قناة | مُؤمّل.
رفتن به کانال در Telegram
شيءٌ من الخواطر، ومساحة أحاول فيها تطويع الفكرة، وترويض القلم!
نمایش بیشترکشور مشخص نشده استدسته بندی مشخص نشده است
1 780
مشترکین
+624 ساعت
+1057 روز
+42930 روز
در حال بارگیری داده...
کانالهای مشابه
هیچ دادهای
مشکلی وجود دارد؟ لطفاً صفحه را تازه کنید یا با مدیر پشتیبانی ما تماس بگیرید.
ابر برچسبها
هیچ دادهای
مشکلی وجود دارد؟ لطفاً صفحه را تازه کنید یا با مدیر پشتیبانی ما تماس بگیرید.
اشارات ورودی و خروجی
---
---
---
---
---
---
جذب مشترکین
سپتامبر '26
سپتامبر '26
+68
در 6 کانالها
اوت '26
+434
در 14 کانالها
Get PRO
ژوئیه '26
+208
در 5 کانالها
Get PRO
ژوئن '26
+243
در 3 کانالها
Get PRO
مه '26
+728
در 10 کانالها
Get PRO
آوریل '260
در 3 کانالها
Get PRO
مارس '26
+165
در 1 کانالها
| تاریخ | رشد مشترکین | اشارات | کانالها | |
| 05 سپتامبر | +8 | |||
| 04 سپتامبر | +8 | |||
| 03 سپتامبر | +12 | |||
| 02 سپتامبر | +22 | |||
| 01 سپتامبر | +18 |
پستهای کانال
Repost from قناة | مُؤمّل.
(أجساد تعبر البحر، وقلوب تغرق في الوثنية).
ثمة فجوة سحيقة قد تنشأ أحيانًا بين ما تراه العين من معجزات باهرة، وما يستقر في القلب من يقين راسخ، ولعل من أعجب نبأ بني إسرائيل ما قصه الله علينا في هذه الآية: ﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون﴾.
فهي تتحدث عن قوم رأوا أعظم آية حسيّة في زمانهم؛ بحرٌ متلاطم ينفلق فيكون كل فرق كالطود العظيم، ثم يُسلك لهم من خلاله طريقًا يبسًا يسيرون عليه، حتى إذا تكامل جمعهم، وتحققت نجاتهم، استدرج الله عدوهم كي يلحق بهم، ثم أطبق عليه اليم فأغرقه مع جنوده وهم ينظرون.
وهذا المشهد المهيب، كان كافيًا لزلزلة أعتى الأفكار الوثنية في النفوس، وَغَرْس عقيدة التوحيد في أعماق القلوب، وتطهيرها من رواسب الاستعباد الذي طمس البصائر طيلة عقود، لكن أثره تهاوى في قلوبهم بمجرد أن جاوزوا البحر ورأوا قومًا يعكفون على أصنامٍ لهم، وبدلًا من أن يزدادوا تسبيحًا وتنزيهًا للربّ الذي أنجاهم، تطلّعت نفوسهم إلى تلك الوثنية البصرية، وهتفوا بجهالةٍ تُسقط كل ما عاينوه من معجزات: ﴿يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾.
وإذا انتحينا بالنظر عن التفسير النفسي والاجتماعي، وأفضنا في محراب التأمل الإيماني المحض؛ وجدنا أن رؤية المعجزات الباهرة لا تغرس الإيمان في النفوس، فالإيمان ليس دهشة حسيّة تزول بزوال المؤثر، بل نور يُقذف في القلب، فيثمر خضوعًا وإخباتًا، وإلا فكم من إنسان تبهره آيات الله الكونية في الآفاق ثم يرجع إلى غيّه وإعراضه، لأن الآية أبهرت العين ولم تجد طريقها إلى القلب، مصداقًا لقول الله: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾.
والعبد لا يخلو من آياتٍ باهرات، ونعمٍ متتابعات، رآها تحل بساحته في سالف آيامه؛ عافيةٌ بعد سقم، ونجاةٌ بعد كرب، وتيسيرٌ بعد عسر، وغنى بعد فقر ...، وكلها آياتٌ مشهودة لا يجوز أن تقف عند حدود الدهشة العابرة، أو الحمد اللساني المؤقت، بل لا بد أن تثمر صلاحًا حقيقيًّا في عمله، وتقويمًا لمساره، وزيادةً في إقباله؛ فالآية التي لا تُحدث تغييرًا في سلوك العبد وعلاقته بربه = تصبح حجةً عليه لا له.
وفي هذا المعنى يقرر ابن عثيمين قاعدة مطردة في فقه النعم، فيقول: (المعصية بعد النعمة؛ أشد من المعصية قبل النعمة)، ومستنده في هذا التأصيل قوله تعالى: ﴿وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾، ويقول القرافي تعليقًا على قوله تعالى: ﴿يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين﴾: وهذه عادة الله تعالى في خلقه، من عظمت عليه نعمته؛ اشتدت عليه نقمته، ولذلك رجم المحصن في الزنا وجلد البكر.
وهذه القاعدة وإن كانت في الجهة المقابلة من المعنى الذي قدمناه، إلا أن استحضارها في هذا السياق يكشف بُعدًا يكتمل معه التصور، فإذا كانت انتكاسة بني إسرائيل وتطلعهم للوثنية -بعد أن عاينوا المعجزة- معصية بعد نعمة؛ فإن الميزان الإيماني يقتضي استحضار نموذج الشكور الساعي لتثبيت النعمة بالصلاح والعمل.
وإنما يُعرف صدق التأثر بالآية، وبقاؤها في الفؤاد؛ بما تتركه من أثرٍ صالحٍ على الأعمال، فقد جاء في قصة كعب: (إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت، فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذبًا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت).
وهنا يتراءى للمتأمل درسٌ إيمانيٌّ عميق في فقه القلوب؛ وهو أن المعجزة الحسيّة وسيلة لإقامة الحجة، لا أداة تصنع اليقين أو توجب الهداية، والمرء لا يغتر بما لديه مهما كان، وإنما يظل خائفًا وجلًا، يسأل الله الثبات بقلب خاضع، مستعيذًا من دواعى الهوى والانتكاس، فالدعاء هو الملاذ الحقيقي بعد رحمة الله، والهداية منحة ربانية، تُستدام بدوام التضرع والافتقار، لا بمشاهدة الآيات أو حصول المعجزات!
وفي مشهد بني إسرائيل مع عباد الأصنام تحذيرٌ بليغ لكل مؤمن، وتنبيه مؤكد على خطورة التعرض للشبهات والفتن، وحثٌّ على مجانبة البيئات المنحرفة قدر الاستطاعة؛ فبنو إسرائيل لم يخالطوا أولئك العاكفين على الأصنام، ولم يساكنوهم، بل كان اجتيازهم مجرد اجتيازٍ عابر، ورؤية خاطفة، ومع ذلك، فقد هزّ هذا المشهد إيمانهم فقالوا لموسى: ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾، فالعين إن لم تكن محصنة بنور الوحي، والقلب إذا لم يكن عامرًا بتعظيم الله؛ فإن مجرد النظر إلى الباطل، والوقوف على مشاهد الغواية = قد يُوقظ الكوامن الضعيفة في النفس، ويُفسد العبد من حيث لا يشعر، والله المستعان!
| 2 | (مناجاة الثناء: حين يُغني افتقارك عن الطلب).
بين فقر العبد وكرم الرب مسافة يقطعها (الثناء)؛ فليس كل دعاءٍ يكون طلبًا كاشفًا عن احتياج العبد، بل منه نوعٌ خاصٌّ يكون تعريضًا بذكر الحال مع الثناء على الله بما يناسبها، تأمّل معي كيف تحول الضرّ إلى عطاءٍ مضاعف، حين كان الثناء هو المفتاح:
(وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) لم يطلب كشف البلاء، وإنما شكا حاله وأثنى على ربه وتعرّض لرحمته، تاركًا تدبير الوقت وكيفية الفرج لمن هو أعلم وأحكم.
