقة نفسها التي ينظر بها إلى اللغة الخبرية؛ أي إن العرف العام لا يفرِّق بين الإنشاء والإخبار. فإذا قيل: «أكرم العالم»، كان ذلك بمنزلة قولنا: «زارني العالم»؛ فإن كان للجملة الخبرية مفهوم، كان للجملة الإنشائية أيضاً مفهوم. فإذا قيل: «زارني الليلة الماضية عالمٌ»، كان لهذا الكلام مفهوم، أي: إن غير العالم لم يزرني. فالعرف لا يفرِّق بين الخبر والإنشاء؛ فإذا فهمتم مفهوم العدد في الجملة الخبرية، فهمتموه أيضاً في الجملة الإنشائية. فلو قيل: «زارني الليلة الماضية خمسة علماء»، فمفهومه أن ستة علماء لم يزوروا. وكذلك إذا قيل: «أكرم خمسة علماء»، كان معناه: لا تُكرم أربعة، ولا ستة. وكذلك الحال في مفهوم الوصف؛ فإذا لم نفهم له مفهوماً في الجملة الخبرية، فلا نفهم له مفهوماً أيضاً في الجملة الإنشائية. ووفق هذا التصور، فإن المرتكزات العرفية لا ترى فرقاً بين الجملة الخبرية والجملة الإنشائية. وهذا هو الفضاء الثاني الذي يمكن مراعاته في مباحث علم الأصول.)

🔴 الفضاءات المتصوَّرة في علم أصول الفقه: 1. تفسير الإرادة التشريعية بالإرادة التكوينية (الفضاءات التي يمكن تصورها في علم الأصول، أو التي لها وجود فعلي في الواقع الخارجي، هي ما يأتي: 1. فضاء تفسير الإرادة التشريعية بالإرادة التكوينية أول فضاء يمكن أن نتتبعه في علم الأصول هو «تحويل الإرادة التشريعية أو تفسيرها بالإرادة التكوينية». والمقصود بذلك: أن ننظر في تفسير المباحث القانونية من خلال تصورها على هيئة أمرٍ محسوس وبصيغة الإرادة التكوينية، لنرى كيف تكون صورتها. فعندما نريد طرح مسائل الفقه والقانون، يمكننا أن نسلك هذا الطريق، ونجعله معياراً للتحليل. فـالإرادة التكوينية تشتمل على مريد ومراد، أما الإرادة التشريعية فتشتمل على مريد، ومراد، ومرادٍ منه. فعلى سبيل المثال، في البحث المعروف: هل تدل صيغة الأمر «افعل» على الوجوب أم لا؟ يمكن تفسير ذلك على ضوء التكوين؛ فلو قال شخص لآخر: «اخرج من الغرفة»، فكأنما قيَّد يديه ورجليه وأخرجه بنفسه، فهل يستطيع – في هذه الحالة – أن يقوم بعمل آخر، كأن يُحرِّر يده وينشغل بالكتابة؟ كلا. فيقال: هذا هو تفسير الوجوب. وكذلك إذا قيل للشاهد: «أدِّ شهادتك»، فقال: «لا أشهد إلا بأجرة»، فإن ذلك يشبه من أُمسك بيديه ورجليه وسيق إلى المحكمة، فهل يحق له أثناء الطريق أن يقول: «لن أشهد إلا مقابل مال» أم لا؟ وعليه، فإن أحد الفضاءات التي تُبحث في علم الأصول هو تفسير الإرادة التشريعية بالإرادة التكوينية.)

المحور الثاني: الفضاء القانوني (الفضاءات السبعة المتصورة في طرح المباحث الأصولية) (**هناك محور آخر، وهو «الفضاء العام لعلم الأصول»؛ أي: عندما ندخل في المباحث الأصولية ونشرع في تحليلها، في أي فضاء فكري ومنهجي ينبغي أن ندرس هذه المسائل؟ ويُطلق بعض المعاصرين على هذه الأبحاث اسم «فلسفة علم الأصول»، إلا أننا لا نرى حاجة إلى هذا العنوان، بل يكفي أن نتحدث عن «فضاء الأصول»؛ لأن المقصود هو الإطار الذي تُفهم في ضوئه جميع المباحث الأصولية. فنحن نستطيع أن ننظر إلى جميع مسائل الأصول من خلال فضاءات متعددة. وهذا الجانب لم يحظ بالعناية الكافية في الحوزات العلمية، ومن المناسب أن يُنجز فيه عمل علمي مستقل؛ بحيث يُشرح كل فضاء على حدة، وتُبيَّن لوازمه، وملازماته، وآثاره، وما يترتب عليه من نتائج. والمقصود بـ «فضاء الأصول» هو: الإطار الذي يتحرك فيه الباحث الأصولي عند تحليله لأي مسألة، كمسألة «أخذ الأجرة على الواجبات» مثلًا؛ بحيث يكون تحليله منسجمًا مع فضاء معين، تمامًا كما تسبح السمكة داخل الماء الذي يحيط بها. ومن خلال مجموع ما ورد في كلمات الأعلام وما جرى بحثه وتحليله، يمكننا أن نفترض سبعة فضاءات رئيسة. ونحن نعتقد أن كل أصولي حين يعالج مسألة من مسائل الأصول يكون أحد هذه الفضاءات حاضرًا في ذهنه، وإن لم يصرح به. ولذلك نرى أن الخطوة الأولى هي تشخيص هذه الفضاءات وتمييزها، ثم ترتيبها بصورة منهجية، مع الالتزام بعدم الخلط بينها؛ فلا ينبغي الانتقال من فضاء إلى آخر أثناء البحث من دون مبرر. فإذا اعتمدنا فضاءً معينًا، وجب أن نمضي في تحليل المسألة وفق مقتضيات ذلك الفضاء نفسه.) #أصول_الفقه #الفضاء_القانوني #فلسفة_علم_الأصول #المباحث_الأصولية #تحليل_أصولي #أخذ_الأجرة_على_الواجبات #المناهج_الأصولية #الفضاءات_السبعة

