ru
Feedback
Hussein.A.Salim

Hussein.A.Salim

Открыть в Telegram

وَنَحنُ نُرَجّي الخُلدَ إِنْ فازَ قِدحُنا.. وَنَرهَبُ قِدحَ المَوتِ إِنْ جاءَ قامِرا..

Больше
Страна не указанаКатегория не указана
261
Подписчики
+124 часа
Нет данных7 дней
-230 день
Архив постов
كثيرًا ما يُتهم الرجال الذين يشرعون بالعمل على الحديث به، ببلادة الرُّوح وقساوتها، ولا تُحصى المرات التي تُفهم فيها نواياهم بغير نصابها الحقيقيّ. إلى درجةٍ تصلُ إلى التشكيك بأثمن ما يملكون، ألا وهو الوجدان! وهم بغريزةٍ نبيلة، لا يفندون ما قيل ويُقال عنهم، لأنّهم لا يطيقون الشكوى والملامة التي يفعلها المتشبهون بهم. إنّ دواخلهم أرفعُ من البيان والإيضاح، ومحبتهم صافية كحسامٍ صقلهُ أمهرُ الفرسان. حينما تذرفُ عيونهم الدموع؛ يكفكفونها بصمتٍ مهيب، ولما يصيبهم سقم ما، يهونون منه بما لا يقبل الريبة. قلوبهم أرقُ من حمام الأيك، وأنقى من سواقي الجنان الخالدة، ولو علموا أحبائهم بجوهر محبتهم، لما تجرأوا على صغائر التُهم وعظيمها. @Hu222ein

أما الأغنية، فهي على العكس من هذا، لأنّها تُعدُ أوثق صلة بالنفسِ وخلائجها، لما تحملهُ من تركيبٍ يجمع بين اللحن الرئيسيّ (Melody) والكلمات، ولذلك نلاحظ أنّ القصدية الواقعيّة في أعمال الغناء كامنة أكثر من مقطوعات الموسيقى. ومردّ الأمر لشعريّة النص المُغنى، والذي يعبر عن تفاصيل الذات بحكم وظيفته الدلاليّة، ولذا فإنّنا في هذه الحال أمام ترجمة مموسقة لتجارب الموجود وحيثيات حياته، فالأغنيات قلّما تنفك عن آنية الإنسان، وأحيانًا تكون ترجمة صريحة لها. وبهذا يمكننا اعتبارها بمكانة أدنى من الموسيقى، لاختلاف مرتبة الوجود التي تُعنى بها.

الفرق الباطنيّ ما بين الأغنية والمقطوعة الموسيقيّة يتمثلُ قبل كلّ شيء في رتبة الوجود المتعلقة بالكائن، حيث يختلف اتجاه الغناء والموسيقى تبعًا لقصدية كلّ منهما ومآرب وجهته. وبصرف النظر عن البنية التقنيّة المتمايزة بين الاثنين، وما تُعقد على ضوءها من اعتبارات فنيّة، إلّا أنّ المدار التأثيري الذي يخضع له المُتلفي يتباين من جهة ذاته حسب ما يتذوقه لحنًا وغناءً. إنّ الموسيقى بصورتها الجادة، وأعني تلك المتجردة عن الكلمات والإضافات الخارجيّة، تقع في منزلةِ «الرُّوحيّ» من الموجود، إذ تتبوأ منزلة التجريد، مُقابلِةً لإسقاطات الذات وأهواءها التي تقف طرف غريمٍ للانتماء الموسيقيّ. فهي تسعى دائمًا إلى فضاءٍ يسمو على تداعيات الأنا وحيزها المحدود، كما لو أنّها لا تنسجمُ إلّا مع كيانٍ خام يشبهها، مثل الرُّوح التي تمثل أعلى مراتب الوجود؛ حيث لا مكان لسرديات النفس فيه. فالموسيقى وكما يورد أوليفر ساكس: «تُظهر جوهر حياة الموجود، لا الحياة نفسها!».