(فاستجبنا له وكشفنا ما به من ضر) الفاء في قوله (فاستجبنا له) تفيد التعقيب والسرعة، فكأن الثناء على الله كان مفتاحًا لأبواب العطاء.
ثم إن عطاء الله لا يأتي فردًا ولا يكون عاديًّا قط، حيث لم يكشف عنه ضره فقط، بل قال: (وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمةً من عندنا) فالله لا يعوض العبد عما فقد فحسب، بل يمنحه فوق ما فقد زيادةً وتكريمًا، وجزاءً لمن علق سؤاله على كرم المسؤول ولم يحده بسقف أمنياته، بل علقها على كرم الله الذي لا سقف له.
(وذكرى للعابدين) ليعلم كل مؤمن يمر بضيق أن هذا الطريق ممهدٌ له؛ فإذا انقطعت بك الأسباب، فثناؤك على الله وافتقارك إلى رحمته أقصر طريق إلى الفرج والعافية، والله أعلم. | 86 |
| 3 | (غرباءُ في أثوابهم).
الظروف القاسية قد تكسر الأنقياء، وربما ألبستهم أخلاقًا ليست لهم، فصاروا بعدها لا يشبهون أنفسهم، يعيشون غربة مع صديق يعرفهم حق المعرفة، ونعوذ بالله من خطوب تمتحن المعادن حتى تذيبها.
كم طوى البؤس نفوسًا لو رَعَت
منبتًا خصبًا لكانت جوهرا | 306 |
| 4 | (مدافعة الأقدار بالأقدار).
الوصول إلى نهاية مسدودة بعد طريق مدروس؛ من التجارب الحياتية المؤلمة والمفاجئة، خاصة إذا كان الطريق شاقًّا ومتعبًا، أو مسبوقًا بكثير من الآمال التي لم يكتب لها التمام، وإنما حطمتها صخرة الواقع لحكمة يعلمها الله.
فالحياة في طبيعتها ليست معادلات حسابية تمنحك النتائج بمجرد صف الأرقام والمعطيات، بل هي -في أطوارها الكبرى- مسارب متداخلة، ونهايات مفاجئة، يغلق منها بابٌ ليفتح آخر، وقد تدفعك إلى منعطف لا تريده على كره منك، فينتهي بك إلى طريق لا تعرف معالمه، وتجهل كثيرًا من عواقبه، يدفعك إلى المضي فيه أنه تدبير الله لك، وخيرته التي ساقها إليك، فتلقي عن كاهلك عناء التفكير الذي أنقض ظهرك، وأثقل سعيك، لتمضي خفيف الظهر بما معك من توكل واعتماد على العزيز الوهاب، باذلاً ما استطعته من السعي والأسباب.
فإن دفعتك الحياة يومًا إلى منعطف لا تريده؛ تذكر أن غالب نقاط التحول الكبرى يُساق إليها الإنسان كرهًا لا محبةً، واضطرارًا لا اختيارًا، (وما أكثر من يُقاد إلى حظِّه بالسواجير -وهي الأغلال-، وبالسوق العنيف، وبالإخافة الشديدة)، كما يقول الجاحظ.
وماذا يغني عنك طريقك المسدود وقد عرفت نهايته؟! وما وقوفك فيه مستسلمًا تندب حظك إلا عجز وتقصير! وخَوَرٌ وضعف همة! فاضرب فجاج الأرض فإن لله أبوابًا ما طرقتها بعد، ونهايات لم يجمعك بها السعد، وإنما هي آجاله المحتومة، وأقداره المكتوبة!
وما مضيك في الطريق المجهول إلا فرارٌ من القدر المعلوم إلى القدر المأمول، ومن ضيق اليقين إلى سعة الاحتمال، ومن تحتم البلاء إلى رجاء العافية، فالشأن ليس أن ترى آخر الطريق، وإنما أن تثق بمن شرع لك السعي ومدافعة القضاء، فإذا انغلق باب الحيلة، فافتح باب التوكل، وامضِ مستصحبًا يأسك من الخلق، ويقينك بلطف الخالق؛ فما سار مؤمنٌ يبحث عن العافية بقلب صادق، إلا وساق الله إليه من لُطفه ما لم يكن في حُسبانه.
قال ابن القيم عن مدافعة الأقدار بالأقدار: (هذا شأن العارفين وشأن الأقدار، لا الاستسلامُ لها وتركُ الحركة والحيلة، فإنّه عجزٌ، والله تعالى يلوم على العجز. فإذا غُلِبَ وضاقت به الحيل، ولم يبق له مجالٌ، فهنالك الاستسلامُ للقدر، والانطراحُ كالميِّت بين يدي الغاسل يقلِّبه كيف شاء، وهنا ينفع الفناءُ في القدَر علمًا وحالًا وشهودًا).
ولله در الفاروق -رضي الله عنه- حين نطق لسانه بتلك الحكمة العظيمة، عندما نأى بنفسه ومن معه عن دخول أرض الطاعون طلبًا للسلامة والعافية، فقال له أبو عبيدة -رضي الله عنه- منكرًا عليه: (أفرارًا من قدر الله؟!)، فقال عمر: (لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟! نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله!)، فهذا القول -في حقيقته- لم يكن هروبًا من المكتوب، بل تفكيكًا لمفهوم الاستسلام، وتأكيدًا على أن السعي والتحول والبحث عن العافية من صميم القدر، وأن مشيئة الله لا تعطل العقل عن السعي في طلب المخرج، والبحث عن فضاء النور، والله المستعان! | 300 |
| 5 | (مدافعة الأقدار بالأقدار).
الوصول إلى نهاية مسدودة بعد طريق مدروس؛ من التجارب الحياتية المؤلمة والمفاجئة، خاصة إذا كان الطريق شاقًّا ومتعبًا، أو مسبوقًا بكثير من الآمال التي لم يكتب لها التمام، وإنما حطمتها صخرة الواقع لحكمة يعلمها الله.
فالحياة في طبيعتها ليست معادلات حسابية تمنحك النتائج بمجرد صف الأرقام والمعطيات، بل هي -في أطوارها الكبرى- مسارب متداخلة، ونهايات مفاجئة، يغلق منها بابٌ ليفتح آخر، وقد تدفعك إلى منعطف لا تريده على كره منك، فينتهي بك إلى طريق لا تعرف معالمه، وتجهل كثيرًا من عواقبه، يدفعك إلى المضي فيه أنه تدبير الله لك، وخيرته التي ساقها إليك، فتلقي عن كاهلك عناء التفكير الذي أنقض ظهرك، وأثقل سعيك، لتمضي خفيف الظهر بما معك من توكل واعتماد على العزيز الوهاب، باذلاً ما استطعته من السعي والأسباب.
فإن دفعتك الحياة يومًا إلى منعطف لا تريده؛ تذكر أن غالب نقاط التحول الكبرى يُساق إليها الإنسان كرهًا لا محبةً، واضطرارًا لا اختيارًا، (وما أكثر من يُقاد إلى حظِّه بالسواجير -وهي الأغلال-، وبالسوق العنيف، وبالإخافة الشديدة)، كما يقول الجاحظ.
وماذا يغني عنك طريقك المسدود وقد عرفت نهايته؟! وما وقوفك فيه مستسلمًا تندب حظك إلا عجز وتقصير! وخَوَرٌ وضعف همة! فاضرب فجاج الأرض فإن لله أبوابًا ما طرقتها بعد، ونهايات لم يجمعك بها السعد، وإنما هي آجاله المحتومة، وأقداره المكتوبة!
وما مضيك في الطريق المجهول إلا فرارٌ من القدر المعلوم إلى القدر المأمول، ومن ضيق اليقين إلى سعة الاحتمال، ومن تحتم البلاء إلى رجاء العافية، فالشأن ليس أن ترى آخر الطريق، وإنما أن تثق بمن شرع لك السعي ومدافعة القضاء، فإذا انغلق باب الحيلة، فافتح باب التوكل، وامضِ مستصحبًا يأسك من الخلق، ويقينك بلطف الخالق؛ فما سار مؤمنٌ يبحث عن العافية بقلب صادق، إلا وساق الله إليه من لُطفه ما لم يكن في حُسبانه.