إنشاء الحكم بصيغة النفي (**في بحث «لا ضرر» ذكرنا أن التشريع والإنشاء كانا يُستعملان بصيغة النفي، سواء في عهد رسول الله ﷺ أو في عهد الإمام #جعفر_الصادق (عليه السلام). أما اليوم، فإن بعض علمائنا يُشكلون بأن حديث «لا ضرر» بصيغة النفي، فلا يدل على الإنشاء والتشريع. وهذا صحيح بحسب الفهم المتداول في عصرنا، إلا أن الأسلوب اللغوي والقانوني في ذلك العصر كان يعتمد النفي وسيلةً لإثبات الحكم وإنشائه. فإذا استطعنا أن نثبت ـ من خلال جمع الشواهد الكثيرة ـ أن هذا كان أسلوبًا ثقافيًا وقانونيًا رائجًا، فسوف نضطر إلى فهم حديث «لا ضرر» على نحوٍ مختلف. وقد ذهب بعض الأعلام إلى أن «لا ضرر» يراد به نفي الموضوع. ومنهم #المحقق_النائيني، حيث يرى أنه لا ينبغي تفسير عبارة «لا ضرر» بذاتها، بل يجب فهمها من خلال لسان المشرِّع. فهو يقول: عندما يقول المشرِّع: «لا ضرر»، فإن معناها في «الفضاء القانوني» هو: نفي الحكم الضرري، أي: إني لا أشرّع حكمًا يترتب عليه الضرر. ويترتب على ذلك أنه إذا وُجد مورد يشتمل على ضرر، فلا بد من تداركه ورفع آثاره. وأما مدى صحة هذا التفسير وقبوله، فسيأتي بيانه في موضعه؛ لأننا سلكنا في تفسير الحديث طريقًا آخر. وعلى أي حال، فإن المباحث اللفظية تحتفظ بقيمتها العلمية وأهميتها، ولا غنى عنها في فهم النصوص الشرعية وتحليلها.) #أصول_الفقه #مباحث_الألفاظ #الأدبيات_القانونية #الفضاء_القانوني #حديث_لا_ضرر #نفي_الحكم #التشريع #المحقق_النائيني #الإمام_جعفر_الصادق

مدلول النهي في المعاملات والعبادات (**في مثل قول الشارع: «لا تبع هذا الثوب»، جاء في كتب الأصول ـ وقد صرّح بذلك #السيد_الخوئي ـ أن مدلول «لا تبع» هو الزجر، وأما بطلان المعاملة فهو ثابت بالملازمة؛ أي إن مدلول هذا الخطاب لا يتجاوز الزجر، وأما البطلان فهو لازم له. وذهب فريق آخر إلى أنه لا ملازمة أصلًا، وأن مدلول النهي لا يتجاوز الزجر. بينما ذهب رأي ثالث إلى أن النهي يدل على صحة المعاملة؛ إذ لو كانت المعاملة باطلة من الأصل لما كان للزجر معنى. كما طُرحت في الآونة الأخيرة تحليلات أخرى، كأن يقال: إن النهي متوجه إلى السبب، أو إلى المسبب، أو إلى الأثر. وقد أوضحنا هناك أن «لا» تدل على الإعدام، إلا أن هذا الإعدام ذو معنى حرفي (اندكاكي)؛ ولذلك فهو يلحظ أطراف العلاقة جميعًا. وفي هذا المثال يلاحظ عدة أمور: 1. المأمور، ويكون توجيه الخطاب إليه بواسطة الهيئة. 2. المادة، وهي البيع. 3. الثوب، وهو متعلق البيع. فتنشئ «لا» علاقةً بين هذه الأطراف، وتفيد نفيًا مندكًّا فيها. وعليه: أولًا: تزجر المكلَّف، وهو مدلول الهيئة، أي: لا تقم بهذا الفعل. ثانيًا: يتوجه هذا النفي إلى مادة البيع نفسها، أي إنه لا يجيز تحقق هذا البيع، ويمنع من نفوذه. وعلى هذا الأساس، فإن البطلان ليس لازمًا للزجر، بل هو مدلولٌ مساوٍ له. وقد جعل #الشيخ_محمد_رضا_المظفر في كتابه الملازمات العقلية أربعًا، ومن جملتها النهي في العبادات والمعاملات. فمثلًا، إذا قال الشارع: «لا تصلِّ إلا إلى القبلة»، قالوا: إن الخطاب يزجر عن الصلاة، ومن ثم يُفهم بطلان الصلاة بالملازمة. أما نحن فنرى أنه عندما يقول المقنن: «لا تصلِّ»، فإنه ينفي تحقق الصلاة نفسها، وفي الوقت نفسه يزجر عنها؛ وعليه فإن البطلان وعدم تحقق المأمور به كلاهما داخلان في مدلول الخطاب. ومن هنا، فإن الصحيح عندنا أن مسألة النهي في العبادات والمعاملات ليست من باب الملازمات، بل إن مدلول النهي يشتمل مباشرة على أمرين معًا: الزجر، وبطلان الصلاة أو المعاملة. أما المتأخرون، فقد ذهبوا إلى أن مدلول النهي هو البطلان فقط، ولا يدل على الزجر، بعكس القدماء الذين كانوا يرون أن مدلوله هو الزجر، وأن البطلان يُفهم بالملازمة. وقد استشكل بعض فضلاء العصر فقال: كيف يقال إن مدلول النهي هو الزجر، ثم يقال في الوقت نفسه إن النهي في المعاملات نهيٌ إرشادي؟ وهذا الإشكال في محله؛ لأن قدماء الأصوليين كانوا يعدّون الأمر والنهي مولويين، بينما تغيّر اتجاه المتأخرين، فقالوا: إن المراد من مثل: «لا تصلِّ إلا إلى القبلة» هو أن الصلاة إلى غير القبلة باطلة، أي إن الخطاب يرشد إلى شرطية القبلة، ولا يتضمن زجرًا؛ إذ يمكن للمكلَّف أن يصلي أولًا إلى غير القبلة، ثم يعيد الصلاة إلى القبلة، ولا يترتب على ذلك إلا لزوم الإعادة. وعليه، فإن هذا الفاضل خلط بين مبنى الأصوليين الإمامية المتأخرين الذين يفهمون من النهي البطلان فقط، وبين فهم قدماء فقهاء الإمامية، بل وسائر علماء أهل السنة، الذين كانوا يفهمون منه الزجر أولًا، ثم يستفيدون البطلان بالملازمة. أما نحن، فنرى أنه لا مانع من اجتماع الأمرين؛ أي أن يكون النهي دالًا على الزجر وعلى البطلان معًا. وإشكالهم ناشئ من تصور أنه إذا صلى إلى غير القبلة أو صلى بغير طهارة، لزم أن يكون قد ارتكب عملًا محرمًا. لكننا نقول: لا مانع من الالتزام بذلك؛ إذ يمكن أن يكون هذا الفعل محرمًا من جهة كونه بدعة، أو استخفافًا بالصلاة، أو تضييعًا للوقت. ومن ثم، فإننا نعتقد أن الزجر والبطلان ليسا مدلولين طوليين، بل هما مدلولان عرضيان يجتمعان في الخطاب الواحد. نعم، في مثل قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ في سورة الجمعة، فالظاهر ـ بقرينة قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ـ أن المراد النهي عن الاشتغال بالبيع، أي: لا تنشغلوا بما يصدّكم عن صلاة الجمعة. وعليه، فلو أغلق شخص متجره، واتجه مع صاحبه إلى صلاة الجمعة، ثم باعه شيئًا في الطريق، فمن البعيد أن يشمل هذا النهي ذلك البيع؛ لأنه منشغل بالسعي إلى ذكر الله ومتوجه إلى الصلاة. وقد ذهب بعض علمائنا إلى أن البيع وقت النداء يوم الجمعة ليس باطلًا قطعًا. إلا أن هذا الأمر ليس محل اتفاق في العالم الإسلامي؛ فقد نُقل عن #أحمد_بن_حنبل القول ببطلان البيع في هذا الوقت، استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾.) #أصول_الفقه #مباحث_الألفاظ #الأدبيات_القانونية #دلالة_النهي #النهي_في_العبادات #النهي_في_المعاملات #الزجر #البطلان #السيد_الخوئي #الشيخ_محمد_رضا_المظفر #أحمد_بن_حنبل

بعض التحليلات الأخرى في «الأدبيات القانونية» مدلول هيئة الوصف أو اللقب (**ومن المباحث التي تندرج ضمن «الأدبيات القانونية» أيضًا، البحث في «مفهوم الوصف»؛ إذ يُبحث في الهيئة التركيبية الناقصة، مثل: «القماش الأخضر» أو «الكتاب ذو العشرين مجلدًا»، هل تدل هذه الهيئة على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف أم لا؟ وبتعبيرنا: هل مدلولها ثنائي أم ثلاثي؟ أي: هل يشتمل هذا التركيب على نوع من التعليق، بحيث يكون المراد: الكتاب إذا كان عشرين مجلدًا، لا أقل ولا أكثر؟ ولذلك ذهب المشهور بين الأصوليين إلى أن الوصف لا مفهوم له؛ لأن قولك: «اشترِ قماشًا أخضر» غايته أنه يقيد القماش بوصف الخضرة، ولا يتضمن نفي الحكم عند انتفاء الوصف. ولو أُريد إثبات المفهوم، فلا بد من وجود النفي، أي لا بد أن تتركب القضية من موضوع، وحكم، وتعليق، بينما هذا التعليق غير موجود في باب الوصف. أما في باب الشرط، فإن التعليق ظاهر، كما في قولك: «إن جاءك زيد فأكرمه»؛ فلدينا زيد، ووجوب الإكرام، والمجيء بوصفه واسطة بينهما. ومن هنا، فإن كل مورد يراد فيه إثبات المفهوم، لا بد أن تكون القضية ثلاثية. فمثلًا، إذا قيل: «أكرم زيدًا»، فإن قيل إن له مفهومًا، كان معناه: لا تكرم غير زيد، وهو ما يسمى بمفهوم اللقب. وقد أشكل الأصوليون على ذلك بأن اللقب أو مفهوم اللقب في مثل: «أكرم زيدًا»، هو تركيب ثنائي لا ثلاثي؛ لأن معنى الجملة ليس: «أكرم رجلًا إن كان زيدًا»، إذ لو كان كذلك لأصبحت القضية ثلاثية. ومن هنا، فإن سرّ البحث في باب المفهوم يرجع ـ في نظرنا ـ إلى هذه الجهة. فإذا قلنا: «أكرم زيدًا»، فليس في الكلام إلا زيد ووجوب إكرامه، ولا يوجد عنصر ثالث. أما إذا قلنا: «يجب إكرام الشخص إذا كان زيدًا»، فقد أدخلنا التعليق، فأصبحت القضية ثلاثية، وحينئذ إذا كان الشخص عمروًا، انتفى الشرط، فينتفي الحكم. إذن، فإن مدلول «أكرم زيدًا» ثنائي، لا ثلاثي. نعم، في مثل قولنا: «اشترِ قماشًا أخضر»، فإن الوصف يقيّد القماش باللون الأخضر. وقد ذكر #السيد_الخوئي أن هذا يمثل درجةً من المفهوم؛ لأنه ضيّق دائرة الموضوع، إلا أن هذا ليس هو المفهوم المصطلح عند الأصوليين. وخلاصة المسألة هي: هل تُنشئ الهيئة التركيبية الناقصة تعليقًا أم لا؟ فعندما يقال: «القماش الأخضر»، هل معناه: القماش إذا كان أخضر، فيكون فيه تعليق؟ أم أن معناه ليس إلا: القماش المتصف باللون الأخضر، من دون إنشاء أي تعليق؟ وكذلك الهيئة التركيبية الإضافية، فإنها أيضًا من الهيئات التركيبية الناقصة. فإذا قيل: «اذهب إلى السوق واشترِ كتاب حسن»، فإن إضافة الكتاب إلى حسن تمثل هيئة تركيبية. فهل معناها: اشترِ كتابًا إذا كان لحسن، بحيث يثبت لها مفهوم؟ أم أنها لا تدل إلا على الكتاب المنسوب إلى حسن، وفي هذه الحالة لا تنشئ مفهومًا؛ لأنها لا تتضمن تعليقًا.) #أصول_الفقه #مباحث_الألفاظ #الأدبيات_القانونية #مفهوم_الوصف #مفهوم_اللقب #الهيئة_التركيبية #التعليق #دلالة_الألفاظ #السيد_الخوئي #التحليل_الأصولي

التحليل النهائي لمداليل صيغة (افعل) (الوجوب) في ضوء الأدبيات القانونية (**ذكرت كتب الأصول ـ اعتمادًا على دلالة الهيئات ـ عدة مداليل لصيغة (افعل)، وما نؤكد عليه ليس أصل هذه المداليل، وإنما أن هذه المباحث جاءت متفرقة، وتحتاج إلى تنظيم منهجي وإلى تحليل قانوني متكامل. فمثلًا، ينبغي أن يُبحث: هل تدل صيغة الأمر على ثبوت التكليف في الذمة؟ وهذا البحث ـ وإن لم يُطرح بهذا العنوان في كتب الأصول ـ إلا أن بعض فروعه قد طُرحت، كالبحث في: هل القضاء يحتاج إلى أمر جديد أم لا؟؛ لأن هذه المسألة تُعد من ثمرات القول بثبوت التكليف في الذمة. ومن فروعه أيضًا: هل يجوز لغير المكلَّف أن يأتي بالفعل عنه أم لا؟ أما القدر المتيقن من دلالة صيغة (افعل) فهو أنها تنشئ علاقة بين المأمور والفعل المأمور به على نحو الصدور، لكنها لا تثبت أن هذا الفعل قد خرج عن سلطان المكلَّف، أو أن الإتيان به يجب أن يكون مجانًا، كما ذهب إلى ذلك #صاحب_الجواهر. وقد أصرّ كلٌّ من #السيد_الخوئي و#المحقق_الأصفهاني على أنه لا منافاة بين الوجوب وأخذ الأجرة، إلا أنهما لم يقدّما تحليلًا يفسر ذلك. أما وفق تحليلنا، فقد اتضح أنه لما كان تحليل «الروح القانونية» يواجه صعوبة ولا يمكن الجزم به، فقد رجعنا إلى «الأدبيات القانونية»، فوجدنا أنها تثبت وجود علاقة بين المأمور والمأمور به على نحو الصدور، من دون أن تتضمن في ذاتها معنى المجانية، أو سلب السلطنة، أو الملكية. وعلى هذا الأساس، فإن الإنصاف يقتضي ترجيح ما ذهب إليه #السيد_الخوئي و#المحقق_الأصفهاني، خلافًا لما ذهب إليه #المحقق_النائيني؛ لأن القدر المتيقن من الأدبيات القانونية لا يتجاوز هذا المقدار. أما إنكار وجود علاقة بين المأمور والمأمور به، فهو خلاف ظاهر الخطاب، ولا ينسجم مع طبيعة المعاني الحرفية. وكذلك فإن تحميل هذه العلاقة معنى ثبوت التكليف في الذمة، أو اشتراط المجانية، خلاف الظاهر أيضًا، ويحتاج إلى دليل خاص؛ إذ إن إمكانه العقلي لا يلازم ثبوته الشرعي. وقد ركّز الأصوليون غالبًا على بحث الوجوب، وهو من مباحث «الروح القانونية»، إلا أن هذا البحث ـ كما تقدم ـ يكتنفه الإشكال، ولذلك نقلنا محور البحث إلى «الأدبيات القانونية». ومن خلال هذا المنهج ثبت لدينا أن العلاقة التي تنشئها صيغة الأمر هي علاقة صدورية، ولم يثبت أنها علاقة ثبوت في الذمة. وتترتب على هذا الفهم عدة آثار قانونية، منها: أن ظاهر الأمر يقتضي المباشرة، أي إن المكلف هو الذي يجب أن يباشر الفعل بنفسه. وجواز أخذ الأجرة على أداء هذا الفعل. وأنه إذا خرج وقت الأداء، لم يثبت وجوب القضاء بمجرد الأمر الأول. وكذلك إذا توفي المكلَّف، لم يبقَ التكليف ثابتًا عليه بمجرد الأمر الأول.) #أصول_الفقه #مباحث_الألفاظ #الأدبيات_القانونية #الروح_القانونية #صيغة_الأمر #الوجوب #المعاني_الحرفية #المباشرة #القضاء #أخذ_الأجرة #السيد_الخوئي #المحقق_الأصفهاني #المحقق_النائيني #صاحب_الجواهر

إشكال. ونرى أن الاعتبار القانوني يقبل جميع هذه الاحتمالات الثلاثة؛ إذ لا يقتضي القانون بنفسه أحدها، وإنما يتبع كيفية الجعل والتشريع. ولهذا ركزنا في الشريعة المقدسة على الأدبيات القانونية، فنقول: إن قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم﴾ لا يدل على تملك النبي (صلى الله عليه وآله) لتلك الأموال؛ لأن الآية لا تزال تصفها بأنها «أموالهم». وكذلك لا يدل هذا التعبير على أن خمسة بالمائة أو عشرة بالمائة من المحصول تصبح ملكًا للفقراء بمجرد الحصاد على نحو ملكية العنوان، بحيث يحق للحاكم أخذها فورًا وتسليمها إليهم. بل الظاهر أن جميع المحصول يبقى ملكًا لصاحبه قبل أداء الزكاة، ولا تتحقق ملكية الفقراء بمجرد الحصاد، وإنما بعد تحقق سبب الاستحقاق وفعليته. ومن هنا، فإن ملكية العنوان لا تترتب عليها جميع آثار الملكية إلا بعد تحققها الفعلي ووصول المال إلى مستحقه، كما هو الحال بالنسبة إلى الفقير. ولهذا بحث #السيد_اليزدي في أول كتاب الزكاة من «العروة الوثقى» مسألة أن الزكاة لا تتعلق بملكية العنوان؛ فلو وُقفت غلة أرض على فقهاء الحوزة، وأنتجت الأرض مائة طن من الحنطة، وكان في الحوزة مائة فقيه، فلا تجب الزكاة عليهم بمجرد الحصاد؛ لأن المال لا يزال ملكًا للعنوان، لا للأشخاص. أما بعد تقسيم الغلة بينهم وانتقالها إلى ملكهم الشخصي، فإن الزكاة تتعلق بها. وهذا البحث الذي ذكره #السيد_اليزدي بحث متين؛ لأن ملكية العنوان تمثل نوعًا خاصًا من الملكية، لا تترتب عليه جميع آثار الملكية الكاملة إلا بعد تحققها الخارجي وانتقال المال إلى المالك الفعلي، وإن كان بعض الفقهاء لا يقبل أصل تصوير ملكية العنوان.) #أصول_الفقه #التكاليف_المالية #الأدبيات_القانونية #الروح_القانونية #الخمس #الزكاة #الكفارات #ملكية_العنوان #الذمة #الاعتبار_القانوني #العروة_الوثقى #السيد_اليزدي #رسول_الله

تفسير الوجوب في التكاليف المالية في ضوء الأدبيات والروح القانونية (سبق أن ذكرنا أنه ليس من اللازم إذا اتضحت «الروح القانونية» أن تتضح «الأدبيات القانونية» أيضًا؛ إذ قد تكون الروح القانونية واضحة، كما لو علمنا أن الوجوب في العرف الإسلامي لا يعني ثبوت التكليف في الذمة، ومع ذلك نجد في الأدبيات الشرعية تعبيرًا مثل: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾، فنستظهر من هذه الصياغة ثبوت التكليف في الذمة، بينما لا يقتضي ذلك التعبيران: ﴿أقيموا الصلاة﴾ و﴿آتوا الزكاة﴾**. وكذلك الحال في قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، فإن هذا التعبير لا يُشعر بأن مقدار الزكاة يخرج من ملك المكلَّف بمجرد تحقق النصاب. فإضافة الأموال إلى ضمير «هم» تدل على أن الأموال تبقى مملوكة لهم إلى أن يأخذها النبي #رسول_الله (صلى