«المرء الذي يتحدث عن العدم لا يعرف في الواقع بالضبط ماذا يفعل. فهو حين يتحدث عن العدم يجعل منه أو يحوله إلى شيء ما موجود. ففي نقاشه لهذا الأمر هو في الواقع: يتحدث بالضد من الموضوع الذي كان يبغي أو يريد التحدث عنه. إنّه بالأحرى يناقض نفسه. لكن مشكلة الخطاب الذي يناقض نفسه هو أنّه ينتهك ويسير بالضد من القواعد الأساسيّة للخطاب السليم (logos)، يسير بالضد من المنطق».
– مدخل إلى الميتافيزيقيا، ص٢٣٠
«إنّ موضوع الحديث عن العدم يظل أمرًا بشكل عام طاردًا ورافضًا للتفكير، وحتّى يمثل حالة من حالات إضعاف خاص للرُّوح المعنويّة».
– مدخل إلى الميتافيزيقيا، ص٢٣٢

photo content

يقسّم الألم العالم إلى اثنين، مبعدًا غصبًا أولئك الذين لا يصيبهم ويظلون في بداهة الوجود عن أولئك الذين يتعذبون ويحسون بأنفسم مهمشين، يُقاسم الخوف، لكن أبدًا الألم، لأنّه محبوس في البدن وينحصر في حميميّة تعذيبيّة لا يصلها الآخرون. – دافيد لوبروتون| تجربة الألم
اعتاد الإنسان منذ وقت مبكر أنْ يتماهى مع كلّ حالةٍ يمر بها، بما تفرضه عليه تلك الحالة من تهيؤات خاصة تميزه عن سواه في السياق العام، إذ اتصفت الحالات النفسيّة التي ينخرط بها الفرد بأعراضٍ يمكن تخصيصها والإقرار بوجودها، دون التداخل مع غيرها من الحالات، وذلك كان يتم بادئ ذي بدء بالاستناد على الإخلاص في تشخيص وقوعها والأثر الذي تخلفه. ولهذا قد شكل البوح الصادق معيارًا مهمًا في علاقة المريض مع الطبيب النفسيّ، كونه يقدم صورة واضحة عمّا يعانيه المريض في حياته الخاصة، وكذلك يسهم بتبيان مواضع الخلل، عن طريق تعرية ما هو مضمر في أغوار النفس للآخر-المُعالِج- غير أنّ الصدق بوصفهِ مقتضى ضروريًا، ليس بالأمر اليسير لدى الشخوص المتهافتة بالعلل النفسيّة، فكثيرًا ما يلتجأ العديد منهم للادعاء والتمثيل في حياتهِ، نظرًا لتوغل علةٍ ما تحيل دون الصدق في التعبير والتعامل. يُعتبَر الألم إحدى أبرز هاتهِ الأمور التي تؤخذ بشكل استهلاكيّ في تقمصها وادعاء تملكها، فالألم يكاد أنْ يصبح يافطة مبتذلة الإعلان بالنسبة للأجيال المعاصرة، لأنّه لم يعد مرتبط بعزل المرء بصفته متألمًا، ومختلف عن الآخرين من حيث كونه يصطلي بعذابٍ ما، إنّما تحول ألمهُ إلى ادعاء نرجسيّ لغاية لفت الانتباه وخلق المعنى، ولذلك يُلاحَظُ أنّ هنالك علاقة طرديّة ما بين ترف المعيشة وادعاء الألم عند البشر، فدعاة الألم في الغالب ليسوا مصابين به البتة، بل هم أناس أغرقوا بالسأم والفراغ الشديد، ولذلك يحاولون اختلاق معنى يضفي على حياتهم شيئًا لافتًا، لأنّ المتألم الفعليّ لا يجد متسعًا للتعبير عن ألمهِ، فهو مثقل بما ينهك كاهله عن مجهود البوح العلني والشكاية المستمرة، بينما الإنسان النرجسيّ الذي يتقهقر في الخواء، يكتسب شعوره بهويته عبر تضخيم ذاته. يمكن رؤية هذا بشكل أعلى حتىّ في تيارات التشاؤم، والتي تُمرغل نفسها في براثن العدميّة، وتلتذُ بمعاداة قيم الوجود ومعانيه، فهي بمخاض نقضها للمعنى، تختلقُ معنىً آخرًا! ما هي مثلًا قيمة عمل "مثالب الولادة" لصاحبه إميل سيوران إنْ لم يكن تجاوزًا للنفي؟ ليس النفي ها هنا سوى أداة لقيمة تالية، تتمثل بفكرة اللإنجابيّة، ونداءاتها الأخلاقيّة الهشة. نفس الأمر مع كتاب "عن معاناة العالم" لمؤلفهِ شوبنهاور، والذي لا يُعدُ معاديًا للعالم بافتراض غيره، بل أنّ معاداته تنطلق من مسلَّمات وليدة لنفس ذلك العالم، فهي بجوهرها عبارة عن محاولات للنقش على حجر الوجود، وتعبئة الذات العائمة في فراغٍ لا متناهي.