قال ابن القيم عن مدافعة الأقدار بالأقدار: (هذا شأن العارفين وشأن الأقدار، لا الاستسلامُ لها وتركُ الحركة والحيلة، فإنّه عجزٌ، والله تعالى يلوم على العجز. فإذا غُلِبَ وضاقت به الحيل، ولم يبق له مجالٌ، فهنالك الاستسلامُ للقدر، والانطراحُ كالميِّت بين يدي الغاسل يقلِّبه كيف شاء، وهنا ينفع الفناءُ في القدَر علمًا وحالًا وشهودًا).
ولله در الفاروق -رضي الله عنه- حين نطق لسانه بتلك الحكمة العظيمة، عندما نأى بنفسه ومن معه عن دخول أرض الطاعون طلبًا للسلامة والعافية، فقال له أبو عبيدة -رضي الله عنه- منكرًا عليه: (أفرارًا من قدر الله؟!)، فقال عمر: (لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟! نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله!)، فهذا القول -في حقيقته- لم يكن هروبًا من المكتوب، بل تفكيكًا لمفهوم الاستسلام، وتأكيدًا على أن السعي والتحول والبحث عن العافية من صميم القدر، وأن مشيئة الله لا تعطل العقل عن السعي في طلب المخرج، والبحث عن فضاء النور، والله المستعان! | 46 |
| 6 | (بين مُتكأ الحسنات، وظلال السيئات السالفة).
جاء عن الحسن البصري -رحمه الله- في قوله تعالى: (فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) أنه قال: (تعلم والله أن التضرُّع في الرخاء استعدادٌ لنزول البلاء، ويجد صاحبه مُتكأً إذا نزل به، وأنّ سالف السيئة تلحق صاحبها وإن قدُمت)، فهل هذا يدل على أن شؤم السئية يلحق العبد ولا بد؟!
والجواب أن كلام الحسن -رحمه الله- جاء في سياق الموعظة: فهو من قبيل الترهيب والزجر عن الاستهانة بالذنوب أو نسيانها دون توبة، وليس تأصيلاً مطّردًا يوجب حصول العقوبة؛ لأن السيئة مقتضية للعقوبة لا موجبة لها، وهذا المقتضي (السيئة) قد لا يترتب عليه أثره (العقوبة) لوجود (مانع) من الموانع، فقول الحسن: (سالف السيئة تلحق صاحبها) محمول على حال السيئة إذا لم يعترضها ما يمحو آثارها؛ فإذا تاب العبد، أو استغفر، أو أتى بحسنات ماحية، أو نزل به بلاء مكفر، فإن (سالف السيئة) هنا ينقطع أثره ولا يلحق بصاحبه، لأن المانع من العقوبة قد وجد.
وما يصيب العبد من همٍّ أو حزن في الدنيا، أو حتى ما يلقاه من أهوال القبر أو أهوال يوم القيامة، فهو قد يكون عقوبة لـ(سالف سيئاته) من وجه، ولكنه عند التأمل تكفير لذنبه من وجه آخر، وأثر يطهره من نزول العقوبة الكبرى عند الجزاء والحساب.
وما أحسن ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الأسباب العشرة التي تكفر الذنوب، أذكرها هنا تتميمًا للفائدة وفسحًا في طريق الرجاء:
• السبب الأول: التوبة، وهذا متفق عليه بين المسلمين. قال تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم).
• السبب الثاني : الاستغفار، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا أذنب عبدٌ ذنبًا فقال: أي رب، أذنبت ذنبًا فاغفر لي، فقال: علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي .. الحديث)، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (لو لم تذنبوا؛ لذهب الله بكم ولجاء بقومٍ يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم).
• السبب الثالث: الحسنات الماحية، كما قال تعالى: (أقم الصلاة طرفي النهار وزُلَفَاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات)، وقال ﷺ :(الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم.
• والسبب الرابع الدافع للعقاب: دعاءُ المؤمنين للمؤمن، مثل صلاتهم على جنازته، فعن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من رجلٍ مسلمٍ يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئًا، إلا شفعهم الله فيه) رواه مسلم، ويدخل في هذا دعاء الملائكة واستغفارهم للمؤمنين.
• السبب الخامس: ما يعمل للميت من أعمال البر، كالصدقة ونحوها، فإن هذا ينتفع به بنصوص السنة الصحيحة الصريحة، واتفاق الأئمة، وكذلك العتق والحج، بل قد ثبت عنه ﷺ في الصحيحين أنه قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) رواه البخاري ومسلم.
• السبب السادس: شفاعة النبي ﷺ وغيره في أهل الذنوب يوم القيامة، كما قد تواترت عنه أحاديث الشفاعة، مثل قوله في الحديث الصحيح: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، وقوله ﷺ: (خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة ...).
• السبب السابع: المصائب التي يُكفر الله بها الخطايا في الدنيا، كما في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (ما يُصيب المؤمن من وصبٍ ولا نصب ولا همٍ ولا حزن ولا غم ولا أذى؛ حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه). رواه البخاري ومسلم.
• السبب الثامن: ما يحصل في القبر من الفتنة، والضغطة، والروعة (أي التخويف)، فإن هذا مما يُكفر به الخطايا .
• السبب التاسع: أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها.
• السبب العاشر: رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد.
فتحصل من مجموع هذه الأسباب أنها: ثلاثة من العبد: (التوبة، الاستغفار، الحسنات الماحية)، وثلاثة من غيره: (دعاء المؤمنين، ثواب الأعمال المهداة، شفاعة النبي ﷺ)، وأربعة من قدر الله: (مصائب الدنيا، فتنة القبر، أهوال القيامة، ثم رحمة الله المحضة)، وإذا تأملت فضل الله فيها وجدت أن أكثرها لا يدخل في كسب العبد.
فقول الحسن: (سالف السيئة تلحق صاحبها) هو تحذير من إهمال التوبة والاستهانة بالذنوب، وكلام ابن تيمية يفتح باب الرجاء بأن هذه السيئة التي تلاحق العبد يمكن قطع طريقها بالتوبة والحسنات واللجوء إلى الله، فكلام الحسن محمول على (عدم وجود المانع)، وكلام ابن تيمية هو في (بيان الموانع)، والمؤمن يُبطل أثر سيئاته القديمة بكثرة حسناته الحديثة عملًا بقول النبي ﷺ: (وأتبع السيئة الحسنة تمحُها). | 260 |
| 7 | ذكرَ الشيخ وليد السعيدان أنه من الدعوات التي يُحبها ويكررها كثيرًا: «اللهم اجعل تكفير ذنوبي بمغفرةٍ من عندك، لا بمصيبةٍ تصيبني في مالي، أو نفسي، أو ولدي». | 222 |
| 8 | _
قد يختصر عليك تلخيصُ كتابٍ واحد مسافاتٍ من الوقت والجهد، وإن استثقلتَ مؤونته أولَ الأمر؛ فما يُبذل في التلخيص مرةً، قد تُجنى ثمرتُه مرارًا، وربَّ تعبٍ في ساعةٍ أورث راحةً في أعوام!
📍ومن ذلك عندي:
(الممتع في القواعد الفقهية)؛ وهو كتابٌ يقع في نحو (460) صفحة، لخَّصتُها في (18) صفحة لا غير..
وقد لخَّصتُه قبل نحو عشر سنوات، فكان ذلك التلخيص عُدَّةً أعود إليها كلما عرضت لي حاجةٌ إلى مراجعة القواعد الفقهية، وانتفعتُ به في مذاكرة:
• اختبار القبول في مرحلة الماجستير.
• اختبار مادة القواعد الفقهية في الماجستير.
• اختبار القبول في مرحلة الدكتوراة.
• الاختبار الشامل في الدكتوراة.
