ru
Feedback
كُنَّاشة من دروس السيد المددي

كُنَّاشة من دروس السيد المددي

Открыть в Telegram

قناة تُعنى بجمع الفوائد العلمية، والترجمات المختارة من دروس الأستاذ آية الله السيد أحمد المددي الموسوي/ جمعها مصطفى زهير السوداني

Больше
Страна не указанаКатегория не указана
711
Подписчики
+124 часа
+377 дней
+3830 дней
Архив постов
استدراكٌ بشأن وصف سليمان بن داود المنقري بالحفظ (**نبَّه أحدُ الإخوة الأفاضل إلى أنّ الدليل المذكور لإثبات كون #سليمان_بن_داود_المنقري أحفظَ من #أحمد_بن_حنبل لا يرتبط مباشرةً بعبارة ذلك المقطع. وهذا التنبيه في محلّه، فإنّ الدليل المذكور له تتمّةٌ سها عنها القلم، وكان ينبغي أن تُذكر ليكتمل الاستدلال، فتكون العبارة على النحو الآتي: ومن العجيب أنّهم عدّوه أحفظَ من أحمد بن حنبل؛ فقد نُقل عن أبي عبيد أنّه قال: «انتهى العلم إلى أربعة ـ يعني علم الحديث ـ: إلى أحمد بن حنبل، وعلي بن عبد الله، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، فأحمد أفقههم به، وعلي أعلمهم به، وابن معين أجمعهم له، وأبو بكر أحفظهم له». ثم قال أبو يحيى: «وهم أبو عبيد وأخطأ، أحفظهم له سليمان بن داود الشاذكوني» [تاريخ بغداد، ج9، ص43، ضمن رقم4627؛ سير أعلام النبلاء، ج10، ص680، ضمن رقم251]. ومع ذلك كلّه، فقد حكموا عليه بالكذب... والعصمة لأهلها.) #الفهرست #التوثيق_الفهرستي #سليمان_بن_داود_المنقري #أحمد_بن_حنبل #أبو_عبيد #سعيد_عرفانيان

التوثيق الفهرستي عند #النجاشي: دراسة في رواية حفص بن غياث وطريق سليمان بن داود المنقري (**1. يُعدّ #حفص_بن_غياث من كبار الشخصيات العلمية في الكوفة، وقد تولّى منصب القضاء في عهد هارون العباسي. ونُقل أنّ له مصنَّفًا، فقد قال #النجاشي: «روى عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (ع)... له كتاب... وذكر كتاب أبيه عن جعفر بن محمد، وهو سبعون ومائة حديث أو نحوها» (رجال النجاشي، ص134-135، رقم346). وقد ذكر علماء أهل السنّة أنّ ولادته كانت سنة 117هـ، بينما ذكر #النجاشي أنّ وفاته كانت سنة 194هـ، فيكون عمره في زمن الإمام الصادق عليه السلام نحو إحدى وثلاثين سنة. وقد تولّى قضاء الجانب الشرقي من بغداد، إلا أنّ ذلك كان في عهد هارون الرشيد والإمام الكاظم عليه السلام. وأشهر النسخ المتداولة بين أصحابنا من كتابه هي النسخة التي تلقّاها عنه سليمان بن داود المنقري. **2. ومن اللافت أنّ علماء أهل السنّة لم يتّهموا #سليمان_بن_داود_المنقري بالتشيّع، حتى بالمعنى المعتدل منه، فضلًا عن الرفض الذي يستلزم سبّ الخلفاء أو لعنهم. وإنما اتُّهم بالكذب، حتى نُقل عن #البخاري قوله فيه: «هو عندي أضعف من كل ضعيف». والأعجب من ذلك أنّه وُصف في الحفظ بمستوى يفوق #أحمد_بن_حنبل، ومع ذلك حكموا عليه بالكذب والضعف. ولهذا لم يروِ عنه أصحاب الكتب الستة شيئًا، حتى في الموارد التي رووا فيها عن بعض الضعفاء. وإضافة إلى ذلك، نُسب إليه شرب الخمر وارتكاب بعض القبائح. **3. ومن الأمور المثيرة للاستغراب أنّ #النجاشي قال في ترجمته: «وكان ثقة». وهذا من الشواهد التي تنقض رأي من يدّعي أنّ كل من وصفه النجاشي بقوله: «ثقة» فهو بالضرورة إماميٌّ شيعي. 4. وتجدر الإشارة إلى أنّ أهم مرحلة في نقل حديث سليمان بن داود المنقري كانت في مدينة أصفهان، حيث استقرّ فيها وانتشر حديثه. وهناك تلقّى عنه #قاسم_بن_محمد_الأصفهاني، الملقّب بـ«كاسولا»، مع أنّ #النجاشي ضعّفه بقوله: «لم يكن بالمرضيّ»، ثم حمل تلك الروايات إلى قم. ومقام #النجاشي العلمي أجلّ من أن يوثّق المنقري من غير مستند، مع اطّلاعه على ما ذكره علماء أهل السنّة من طعون شديدة فيه. ومن هنا تظهر إحدى الإشكاليات القائمة في الدراسات الرجالية المعاصرة، وهي أنّ بعض الرواة الذين جُرحوا عند أهل السنّة قد وثّقهم بعض علماء الإمامية. ولذلك فسّرنا توثيق #النجاشي للمنقري بأنه توثيقٌ فهرستي، لا توثيقٌ رجالي؛ أي إنّ مراده أنّ ما رواه هذا الرجل عن الإمام عليه السلام يمكن الاعتماد عليه من جهة المصدر والكتاب، لا أنّ شخصه موصوف بالوثاقة المطلقة. فالتوثيق هنا متعلّق بالمصدر، لا بالراوي نفسه. وبيان ذلك أنّ #الشيخ_الطوسي قال في «الفهرست»: «سليمان بن داود المنقري، له كتاب...»، ثم ذكر طريقه إليه، ومنه: ابن أبي جيد، ومحمد بن الحسن بن الوليد، والصفّار، وعلي بن محمد القاشاني، ثم القاسم بن محمد، عنه. ثم ذكر طريقًا آخر بقوله: «وأخبرنا به جماعة...»، وهم من تلامذة #الشيخ_الصدوق الذين كانوا في بغداد وتحمّل عنهم #الشيخ_الطوسي الحديث، ثم عدّد أسماءهم، ومنهم: #الحميري، والمراد به والد الحميري، صاحب كتاب «قرب الإسناد»، وهو من أعاظم العلماء. #محمد_بن_يحيى_العطار، أحد كبار مشايخ الصدوق. #أحمد_بن_إدريس، من أجلّ علماء قم. #أحمد_بن_محمد_الأشعري، وهو من كبار أصحابنا. وعليه، يفهم #النجاشي أنّ أعلام مدرسة قم، وهم الركيزة الأساسية في نقل التراث الإمامي، قد اعتمدوا روايات سليمان بن داود المنقري ونقلوها، وإن كان في الطريق إليه #قاسم_بن_محمد_الأصفهاني، وهو راوٍ ضعيف. ومن هنا كان توثيقه توثيقًا فهرستيًا للكتاب والمصدر، لا توثيقًا رجاليًا لشخص الراوي.) (حضرت آیت الله استاد حاج سید احمد مددی موسوی، خارج اصول 7 و 9/ 11/ 1397) #الفهرست #التوثيق_الفهرستي #حفص_بن_غياث #سليمان_بن_داود_المنقري #قاسم_بن_محمد_الأصفهاني #النجاشي #الشيخ_الطوسي

القرآن الكريم بين التشريع الدستوري والمواد القانونية: قراءة قانونية في حجية ظواهره (**إنّ التحليل القانوني لهذه المسألة، وفقًا لما يقرّره علماء الأصول، يقوم على أنّ للمتكلّم ثلاثة مقامات يمكن تصوّرها: مقام البيان، ومقام الإهمال، ومقام الإجمال. فـمقام الإهمال هو مقام أصل التشريع، حيث يكون المشرّع بصدد وضع أصل القانون من دون أن يكون ناظرًا إلى التفاصيل أو الجهات الجزئية. وأما مقام الإجمال، فهو أن يكون التشريع قد صدر بالفعل، ولكن بصياغة مجملة، كما في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 1]؛ فإنّ عبارة ﴿مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ نفسها مجملة ومبهمة، وقد سرى هذا الإجمال إلى العام، فأفقده ظهوره. وعليه، لا يصح التمسك بعموم أو إطلاقٍ صدر في مقام أصل التشريع، كقوله تعالى: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ أو ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؛ لأنّ هذه النصوص ليست واردة في مقام البيان، بل هي في مقام أصل التشريع. وكذلك إذا كان النص في مقام الإجمال فلا يكون صالحًا للتمسك به أيضًا، وإنما يصح التمسك بالنص إذا كان في مقام البيان؛ أي إذا كان بصدد إنشاء قاعدة يرجع إليها عند حصول الشك. وبهذا البيان يتضح الفرق بين قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ وبين حديث: «المؤمنون عند شروطهم»؛ فحديث «المؤمنون عند شروطهم» من سنّة رسول الله ﷺ، وهو موضوع للاحتجاج والتمسك به، أما قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فهو من القرآن الكريم، والقرآن ـ وفق هذا التصوير ـ إما في مقام أصل التشريع، أو في مقام الإجمال، وليس في مقام البيان؛ ولذلك لا يصح الاستدلال به بوصفه دليلًا فقهيًا في موارد الشك. وبناءً على ذلك، إذا شككنا في أنّ عقدًا مستحدثًا، كعقد التأمين، هل يجب الوفاء به أم لا، فلا يمكن الرجوع إلى الآيات القرآنية لإثبات الحكم. وخلاصة الفكرة هي أنّ القرآن الكريم جاء لتأسيس أصل التشريع، وقد يشتمل في بعض الموارد على شيء من الإجمال، لكنه ليس مادةً قانونية يُرجع إليها عند الشك، بخلاف السنّة التي تمثل المادة القانونية المرجع في مثل هذه الموارد. ولما كانت الاصطلاحات تتغيّر بتغيّر الأزمنة، يمكن التعبير عن هذه الفكرة بثلاثة عناوين معاصرة: 1. الشعارات الأساسية، مثل: «الاستقلال، الحرية، الجمهورية الإسلامية». فمع أنّ الحرية مفهوم قانوني في ذاته، إلا أنها هنا وردت بصيغة الشعار. 2. الدستور، وهو الذي يتكفّل ببيان الأطر العامة والأسس الكلية. 3. المواد القانونية أو القوانين الخاصة التي تعالج موضوعًا معينًا بصورة تفصيلية. ومن بين هذه الأقسام، لا يمكن التمسك بالشعارات السياسية لإثبات حكم قانوني؛ فلا يصح ـ مثلًا ـ الاحتجاج بشعار «الاستقلال، الحرية...» للقول بجواز إقامة أي نوع من العلاقات الحرة مع أي دولة؛ إذ لا يوجد في أي نظام قانوني في العالم من يرجع إلى الشعارات السياسية لرفع موارد الشك، لأنها ليست مواد قانونية. وكذلك الدستور ليس هو المرجع في رفع الشكوك القانونية؛ فلو نصّ الدستور على أنّ: «التجارة الخارجية في هذه الدولة حرة»، لم يجز التمسك بإطلاق هذا النص لإثبات جميع التفاصيل والأحكام. وإنما المرجع دائمًا هو المادة القانونية الخاصة التي وُضعت لمعالجة تلك المسألة بعينها. وعلى هذا الأساس، كان الأولى بالأخباريين أن يطرحوا دعواهم بهذه الصيغة، بدلًا من الخوض في النقاشات المطوّلة حول حجية الظواهر؛ فيقولوا: إنّ ما ورد في القرآن الكريم ليس مادة قانونية، وإنما هو إما من قبيل الشعارات العامة، أي بيان الأطر الكلية، أو من قبيل الدستور. بل إنّ توصيف القرآن بالإهمال والإجمال ليس تعبيرًا مناسبًا في حق القرآن الكريم. ولعلّه يمكن القول: إنّ طبيعة القرآن الكريم ـ سواء في مجال التشريع، أو العقيدة، أو الأخلاق ـ هي أن يؤدي وظيفة الدستور؛ ولذلك كان اختلاف الفقهاء المسلمين يدور غالبًا حول السنّة، لا حول الكليات الواردة في القرآن الكريم. ومن هنا، يمكن بسهولة الادعاء بأنّ آياتٍ مثل: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ و﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ تؤدي دور المبادئ الدستورية العامة، وليست بصدد معالجة موارد الشك التفصيلية. وكان هذا هو الفارق الجوهري بين مدرسة أهل البيت عليهم السلام ومدرسة الحكومات القائمة آنذاك، التي يُعبَّر عنها بمدرسة الخلفاء؛ إذ إنّ تلك المدرسة، بسبب قلة النصوص الحديثية لديها، اضطرت إلى استخراج المواد القانونية من القرآن الكريم نفسه (وقد تقدّم الكلام سابقًا عن رأي #ابن_حزم في آية الوضوء). أما #أهل_البيت عليهم السلام، فقد كانوا يؤكدون دائمًا: «فسّروا القرآن بالسنّة».) #الأصول #حجية_الظواهر #ظواهر_القرآن #عدم_حجية_ظواهر_القرآن #الأخباريون (حضرت آیت الله استاد حاج سید احمد مددی موسوی، خارج فقه 28/ 8/ 1384)

العموم اللفظي والعموم القانوني في حجية ظواهر الكتاب (**لعلّ من الأنسب أن يكون اعتراض الأخباريين منطلقًا من زاوية أخرى، بدلًا من طرح مسألة عدم حجية ظواهر الكتاب. وبيان ذلك: أنّه لا فرق في حجية الظواهر اللفظية بين القرآن الكريم وغيره؛ فمثلًا ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، ولفظ «العقود» جمعٌ محلّى بـ«أل»، وهو يفيد العموم. كما ورد في السنّة: «المؤمنون عند شروطهم» [تهذيب الأحكام، ج7، ص371، ح1503]، ولفظ «شروط» أيضًا جمع. ومن الناحية اللغوية لا يوجد أي فرق بين هذين التعبيرين؛ ولذلك يوجّه #الشيخ_النائيني وغيره من الأصوليين إشكالًا إلى الأخباريين، مفاده: لماذا لا يتمسكون بعموم قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ بحجة أنه غير حجة، بينما يتمسكون بعموم حديث: «المؤمنون عند شروطهم»؟ فإن كان الملاك هو النكتة اللغوية واللفظية، فلا فرق بينهما أصلًا؛ لأن كليهما من ألفاظ الجمع (غاية الأمر أن الجمع في الآية محلّى بـ«أل»، بينما في قوله: «عند شروطهم» جاء مضافًا، والمبنى المعروف عند علماء الأصول هو أنّ الإضافة - إذا لم تكن للعهد - تفيد العموم). وكما أوضحنا في مباحث الأصول في محلّه، كان الأولى بالأخباريين أن يسلكوا طريقًا آخر، فيقولوا: إنّ مرادنا من عدم حجية ظواهر الكتاب هو عدم حجيتها من الناحية القانونية، لا من الناحية اللفظية؛ إذ إنّ هذين النصين، وإن لم يختلفا من حيث العموم اللفظي، إلا أنهما يختلفان من حيث العموم القانوني، بل إنّ العموم القانوني يغاير أصلًا العموم اللفظي؛ إذ إنّ العام القانوني يُنشأ بصيغة القضية العامة لرفع موارد الشك، بخلاف العام اللفظي. وعليه، ينبغي في مباحث العام والخاص أن نبحث أولًا: في أي موارد ينعقد العموم؟ ثم نبحث ثانيًا: أيّ نوع من الشك يرفعه العام؟ هل يرفع الشبهة المصداقية للمخصص؟ أم الشبهة المفهومية له؟ وهل يختلف الحكم باختلاف كون المخصص لفظيًا أو لبيًا؟ وبعبارة أخرى: هل يجوز - مثلًا - الرجوع إلى العام في الشبهة المصداقية للمخصص؟ وهل يرفع العام هذا النوع من الشك أم لا؟ فلو قيل: «أكرم العلماء»، وهو عام، ثم ورد: «لا تكرم فسّاق العلماء»، وهو خاص، وشككنا في زيد - مع العلم بأنه عالم - هل هو فاسق أم لا؟ فهل يجب إكرامه بمقتضى قوله: «أكرم العلماء»؟ كان قدماء الأصوليين يجيبون بالإثبات، ويرون أن العام يرفع هذا الشك. ومن المتأخرين أيضًا ذهب صاحب كتاب «العروة الوثقى» إلى هذا الرأي، فاعتبر أنه يمكن التمسك بعموم العام في الشبهة المصداقية للمخصص؛ لأن علم زيد ثابت، أما فسقه فغير محرز، فيشمله خطاب «أكرم العلماء»، ولا يشمله خطاب «لا تكرم فسّاق العلماء». أما متأخرو الأصوليين، كـ#الشيخ_النائيني، و#الآقا_ضياء_العراقي، و#السيد_أبو_القاسم_الخوئي وغيرهم، فقد ذهبوا إلى عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص، وهذا هو الرأي الصحيح أيضًا.)