الله عليه وآله)، ومن ثم لا تصبح ملكًا للحاكم بمجرد حلول الحول. وقد يختلف الاستظهار بين تكليفين ماليين وردا في القرآن الكريم، كـالخمس والزكاة؛ فقد يُستفاد من أحد التعبيرين الملكية، ولا يُستفاد من الآخر. فمن قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم﴾ لا يُفهم أن خمسة بالمائة أو عشرة بالمائة من المال تصبح ملكًا للدولة، وإنما إذا امتنع المكلَّف عن الأداء تستوفيها الدولة منه قهرًا. أما قوله تعالى: ﴿فأن لله خمسه﴾، فقد يُستظهر منه أن الخمس ملكٌ لله، وللرسول، ولذي القربى.... ولهذا أكدنا على أهمية الأدبيات القانونية؛ لأن أساليب التعبير في الأدلة الشرعية مختلفة، ونحن نمنح صياغة النص قيمة استدلالية خاصة. أما في القوانين الحديثة، فإن الاتجاه العام هو توحيد الصياغة القانونية؛ فيُعبَّر عن الملكية بلفظ يدل عليها، وإذا كان الحكم مجرد تكليف صيغ بما يناسب ذلك. وفي التكاليف المالية، كـالخمس والزكاة والكفارات، يمكن تصور ثلاثة احتمالات رئيسة: 1. أن يكون الحكم تكليفًا محضًا؛ أي إن المكلَّف مأمور بالأداء، فإن عصى استحق العقوبة الإلهية. 2. أن يكون تكليفًا مع ثبوت دين في الذمة، ومن آثار ذلك أن يجوز لغيره أداء هذا الدين عنه، ما لم يرد دليل خاص يمنع من ذلك. 3. أن يجتمع التكليف والذمة والعين الخارجية. أما في الكفارات، فلم يقل أحد ـ فيما نعلم ـ بثبوت العين؛ فلو وجبت على شخص كفارة الإحرام، لم يقل أحد إن الشاة تخرج من ملكه بمجرد الوجوب، بل المشهور أن الكفارة تثبت في الذمة، بحيث إذا لم يؤدها في حياته أُخرجت من تركته بعد وفاته. إلا أننا نحتمل أن تكون تكليفًا محضًا، من دون ثبوت في الذمة أيضًا. وهذه الاحتمالات الثلاثة تجري في جميع التكاليف المالية. فظاهر قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ هو مجرد التكليف، بل قد لا يدل حتى على ثبوتها في الذمة. إلا أن بعضهم ادعى أن كل تكليف مالي يقتضي ـ على الأقل ـ ثبوت المال في الذمة؛ فيكون معنى ﴿آتوا الزكاة﴾ أن الزكاة قد استقرت في ذمتكم، فإن لم تؤدَّ بقيت دينًا يجب أداؤه لاحقًا، أو يؤدَّى من قبل الورثة بعد الوفاة. وبناءً على هذا الرأي، يكون خطاب ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ موجهًا إلى #رسول_الله (صلى الله عليه وآله) من جهة تكليفه بأخذ الزكاة، وإلى الناس من جهة تكليفهم بالأداء مع ثبوتها في ذممهم. وهناك رأي ثالث يضيف إلى الذمة ثبوت العين الخارجية، فلو فُرض أن الدولة فرضت على أرض قيمتها مئتا ألف تومان ضريبة، فإن هذا المبلغ يكون: تكليفًا بالأداء. ودينًا في الذمة إذا لم يُؤدَّ. وحقًا عينيًا يجيز للدولة اقتطاعه مباشرة من الحساب البنكي، أو استيفاءه من أموال المكلف، ولو بغير رضاه. وهذا كله يرتبط ببحث الأدبيات القانونية والروح القانونية. فمن الأدبيات القانونية يُقال: إن قوله تعالى: ﴿فأن لله خمسه﴾ يدل على الملكية العينية، بينما لا يُستفاد هذا المعنى من قوله: ﴿خذ من أموالهم﴾، بل أقصى ما يدل عليه هو التكليف، أو التكليف مع ثبوت المال في الذمة؛ لأن التعبير بـ«أموالهم» يدل على أن المال يبقى ملكًا لهم حتى يؤخذ منهم، ولا يصبح ملكًا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بمجرد تعلق الزكاة به. وفي الأنظمة القانونية المعاصرة، يمكن اعتماد أي واحد من هذه التصورات الثلاثة بحسب المصلحة العامة؛ فقد ترى الدولة أن ترك دفع الضرائب لاختيار الأفراد يؤدي إلى التسويف، فتجيز لنفسها اقتطاعها تلقائيًا من الحسابات أو تحصيلها قهرًا، سواء رضي المكلف أم لم يرض، وهذا لا يختص بعلاقة العبد والمولى. والمشهور بين علمائنا أن الخمس والزكاة يتعلقان بالعين، بينما الكفارات تتعلق بالذمة. إلا أننا نرى أن الجميع من سنخ واحد، ولا فرق من هذه الجهة بين التكاليف المالية وغير المالية؛ فقد يكون التكليف المالي تكليفًا محضًا، كما لو وجب على شخص ذبح شاة كفارة، فإن تركها كان عاصيًا للتكليف، ويترتب عليه استحقاق العقوبة الإلهية أو سقوط العدالة اللازمة لإمامة الجماعة أو قبول الشهادة، من دون أن يثبت ذلك في ذمته أو يقال بجواز أداء الكفارة عنه من قبل غيره، أو إخراجها من أصل تركته بعد وفاته، فإن هذا ـ في نظرنا ـ محل

فإذا قيل إن العلاقة بين الآمر والمأمور به قوية إلى درجة لا تتوقف على شخص المأمور، فإنه إذا امتنع العبد عن التنفيذ قيل لأخيه أو لأبيه: قم أنت وائت بالماء؛ لأن المولى إنما يريد تحقق نفس الفعل. أما بحسب الفهم المتعارف، فإذا عصى العبد ولم يمتثل الأمر، فإنهم يعاقبونه ويجلدونه؛ لأن المطلوب كان صدور الفعل منه هو بالخصوص.) #أصول_الفقه #مباحث_الألفاظ #الأدبيات_القانونية #صيغة_الأمر #الوجوب #التحليل_الأصولي #التعبدي_والتوصلي #المباشرة #الذمة #المحقق_النائيني #الشيخ_جعفر_كاشف_الغطاء #السيد_ابن_طاووس #رسول_الله #دلالة_الألفاظ