وكان التلخيص يومئذٍ بخطِّ اليد، كتبته لنفسي على عجل، فلم أُعنَ بترتيبه ولا إخراجه؛ إذ لم يخطر لي أنه سيجاوز أوراقي يومًا ..
وقد سبق أن نشرتُه قديمًا عبر [إكس] (تويتر سابقًا)، فلاقى -على سوء خطِّه، وكثرة ألوانه، وما فيه من آثار العجلة :) -انتشارًا واسعًا بفضل الله ..
ثم تفضَّلت بعض الأخوات الكريمات بكتابته إلكترونيًّا، وترتيبه وتهذيبه؛ فجزاهن الله عني وعن كل منتفعٍ به خير الجزاء 🤍
وها هو اليوم بين أيديكم في حُلَّةٍ أكثر ترتيبًا، وصورةٍ أيسر تناولًا؛ رجاءَ أن يختصر على الطالبِ شيئًا من الطريق، كما اختصره عليَّ مرارًا ..
#الممتع_في_القواعد_الفقهية
#منارات_في_طريق_الطلب | 272 |
| 9 | (سحابةُ اليقين في صحراء اليأس؛ دعاءٌ مع أسباب معدومة).
يقول الطحاوي: (ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم).
مما أفاده الأستاذ الأديب صالح العوض؛ هذه القصة العجيبة التي لم أدرك أصحابها، وهم: الشيخ صالح بن محمد، وصالح بن حسين أبناء الخربوش، ومحمد الدبيان، وكنت قد سألت من لقيهم وعرفهم فأكد لي أنهم ثقات عدول، يقول الأستاذ:
(من نوادر القصص التي رواها لي شخصياً الشيخ صالح بن محمد بن سليمان الخربوش رحمه الله أنه قال: كنا في رحلة إلى عفيف قبل ثمانين سنة تقريباً، وكان برفقتي صالح بن حسين الخربوش ومحمد بن عبدالله الدبيان ومعنا نعجة هزيلة. فلما بقي على نقطة وصولنا أربعون كيلومتراً في المنتصف بين ضرية وعفيف انتهى الماء، وكنا في أشد حالات القيظ وأيقنا بالهلاك في هذه المظماة. فلم يكن أمامنا إلا أن نجأر إلى الله بالدعاء لعل الله يلطف بنا ويغيثنا برحمة منه، واستبعدنا ذلك لأننا في غير مواسم الأمطار، فاتجهنا إلى الله واستغثنا وشاتنا بيننا تكاد تموت. فبينما نحن في استحضار أسوأ الحالات لم نشعر إلا بغمامة بحجم عباءة الرجل -وهذا تعبيره ووصفه- فأمطرتنا حتى غدّرت وملأنا قربتنا وارتوينا ثم واصلنا مسيرنا بحمد الله إلى محطتنا الأخيرة. وهذه من نوادر القصص وعجائبها وغرائبها، ولولا معرفتي به وصدقه لما كنت قبلتها، وقد أكدتها أيضاً من رفيقه صالح بن حسين الخربوش. وكانت رحلتهم سيراً على الأقدام فلم يكن معهم راحلة، وكانوا يحملون مزاداتهم وقربة الماء على أكتافهم بالتناوب، وأعمارهم رحمهم الله متقاربة فكلهم يقع تاريخ ميلادهم ما بين 1345 و1347 هـ، وتربطهم جميعاً صلة قرابة فالصالحان أبناء عم وهما أخوال محمد، وكل من ذكرتهم فهم قد ودعوا دنيانا في غضون العقود الثلاثة الماضية، وكلهم -كما نعرفهم حق المعرفة- ثقات عدول وعلى فطرتهم في حياتهم العامة ونقائهم البيئي والاجتماعي، رحمهم الله وإيانا جميعًا). | 397 |
| 10 | (نداء الفطرة؛ حادٍ في طريق الهداية).
الهداية إلى كتاب اشتدت فاقتك إليه؛ من أعظم الهدايات أثرًا على النفس والوجدان، وقد مر بي كلام لرجل يقال له ابن حامد، عاصر شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان من شأنه أنه عاش حيرة عظيمة في فترة من حياته، حتى هُدي إلى كتاب «درء تعارض العقل والنقل»، فسطر عباراته بمداد عبراته، وقد وُجدت ملحقة ببعض مخطوطات كتاب «الدرء»، أنقل منها هذا القدر الذي يقول فيه:
(وكنت قبل وقوفي على مباحث إمام الدنيا -رحمه الله- قد طالعت مصنفات المتقدمين، ووقفت على مقالات المتأخرين من أهل الفلسفة ونُظّار أهل الإسلام؛ فرأيت فيها الزخارف والأباطيل، والشكوك التي يأنف المسلم الضعيف في الإسلام أن تخطر بباله، فضلا عن القوي في الدين؛ فكان يُتعب قلبي ويحزنني ما يصير إليه الأعاظم من المقالات السخيفة والآراء الضعيفة، التي لا يعتقد جوازها آحاد الأمة، وكنت أفتش على السنة المحضة في مصنفات المتكلمين من أصحاب الإمام أحمد -رحمه الله- على الخصوص، لاشتهارهم بالتمسك بمنصوصات إمامهم في أصول العقائد فلا أجد عندهم ما يكفي، وكنت أراهم يتناقضون؛ إذ يؤصلون أصولا يلزم فيها ضد ما يعتقدون، أو يعتقدون خلاف مقتضى أدلتهم، فإذا جمعت بين أقاويل المعتزلة والأشعرية، وحنابلة بغداد وكرّامية خراسان؛ أرى أن إجماع هؤلاء المتكلمين في المسألة الواحدة على ما يخالف الدليل العقلي والنقلي، فيسوؤني ذلك، وأظل أحزن حزنا لا يعلم كنهه إلا الله، حتى قاسيت من مكابدة هذه الأمور شيئا عظيما لا أستطيع شرح أيسره، وكنت ألتجئ إلى الله سبحانه وتعالى وأتضرع إليه، وأهرب إلى ظواهر النصوص، وألقى المعقولات المتباينة، والتأويلات المصنوعة فتنبو الفطرة عن قبولها، ثم قد تشبثت فطرتي بالحق الصريح في أمهات المسائل، غير متجاسرة على التصريح بالمجاهرة قولا وتصميما للعقد عليه، حيث لا أراه مأثورا عن الأئمة وقدماء السلف، إلى أن قدر الله سبحانه، وقوع مصنف الشيخ الإمام -إمام الدنيا- في يدي، فوجدت فيه ما بهرني من موافقة فطرتي لما فيه، وعزو الحق إلى أئمة السنة وسلف الأمة، مع مطابقة المعقول والمنقول!
فبهت لذلك سرورا بالحق، وفرحا بوجود الضالة التي ليس لفقدها عوض، فصارت محبة هذا الرجل -رحمه الله- محبة ضرورية، تقصر عن شرح أقلها العبارات ولو أطنبت، ولما عزمت على المهاجرة إلى لقيه، وصلني خبر اعتقاله، وأصابني لذلك المقيم المقعد.
ولما حججت سنة ثمان وعشرين وسبعمائة صممت العزم على السفر إلى دمشق لأتوصل إلى ملاقاته، ببذل مهما أمكن من النفس والمال للتفريج عنه، فوافاني خبر وفاته -رحمه الله تعالى- مع الرجوع إلى العراق، قبيل وصولي الكوفة، وجدت عليه ما لا يجده الأخ على شقيقه -وأستغفر الله-؛ بل ولا الوالد الثاكل على ولده، وما دخل في قلبي من الحزن لموت أحد من الولد والأقارب والإخوان كما وجدته عليه -رحمه الله تعالى-، ولا تخيلته قط في نفسي ولا تمثلته في قلبي؛ إلا ويتجدد لي حزن قديمه كأنه محدث، ووالله ما كتبتها إلا وأدمعي تتساقط عند ذكره أسفا على فراقه وعدم ملاقاته، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
ولعل من أعجب ما في كلامه، هو ذلك الميزان الذي ظلّ عصيًّا على الكسر في داخله؛ ميزان الفطرة! حيث كان يقرأ التأويلات المصنوعة فتنبو عنها نفسه، وتأبى روحه أن تستقر على تناقض المقالات، متشبثًا بأصول الحق الصريح في قرارة نفسه، ممسكًا عن التجرؤ بالقول والقطع به ما لم يره مسندًا إلى أئمة الهدى وسلف الأمة، وتلك لعمر الله أمارة عقل راجح، ونفس متزنة!