تقسيم الآيات القرآنية من حيث حجية التمسك بها في الاستنباط الفقهي

5. الطائفة الخامسة: الآيات التي تمثل مادة قانونية. والمادة القانونية هي المادة التي جُعلت لرفع الشك، ولا يكفي فيها مجرد كون اللفظ عاماً أو مطلقاً، بل لا بد من إحراز أن لها روح المادة القانونية، وأنها واردة بصفتها مادة قانونية. وفي هذا القسم لا يكون الحق مع الأخباريين؛ فهم يعتقدون أنه لا توجد في القرآن آية من هذا القبيل مطلقاً، أما نحن فنرى أنه وإن كان هذا القسم قليلاً، إلا أنه موجود. وقد تعرضنا لبعض نماذجه في مباحث الطلاق والنكاح وغيرها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233]، فإن هذه الآية ـ بحسب الظاهر ـ مادة قانونية، ويمكن التمسك بها في موارد الشك. (آية الله السيد أحمد المددي الموسوي، بحث الخارج في الفقه، 28/8/1384) #أصول_الفقه #حجية_ظواهر_القرآن #تقسيم_الآيات_من_حيث_الحجية_وعدم_الحجية #الأخباريون #الاستدلال_بالقرآن #ظواهر_القرآن #الملاكات_التشريعية #الآيات_التشريعية

🔴 تقسيم الآيات القرآنية من حيث حجية التمسك بها في الاستنباط الفقهي ( يمكن تقسيم الآيات القرآنية التي استُدلّ بها في الفقه، سواء كان الاستدلال بها صحيحًا أم غير صحيح، إلى خمس طوائف: 1. الطائفة الأولى: الآيات الناظرة إلى الأمور التكوينية المحضة وهي الآيات التي لا تتعلق بالتشريع أو الاعتبارات القانونية أصلًا، بل تتحدث عن حقائق تكوينية. ومن ثمّ لا يصح الاستدلال بها لإثبات الأحكام الفقهية. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، فلا يمكن التمسك بهذه الآية لإثبات تساوي دية الرجل والمرأة؛ لأنها ليست واردة في مقام التشريع. 2. الطائفة الثانية: الآيات الدالة على الملاكات والمباني التشريعية وهذه الآيات ـ بخلاف القسم الأول ـ تنظر إلى الملاكات والمرتكزات التي يقوم عليها التشريع؛ فهي تتحدث عن أمور واقعية يريد الشارع أن يجعلها أساسًا لأحكامه الاعتبارية. ومن أمثلتها قوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾. ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾. فهذه الآيات تدل إجمالًا على عدم مساواة المؤمن بالكافر أو بالفاسق. ولهذا استدلّ #ابن_حزم بهذه الطائفة من الآيات على أنّ الكافر لا دية له أصلًا، بدعوى أنّ القرآن نفى المساواة بين المسلم والكافر. أمّا المشهور بين فقهاء الإمامية ـ بل ادُّعي عليه الإجماع ـ فهو ثبوت عُشر الدية، بينما ذهب #أبو_حنيفة إلى تساوي دية المسلم والكافر، كما نُقلت أقوال أخرى كثلث الدية أو ثلثيها أو نصفها. ونحن نرى أنّ هذه الآيات إنما تكشف عن أصل وجود الفرق بين أحكام المسلم والكافر، أما تحديد مقدار هذا الفرق وحدوده فهو من وظيفة السنّة. ولذلك فلا يصح التمسك بإطلاق هذه الآيات في مقام الاستنباط؛ لأنها تبيّن ملاكات التشريع، لا الأحكام التشريعية نفسها. وينطبق الحكم نفسه على الآيات الدالة على الحسن والقبح العقليين، أو ما يُعبَّر عنه بالعقل العملي. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾. فالآية تذكر أمرين: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾، وهو أمر تكويني. ﴿بِمَا أَنْفَقُوا﴾، وهو أمر اعتباري تشريعي. فإن كانت القوامة مستندة إلى الجهة التكوينية، كانت الآية من باب بيان الملاكات، فلا يصح التمسك بإطلاقها لإثبات حكم فقهي. أما إذا كان النظر إلى الإنفاق، وهو أمر اعتباري، كان الاستدلال بها أقرب وأيسر. 3. الطائفة الثالثة: الآيات ذات الطابع الشِّعاري وهي الآيات التي لا سيّما جاءت لرسم المعالم العامة للشريعة أو لبيان خصائص الرسالة، لا لبيان الأحكام التفصيلية. ومن أمثلتها قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. فقد استدلّ #السيد_اليزدي في باب الصوم بإطلاق هذه الآية، وقال: لو أخرج الصائم ريقه ثم ابتلعه، فإنّ الريق بعد خروجه يصبح من الخبائث، فيكون قد أفطر على حرام، فتجب عليه كفارة الجمع. كما ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ كل مورد ورد فيه لفظ «حرّم» أو «يحرّم» أو «حرام» ـ أو جاء في مقابله لفظ «أحلّ» ـ يدلّ أيضًا على حرمة المعاملة عليه؛ لأنّ التحريم يعني المنع المطلق، فيشمل الانتفاع به وثمنه أيضًا. وعليه، استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ على حرمة بيع الأشياء الخبيثة وأخذ ثمنها. ولكن بالنظر إلى سياق الآية الكريمة: ﴿... يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾، يتبين أنّ الآية في مقام بيان خصائص النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ورسالته، وأنّه النبي الموعود في التوراة والإنجيل، وأنّه يحلّ الطيبات، ويرفع الأغلال والقيود عن الناس. فهذا السياق ذو طابعٍ شعاري وتعريفي، وليس في مقام إنشاء الأحكام التفصيلية، ومن ثمّ لا ينعقد له إطلاق يمكن التمسك به في الاستنباط الفقهي. 4. الطائفة الرابعة: الآيات ذات الطابع الدستوري والتشريعي العام وهي الآيات التي تتضمن المبادئ العامة للنظام التشريعي، مثل: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. فقوله تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يدلّ على أنّ العقود ممضاة شرعًا، بينما يدلّ قوله ﴿حَرَّمَ الرِّبَا﴾ على أنّ الربا غير ممضى وممنوع شرعًا. غير أنّ هذه الآيات أيضًا، ما دامت واردة في مقام بيان المبادئ الدستورية العامة للتشريع، فلا يصح التمسك بإطلاقها لإثبات الأحكام الجزئية. وفي هذه الأقسام الأربعة، يكون الحق مع #الأخباريين، الذين لا يرون حجّية ظواهر القرآن في استنباط الأحكام التفصيلية. )