بصورة عامّة، المغالاة في قياس جانب دون آخر من الفرد، والذهاب بعيدًا في تقدير ذلك الجانب ومحاكمته=أمرٌ لا يُعتدُ بهِ في حيز الفهم المُعتبَر. ولا يُرد هذا لضيق الإلمام بجوانب الفرد فحسب، إنّما أي هوس أحادي بكائن مترامي الميول مثل الإنسان، يُعدُ تمهيدًا لمسخه إلى «شيء» مغاير لكينونته. فاجتزاء جوهر الآخر إلى حدٍ معين، يقود تتابعًا إلى تحويل هذا الجزء كحقيقة كليّة، تُعمم ويُقاس عليها كلّ شيء يمت بصلة للكائن الإنسانيّ، حيث تغدو جميع القوى التي يمتلكها الإنسان على ضوء هذا الانمساخ أشبه بـ"أدوات" تخدمُ الجانب المُقتطع، والذي حُوِلَ بفعلِ الاقتضاب والتشويه إلى جوهر كُليّ، يقعُ على خلافِ طبيعتهِ المحدودة. وبصورة خاصة، يمثل ما أوردتهُ واحدة من المشكلات التي تنبهت إليها في جمع غير قليل ممّن أعرفهم، فثمّة الكثير من الذين قابلتهم يتسمون بنفس الذهنيّة «الأداتيّة» التي تتطرف في تعاطيها مع جهةٍ معينة من ذاتي، مُهملةً سواها من الطبائع والمساحات التي تتباين مع تلك الجهة. لنأخذ مثلًا الجانب الأخلاقيّ والمعرفيّ الذي أحمله ويحمله غيري بداهةً-بمقادير وصيغ متفاوتة-والذي يمثلُ نطاقًا محدودًا مني بطبيعة الحال. لا أبالغ لو قلتُ بأنّ أكثر ما يُثير حنقي في هذا النطاق هو محاولات اختزالي بشكل: «الإنسان الأخلاقيّ» أو «المُثقف العاقل» أو غيرها من التسميات التي لا تُعبر إلّا عن النزر اليسير ممّا أنا عليهِ، رغم أنّ ما أبادله من الشتائم مع المُقربين مني يفوق عدد الصدقات التي أوهبها للفقراء، وكذلك هو الأمر مع المعارف وتعقلها، إذ ثمة ما يباينها في الاتجاه تمامًا، وما انصياعي الشديد للغرائز والتعصبات الداخليّة التي أكنها بمنأى عمّا أقصده، ناهيك عن اللهو والعبث الذي أمارسه انطلاقًا منها وإليها.