ثم كان منه المسلك الذي لا يخيب صاحبه: الافتقار إلى الله حين ضاقت به السبل، فلم يركن إلى تجريدات العقل وحدها، بل عاذ بالتضرع الصادق، والالتجاء الخالص، والهرب إلى نصوص التنزيل فاحتمى بظواهرها من عواصف الشكوك، وتلك سُنّة الله التي لا تتخلف في عباده، فما انكسر عبدٌ بين يدي ربه مستهديًا بنور وحيه؛ إلا أخذ بيده إلى الجادّة، وأشرقت عليه أنوار الهداية من حيث لا يحتسب، والله المستعان! | 455 |
| 11 | بدون متن... | 441 |
| 12 | (باقٍ على العهد كي تقترب).
معاذ الله أن أفلت يدك، وقد مددتَّها إليّ مرارًا، وما كنتُ لأطوي صفحة الودِّ بعد حرفٍ من الزلل، وهيهات أن أجعل هفوةً عابرةً سدًّا لما بيننا من بحور الصفاء، فأنت الأثير في نفسي وإن اخترتَ أن تبتعد، وأنا الباقي على عهد الوفاء كي تقترب.
واعلم أن مسافات نأيك لا تزيدني إلا تمسكًا بحبلك، وأنَّ الصدَّ إن جاء من قِبلكَ فما أظنه إلا دلالاً، وإن طال ما خلته إلا اختبارًا.
سأظلُّ أرقبُ في عتمة الغيابِ وميضَ إيابك، وأبسطُ لك من الأعذار ما لا يخطر على بالك؛ فما أنا بمستبدلٍ بك أحدًا، ولا أنا بالذي يبيعُ عهدَ الوفاء بظنٍّ مائل.
سأحفظ ميثاقنا القديم، وأصون الودَّ الذي قد خبرته، أرقبُ بين ذلك التفاتك، فطيور قلبك -وإن حلّقت بعيدًا– ليس لها في نهايةِ المطافِ إلا غُصني موطنًا ومآلاً.
ارجِعْ تَجِدْني مثلَما غادرتَني
ما ضَلَّ صاحبُكَ القديمُ وما غَوَى! | 327 |
| 13 | روى القاضي ابن العربي المالكي (ت: ٥٤٣) قصة عجيبة في استجابة الله دعاء المضطر المفتقر ولو كان كافرًا، بل ولو كان كافرًا حربيًا أثناء مسيرة لقتال المسلمين؛ يقول:
"لما دخلتُ المنستير [بلد بتونس] سنة أربع وتسعين وأربعمائة، أخبرني رؤساؤها ومشايخها أن الروم طلبوا شراء الماء منهم، فرفضوا لأن ذلك يعينهم على غزو المسلمين. وحبستهم الريح أيامًا حتى كادوا يهلكون عطشًا، فأخرجوا أناجيلهم ودعوا الله، فأنشأ لهم السحاب وأمطرهم، فجمعوا الماء وملؤوا جرارهم وجِرَبهم.
فلمّا رأى أهل المنستير استجابة دعائهم، أخلصوا في الدعاء عليهم، ونشروا المصاحف وسألوا الله أن يمكّنهم منهم وألا يُفتنوا بهم ولا يفتنوهم. فأرسل الله ريحًا بحرية بدّدت السحاب، واضطرب البحر واشتدّ الموج، فتحطمت قطع الروم عند الشاطئ، وقُتل رجالها وغُنمت أموالها، حتى هلكوا جميعًا، والحمد لله رب العالمين"[١]
قلت: هذه القصة تعظم رجاء المذنبين المخلّطين أمثالي؛ فمن استجاب لمن جمع بين الكفر والمحاربة والسير لقتل المسلمين لا يردّ من معه أصل التوحيد بمنّه وكرمه وجوده وإحسانه.
——-
[١] انظر: سراج المريدين (٢/ ٢٩٩- ٣٠٠) باختصار غير مخل. | 162 |
| 14 | (فقه الاحتمال، وحتمية الظنون الموهومة).
الإنسان بطبعه يميل إلى افتراض الأسوأ في أقداره المرتقبة، ويستبعد تحقق الرجاء إذا حاصرته الأسباب، ولعل ما يستنزفه الآن ويفت عضد سكونه لا وجود له في خارطة أقداره، ولعل ما استبعده من أمنياته أقرب إليه من شراك نعاله.
وعلى نقيض ذلك؛ لعل الخوف يكمن فيما استراح إلى أمانه، ولعل التيسير مخبوء في عقد الشدائد المستعصية، فالقدر لا يبقى على حال، ولطف الله محيطٌ بعباده لا ينفك عنهم طرفة عين!
ومن مأثور القول عن أحد الأعراب: «الشَّرُّ مَخُوفٌ من كلِّ وجهٍ، والنَّفعُ مَرجُوٌّ من كلِّ ناحيةٍ، وما أكثرَ ما يأتي الخيرُ من وجهِ الخوفِ، ويأتي الشرُّ من ناحيةِ الرجاءِ».
وهذه الفكرة تخرج المرء من سجن اليقين السلبي، إلى فضاء الاحتمال المفتوح، فليس لاحتمالٍ على احتمالٍ مَزيّة توجب ترجيحه، فكلها مستورة بحجاب الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه، وإذا علمت أن ظنونك ليست قدرًا محتومًا = خفّت وطأة القلق على نفسك، وصرت أقدر على استقبال المتغيرات وأكثر هدوءًا واتزانًا.
وفتح باب الاحتمالات ليس تخديرًا عاطفيًّا أو ترفًا فكريًّا، بل هو تحريرٌ معرفيٌّ يُهذّب طبيعة الإنسان -في ميله إلى اليأس والقنوط-، ويعيده إلى حدِّ الاعتدال والاتزان في معاملة الظنون، ويوقفه موقف المتأدب مع الغيب، وموقف المسلّم مع أقدار الله. | 201 |
| 15 | (نديمُ الختمات).
من غرائب ما سمعت: أن أحدهم حفظ القرآن من كثرة تلاوته فقط، ولم يجلس يومًا لحفظه ولا مراجعته، وإنما هو حالٌّ مرتحل، لا ينتهي من ختمةٍ إلا ويشرع في أخرى، فصار يختم كل ثلاث، ويقرأ القرآن عن ظهر قلبٍ في غالب أحواله!
فالإنجازات الكبرى نادرًا ما تكون وليدة طفرة مفاجئة، بل هي تراكمات صغيرة، تبدو في يومها عادية، لكنها إذا اجتمعت على مدى الأيام والشهور والسنين = شكّلت بناءً شاهقًا يعجز عنه صاحب الكثير المنقطع.
وفرقٌ بين جهد (التحصيل) المشوب بالمغالبة والمجاهدة، وجهد (العادات) المشوب بالتكرار وطول الملازمة؛ فمن كان بين حِلّ وارتحال، ولا يضع عصا التلاوة إلا ليرفعها = تنطبع الصور في ذهنه انطباعًا كليًّا، وتترابط الآيات في عقله الباطن بالسياق والنغم والترداد، حتى يجد لسانه ينطلق بالآية دون استدعاء متعمد، لا يتكلف ذلك كما لا يتكلف أنفاسه سواءً بسواء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء!
وقد سُئل الإمام البخاري من قِبل ورّاقه محمد بن أبي حاتم: (هل من دواء للحفظ؟ فقال: لا أعلم شيئًا أنفع للحفظ من نهمة الرجل، ومداومة النظر). وسُئل في موضع آخر: (ما البلاذر -وهو دواء كان يُظن قديمًا أنه يُنشط الذاكرة- فقال: إدامة النظر في الكتب).