الفرق بين سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة في الاستنباط الفقهي ( 1. تختلف سيرة المتشرعة عن سيرة العقلاء في أنّ الأولى متأثرة بالشريعة، بينما الثانية ليست كذلك. وبعبارة أخرى، فإنّ سيرة العقلاء تكون عادةً عنصرًا مؤثرًا في عملية الاستنباط، في حين أنّ سيرة المتشرعة تُعدّ ثمرةً وتأثرًا بالأحكام الشرعية. 2. ومع أنّ كلتا السيرتين تحتاجان إلى الإثبات؛ أي لا بدّ من إثبات أنّ هذه سيرة عقلائية، وتلك سيرة متشرعية، إلّا أنّ سيرة العقلاء تحتاج ـ بعد ثبوتها ـ إلى إثبات إمضاء الشارع لها، ولو كان ذلك بعدم الردع. فإذا ثبت أنّ عرف العقلاء العام ـ لا العرف المتسامح ـ قد استقرّ على سلوك معيّن، وكان ذلك بمرأى من الشارع ولم يردع عنه، كان هذا السكوت كافيًا لإثبات الإمضاء، فيكون من طرق إثبات الحكم الشرعي. أمّا سيرة المتشرعة، فإنّ العنصر الأساس فيها هو أنّه بعد ثبوتها واتصالها بعصر المعصوم (عليه السلام)، لا حاجة إلى إثبات عدم الردع؛ لأنّ السيرة نفسها تمتلك قيمةً علمية، شبيهة بالقيمة العلمية للإجماع، من حيث كونها كاشفةً عن رأي الإمام (عليه السلام). 3. وفي سيرة المتشرعة، إذا قام دليلٌ على خلافها، فلا تنعقد السيرة من الأصل؛ إذ لا مجال لافتراض قيام سيرة متشرعية في مورد ثبت فيه الدليل الشرعي على خلافها. (#آية_الله_السيد_أحمد_المددي، #دروس_خارج_الفقه، 06/11/1397هـ.ش) ) #أصول_الفقه #سيرة_العقلاء #سيرة_المتشرعة

مكانة #زرارة ورواياته المضَمَّرة في التراث الإمامي ( 1. كان #زرارة_بن_أعين في بداية أمره من العامّة، وتتلمذ على #الحكم_بن_عتيبة، أحد كبار فقهاء الكوفة. وقد نقل #علي_بن_الحسن_بن_فضّال أنّ الحكم كان أستاذ زرارة وحُمران والطيّار قبل أن يعرفوا مذهب أهل البيت (عليهم السلام). وتفيد رواية أوردها #الشهيد_الأول في كتاب #ذكرى_الشيعة أنّ زرارة كان ينقل إلى الحكم ما يسمعه من الإمام الباقر (عليه السلام)، ثم يعرض على الإمام الإشكالات التي يثيرها الحكم. فقد روى زرارة عن الإمام الباقر (عليه السلام) حديثًا مفاده أنّه: «إذا دخل وقت الصلاة المكتوبة فلا صلاة نافلة حتى يبدأ بالمكتوبة»، فنقله إلى الحكم وأصحابه فقبلوه. ثم في العام التالي حدّثه الإمام بقصة نوم النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه عن صلاة الصبح في السفر، وقضائهم لصلاة الفجر بعد طلوع الشمس، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. فلما نقل زرارة هذا الحديث إلى الحكم، قال له: «لقد نقضت حديثك الأول!». فأخبر زرارة الإمام الباقر (عليه السلام) بذلك، فقال له: «هلا أخبرتهم أنّ الوقتين قد فاتَا جميعًا، وأنّ ذلك كان قضاءً من رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟». (#آية_الله_السيد_أحمد_المددي، #دروس_خارج_أصول_الفقه، 29/08/1397هـ.ش). 2. بل ورد في بعض الروايات أنّ الإمام الباقر (عليه السلام) كلّف زرارة بإبلاغ الحكم بن عتيبة حقيقةً عقدية، حيث قال: «أرسل أبو جعفر (عليه السلام) إلى زرارة أن يُعلِّم الحكم بن عتيبة أنّ أوصياء محمد (عليهم السلام) محدَّثون». 3. وقد وصف #النجاشي زرارة بقوله: «شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدّمهم، وكان قارئًا، فقيهًا، متكلّمًا، شاعرًا، أديبًا، اجتمعت فيه خصال الفضل والدين، وكان صادقًا فيما يرويه». كما قال #جميل_بن_دراج، عندما أثنى #ابن_أبي_عمير على مجلسه: «والله، ما كنّا عند زرارة إلا بمنزلة الصبيان في الكتّاب حول المعلّم». 4. ولا شكّ أنّ زرارة كان من أعاظم فقهاء الإمامية وأبرز أصحاب الفتوى، ويشهد لذلك قوله: «والله، إنّي لأسمع الكلمة من جعفر بن محمد (عليه السلام) في الفتوى، فأزداد بها إيمانًا». 5. وقد أكّد الأستاذ مرارًا وتكرارًا أنّه في الأمور الاعتبارية ينبغي أن يكون المدار على المقبولية لا على مجرد المعقولية. وبناءً على هذه المقدمات، يبدو بعيدًا جدًا القول في مضمرات زرارة: إنّه ربما كان يروي بعضها عن غير الإمام، ولا سيما ما يرجع إلى بدايات تشيّعه؛ فإنّ هذا الاحتمال لا ينسجم مع مجموع الشواهد التاريخية والرجالية. 6. ويضاف إلى ذلك أنّ المعروف من سيرة أصحاب الأئمة (عليهم السلام) أنّهم لم يكونوا يدرجون في كتبهم الحديثية الروايات المنقولة عن غير الأئمة، الأمر الذي يعزّز حمل مضمرات زرارة على أنّها صادرة عن أحد الأئمة (عليهم السلام). (#آية_الله_السيد_أحمد_المددي، #دروس_خارج_أصول_الفقه، 06/11/1397هـ.ش) ) #أصول_الفقه #زرارة #مضمرات_زرارة

ملاحظات فقهية وأصولية حول بعض التطبيقات التشريعية وشروط الإثبات ( 1. نُقل أنّ #عمر_بن_الخطاب قال: إنّ المسلمين أكثروا من إيقاع الطلاق، ولذلك ألزمهم بآثاره حتى في موارد الطلاق البدعي، كطلاق المرأة وهي حائض، مع أنّه طلاق محرّم؛ أي إنّه حكم بصحته وترتّب آثاره مع كونه واقعًا على وجهٍ غير مشروع. 2. كما يُنسب إليه أنّه أول من فرض ضريبة العُشر في الإسلام، مع أنّ الرواية المشهورة عند أهل السنّة، الواردة في المصادر القديمة، تذكر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لوفد ثقيف: «أن لا تُعشَروا ولا تُحشَروا»؛ أي لا يُؤخذ منكم العُشر، ولا تُفرض عليكم التعبئة أو الحشد الإجباري. ويظهر من ذلك أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) رفع ضريبة العُشر، ثم شُرعت الزكاة ـ على الظاهر في السنة الثامنة للهجرة ـ بوصفها نوعًا من النظام المالي في الإسلام، وتكون في الأموال التجارية غالبًا بنسبة (2.5%)، وفي الزروع (5%) أو (10%) بحسب الموارد. ثم جاء الخليفة الثاني بعد ذلك، ففرض العُشر على التجارة الخارجية. 3. والأصل في القوانين الإيرانية أنّ التسجيل والإشهاد لهما وظيفة إثباتية؛ أي إنّ صحة العقد لا تتوقف على وجود الشهود. أمّا في القانون الفرنسي، فالأمر يختلف في بعض العقود؛ إذ تكون الشهادة ذات أثر ثبوتي، كما هو الحال في عقد الزواج عند أهل السنّة، وفي الطلاق عند الإمامية؛ بحيث يؤدي فقدان الإشهاد إلى بطلان العقد أو الإيقاع. 4. وينطبق هذا التفصيل أيضًا على عدالة المخبر، وكذلك عدالة النائب في العبادات الاستيجارية؛ فإنّ العدالة ليست شرطًا في صحة العمل نفسه، وإنما هي شرط في إحراز وقوعه والاعتماد على الإخبار به. فلو أدّى شخصٌ فاسق الصلاة الاستيجارية صحّت صلاته في نفسها، لكن إذا أخبر بأنّه قد أتى بها، فلا يكون خبره حجةً يعتمد عليها. (#آية_الله_السيد_أحمد_المددي، #دروس_خارج_الفقه، 25/10/1397هـ.ش) ) #الفقه #عمر #الطلاق_البدعي #حكم_عمر_في_الطلاق_البدعي #الضرائب #تشريع_الضرائب #الإشهاد #الإشهاد_في_المعاملات #الإشهاد_في_المعاملات_في_الفقه_الإسلامي_والقانون_الفرنسي #اشتراط_العدالة_في_النائب_في_العبادات_الاستيجارية