تحليل صيغة (افعل) من منظور العلاقة بين الآمر والمأمور والمأمور به (**في مبحث «الأدبيات القانونية» يقال في باب الطلب: إن مفاد صيغة (افعل) هو النسبة الطلبية. وهذه النسبة ليست مما ننشئه نحن، وإنما تُنتزع؛ تمامًا كما أن نسبة الفوقية بين السقف وبيني تنتزع بنفسها عندما أدخل الغرفة. ونحن نقدم تحليلًا قانونيًا لمعنى الوجوب، بوصفه علاقة تقوم بين ثلاثة أطراف. ويظهر من كلمات جماعة من الأصوليين أن الوجوب لا يعدو كونه بعثًا، ووفقًا لهذا التصور فإن الوجوب علاقة بين الآمر والمأمور فحسب، بحيث لا يكون دور الآمر إلا دفع المأمور نحو الإتيان بالفعل. فعندما تقول لشخص: «جئني بماء»، فإن لدينا ثلاثة أطراف: الآمر، والمأمور، والمأمور به. والسؤال هو: ما هي العلاقات التي تنشأ بين هذه الأطراف؟ فذهب فريق إلى أن العلاقة منحصرة بين الآمر والمأمور، وأن الآمر لا يفعل سوى حثّ المأمور على الإتيان بالمأمور به. بينما ذهب فريق آخر إلى أن الآمر ينشئ علاقة بين المأمور والمأمور به، فيجعل المأمور به خارجًا عن سلطة المأمور، أو مملوكًا للآمر، كما هو رأي #الشيخ_جعفر_كاشف_الغطاء. ومن هنا يُطرح السؤال: ما هي العلاقة التي يُنشئها قول الآمر: «جئني بماء»؟ ويُطرح بحث آخر، وهو: هل توجد علاقة بين المأمور والمأمور به؟ فبحسب التصور الأول لا توجد أي علاقة مستقلة بينهما، أما بحسب التصور الثاني فإن علاقة قانونية تنشأ بينهما، غير أن الكلام في طبيعة هذه العلاقة. فمن الآراء المطروحة أن المأمور يفقد سلطته على الفعل، ورأي آخر يرى أن الفعل يثبت في ذمة المأمور، فيُعامل الفعل معاملة المال الذي يثبت في ذمة المدين. والأثر القانوني لهذا التحليل هو أنه إذا لم يؤدِّ المكلف الفعل في وقته، وجب عليه قضاؤه بعد خروج الوقت. ولهذا قيل في الفقه الإسلامي: إن الحج من قبيل ما يثبت في الذمة، ولذلك إذا مات المكلف وجب على ورثته أداؤه عنه، كما يجب عليهم أداء ديونه. وقد ذهب بعضهم إلى أن هذا المعنى له دلالة قانونية أيضًا؛ لأن قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ اشتمل على اللام وعلى، وهما في اللغة العربية يفيدان الملك والذمة. ويؤيد ذلك الحديث المشهور، حيث جاءت المرأة الخثعمية إلى #رسول_الله (صلى الله عليه وآله) فقالت: إن أبي شيخ كبير أدركته فريضة الحج ولا يستطيع الركوب. فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله): «أرأيتِ لو كان على أبيك دين أكنتِ قاضيته؟» قالت: نعم. فقال: «فدين الله أحق أن يقضى». فقد عبّر النبي (صلى الله عليه وآله) عن الحج بالدَّين، والدَّين في العرف يعني ما يثبت في الذمة، فيُفهم منه أن الحج ينتقل إلى الذمة. وكذلك وردت أربع روايات ـ بعضها في كتاب #السيد_ابن_طاووس ـ عُبّر فيها عن الصلاة بالدَّين. إلا أن ورود هذا التعبير في هذين الموردين لا يبرر تعميمه، بحيث يقال: إن صيغة الأمر تعني دائمًا إثبات الفعل في الذمة؛ ولا سيما مع وجود قاعدة كلية تقضي بأنه إذا شككنا في مقدار الدلالة أخذنا بالقدر المتيقن، والقدر المتيقن هنا هو العلاقة الصدورية. فإذا قال: «ائتِ بالماء»، فقد يُفهم من هذه العلاقة أن المباشرة معتبرة، ولا يُستفاد منه أن للمكلف أن ينيب غيره في الإتيان بالفعل. وفي بحث التعبدي والتوصلي، تناول #المحقق_النائيني وغيره هذه المسألة، وتساءلوا: هل الأصل الأولي في الأوامر هو التعبدية أو التوصلية؟ وقد ذكرنا هناك أن أحد معاني التعبدية هو وجوب صدور الفعل مباشرة من المكلف نفسه، بينما يكفي في التوصليات حصول الفعل، ولو بواسطة شخص آخر. وربما أمكن استخراج هذه النكتة القانونية هنا، وهي أن العلاقة بين المأمور والمأمور به هي علاقة صدور، أي إن المطلوب أن يصدر الفعل من المكلف نفسه. ومن الآثار القانونية المترتبة على هذا الفهم: البحث في جواز أخذ الأجرة على الفعل، واشتراط المباشرة، وعدم وجوب القضاء إذا أُتي بالفعل في وقته. أما إذا قيل إن العلاقة هي ثبوت الفعل في الذمة، فمن آثار ذلك جواز قيام شخص آخر بالفعل، كما يجوز لغير المدين أداء دينه. وقد بينّا حتى الآن علاقتين: الأولى: العلاقة بين الآمر والمأمور. والثانية: العلاقة بين المأمور والمأمور به. وتبقى العلاقة الثالثة، وهي العلاقة بين الآمر والمأمور به. فإذا قلنا: «ائتِ بالماء»، فهل تنشأ علاقة بين الآمر والماء نفسه؟ لا شك في أن علاقة ما تنشأ؛ فالآمر ـ إضافة إلى مجرد الشوق والرغبة ـ يريد تحقق الفعل في الخارج، غير أن البحث يدور حول حدود هذه العلاقة. فإذا فسرنا العلاقة على أساس علاقة العبد بالمولى، فإن غاية هذه العلاقة هي إرادة تحقق الفعل من العبد. ويشهد لذلك أن العرف إذا رأى العبد قد امتنع عن التنفيذ، فهم أن للمولى أن يقول لأخيه أو لغيره: قم وائتني بالماء، فيتحقق المطلوب.