فلا تستهن بالتكرار على المُدد المتطاولة؛ فإن تأثيره أبلغ من السحر، وقديمًا قيل: (ما تكرر تقرر)، وحُكي أن فقيهًا أعاد الدرس في بيته مرارًا كثيرة، فقالت عجوز في بيته: (قد والله حفظته أنا! فقال: أعيديه. فأعادته، فلما كان بعد أيام قال: يا عجوز أعيدي ذلك الدرس، فقالت: ما أحفظه! فقال: أنا أكرر الحفظ لئلا يصيبني ما أصابكِ).
غير أن الملال آفة هذه الطريقة، فـ(الملول لا يكون حافظًا) كما يقول الشافعي، ولكن (نديم الختمات) يغالب ذلك بكل سبيل، ويحتال على النفس بأنواع الحيل للخلاص منه، فخلق العادات المستمرة -وإن قلَّت- هدفه الذي لا يحيد عنه، مستشعرًا أن أحبَّ العمل إلى الله أدومه وإن قلّ!
وقد ذكرت لي إحدى الأخوات أن أختها كفيفةٌ، ولديها قصور في الإدراك في بعض الجوانب الحياتية، لكنها حفظت القرآن عن طريق كثرة سماعه في إذاعة القرآن، وهي آية ومعجزة في قوة الحفظ والإتقان ومعرفة المتشابهات!
يا أصحاب العافية تداركوا أعماركم فقد قامت علينا الحجة بأمثال هؤلاء، والله المستعان! | 296 |
| 16 | (تأمُّلات في اسم الله الرّفيق 2-2).
ومن رأفة الله ورفقه بالمكروبين، أنه لا يفجؤهم بالفرج وهم في عمق البلاء، بل يسوق بين يدي رحمته ما يُشعر بحصولها أو قرب وصولها (ولمافصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف)، وذلك حتى لا يهجم عليهم الفرح وهم في شدة الحزن فيكون في ذلك ذهاب عقولهم أو هلاك نفوسهم.
وكلما كان البلاء عظيمًا كانت البشارات بالفرج أعظم وأكثر، وصور هذه البشارات لا ينتظمها الوصف ولا يحيط بها العد، فقد تكون رؤيا صالحة، وقد جاء في الحديث: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات؛ الرؤيا الصالحة يراها العبد أو تُرى له)، وقد تكون آية يقرؤها العبد أو يسمعها فيستقر يقينها في قلبه، أو كلمة يجري بها لسانُ عبد من عباد الله فتجري من نفس المبتلى جريان الماء في العود، فتورق بها نفسه وتخضرّ بعد طول يباسها، أو مشهدًا يراه فيعتبر به، أو رَوْحًا يجده في نفسه من دون سبب، والله يتابع على عباده نَفَحَات الفرج كلما أجدبت أرواحهم وقلّت موارد صبرهم، فتكون كالغيث الذي يحيي آمالهم ويملأ حياض الصبر في أرواحهم، وهي رياح البشرى التي يسوقها بين يدي رحمته، فمن أحسها فليستبشر، فالله أكرم من أن يُذيق عبدَه نَفْحَةَ الفرج ثم لا يبلُّغه إياه!
غير أن ها هنا ملحظًا لطيفًا أختم به: وهو أن هذه البشارات قد تكون قبل مجيء الفرج بزمن بعيد، وذلك حتى لا يهلك العبد غمًّا، أو يموت أسفًا من شدة ما يلقاه من البلاء، فتأتي هذه البشارات لكي تنتشله كلما أشرف على الهلاك، أو انقطعت به السُّبل، وبها يحفظ الله جذوة حسن الظن به في قلب عبده المؤمن، لأن سوء الظن بالله، واليأس من رحمته؛ عذابٌ لا يُصب على قلب مؤمن أبدًا (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون). | 349 |
| 17 | (تأمُّلات في اسم الله الرّفيق 1-2).
من جلال اسم الله (الرفيق) أنه يهيئ عباده لما يريد بهم من عظيم أقداره، فتراه يسوق من الأحداث العجيبة ما يكون توطئة لهذه الأقدار قبل نزولها، إذ لو نزلت عليهم فجأة دون مؤشرات ومبشرات لكان فيها اختلال أحوالهم، أو ذهاب عقولهم، أو هلاك نفوسهم، ولكنه لكمال علمه بضعف عباده، وكمال رحمته ولطفه؛ يسوق المقادير شيئا فشيئا، وهو القادر -لو شاء- أن يجعل خلقه وأمره يحدث في لحظة، ولكن حكمته لاتبلغها الأفهام ولا تحيط بها الأوهام، ولك أن تتخيل أن نبينا ﷺ -والذي كان من أكمل الناس عقلا وأقواهم نفسا- قد هيأه الله للنبوة شيئا فشيئا، فلم تهجم عليه مرة واحدة، وإنما ساق بين يديها من الأقدار ما يكون توطئة لها، فقد مكث قبل نزول الوحي ستة أشهر يرى الرؤيا فتقع مثل فلق الصبح، وكان إذا خرج لشعاب مكة وبطون أوديتها يسمع تسليم الشجر والحجر: (السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا رسول الله)، فيلتفت عن يمينه وشماله فلا يرى شيئًا، فمكث يسمع تسليمها عليه بالرسالة ما شاء الله أن يمكث، حتى جاءه جبريل -عليه السلام- بما جاءه من كرامة الله وهو في غار حراء، فكان لهذا الحدث الرهيب أثر بالغ عليه؛ إذ رجع وفؤاده يرجف من هول ما رأى وسمع، حتى دخل على خديجة وهو يقول: (إني خشيت على نفسي)، أي خاف على نفسه الهلاك من شدة الرعب على ما استظهره ابن حجر في تفسير هذه الجملة، فما ظنك بحاله لو هجمت عليه النبوة فجأة من دون مقدمات وممهدات؟!
وكذلك ما مهّده لمريم الصدّيقة في الرزق الذي يأتيها بلا سعي ولا سبب، حتى ذُكر أنها تُرزق بالطعام في غير أوانه زيادة في العجب، فكانت فاكهة الصيف تأتيها في الشتاء، وفاكهة الشتاء تأتيها في الصيف إمعانًا في خرق العادات، وكل ذلك مستمر متكرر كما يُفهم من لفظ (كلما) في الآية الكريمة: (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا)، ولعل من حكمة ذلك ترسيخ معاني القدرة الإلهية قبل حملها بعيسى -عليه السلام-، فكان خرق العادة في رزقها تمهيدًا لخرق العادة في حملها، ومن أجلّ صور الرفق الإلهي ما يكون تمهيدًا وتوطئة لعباداتٍ عظيمة يريدها الله لعبده، فيسوق بين يديها من الأقدار والأحداث العجيبة مايكون صنعًا وتربيةً لهذا العبد، ولولا ذلك الصنع الذي تقدمها ماكان للعبد أن يحمل أعباءها، ولكن الله رفيق بعباده ولطيف بهم، يفتح لهم من أبواب الخير أبوبًا صغيرة تنتهي بهم إلى أبوابه الكبيرة، وقد يسوقهم مع تلك الأبواب الممهِدة على كرهٍ منهم، فتجد الواحد منهم يكابد مراحلها مرحلةً مرحلةً، يتبصّر الحكمةَ من ورائها فلا يبصرها، ولربما حاول أن يعود أدراجه فيُحال بينه وبين ما أراده، فيختار أن يمضي في طريقٍ لايعلم نهايته، وما علم أن الخير مخبوء في عاقبته، وأن هذا الطريق الذي يقطع فيه أيامه وأعوامه ما هو إلا صنعٌ يمهّده لباب من الخير الممتد، والعطاء الذي لا ينفد، وأنّى للعبد أن يدرك حجم العطاء حتى ولو عُرض عليه في أوّل أمره، لأن عقله عاجز عن استيعاب خفايا الحكمة وقاصرٌ عن إدراك خبايا الألطاف، فكان من رحمة الله به أن ساقه إلى هذا الخير على كرهٍ منه، لينال هذه الكرامة في عاقبة أمره، وصارت حاله كحال من يُقاد إلى الجنة رغمًا عنه، وعجب ربك من أناس يقادون إلى الجنة بالسلاسل!