صحيح أنّ المشرّع واحد، لكن لا موجب للقول بأنّ أحد الدليلين ناظر إلى الآخر؛ لأنّ المقام ليس مقام شرحٍ أو تفسير، بل هما مقامان مستقلان في الجعل، لكلٍّ منهما طبيعته الخاصة، والعلاقة بينهما تحمل روح الورود، بل هي أعمق من الورود المصطلح نفسه. نعم، يمتاز الاستصحاب بأنّه ينظر إلى الحالة السابقة، فينشأ منه نوعٌ من الرؤية، غير أنّ هذه الرؤية ليست كشفًا حقيقيًا، بل رؤية تنزيليّة وإبداعية، ولذلك فهو يقع في مقامٍ مغاير تمامًا لمقام الأمارات. (#آية_الله_السيد_أحمد_المددي، #دروس_خارج_أصول_الفقه، 23/10/1397هـ.ش) ) #أصول_الفقه #الأمارات #الشبهة_الموضوعية #رأي_الأستاذ_في_العلاقة_بين_دليل_حجية_الأمارات_والأصول_في_الشبهات_الموضوعية

رأي الأستاذ في العلاقة بين أدلة حجّية الأمارات والأصول العملية في الشبهات الموضوعية: نحو تصورٍ خامس ( يبدو لي أنّه يمكن إضافة احتمالٍ خامس في بيان العلاقة بين أدلة حجّية الأمارات وأدلة حجّية الأصول العملية في الشبهات الموضوعية، وذلك على النحو الآتي: 1. عند دراسة النظام القانوني، ننظر أولًا إلى ألفاظ الأدلة (اللغة القانونية)، ثم إلى روح التشريع، ونضيف إلى ذلك عنصرًا ثالثًا، وهو: الفضاء القانوني. ففي مسألة أخذ الأجرة على الواجبات، نظر بعض الفقهاء إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾، وإلى قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وقالوا: إنّ اللغة القانونية نفسها تقتضي عدم وجود مانع من أخذ الأجرة على الواجبات. وكذلك في مسألة اجتماع الأمر والنهي، قيل: إنّ الصلاة والغصب عنوانان مختلفان، وإنّ اجتماعهما إنّما يقع في مقام الامتثال الخارجي، ولا ينعكس ذلك على مقام التشريع، فيبقى كلٌّ من الأمر والنهي على إطلاقه. وأمّا روح التشريع، فقد ذكر #المحقق_الإصفهاني شواهد تدلّ على أنّ الواجبات ينبغي أن تُؤدّى مجانًا، مع أنّه لا يوجد دليل لفظي صريح على ذلك. فمثلًا، المشهور أنّ تحمّل الشهادة واجب، وكتمانها حرام، ومع ذلك لا يستفاد من الدليل لفظًا أنّ أداءها يجب أن يكون بلا مقابل. كما ذهب صاحب #جواهر_الكلام إلى أنّ كلّ واجب ينبغي أن يكون مجّانيًا بطبيعته. وقد سمّينا هذا الاتجاه بروح التشريع. إلّا أنّ #المحقق_الإصفهاني و#السيد_الخوئي رفضا هذا المبنى، وذهبا إلى أنّ الوجوب لا يستلزم المجانية. بل صرّح السيد الخوئي ـ موافقًا لـ#الميرزا_الإيرواني ـ بأنّه لا توجد أيّ نسبة أصولية، من تخصيص أو حكومة أو ورود أو غيرها، بين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. والذي ظهر لنا أنّ كلّ هذه التحليلات صحيحة في محلّها، لكنّ فوقها روحًا عامة تحكم النظام القانوني بأكمله، وتجعل مواده منسجمة فيما بينها. وهذا ما نعدّه الفارق الجوهري بين النظام القانوني ونظام علاقة المولى بالعبد. وهذا الانسجام ليس أمرًا اعتباريًا محضًا، بل هو انسجام طبيعي وآلي؛ فجميع المواد القانونية مترابطة، وإن لم يظهر بينها ارتباط لفظي، كما في الآيتين المذكورتين، أو بين «صلِّ» و«لا تغصب». وعليه، فإنّ العلاقة بين الأدلة لا تُستكشف من الألفاظ فحسب، بل من الانسجام الكلي للنظام القانوني. ولتقريب ذلك في مسألة اجتماع الأمر والنهي، يمكن تصوير ثلاثة اتجاهات: الأول: يرى أنّ الفعل الواحد لا يمكن أن يكون متعلقًا للأمر والنهي معًا، وهذا مبني على روح القانون. الثاني: يرى أنّ لفظ «لا تغصب» نفسه يدلّ على النهي عن كلّ تصرف في المغصوب، حتى الصلاة فيه، وهذا مبني على اللغة القانونية. الثالث: وهو ما نعبّر عنه بـالفضاء القانوني؛ إذ إنّ القانون بطبيعته يقتضي أنّ الأمر إذا انتهى إلى مورد نهى عنه القانون، انحصر بنفسه ولم يعد يشمله، دون حاجة إلى دلالة لفظية خاصة. ولذلك، فإنّ الأمر بـالصلاة لا يشمل الأرض المغصوبة بحسب طبيعة النظام القانوني نفسه. 2. وبالرجوع إلى الشريعة، يتضح أنّ روح القانون هي الحاكمة، وإن كانت التعابير الواردة فيها أحيانًا بصيغة علاقة المولى بالعبد. ومنذ نحو مائة عام طُرحت في حوزة قم نظرية الخطابات القانونية، وقد ذكرنا أنّها ليست إلا جزءًا من روح القانون. ففي السابق، كان يُنظر إلى «صلِّ» و«لا تغصب» على أنّه لا علاقة بينهما، وأنّ كلا الدليلين باقٍ على إطلاقه؛ لأنّ البحث كان لفظيًا، يعتمد على هيئات الألفاظ وموادّها. وكذلك في مباحث التخصيص والتعارض والحكومة والورود، كان التركيز على الألفاظ، أمّا هذا الاتجاه فلا يجعل اللفظ محورًا للبحث، بل ينظر إلى روح النظام القانوني. 3. إنّ القانون بطبيعته محدود، ولكنّ هذا التحديد ليس تحديدًا لفظيًا. فعندما قال النبي (صلى الله عليه وآله): «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان»، وفسّر البيّنة بشهادة عدلين، فإنّ ذلك يكشف عن أنّ البيّنة تمثّل الحدّ الأدنى ممّا يصدق عليه عنوان «ما يُبيَّن به الشيء». وخلاصة هذا التصور أنّ حديث «بالبينات والأيمان» وإن لم يكن ناظرًا لفظًا إلى حديث «لا تنقض اليقين بالشك»، إلّا أنّ طبيعة القانون تقتضي أنّه متى قامت البيّنة أو انكشف الواقع، فلا يبقى مجال للرجوع إلى الأصول العملية. فإنّ الأصول العملية مفترضة في حالة الجهل، بينما الأمارات قائمة على وجود كاشفٍ عن الواقع. ولهذا فإنّ الأمارات تتعامل مع حدود الواقع وكشفه، بينما الأصول العملية تتعامل مع حدود العلم والحالة الذهنية للمكلّف. ومن هنا، فالأصول العملية قائمة على فرض الجهل، ولذلك كانت تعبّدية وجعلية، في حين أنّ طريقية الاستصحاب طريقية تنزيليّة وإبداعية، بينما طريقية الأمارات طريقية إدراكية وكاشفة عن الواقع.