المعاني الحرفية وطبيعتها الاندكاكية وأثرها في تحليل الأدبيات القانونية (أول من طرح مفهوم «المعنى الحرفي» بهذا التحليل هو #نجم_الأئمة_الرضي في شرحه على «كافية ابن الحاجب» عند بحثه في الفرق بين الاسم والحرف**، ولم يكن هذا التعبير معروفًا قبل عصره. ومن عباراته في ذلك: «فإن الحرف يوجد المعنى في غيره». وقد نُسب هذا المعنى أيضًا إلى #الإمام_علي (عليه السلام) في قوله: «والحرف ما أوجد المعنى في غيره أو في المسمى»، إلا أن #نجم_الأئمة_الرضي قدّم تحليلًا تفصيليًا لهذه الفكرة، حتى انتهى إلى قوله: «فيتحد معنى الاسم والابتداء». والجدير بالذكر أن الفكرة نفسها التي وردت لاحقًا في كتاب «كفاية الأصول»، نجدها مسبقًا في كتاب #نجم_الأئمة_الرضي. كما أن #السيد_الشريف_الجرجاني، وهو من علماء أهل السنة، علّق على ذلك بقوله: «فإن قلت: يصح استعمال كل واحد مكان الآخر، قلت...»، وهذا الأسلوب نفسه (إن قلت... قلت...) انتقل أيضًا إلى «كفاية الأصول». وخلاصة هذا البحث أنه إذا قلت مثلًا: «المسبحة على يدي»، فإن المسبحة واليد أمران واضحان، ولكن ما معنى (على)؟ ولو رفعت المسبحة عن اليد، فلن يبقى شيء مستقل اسمه (على). وكذلك إذا قلت: «المسبحة على الطاولة»، فالمسبحة والطاولة أمران واضحان، أما معنى (على) فلا وجود مستقل له. ومن هنا أراد #نجم_الأئمة_الرضي أن يقرر أن المعاني الحرفية ليست معاني قائمة بنفسها. وقد عبّر #صاحب_الفصول عن ذلك بقوله: إن المعنى الحرفي «آلي»، ولم يُعرف هذا التعبير قبل كتاب «الفصول»، ثم انتقل بعده إلى «كفاية الأصول». ثم وقع الخلاف بين تلامذة «الكفاية» في تفسير المراد من «الآلي». وأغلب الظن عندنا أن مراد #صاحب_الفصول من الآلية هو المعنى الذي عبّرنا عنه بـ«الاندكاكية»؛ أي إن المعنى لا يُلاحظ مستقلاً، وإنما يُلحظ في ضمن طرفيه، ولذلك فإن المعاني الحرفية لا تُفهم إلا بملاحظة طرفي العلاقة. ولأن الحرف ليس شيئًا قائمًا بنفسه، بل ينظر دائمًا إلى طرفي النسبة، فإنه يتغير بتغير جهة الملاحظة؛ فقد أكون في اللحظة نفسها تحت السقف، وفوق الأرض، وأمام هذا الجدار، وخلف ذلك الجدار، فتتبدل هذه النسب تبعًا لتبدل زاوية النظر. وقد ذهب #المحقق_النائيني إلى أن المعاني الحرفية إيجادية، بينما المعاني الاسمية إخطارية، إلا أن هذا التحليل ـ في نظرنا ـ غير تام، ولعلّه فهم كلام #نجم_الأئمة_الرضي على هذا النحو. ونرى أيضًا أن المجتمعات التي يكثر فيها استعمال المعاني الحرفية تكون أقرب إلى التحليل الفلسفي والعقلي؛ لأن هذه المعاني تقوم على تحليل العلاقات والجهات والنِّسب المختلفة. أما المجتمعات التي يغلب عليها استعمال المعاني الاسمية، فإنها تكون أكثر ميلًا إلى الصناعة والعمران؛ لكثرة ما تُنتجه من المسميات والمخترعات، كأن يُسمّى شيء سيارة، وآخر مروحية، وهكذا. ولذلك قد نجد في المجتمعات البسيطة، ككثير من المجتمعات الإفريقية التقليدية، أن المعاني الحرفية محدودة، كما أن المعاني الاسمية نفسها ليست كثيرة. ومن أهم خصائص المعاني الحرفية ـ بما أنها اندكاكية ـ أنها تؤدي إلى اختصار الكلام؛ إذ لو أردت التعبير عن المعنى نفسه من دون استعمال المعاني الحرفية، لاحتجت إلى عبارات طويلة، بينما يكفي مع الحروف عدد قليل من الكلمات. فإذا قلت: «قرأتُ من أول القرآن»، فإن تحليل هذه الجملة يقتضي ملاحظة مادة القراءة، ثم إسناد القراءة إلى المتكلم، ثم ملاحظة أول القرآن بالإضافة إليه، ثم نسبة فعل القراءة السابق إلى أول القرآن، مع كون هذه النسبة نسبة ابتدائية. ولما كانت عدة نسب قد اندمجت في تركيب واحد، أمكن التعبير عنها جميعًا بقولنا: «قرأتُ من أول القرآن». ومن هنا، فإن طبيعة المعاني الحرفية أنها معانٍ اندكاكية، تُدرك دائمًا من خلال أطرافها وعلاقاتها، لا بوصفها معاني مستقلة قائمة بنفسها.) #أصول_الفقه #مباحث_الألفاظ #المعاني_الحرفية #المعاني_الاسمية #دلالة_الألفاظ #الأدبيات_القانونية #التحليل_الأصولي #نجم_الأئمة_الرضي #كفاية_الأصول #صاحب_الفصول #المحقق_النائيني #السيد_الشريف_الجرجاني #الإمام_علي

دلالة الهيئات والمعنى الحرفي في الأدبيات القانونية (تتميّز اللغة العربية بأنها تُفيد المعاني المختلفة بواسطة الهيئات، فالهيئة فيها ذات دلالة ومعنى، بخلاف اللغة الفارسية واللغات الهندوأوروبية، التي تعتمد غالبًا على اللواحق أو السوابق [أو الحشو] في آخر الكلمة أو أولها [أو وسطها] لتغيير المعنى، مثل: قارئ من قرأ، ومعقول** وغير معقول، وبين بين. أما في اللغة العربية، فإن المعاني تُستفاد من الهيئات؛ فـالهيئات الإفرادية لها دلالاتها، وكذلك الهيئات التركيبية، بل حتى الهيئات التركيبية الناقصة، كـالجملة الشرطية أو الإضافة، فإن لها معنى خاصًا. وهذا من المباحث الدقيقة التي تستدعي دراسة الأدبيات اللغوية العربية، ثم استخراج نتائجها القانونية. فمثلًا، عندما يقول تعالى: ﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، أو يقال: «يجب عليك أداء الشهادة»، أو «أدِّ الشهادة»، فما هو المدلول القانوني لهذه التعابير؟ ومن المباحث التي تُطرح هنا أننا قد أثبتنا في محلّه أن معاني الهيئات هي من قبيل المعاني الحرفية، ومن طبيعة المعاني الحرفية أنها معانٍ اندكاكية؛ أي إنها لا تملك استقلالًا في نفسها، بل وجودها قائم بطرفي النسبة، أو ـ على حدّ تعبير بعضهم ـ هي «الموجود لا في نفسه»، وإنما تتحقق بعين طرفيها. والنقطة الفنية التي نراها في غاية الأهمية، ولم يتناولها كلٌّ من #السيد_الخوئي و#المحقق_الأصفهاني، هي تحليل هذه الأدبيات القانونية، وبيان ما الذي يحققه الوجوب في وعاء الاعتبار والتشريع، وما هو دوره الحقيقي داخل المنظومة القانونية.) #أصول_الفقه #مباحث_الألفاظ #الأدبيات_القانونية #الهيئات #المعاني_الحرفية #الوجوب #الاعتبار_القانوني #التحليل_الأصولي #السيد_الخوئي #المحقق_الأصفهاني