ومن مشاهد رحمة الله ورفقه عند البلاء ما يهيء لعباده من أسباب الصبر والرضا قبل نزول البلاء وبعد نزوله، وتختلف هذه الأسباب تبعًا لاختلاف البلاء وشدته، وكلما كان البلاء عظيمًا كانت أسباب الثبات التي يسوقها الله لعباده أكثر وأعظم، فهذا عثمان رضي الله عنه يبشره النبي ﷺ بالجنة على بلوى تصيبه، وكانت هذه البشارة والتثبيت قبل نزول البلاء بنحوٍ من ثلاثين سنة، ثم لا يزال النبي ﷺ يتعاهده بالتثبيت حتى في مرض موته وقبل أن يفارق الدنيا، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده أن النبي ﷺ أرسل إلى عثمان، فجاء، فخلا به، فجعل رسول الله ﷺ يكلمه ووجه عثمان يتغير، فكان من آخر ما كلمه أن ضرب على منكبه وقال: (يا عثمان: إن الله عز وجل عسى أن يلبسك قميصًا، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني) كررها عليه ثلاثًا زيادةً في التأكيد وإمعانًا في التثبيت.
ولا يزال الرفيق -جل جلاله- يتولى ذا النورين بالعناية والرفق والتأييد حتى بعد نزول الفتنة، فقد ورد عنه أنه قال قبل موته: (إني رأيت رسول الله ﷺ البارحة في المنام، ورأيت أبا بكر وعمر، وإنهم قالوا لي: اصبر؛ فإنك تفطر عندنا القابلة، ثم دعا بمصحف، فنشره بين يديه، فقتل وهو بين يديه).
ومتى ما رأى العبد أن الله يبعث في طريقه أمورًا تعينه على الصبر أيام بلائه، فليعلم أنه قد أراد أن يُبلّغه، ولو أراد أن يقطعه؛ ما تابع عليه المَدد! | 344 |
| 18 | (وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده).
لعل من أسرار الأمر بالتسبيح بعد التوكل أن التسبيح في أصله تنزيه، والعبد عندما يتوكل على ربه فإنه يعلم أن من استند إليه منزه عن كل نقص؛ فالمخلوق قد يعجز، أو ينسى، أو يغفل، أما الله عز وجل فهو المنزه عن ذلك كله، والوكيل سبحانه كامل في ذاته وصفاته، فالركون لمن هذا وصفه سكونٌ للنفس وطمأنينةٌ للقلب.
وفي قوله: (الحي الذي لا يموت) تنبيه وتذكير ببقاء هذا الوكيل وكمال حياته، فالمخلوق الذي تعتمد عليه قد يغيب عند اشتداد فاقتك، أو يموت فيموت معه أملُك، والله حي لا يموت، وكمال حياته يقتضي ثبوت كل صفات الكمال التي يفتقر إليها المتوكل فيمن يعتمد عليه؛ من علم وقدرة ورحمة ولطف وحفظ وتدبير ورزق ...، ومن كان هذا وصفه كان مستحقًا للتسبيح بحمده، فالتسبيح نفي للنقائص، والحمد إثبات للمحامد.
وقوله: (الذي لا يموت) تعريضٌ بكل ما يُعبد أو يُعتمد عليه من دون الله، وتنبيه للأذهان أن تنصرف لأي حي سواه -ولو للحظة- مهما كان، فكمال الحياة يستلزم كمال الاعتماد، فالله حيٌّ حياةً ذاتية، أزلية، لا يعتريها نقص، ولا يلحقها فناء.
ولعل تعقيب هذه الصفة بقوله: (وسبح بحمده)، يورث القلب رهبة وإجلالًا للحي الذي لا يموت، فأنت لا تسبح إلـٰهًا حيًّا فحسب، بل تُسبح من قهر عباده بالموت وانفرد هو بالبقاء!
ومن أسرار هذا التفرد؛ أن التوكل يقطع دابر الخوف من المخلوقين، ويمنع التفات القلب إليهم رغبةً أو رهبة؛ فإذا أيقن العبد أن الله سبحانه هو المتفرد بالتدبير والخلق والأمر، انقشعت عن قلبه ظلمات الخوف من فوت رزق أو وقوع ضرر بيد بشر، وهذا اليقين يورث النفس عزةً وشموخًا، فلا تلتفت لغير خالقها، لعلمها أن ما كُتب لها لن يحول دونه أهل السماوات والأرض، ولو اجتمع عليها من بأقطارها.
فالعبد حين يسبح إنما يُعلن تنزيه الوكيل سبحانه عن أن يُعجزه مخلوق، أو تلتوي دونه الأسباب، أو يَكِلَ عبده المعتمد عليه إلى قوة فانية أو بشر ضعيف؛ فالتسبيح يدفع أوهام الخوف، ويستجلب اليقين بأن القوة لله جميعًا.
وإذا تجلّى معنى تفرد الله بالتدبير في قلب المتوكل، استوى عنده ثناء الناس وذمهم، وعطاؤهم ومنعهم، وأصبحت الخلائق في عينه مجرد أسباب لا تملك لنفسها -فضلاً عن غيرها- نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا.
ثم إن التوكل تفويض لله، وهذا التفويض قد يتبعه انتظار وترقب للنتائج، والتسبيح يشغل اللسان والقلب بذكر كمال الله، فيمنع النفس من القلق، أو ظنون السوء، أو الاعتراض على القدر؛ بل ويشرح الصدر، وكأن المعنى: توكل عليه، واشغل نفسك بتنزيهه، والثناء عليه، وسيكفيك ما أهمك، فانشغل بما أُمرت به، واترك لربك ما تكفل به.
ولعل في اقتران الحمد بالتسبيح (وسبّح بحمده) إشارة إلى أن توفيق العبد للتوكل نعمة تستوجب الثناء؛ فالتعلق بالحي الذي لا يموت نعمة لا يتفيأ ظلالها من تعلق قلبه بالأسباب الفانية.
والتوكل لا يعني ترك الأخذ بالأسباب، بل هو أخذ بها ولكن بالقدر المأمور به، فمن اعتمد عليها وركن إليها من دون الله خُذل، ومن تعلّق شيئًا وُكل إليه، ومن وُكل إلى غير الله باء بالصفقة الخاسرة، ويروى أن بِشرًا سُئل عن التوكُّل، فقال: (اضطرابٌ بلا سكون، وسكون بلا اضطراب)، فقال السائل: فسِّره لنا حتى نفقه؟! قال بشر: (اضطراب بلا سكون؛ رجل يضطربُ بجوارحه، وقلبُه ساكن إلى الله لا إلى عمله، وسكون بلا اضطراب فرجل ساكنٌ إلى الله بلا حركة)، قال ابن القيم: (يريد: حركة ذاته في الأسباب بالظاهر والباطن، وسكونًا إلى المُسبب، وركونا إليه)، فحقيقة التوكل ليست مجرد سكون، بل هي حركة قلبية نحو الخالق، مقرونة بذكره والثناء عليه، مع الأخذ بالأسباب، ثم اعتمادٌ عليه وسكونٌ إلى تدبيره.
والتعلق إنما يكون بالمُسبِّب دون الأسباب، وهذا يثمر سكون القلب وعدم اضطرابه عند انخرام الأسباب أو ضعفها، لأن القلب مُلتفت إلى مُسبب الأسباب الذي لا يموت ولا يغيب، فمهما سُدّت الأبواب فتح ﷲ سواها ما هو خير منها وأحسن عُقبى!
لا تيأسنَّ لبابٍ سُد في طلبٍ
فالله يفتح بعد الباب أبوابًا..