الاحتمالات في العلاقة بين أدلة حجّية الأمارات والأصول العملية في الشبهات الموضوعية ( 1. عرّف الأصوليون الشبهة الحكمية والشبهة الموضوعية بما يلي: إذا كان منشأ الإجمال الحكم الكلّي الصادر من الشارع، سُمّيت شبهةً حكمية؛ كما لو شككنا في أنّ عقدًا معيّنًا ـ كعقد السَّبَق والرماية ـ هل هو عقد لازم أو جائز؟ وأمّا إذا كان منشأ الإجمال انطباق موضوع الحكم أو الحكم الجزئي، مع وضوح الحكم الكلي نفسه، سُمّيت شبهةً موضوعية؛ كما لو وقع عقدٌ في الخارج، وشككنا هل هو من العقود الجائزة أو من العقود اللازمة؟ 2. تناول #المحقق_النائيني وغيره، بتفصيل، العلاقة بين دليل حجّية الأمارات ودليل حجّية الأصول العملية في الشبهات الحكمية. غير أنّنا، لتوضيح أصل الفكرة، نبدأ ببحث هذه العلاقة في الشبهات الموضوعية؛ كما في تعارض البينة على الطهارة مع استصحاب النجاسة، حيث إنّ كليهما يتضمن جهةً من الطريقية والكشف. والمهم في المقام هو كيفية فهم لسان أدلة الحجّية، وقد ذُكرت في كلمات علماء المسلمين أربعة احتمالات رئيسية: أولًا: التعارض فمن جهة، يدلّ قوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين بالشك» على لزوم العمل بالحالة السابقة، حتى لو قامت بينة على خلافها. ومن جهة أخرى، يدلّ قوله: «والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة» على حجّية البينة مطلقًا. وقد فهم #السيد_الخوئي من قوله: «أو تقوم به البينة» أنّ المراد قيام الشواهد والقرائن المثبتة للأمر، بينما حمله المشهور على شهادة عدلين. وبناءً على هذا التصور، يكون لكلا الدليلين إطلاق، وتكون النتيجة وجوب العمل بالحالة السابقة حتى مع وجود البينة. ويُسمّى هذا الفرض بالتعارض، وخلاصته أنّ الاستصحاب حجّة مطلقًا، حتى في مقابل البينة. ثانيًا: التخصيص وهو أن يُفهم من مجموع الدليلين أنّ الأصل هو العمل بالاستصحاب، إلا إذا قامت البينة على خلافه. وهذا هو معنى التخصيص، وهو الرأي الأشهر بين علماء المسلمين، بل وبين علماء الإمامية أيضًا. ثالثًا: الورود وقد يقال: الأصل هو الرجوع إلى الاستصحاب، ولكن إذا ورد دليل يوجب التعبد بالبينة على كل حال، فلا يبقى مجال للاستصحاب. وهذا هو معنى الورود، وهو ما اختاره صاحب #كفاية_الأصول. رابعًا: الحكومة وجاء في #فوائد_الأصول أنّ شأن البينة هو الأمارية وتتميم الكشف؛ فالتعبد بها يعني اعتبارها كاشفًا تامًّا عن الواقع، بحيث لا يُعتنى بالشك بعد قيامها. وعلى هذا الأساس، يصبح الدليلان منسجمين؛ لأنّ دليل حجّية البينة يرفع موضوع الشك، بينما يقول دليل الاستصحاب: «لا تنقض اليقين بالشك»، فإذا ارتفع الشك ببركة التعبد بالبينة، انتفى موضوع الاستصحاب من الأساس. وعليه، تكون العلاقة بين الدليلين علاقة شرح وبيان، وهي التي يُعبَّر عنها بـ الحكومة. ذلك أنّ ركني الاستصحاب هما: اليقين السابق والشك اللاحق، فإذا رفع دليل البينة الشك تعبّدًا، لم يعد المورد من موارد الاستصحاب أصلًا، بل يكون قد نُقض اليقين بدليل معتبر، لا بالشك. وأوضح مصاديق الحكومة هو أن يكون الدليل الحاكم شارحًا للدليل المحكوم بلفظه نفسه. ورغم أنّ عبارة «أو تقوم به البينة» ليست بهذه الدرجة من الصراحة، إلّا أنّها، بما أنّها ترفع الشك تعبّدًا، تؤدي الوظيفة نفسها. (#آية_الله_السيد_أحمد_المددي، #دروس_خارج_أصول_الفقه، 23/10/1397هـ.ش، مع شيءٍ من التصرف) ) #أصول_الفقه #الأمارات #الشبهة_الحكمية #الشبهة_الموضوعية #الاحتمالات_في_العلاقة_بين_دليل_حجية_الأمارات_والأصول_في_الشبهات_الموضوعية

نماذج من الأحاديث المشهورة التي لم يعتمدها المتقدمون وإشكالية الانجبار بعمل الأصحاب ( إنّ كثيرًا من الأحاديث اشتهرت بين الفقهاء، مع أنّ كبار المتقدمين، كـ#الكليني و#الشيخ_الصدوق، لم يوردوها في مصنفاتهم. 1. من ذلك عبارة: «من حاز ملك»، التي تُنقل بوصفها حديثًا نبويًا مرسلًا، ويُقال إنّها انجبرت بعمل الأصحاب. غير أنّ أصل نسبتها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) غير ثابت، بل إنّ #عبد_الرزاق_السنهوري ذكر في كتاب #الوسيط أنّها من قوانين القانون الروماني القديم. هذا فضلًا عن أنّ أصل نظرية الانجبار نفسها يحتاج إلى إثبات. ويبدو أنّ اعتماد المتقدمين على هذا المضمون كان من باب الارتكاز العقلائي، لا لثبوت صدوره عن النبي (صلى الله عليه وآله). 2. ومن الأمثلة أيضًا: «كلّ ما يمكن أن يكون حيضًا فهو حيض»، وهي عبارة ترجع في الأصل إلى فقه الأحناف، ولها معنى اصطلاحي خاص عندهم، وكذلك عبارة: «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم»، ونظائرها. فالبحث في الانجبار يشتمل على جهتين: جهة صغروية، وجهة كبرَوِية. وهذه النصوص تواجه أصلًا إشكالًا صغرويًا؛ إذ إنّ انتسابها إلى الشارع لم يثبت ابتداءً. 3. ومن ذلك أيضًا مسألة ولوغ الخنزير في الإناء، ووجوب غسله سبع مرات؛ فقد كان أول من أورد هذه الرواية هو #الشيخ_الطوسي، حيث نقلها من نسخة من كتاب #علي_بن_جعفر، وفيها أنّ الإمام #موسى_الكاظم (عليه السلام) قال في الخنزير إذا شرب من الإناء: «يغسل سبع مرات». ومع ذلك، فإنّ الشيخ الطوسي نفسه لم يُفتِ بمضمون هذه الرواية، بل صرّح في كتاب #الخلاف بأنّ ولوغ الخنزير يأخذ حكم ولوغ الكلب، وهو مذهب جميع الفقهاء. كما قال في #المبسوط: «وما ولغ فيه الخنزير حكمه حكم الكلب... وقد رُوي غسله مرة واحدة، والأول أحوط». ثم جاء #المحقق_الحلي، فكان أول من حمل الرواية على الاستحباب، فقال: «ونحن نحمله على الاستحباب». وبعده أفتى #العلامة_الحلي بالوجوب، اعتمادًا على صحة سند رواية علي بن جعفر، وقال: «والحق عندي أنّه يُغسل من ولوغ الخنزير سبع مرات». ثم أخذ هذا الرأي ينتشر تدريجيًا بين الفقهاء. ومن هنا، فإنّ دعوى انجبار هذه الرواية بعمل الأصحاب تبدو ـ إنصافًا ـ محلّ إشكالٍ واضح. (#آية_الله_السيد_أحمد_المددي، #دروس_خارج_الفقه، 17/10/1397هـ.ش) ) #الفقه #الأحاديث_المشهورة_التي_لا_سند_لها #الانجبار_بعمل_الأصحاب