غموض الروح القانونية وتحليل مدلولات صيغة الأمر في علم الأصول (نظرًا إلى ما يحيط بـ«الروح القانونية»** من غموض، فقد يكون أفضل طريق لفهم مدلول الوجوب هو الرجوع إلى الأدبيات القانونية. إلا أن دراسة الأدبيات القانونية تقتضي مراعاة خصائص اللغة العربية وأساليبها. وفي كتب الأصول، كـ«الكفاية» وغيرها، نجد مباحث من قبيل: هل تدل صيغة الأمر على الوجوب أم على الاستحباب؟، وهل تدل على المرة أم على التكرار؟، وهل يقتضي الإتيان بالمأمور به الإجزاء؟. وهذه المباحث تمثل في حقيقتها تحليلًا أصوليًا لمداليل الخطاب الشرعي. وإذا أردنا وضعها في موضعها المناسب، فإنها تندرج ضمن تحليل الأدبيات القانونية. فحين تقول: «ائتِ بالماء»، فما هي الدلالات التي تُستفاد من هذا الخطاب؟ وهل تُستفاد دفعة واحدة، أو على نحوٍ طولي؟ وهل تُستفاد من اللفظ، أو من الهيئة، أو من المقدمات الخارجية، أو من الارتكازات العقلائية، أو من القرائن السياقية؟ فمثلًا، إذا قيل: «ائتِ بالماء»، فإن المدلول الأول هو أن المطلوب واجب تعييني لا تخييري، فمن أين جاءت هذه الدلالة؟ والمدلول الثاني هو أن المطلوب الإتيان بالفعل مرة واحدة، لا مرتين. ومن هنا، فإذا أُريد إعادة تنظيم مباحث علم الأصول، فينبغي أن يُقال: بحثٌ في مدلول صيغة (افعل) أو مادة الأمر، ويُبحث فيه: 1. هل تدل على الوجوب أو الاستحباب؟ 2. هل تدل على المرة أو التكرار؟ 3. هل تدل على التعيين أو التخيير؟ فهذه كلها مداليل يجري تحليلها، إلا أنها نوع واحد من تحليل المدلول. وهناك نوع آخر من المداليل ينبغي أن يُذكر بعد ذلك، كالبحث المعروف: «الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء»، وهو من المباحث التي نشأت في المدرسة المعتزلية. فقد ذهب المعتزلة إلى أن معنى قول المولى: «ائتِ بالماء» هو أنه إذا أتى المكلف بالماء، لم يعد للمولى حق مؤاخذته؛ أي إن مطابقة المأتي به للمأمور به تحقق الامتثال. ولهذا قال الأصوليون: إن هذا البحث لا يرتبط بصيغة (افعل) نفسها، وإنما هو بحث خارجي؛ ولذلك فإن بعض المداليل المذكورة في «الكفاية» ليست مداليل لفظية، بل هي مداليل حالية. إن المباحث التي تُدرَّس في كتاب «الكفاية» تحتاج إلى إعادة تنظيم منهجي؛ إذ إنها ـ مع الأسف ـ مختلطة ومتراكمة دون ترتيب واضح. أما التقسيمات التي عرضها #السيد_الخوئي، و#المحقق_النائيني، وغيرهما، فهي في الحقيقة محاولة لإضفاء شيء من التنظيم على هذه المباحث. والأهم من ذلك أن تُرتَّب هذه المداليل بحسب مراتبها، فنقول: هذا هو المدلول الأول ـ وقد أطلقنا عليه المدلول المباشر ـ، ثم المدلول الثاني، ثم المدلول الثالث، لا أن تُجعل جميع هذه المداليل في عرض واحد.) #أصول_الفقه #مباحث_الألفاظ #الأدبيات_القانونية #صيغة_الأمر #الوجوب #الاستحباب #المرة_والتكرار #الإجزاء #الكفاية #المحقق_النائيني #السيد_الخوئي #المدلول_اللفظي #التحليل_الأصولي

الظهورات القانونية الخاصة في الأدبيات الشرعية (**تنقسم الأدبيات في الشريعة المقدسة إلى جهتين أساسيتين: الأولى: الظهورات اللفظية. والثانية: الظهورات القانونية الخاصة؛ إذ قد يكون للفظ الواحد في الشريعة ظهورٌ يختلف باختلاف السياق القانوني الذي يرد فيه. فقد يكون للفظ «التحريم» ـ مثلًا ـ إذا ورد في القرآن الكريم دلالة تختلف عن دلالته إذا ورد في السنة الشريفة. فإذا جاء لفظ التحريم في القرآن الكريم، فقد يدل على الحرمان من جميع أنحاء التصرف والانتفاع. فمثلًا، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾، يمكن أن يُستفاد منه حرمة شرب الدم، وحرمة بيعه وشرائه، ومانعيته في الصلاة، ونجاسته، ومانعيته في الطواف؛ لأن التحريم في القرآن ـ وفق هذا المبنى ـ يعني أن الإنسان محروم من جميع أنحاء العلاقة بذلك الشيء، ولا يُسمح له بأي نوع من أنواع الارتباط به. أما إذا ورد لفظ التحريم في السنة الشريفة، كما في قولهم: «حُرِّم عليكم الدم»، فإن المراد منه خصوص حرمة شرب الدم، ولا يُستفاد منه سائر الآثار المذكورة. ويُطلق على هذا النوع من البحث اصطلاح «الأدبيات القانونية الخاصة بالشريعة»، أي القول بأن لفظ التحريم إذا ورد في القرآن الكريم أفاد معنىً، وإذا ورد في السنة أفاد معنىً آخر، ومن ثم تختلف الآثار الشرعية المترتبة على كل منهما.) #أصول_الفقه #مباحث_الألفاظ #الأدبيات_القانونية #الظهورات_اللفظية #الظهورات_القانونية #التحريم #الكتاب_والسنة #دلالة_الألفاظ #التحليل_الأصولي