عَـجِبـتُ لِمَنْ لَهُ قَـدٌّ وحَدٌّ.. وَيَنْبُو نَبْوَةَ القَـضِـمِ الكَهَامِ.. وَمَنْ يَجِدُ الطَّرِيقَ إلى المَعَالِي.. فَلا يَذَرُ المَـطِـيَّ بِلا سَـنَـامِ.. وَلَمْ أَرَ في عُيوبِ النَّاسِ شَيْئًا.. كَنَقْصِ القادِرِينَ على التَّمامِ..
قبل بضعة أعوام، وفي معرض قراءتي لكتاب يختص بشرح معاني شعر المتنبي، استوقفتني هذه الأبيات لأبي الطيب، والتي أجاد شارحها (ابن الإفليلي) بيان أبعادها وحقيقة مراميها الواردة. فهي تُجسدُ فكرةً لطالما راودتني حول الطبيعة البشريّة، وعمّا يعتريها من مفارقات بين قواها الفاعلة والمحضة. يُميزُ أبو الطيب في ميميتهِ المعنيّة مفهومَ «القدرة» بوصفهِ شيئًا مُستقلًا عن «الفعل» على مستوى الوجود والإمكان، وذلك عن طريق ما يُبديهِ من استغرابٍ تجاه كبوة أفعال الأشداء. فهو يعجب ممّن له بأس وشدة في طبيعتهِ، ولكنّه يخطو دربه متقهقرًا وخائبًا، مثل سيفٍ صارمٍ، قاطع الضربة؛ إلّا أنّ مآله في التجريبِ يشابه السيوف المتهالكة. وذلك ممّا تظهر فيهِ كبائر العيوب، إذ تتوارى قدرات المرء ومَلَكَاتهِ خلف مُسبباتٍ خارجة عنها، كأن تكون نقصًا مفروضًا، أو عارضًا مَرَضيًا؛ يُفضي إلى ما لا يتواءم عقباه مع قدرات الرجل ومقاصده. حتّى لتغدو القوى الخاصة، شيئًا مَنسيًا في الحياة الظاهرة، لأنّ دفة السيطرة لم تعد ملكًا راسخًا للقدرة، بل لأشياءٍ أُخرى، تتحكم بتطويع الأفعال وتحديد آفاقها. يُعدُ هذا المعنى شاهدًا رصينًا لتشعب الذات وصعوبة التكهن بما سُبكت عليهِ، فالإنسان بصفتهِ كائنًا يعسر اختزال حقيقته؛ لا يُمكن الجزم بجوهر نفسه من خلال أفعاله وحدها، لأنّ الفعل يرتهن بعدة منازع ومستويات متداخلة، وجميعها لها السطوة في تحديد شتى أحواله.

طيب، ما مدى ضرر الكائن المتخوف بناءً على ما قلناه؟ ما يُميز هذا النوع من البشر هو سلوكهم الجليّ في الفضاء العام، إذ يُظهرون قوة تنافرهم مع من حولهم بشكل واضح، وهذا سيلحظه كلّ من كان بتماسٍ كثيبٍ معهم. ولذلك قلّما يستطيع الواحد منهم أنْ يُكوِنَ صداقاتٍ حقيقيّة، أو يُصبحَ صديقًا مُعتبرًا لأحدهم، فالأغلال الثقيلة التي يحملها الخائفُ بداخلهِ؛ كفيلة بأنْ تُصيرهُ عبدًا لمخاوفهِ الخاصة. فهو مُستراحٌ منهُ لو كان الأمر مقصورًا على الغرباء، لأنّهم بطبيعة الحال سيقطعون الصلة معه بنحوٍ أو بآخر. لكن المُشكلة الكبرى قائمة بعَلاقات القُربى التي يمتلكها، وتحديدًا إزاء أسرتهِ، فكلّ سجاياه السقيمة سوف تنعكسُ على العائلة التي ينتمي لها، وهذي لعمري مثلبةٌ ليس لها مثيلٌ قط. كم من امرأةٍ تورطت بزيجة لا تعرف خباياها وكان أحدها مثل هذا الزوج؟ بل كم من أبناءٍ قد تربوا على الضعف وتضييق الخناق؛ بسبب أبٍ لا يقوى على منحهم حقّ استكشاف العالم وتجربته؟ والسبب: شخصيته المهزوزة، وعدم قدرته على تحمل نتائج أفعالهم أو أخطائهم التي يتعلمون عبرها! ناهيك عن العَلاقة المُفككة التي تُبنى مع زوجته، والتي تُرفق عادةً بتربية تسلطيّة للغاية، يتطبع عليها أبناءه، متصفةً بنفس الخوف المتوارث، مهما تباينت الصيغ والأشكال المعبرة عنها. إنّ الشخوص التي غُرس الخوف بين ثناياها؛ ليس لها الأهلية للخوض في مستويات عالية من الحياة، فقد ولدت لكي تنكمشَ على ذاتها الهشة، وما الصداقة والزواج أو أي تجربة تتطلبُ الجرأة النفسيّة إلّا وكانت مضادة لطبيعتها. لو كانت المسألة بيدي، لصنفت هذهِ الفئة ضمن "ذوي الاحتياجات الخاصة" بغية تجنب المتاعب في التعامل معها.