السيرة العقلائية وخبر الثقة ومناقشة دعوى قيام السيرة على حجيته ( 1. في الحجّية العقلائية، لا يهتمّ العقلاء في الأصل بكون الراوي قد أصاب الواقع أو أخطأ فيه؛ لأنّ منهجهم في كلّ ما يكون شأنه الطريقية هو النظر إلى الواقع الذي يدلّ عليه الخبر، لا إلى الطريق بما هو طريق، ولا يفرّقون في ذلك بين الأحكام والموضوعات. فهم يجمعون مجموع الشواهد والقرائن، فإن أوصلتهم إلى الاطمئنان والوثوق ـ بنسبة تقارب 90٪ مثلًا ـ عملوا بها، وإلّا فلا. ويرى #الوحيد_البهبهاني و#الشيخ_الأنصاري أنّ العبرة بتحقق هذا الوثوق، مهما كان الطريق الذي حصل منه. أمّا الأخباريون، وكذلك ما نذهب إليه، فيرون أنّ الوثوق لا يُعتدّ به إذا نشأ من أيّ طريق، بل لا بدّ أن يكون ناشئًا من الطرق العقلائية. وقد لا تتوافر هذه الشواهد لبعض العلماء، ولا تتوافر لآخرين، وهذا لا إشكال فيه. لكن لو كان 60٪ من الوثوق قد نشأ من طرق غير عقلائية، فإنّ هذا الوثوق لا يكون معتبرًا. 2. وأمّا الشخص الذي يحصل له القطع من طرق غير متعارفة (القطاع)، فهو في الحقيقة يعاني خللًا نفسيًا، ولذلك لا ينبغي أصلًا أن يُبحث أمره في علم الأصول. وأمّا كثير الشك، فإنّ له حكمًا تعبديًا خاصًا، ولا يعني ذلك أن نبحث أيضًا عن حجّية قطع القطاع. **3. وذهب #السيد_الخوئي وجماعة من الأصوليين إلى أنّ السيرة العقلائية قائمة على جعل وثاقة الراوي هي المعيار في قبول الخبر، غير أنّ ثبوت مثل هذه السيرة غير واضح. فالسيرة العقلائية ـ في أصلها ـ تقوم على ما إذا كان ترك العمل بشيء يفضي إلى اضطراب المجتمع أو اختلال نظامه، أمّا القول بأنّ العقلاء يقبلون كلّ خبرٍ صدر من ثقة، ولو حصل الوثوق به من أيّ طريق، تيسيرًا لأمور المجتمع، فليس أمرًا ثابتًا. إذ إنّ عدم العمل بمجرد خبر الثقة لا يؤدّي بنفسه إلى اختلال النظام أو وقوع مشكلة اجتماعية. ولو كانت هذه السيرة ثابتة فعلًا، لما احتاج علماء أهل السنّة إلى الاستدلال بالآيات لإثبات حجّية خبر الواحد، ولما قال #المحقق_الحلي: «فما قبله الأصحاب أو دلّت القرائن على صحّته عُمِل به». وكذلك فإنّ #العلامة_الحلي عرّف الحديث الصحيح بقوله: «كلّ خبر يرويه إماميٌّ عدلٌ عن مثله إلى آخر السند»، ولم يُدخل في تعريفه قيد «الموثَّق». فأيّ سيرة عقلائية هذه إذا كانت تُخرج مثل هؤلاء الأعلام من دائرتها؟! بل إنّ لدينا روايات يرويها #علي_بن_الحسن_بن_فضال عن أبيه، وطريقها إليه صحيح، ومع ذلك **لم يذكرها #العلامة_الحلي، ولا صاحب #منتقى_الجمان. وكذلك فإنّ علماء أهل السنّة يعرّفون الحديث الصحيح بأنّه: «ما رواه عدلٌ ضابطٌ عن مثله إلى آخر السند من غير شذوذ ولا علّة». ومن هنا، فإنّ دعوى قيام السيرة العقلائية على حجّية خبر الثقة بما هو خبر ثقة، ليست دعوى واضحة الثبوت. وهل يُعقل أن يكون جميع هؤلاء الأعلام خارجين عن مقتضى العقلاء؟! (#آية_الله_السيد_أحمد_المددي، #دروس_خارج_أصول_الفقه، 17/10/1397هـ.ش) ) #أصول_الفقه #السيرة_العقلائية #خبر_الثقة #قطع_القطاع #عدم_قيام_السيرة_العقلائية_على_حجية_خبر_الثقة

أسباب بقاء التعارض بين روايات الأصحاب ودور التلقي في تمييز التراث الحديثي ( لعلّ من الممكن إرجاع سبب استمرار مشكلة التعارض بين روايات الأصحاب، رغم القول بحجّية الخبر على أساس المصلحة السلوكية، إلى أمرين أساسيين: 1. وجود خطّين رئيسيين في الكوفة: خط الاعتدال وخط الغلو (بالمعنى الاصطلاحي). كانت المشكلة أنّ هذين الخطين كانا متزامنين؛ ففي خط الاعتدال كان هناك أعلام مثل #زرارة_بن_أعين و#محمد_بن_مسلم، وكانت لهم آثار علمية متميزة، وفي المقابل كان خط الغلو يضمّ شخصيات مثل #جابر_بن_يزيد_الجعفي وغيرهم، وكانت لهم أيضًا مؤلفات وآثار. فلو سلّمنا ـ على سبيل الفرض ـ بوجود #عبد_الله_بن_سبأ، وأنّه كان يقول بألوهية أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنّ الخط الذي ينتمي إليه لم يخلّف تراثًا علميًا مؤثرًا، بينما نجد أنّ #المفضل_بن_عمر ـ على فرض القول بغلوّه ـ بدأ بالتأليف ونشر التراث العلمي. والمشكلة التي نعاني منها اليوم إنّما ترتبط بالتراث العلمي الموروث؛ ولذلك فإنّ الجهد الذي بذله #النجاشي وسائر كبار علماء الإمامية كان منصبًّا ـ في الحقيقة ـ على تمييز هذا التراث وتنقيحه. وقد استمر هذا الواقع فترةً من الزمن؛ فكان #محمد_بن_سنان من أبرز من نشر تراث خط الغلو، بينما كان #الحسين_بن_سعيد_الأهوازي من أهم ناشري تراث خط الاعتدال. وكذلك كان #سهل_بن_زياد محسوبًا على خط الغلو، في مقابل #أحمد_بن_محمد_بن_عيسى الذي مثّل خط الاعتدال. وتشير الشواهد إلى أنّ هذا الانقسام بين الخطين لم يعد ظاهرًا بعد سنة 300 هـ تقريبًا. أمّا ما إذا كان لتأليف #الكليني أو لغيره دورٌ في ذلك، فليس هذا محلّ البحث الآن. 2. وجود تنظيمات قامت بإدخال الروايات في الكتب الحديثية. ينقل #يونس_بن_عبد_الرحمن أنّه قدم العراق، فوجد جماعةً من أصحاب الإمامين #الباقر و#الصادق (عليهما السلام)، فأخذ عنهم كتبهم وأحاديثهم، ثم عرضها بعد ذلك على الإمام #الرضا (عليه السلام)، فأنكر الإمام كثيرًا منها، وقال: إنّها ليست من أحاديث الإمام الصادق (عليه السلام). ومن المقطوع به أنّ يونس تسلّم تلك الروايات من رواةٍ ثقات ودوّنها، ومع ذلك حكم الإمام (عليه السلام) بأنّ كثيرًا منها ليس صادرًا عنهم، ممّا يكشف عن وقوع الخطأ في نقل التراث. ويرجع ذلك إلى أنّ بعض المنحرفين في الكوفة كانوا يمتلكون تنظيمًا منظّمًا؛ ويُذكر أنّ #المغيرة_بن_سعيد كان أوّل من نشر أسلوب الاغتيالات السرية (الغِيلة) في الكوفة، حتى قام #خالد_بن_عبد_الله_القسري بقتله مع جماعته. وقد ورد عن الأئمة (عليهم السلام) أنّ هؤلاء كانوا يستعيرون كتب أصحاب الأئمة لاستنساخها، ثم يدسّون فيها روايات من عندهم قبل إرجاعها إلى أصحابها. وقد صرّحت الروايات بأنّ سبب انتشار كثير من الأحاديث المدسوسة هو هذا الأسلوب الذي اتبعه أمثال المغيرة. كما ورد في بعض الروايات التعبير بـ «#ابن_أبي_العوجاء وأصحابه»، وهو ما يدلّ على أنّ الأمر لم يكن مقتصرًا على شخص أو شخصين، بل كان وراءه جماعات منظّمة. ومن أفضل الوسائل التي اعتمدها علماء الإمامية لمواجهة هذه المشكلة مبدأ تلقّي الأصحاب للروايات وعدم تلقّيهم لها، وهو منهج أصبح متعارفًا بينهم. ولهذا نجد روايات عديدة أعرض عنها #الكليني، أو أعرض عنها هو و#الشيخ_الصدوق معًا، ومن أشهرها رواية الاستصحاب: «فإنّك كنت على يقينٍ من وضوئك، ولا تنقض اليقين أبدًا بالشك، ولكن تنقضه بيقينٍ آخر». ولذلك أوردها #الشيخ_الطوسي عن طريق #الحسين_بن_سعيد_الأهوازي وطريق أهل الأهواز، لأنّ المحدّثين القمّيين لم يرووها في مصنفاتهم. (#آية_الله_السيد_أحمد_المددي، #دروس_خارج_أصول_الفقه، 17/10/1397هـ.ش) ) تنبيه: ( ومن الجدير بالذكر أنّ الأستاذ يشدّد كثيرًا في مسألة استعمال لفظ «الوضع» أو «الجعل» في حقّ الروايات، وهو تعبير شاع ـ مع الأسف ـ في عصرنا، حتى صار كلّ من شاء يتهم الروايات بالوضع دون ضوابط. ويرى الأستاذ أنّ هذا الاتهام لا يحقّ إطلاقه إلا لمن بلغ مرتبة الأئمة والنقاد الكبار في علم الحديث، بل إنّ هذا هو المتعارف حتى عند علماء أهل السنّة. ) #أصول_الفقه #الروايات_المتعارضة #أسباب_وجود_الروايات_المتعارضة