لو تأمّلنا في أكثر الطِباع التي تسلبُ وقارَ الجأشِ من الإنسان؛ سنجد أنّ مبعثها الأساسيّ هو الخوف، سيما داخل البيئات الآمنة، التي تبرز فيها تعدد الخيارات والقدرة الكبيرة على مُعالجة مواضع الخلل. حيث تقل التهديدات الوجوديّة قياسًا بغيرها، لتتحول إلى احتمالات خاضعة للاحتراز، ومُدجنة تبعًا لتقنيات السيطرة التي يوفرها العالم الحديث. حينئذٍ، وعلى ضوء هذهِ البيئات الرخوة؛ يشكلُ الخوف بصورتهِ الحادة أمرًا لا مبرر له، بل عيبًا كبيرًا إذا لازم النفس البشريّة. ولكي أتوخى الدقة فيما أقصدهُ: إنّ ما أتحدثُ عنه لا يُعنى بالسِمة الطبيعيّة التي يتحلى بها المرء فطريًا، أي الحد المعتدل الذي تفرزهُ أجسادنا عند استشعار المخاطر المحدقة بها، إنّما المقصود هو ذلك الخوف القبيح الذي يعجز الدماغ عن كبحهِ، بحكم الجينات التي تُورِثُ نشاطه في اللوزة العصبيّة (Amygdala)، للدرجة التي يمتنع ضبط الانفعال الصادر منها، وبالأخص في حال ضعف القشرة الأماميّة للدماغ-المسؤولة عن التحكم بالإيعازات-إنّ الخوف في هذهِ الحالة يمثلُ مشكلةً تتعلقُ بمحفزات الفرد وتركيبة دماغهِ، قبل أنْ تكون علة نفسيّة ظاهرة في السلوك، ولذلك فإنّها أقربُ لأن تكون طبعًا متغلغلًا فيهِ، أكثر من كونها عيبًا عرضيًا. والمعادل العمليّ لهذا الطبع يُمكن تشخيصه في سلوكيات متكررة لدى الإنسان المُشَبَع بالخوف. ومنها على سبيل الذكر لا الحصر: التنصل عن المسؤولية، والميل إلى أسوأ الاحتمالات وتصديقها، فضلًا عن الإلحاح والملامة، وقلة الثقة بالذات والآخر، بالإضافة إلى سماتٍ أخرى تتعلق بالشك والشعور بالنقص الشديد. وكلّ من هذهِ الطِباع المذكورة تستحق لوحدها وقوفًا مطولًا، غير أنّ المقام الحالي لا يسع الإسهاب فيها.

photo content

فيما يخص "الحنين إلى الممكن" مثلًا-وهو عنوان أيضًا لدراسة أجراها أنطونيو تابوكي على أعمال بيسوا-نرى أنّ موضوعة استجلاب «الممكن» في خيالات اليقظة: تمثل عِمادًا رئيسيًا تتمحور حوله كتابات بيسوا بمختلف شخوصها وتحولاتها العديدة، بل أنّ سايكولوجية الحالم إجمالًا حاضرة بشكلها الأكثر أصالةً لديهِ، وهي تتطابق في أشد أوصافها مع شعاب نفسي وملامحها التي أعرفها جيدًا. لم يكن الأمر حينذاك مصادفة عابرة، كما حصل لي منذُ بضعة سنواتٍ حيالَ باشلار ومؤلفهِ «شاعرية أحلام اليقظة»، والذي ارتأيتهُ بوصفهِ دراسة ظاهراتيّة رصينة، لا يربطني شيءٌ خاص إزاء صاحبها. بينما الربط مع بيسوا كان يوحي بتجذر الطباع الرُّوحية بيني وبينه، فتعمقي بأعمالٍ مثل: «تربية الرواقي»، «اللاطمأنينة»، «يوميات» لم يكن بمعية الذائقة الجماليّة وحدها، إنّما بأدقِ حواس الرُّوح ومنافذ شعورها!