الطريقية المحضة والطريقية المقرونة بالخبرة ودورها في تفسير المصلحة السلوكية ( 1. إنّ عنصر الحدس والاجتهاد في قول أهل الخبرة يمنع من كونه ذا طريقيةٍ محضة؛ ولذلك، فمع أنّ قول الخبيرين كلاهما طريق إلى الواقع، إلّا أنّ عنصر الخبرة والاجتهاد يتدخل في تكوين هذا القول. والأمر نفسه يجري في الاجتهاد، بخلاف الخبر، فإنّ شأنه الطريقية المحضة. ومن هنا، إذا قلنا بـ التسامح في أدلة السنن، يُطرح البحث الآتي: لو أفتى فقيه باستحباب عملٍ معيّن، ولم ترد رواية تدلّ على استحبابه، فهل تكفي فتواه لإثبات الاستحباب؟ وقد ذهب بعضهم إلى أنّه مع أنّ الفقيه عند الإفتاء يُخبر عن الشريعة، إلّا أنّ فتواه ليست طريقيةً محضة؛ لأنّها قائمة على الاجتهاد. بينما يرى آخرون أنّ الخبر والفتوى كلاهما طريق إلى الحكم الشرعي، وذهب فريق ثالث إلى أنّ كليهما يتمتع بموضوعية، لا بمجرد الطريقية. 2. والأصل الأوّلي ـ عند عدم وجود المرجّح ـ في تعارض خبرين هو التساقط، وفي تعارض فتويين هو التخيير. نعم، هناك من خالف هذا الرأي، فذهب إلى التخيير حتى في تعارض الخبرين. أمّا #السيد_الخوئي، فقد اختار الاحتياط عند تعارض الفتويين؛ إذ عامل الفتوى معاملة الخبر، فحكم بأنّ الفتويين يتساقطان عند التعارض، وبما أنّ كلتيهما ـ بحسب الظاهر ـ مستجمعتان لشرائط الحجّية، وجب الاحتياط بالعمل بما يحقق مقتضى كلتيهما. وحديثنا في مبحث الحجّية ينحصر حاليًا بما كان شأنه الطريقية المحضة؛ إذ إنّ مقتضى القاعدة أنّه **إذا تدخّل الشارع بنفسه وقال: "جعلت هذا الطريق حجّة"، فلا يبعد الالتزام بنظرية #المصلحة_السلوكية؛ لأنّ الشارع يلحظ المجتمع وبنيته الاجتماعية، وهي تمتلك ملاكًا ومصلحةً مستقلّين عن مصالح الأفراد، فاستقرار المجتمع الشيعي ووحدته وطمأنينته مصلحة قائمة بذاتها. ولو لم يجعل الشارع هذا الطريق حجّة، لكشف ذلك عن عدم لحاظه لهذه البنية الاجتماعية. فإذا قال الإمام (عليه السلام): «عليك بهذا الجالس»، فلا بدّ أنّه راعى هذه الجهة؛ فإنّ #الفيض_بن_المختار يقول: كنت أدخل مسجد الكوفة، فأرى من اختلاف أصحابنا ما أكاد أشكّ معه في ديني. فهذه هي المصلحة التي يراعيها الشارع في إزالة الاختلاف وتحقيق وحدة المجتمع. ومع ذلك، فإنّ المشكلة لم تكن قد زالت تمامًا؛ إذ يقول الإمام (عليه السلام): إنّي أحدّث أحدهم بالحديث، فلا يخرج من عندي حتى يؤوّله على غير تأويله، لأنّ كلّ واحدٍ يريد أن يُدَّعى رأسًا. وقد ورد عن #المفضل_بن_عمر أنّه قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)، ودخل عليه #الفيض_بن_المختار، فشكا إليه اختلاف الشيعة في الحديث، حتى قال: «إني لأجلس في حلقهم بالكوفة، فأكاد أشكّ في ديني من اختلاف حديثهم، ثم أرجع إلى المفضل بن عمر فيزيل عني ذلك ويطمئن إليه قلبي». فقال الإمام (عليه السلام): «هو كما ذكرت يا فيض... إنّ الناس قد أولعوا بالكذب علينا، وإنّي أحدّث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتى يتأوّله على غير تأويله... إنّهم لا يطلبون بحديثنا ما عند الله، وإنّما يطلبون به الدنيا، وكلٌّ يحبّ أن يُدَّعى رأسًا... فإذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس»، وأشار بيده إلى رجل من أصحابه. قال الراوي: فسألت عنه، فقالوا: **هو #زرارة_بن_أعين. (#آية_الله_السيد_أحمد_المددي، #دروس_خارج_أصول_الفقه، 17/10/1397هـ.ش) ) #أصول_الفقه #الطريقية #الطريقية_المحضة #الطريقية_المقرونة_بالموضوعية #المصلحة_السلوكية

الفرق بين المنهج الإسلامي والغربي في الفهرسة: الحجّية والواقعية ( لقد أكّدنا مرارًا أنّ بعض الدراسات المعاصرة تحاول إثبات قضايا معيّنة بالاستناد إلى الشواهد التاريخية، إلا أنّها تنطلق من منهج الواقعية، بينما تنطلق حوزاتنا العلمية بطبيعتها من منهج الحجّية؛ ولذلك يختلف المنهجان اختلافًا جوهريًا. فمنهج #النجاشي في #فهرست_النجاشي قائم على الحجّية، في حين أنّ منهج الباحثين الغربيين في الببليوغرافيا (الفهرسة العلمية) يقوم على الواقعية. وعلى هذا الأساس، يمكن القول تقريبًا: إنّ عمل النجاشي يُعدّ امتدادًا لعلم الرجال؛ لأنّه يهدف إلى إثبات ما يصلح للاعتماد والحجّية، بخلاف المنهج الغربي الذي يسعى إلى الكشف عن الواقع التاريخي فحسب. وهذان إذًا منهجان مختلفان؛ فالمنهج الواقعي لا يفعل أكثر من وضع الباحث أمام الحقيقة التاريخية أو الواقعية، ولا يبحث عمّا إذا كان الإنسان معذورًا أو غير معذور في مقام العمل. ولهذا، ففي علومٍ كـ الفيزياء والكيمياء وغيرها، يكون المطلوب هو الوصول إلى الواقع؛ ولذلك لا تكفي مجرّد نسبة القول إلى شخصٍ معيّن لإثبات الحقيقة. وكذلك الحال في الروايات الواردة في الطبّ، وعلم النجوم، ونحوهما؛ فإنّها تتعلّق بالكشف عن الواقع، لا بإثبات الحجّية العملية. (#آية_الله_السيد_أحمد_المددي، #دروس_خارج_أصول_الفقه، 15/10/1397هـ.ش) ) #أصول_الفقه #الفهرسة #الفهرسة_في_الإسلام #الفهرسة_في_الغرب #الفرق_بين_الفهرسة_في_الإسلام_والدراسات_الغربية