لم يصادفني كاتبٌ له القدرة على جعلي أشعر بالصلة الرُّوحيّة تجاهه مثل فرناندو بيسوا، والأمر هنا ليس متعلقًا بالضرورة بالنبوغ الفنيّ الذي يحمله الأخير، أو ما يتمتع به الأدب البرتغاليّ من مزيّة جماليّة نادرة، فقد قرأتُ من قبله أعمال جوزيه ساراماغو العالية، ولم يتكرر معي الشعور نفسه. بيد أنّ المسألة أعمق من التحليل الأدبيّ الذي نُجيده أكثر من أي شيء آخر، وأغلب الظن أنّها تتعلق بتلك التشابهات الخاصة ما بين الكاتب وقارءه، والتي تتجاوز الحد الاعتياديّ في معظم الحالات. ولأصدقَ القول: لستُ ممن يفتتن بالعادة بمن يقرأ لهم، فأنا أسعى دائمًا إلى التعامل مع النص من جهة ذاته، أي بمعزلٍ عن مؤلفه، ومردّ ذلك لمنهجي في القراءة؛ الذي يحاول عزل وانتشال سلطة الكاتب والمضي معه بانتقائيّة شديدة. ولستُ بهذا أنتصرُ لنظرية موت المؤلف التي صاغها رولان بارت، بل ما أريده هو التعاطي مع ما أتلقاه بتجريديّة لا تشبه الافتتان الأنثويّ بالمؤلفين (لا أعني النساء فقط هنا). غير أنّ هذه الموضوعيّة المزعومة حينما تصلُ إلى فرناندو بيسوا تبدو مُختلفة تمامًا، لأنّ ذاته ونتاجه كلاهما مُهمٌ عندي، ولهذا فإنّ قراءتي لأعمالهِ تحملُ في طبيعتها وظيفة مزدوجة، واحدة فنيّة محضة، والأخرى ذاتيّة لا تخلو من الانتساب الوجدانيّ.

هناك طيفٌ واسع ممّا نفكرُ فيه داخل خيالات يقظتنا، يدور حول افتراض «الممكن» في حوادث الماضي ومشاهده، وكأنّه إعادة تشكيل لما مضى بما يُمكن تخيله. وهذهِ الظاهرة الذهنيّة، ولأنّها قلّما تحيد عن التاريخ الخاص للمرء؛ تكون مفعمة برهافةِ الحس، والحنين الجم للذكريات. ليست نوستالجيا تقليديّة كتلك التي نألفها على الدوام، إنّما هي شيء أكثر تجذرًا بأغوارنا وأعماق أنفسنا، كونها تفصح عمّا تكتظ به رغباتنا من غاياتٍ لم تلقَ سبلَ تحققها، ولمثل ذلك ندمنُ أحيانًا أحلام اليقظةِ، الواحدة تلو الأخرى. ما تتميز به هذه الخيالات عن أقرانها، هو فيما تتركه من آثارٍ يصعبُ توريتها، لأنّها لا تتصف بتلك التجريديّة الواردة، كأن تتضمن صراعًا تخيليًا حول المعاني والتصورات، أو تمنيًا لمقاصد بعيدة المرام. بل هي الحنين إلى ما لا يستطيبه الفؤاد وتُسرُ به النفس، إنّها شيءٌ غادرٌ بسيرورة الزمن ومساراته المفترضة، كونها تستحضر الماضي بافتراض إمكاناتٍ أخرى؛ تمشي على هديها وتستقيم امتثالًا لها وحدها. أما آثار هذي الحالة على الذات، كامنةٌ بذلك الانفصال العنيف بين الإنسان ولحظته الراهنة.

بالنسبة لهيغل، فإنّ الفترة الطويلة التي أعقبت سقوط روما، حتّى أفول السلطة المركزيّة للكاثوليكيّة؛ قد عاش فيها الإيمان المسيحيّ أنكى مراحله دون منازع. إذ تلوث الإخلاص التام للرُّوح؛ بشكليات الشعائر والطقوس الماديّة، عن طريق هيمنة الكنيسة ومُصادرتها للإيمان بجوهرهِ الأعلى. فلم تتعامل الكنيسة مع الألوهيّة بوصفها كيانًا روحيًا خالصًا، بل تحولت إلى شيء يُزكى أو يُشرعن تبعًا للعالم الخارجيّ، وما «صكوك الغفران» ببعيدة الذكر عن هذا السياق.

[قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ] – (الحجرات: 14)

في إحدى فصولهِ التي تناول بها التصوف الدينيّ؛ استعار رينيه غينون مفهوم «القشر واللب» من مؤلفات ابن عربي، موضحًا ما رامه الشيخ الأكبر بهذا المعنى. ممّا يسترعي التأمّل أنّ دلالة "القشر" قد انطوت على كلّ ما يمت للشريعة وتعليماتها، بما فيها جوانب التعبد والتهذيب، بينما على الجانب الآخر، كان "اللب" هو ذاته الإيمان الباطنيّ، المُجرد عمّا سواه من مظاهر التدين. إنّ الإسلام نفسه يُقرُّ بالفارق المفصلي بين القشر واللب، بشكل نصي واضح، حيث يظهر ذلك جليًا بالتمييز الصريح ما بين أركان الإيمان والإسلام، والذي يعتبر صياغة فذّة لثنائية الجوهر والمظهر. هذا الفصل قد يبدو طبيعيًا لمن عُني بدراسة وتدبر اللاهوت، لكنّه في نفس الوقت يكاد أنْ يكون ضبابيًا عند عامّة المعتنقين للدين، خصوصًا بعدما أصبحت مادة الدين ومضامينه لقمة سائغة للحديث العام، حيث لا تسلم جلّ دعاوي العقيدة من تلك الظواهر "القشريّة" التي تُهمل خلالها مُسلَّمات الإيمان المحض، قِبال هوس غير مسبوق بالوعظ الأخلاقيّ المستمد من الشريعة، فضلًا عما يُستمدُ منها من مآرب تتعلق بمشروعاتٍ وضعيّة؛ كالسلطة الثيوقراطيّة والخلافة الممتنع تحققها. وفي كلّ هذهِ المساعي ثمة انتفاء شاخص للإيمان، على حساب علو الدوافع والإسقاطات البشريّة، والمتنكرة جميعها بمعناه.

إنّ الإخلاص لقيم السماء يقتضي قبل كلّ شيء إذعانًا مُطلقًا للرُّوح، وسيرًا دؤوبًا في تتبع مآثر الإيمان وملاحمه، إذ لا يخلص الإيمان صافيًا؛ بغير تدفقه من منابع الرُّوح الخاصة. فما إنْ يتعلق وجدان المرء بسوى الإخلاص المنشود؛ يتبدى جوهر الإيمان وينحط إلى أسافل الأرض ولوثاتها! ولا مراء فيما بناه العارفون في مفارقة التعلق تلك، والتي نأت بهم دهرًا إلى الزهد عن الدُّنيا، فهي السجية الفُضلى التي تجودُ بثمين الأشياء ونفيسها، وتُوطأ الدرب لشتى ضروب القرابين. ولو تأمَّلنا المغزى الحقيقيّ وراء الملاحم الإيمانيّة، لفطنا لما تنطوي عليه من ولاءٍ مُطلقٍ للسماء، ونفيٍ أصيل لما هو دنيويّ. ولذلك فإنّ أي استثمارٍ لهاته الملاحم خارج معنى الإيمان؛ يقود إلى إخلالٍ في الغاية والمقصد الذي تروم إليه. لأنّ الإيمان الحقّ لا يحتمل أنْ يكون شريكًا للذي يُدنيه منزلةً، وكذلك ليس خادمًا لما هو خارج عنه. ولذلك يتوجب على من يتحدث بشأنه أنْ يعي مكنون مقامه وموضعه؛ قبلما تلويثه بالمنازع البشريّة. وإني لأخالُ جمعًا وفيرًا من قومي يبخسُ معناه بتعمدٍ أو بدونه، فثمّة من يُصعرُ خدهُ إخلاصًا للإله، إلّا أنّ جوارحه تلهجُ بسفالةِ الواجب الوضعيّ، ونعني المواعظ الأخلاقيّة التي تُنوط زورًا بالإيمان، وما يشاكلها من مسالك يمتطي أصحابها ذكر اللّْه وحاكميتهُ؛ بحثًا عن السلطةِ والنفوذ على بسطاء التدين وصغاره.

في اللَّومِ ثَمّة وجه يتوارى خلف كلمات اللَّائم، قَسَماتُهُ خائفة، وملامحهُ تشي بالوهن والربكة. وعلى عكس ما يبدو: فالإقدام ليس هو المحرِّك لأفعاله في تعيين الأشياء-باعتبار أنّ الملامة تقتضي بطبيعتها اندفاعًا وشيئًا مِنَ الفظاطة-إنّما ما يؤلِّب النّفس بشكل رئيسيّ للنزوع نحو لوم الآخر؛ هو الجُبن قبل كلّ شيء! فمَنْ اِعتاد الملامة بدلًا من تأمُّل الخطوب التي تكتويهِ؛ كأنّما أنِسَ الهرب نوبًا عن المواجهة، بل لأصدق القول: فإنّ اللَّوم هو شكل آخر للهرب ذاته، ولكن هربٌ مِمَّنْ؟ إنّ نفسيّة اللَّائم لا تُجيدُ تشخيص عيوبها ومجابهة الذّات بحزمٍ وأنفة، لذا هي تهربُ دائمًا مِنْ نفسها إلى فضاء المُقابِل، تتقصده وتقتنص مثالبه، كما لو كانت خاويةً عمّا يُعتَدُّ بهِ أمام مُجريات الحياة. وليست بنفيها لمحاكمة الأنا؛ ريب عن الجُبن الذي يعرو أغوارها، فحتّى لو سلَّمنا بأنّ الآخر له ثقل الخطايا المُقترفة؛ تبقى محاولة تكرار هذا التّسليم دنيئة، ولا طائل لها من جهةِ الإفادة! بَيْدَ أنّ سِمة التّكرار التي تتحلّى بها تعبيرات اللَّائم بجانب كونها علة نفسيّة؛ فهي حشو لفظيّ، وسوء استخدام للُّغة، لأنّها تقومُ على إلحاحٍ في الدَّلالة، ودور على المعنى! وبكلتا الحالتين: يُعدُّ اللَّومُ هروبًا جبانًا، فمرةً يفرُّ عن النّظر للذّات، وحينًا لا يحتملُ وقوع ما لا يسرُّه؛ فيفرُّ كذلك عن وقوعهِ، وكأنّه بشتَّى الأحوال هشّ لدرجة الفرار! في الملامةِ هناك تثريب وعِتاب؛ الأوَّل مذموم لمشاكهتهِ القسوة، وأمّا الثَّاني فهو ممدوح للطفِ غايتهِ. ولَعَمْري ما أبصرتُ تجميلًا للومِ كمثل العِتاب الذي مُدِحَ في السَحيلِ والمُبرَمِ من الدَّهر، لدرجةِ افتراقه عن اللَّوم في كثيرِ الأذواق، وعدم إيعاب أصله ومعناه، وهو في حقيقتهِ لا يعدو كونه إحدى تجلِّياته المُخلِصة. غير أنّ تداخله مع أهواء المُحبِّين؛ منحه غفرانًا خفيًا دونما تبصر! فالعِتابُ وإنْ تَرَقَّقت صوره؛ يظلُ مَنزعًا يُدمنهُ العَذول للانعتاق عن الوقائع الشاخصة، وهوانًا في تقريع النّفسِ ومحاسبتها، وبذا لا يختلفُ عما أوردناهُ آنفًا. ماذا يفعلُ المُعاتِبُ إزاء مَنْ يُعاتبه؟ إنّه يرمي ثقل الخطيئة مستبعدًا ذاته بدءً، ومِنْ ثُمَّ يُلبسُ الآخر ثوبَ الظُّلم، مُعلِّلًا روحهُ بالتمسكنِ، وفي عذله هذا: تبرز اللَّاجدوى، بوصفها مظهرًا لبهتان اللَّائم! ولَئِنْ كان العِتاب لومًا للمُقابلِ على إثمٍ اِرتكبه، فهنا بالضبط تنتفي جدواه، فإذا قيل بهول الإثمِ؛ يكون عندها عذرُ الآثمِ أولى مِمَّا يُلامُ فيهِ، وإنْ امتنع العذرُ؛ بطلَ العِتاب بالضرورة، إذ لا غروَ لاعتبار السهو عن الواضحات كافيًا بتأصُّل الإثمِ بالآثمِ: سَجيّةً وخُلقًا! أمّا إذا كان الإثمُ خفيفًا، غير قبيح؛ تبددت غايةُ اللَّوم وقتئذٍ، فمرجعها سيكون الذّات الرزنة، التي لا تدفعها صِغار الآثامِ للتّذلُّلِ بالملامةِ!