وإذا جمعت هذه الآية: (وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده)، مع قوله تعالى: (فاعبده وتوكل عليه)، وقوله جل في علاه: (وتوكل على العزيز الرحيم * الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين) أدركت أن أعمال القلوب تغذّيها كثرة العبادة، فكيف للسالك أن يطلب مقامًا عليًّا في تلك المنازل ورصيده خاوٍ من العبادة؟!
ثم إذا تأملت هذا الحديث: (إنّ نبيّ الله نوحًا لما حضرته الوفاة قال لابنه: آمرك بسبحان الله وبحمده؛ فإنها صلاةُ كل شيء، وبها يُرزق الخلق)، علمت أن أسرار التسبيح لا يحيط بها علم ولا إطالة تأمّل، فالرزق -الذي هو غاية التوكل عند كثير من الناس- ليس مقيدًا بحركة الجوارح وسعيها في الأسباب الظاهرة، بل هو معلق بفيض التسبيح وما يحدثه في القلب من أسباب باطنة، فالسعي طَرقٌ للأبواب، والتسبيح مفتاحٌ تفتح به المخلوقات مغاليق أقدارها. | 427 |
| 19 | (رحماتٌ في طيّ التأخير).
من أعظم الآفات التي تنخر في طمأنينة الإنسان، وتفسد عليه بهجة يومه؛ آفة المقارنة الزمنية، وهي شعور ينتاب الإنسان حين يرقب قطارات الآخرين تتحرك سريعة، بينما يقف قطاره على رصيف الانتظار، فيداخله الأسى، وربما تسلل إليه وهم الحرمان.
ولو نظر بعين البصيرة لرأى أن الله فضّله على كثير من خلقه في أمور كثيرة لا تحصى، قدمها له وأخرها عنهم، ولكن الإنسان بطبعه كنود، يعدد المصائب وينسى النعم، يقف على قارعة الحرمان معددا تلك الأماني المفقودة، مقصرًا في شكر نعم كثيرة موجودة، لا يحيط بها فكر، ولا يحصيها إطالة ذِكر.
والحقيقة التي تغيب في هذه اللحظة؛ أن رزق الله لن يخطئ طريقه إليك، وتأخره عنك في زمن؛ لا يعني حرمانك منه في زمن آخر، نعم؛ قد لا يأتيك من الطريق المتوقع، لكنه لن يتخلف عنك من طريقه المكتوب!
كما أن العطايا في غيب الله لا تُقاس بالسبق وإنما بالخيرية، فرُبّ رزقٍ واحدٍ متأخر يكون خيرًا من ألف رزقٍ متقدم، في نوعه، وبركته، وتوقيته، وتلك السنوات التي تحسبها ضائعة من عمرك لم تكن إلا صُنعًا وتهيئة لهذا العطاء العظيم.
وكم من أمورٍ تأخَّرت فكان تأخيرُها سببًا لنيلها؟! وأخرى فَتحت على العبد من أبواب الخير ما لا يتهيأ له مع التقديم، فلا يزال يجني ثماره ما بقي في الدنيا؟! ولو قُدِّمَ له ما يتمنى (في بادئ أمره) لحرم هذا الخير، ولربما لحقه من المكروه أمرٌ يَذهبُ بفرح حصول المحبوب، فكان في التأخير صيانة له ورحمة، وتعظيمًا لنعمة الله عليه.
ومُزاولٍ تعجيلَ أمرٍ لو أتى
عـجِلاً إِليه لساءَه تعجيلُهُ!
ثم إن حكمة الله في التقديم والتأخير، والمنع والعطاء؛ أعظم من أن يحاكمها عقل قاصر، فليس للعبد إلا الرضا والتسليم، ولله رحماتٌ خفيّة -في طيِّ التأخير- لو كُشفت = لطار القلبُ بها فرحًا، ولكن الله يبتلي عباده لينظر كيف يعلمون، فهو الذي يخلق ما يشاء ويختار.
قال ابن القيم: (ومن تأمَّل أقدار الرب، وجريانها في الخلق، علم أنها واقعةٌ في أليق الأوقات بها)، والله أعلم. | 450 |
| 20 | (جريان الحق على ألسنة الخلق).
من ألطف مسالك الرحمة الألهية بالقلب الكسير؛ أن يُجري الله له كلامًا يجبر قلبه على لسان من يجهل حاله ووجع فؤاده، فتنطق الألسنة بنكت الحقائق، فيكون كلامها شفاءً لجرح مكتوم، وقلبٍ حزينٍ مكلوم، حتى إن المتكلم نفسه قد يكون غافلاً عن أثر الكلمة التي ألقاها لسانه، لكنها تسقط في قلب السَّامع سُقوط الغيثِ المدرار على الأرض المجدبة العطشى.
وهذا باب من الإلهام عجيب؛ أن تسمع كلمة عابرة من غيرك فلا تكون عابرة في نفسك، بل تكون مفصلة على حجم ألمك، وموافقة لنوع معاناتك، مع جهل المتكلم بأمرك، وعدم معرفته بتفاصيل أحوالك، فتحملك تلك الكلمة على أجنحة التفاؤل واليقين، وتقطعُ دابر الهم الذي يسكن نفسك، ليتغير معها مسارُ فكرك في لحظةٍ واحدة!
وهذه الألطاف هي ما أشار إليها أبو إسماعيل الهروي بقوله: (السّكينة الثّانية: هي التي تنطق على ألسنة المحدَّثين، ليست هي شيئًا يُملك، إنّما هي شيءٌ من لطائف صنعِ الحقِّ، تُلْقي على لسان المحدَّث الحكمةَ كما يلقي الملَكُ الوحيَ على قلوب الأنبياء، وتُنطِق المحدَّثين بنكت الحقائق، مع ترويحِ الأسرار، وكشف الشُّبَه).
قال ابن القيم معلقًا على هذا المعنى: (وكثيرًا ما ينطق صاحب السّكينة بكلامٍ لم يكن عن فكرةٍ منه ولا رويّةٍ، ولا هيَّأَه، ويستغربه هو من نفسه كما يستغربه السّامع له، وربّما لم يعلم بعد انقضائه بما صدر منه، وأكثر ما يكون هذا عند الحاجة ... ولا ريبَ أنّ تلك [الكلمة] تُوجب رُوحًا ورَوْحًا، وتكشِف شُبهاتٍ لا يكشِفها المتكلِّمون، فتسكُن الأرواح والقلوب إليها، ولذا سُمِّيت سكينةً، ومن لم يَفُز من الله بذلك لم تنكشف عنه شبهاته، فإنّها لا يكشِفها إلّا سكينةُ الإيمان واليقين).
ومن شواهد التاريخ العجيبة على هذا اللطف، ما ساقه الرواة عن إمام العربية أبي عمرو بن العلاء حينما قال: (خرجتُ هارباً من الحجّاج إلى مكة، فبينا أنا أطوف بالبيت، إذا أعرابيٌّ ينشد:
يا قليلَ العزاء في الأحوالِ
وكثير الهموم والأوجالِ
لا تضيقنّ في الأمورِ فقد يكـ
ـشف غماؤها بغير احتيالِ
صبّر النفس عند كلّ ملمّ
إنّ في الصبر راحة المحتالِ
ربّما تجزع النفوس من الأمـ
ــــر له فَرْجَةٌ كحلّ العقالِ
فقلت: مه؟
فقال: مات الحجّاج.
قال أبو عمرو: فلا أدري بأيِّ القولين كنت أسرّ؛ بقوله: فَرْجَةٌ -بفتح الفاء-، أو بموت الحجّاج؟!).
فيا أيها المتعبُ بكثرة التفكير والحسابات، ألقِ عن كاهلك ثقل التدبير، واستقبل أيامك بقلبٍ فارغٍ من الهم؛ فما كان لسانُ الغيب لينطق لك بالبُشرى إلا وقد تهيأ لك فجرٌ ينسخُ ليلك، وما هي إلا غمضةٌ وانتباهة تتبدل معها أحوالك، ويستوي فيها مرادك، فمن سخّر الألسنةَ لجبرك دون علمها، كفيلٌ بقلبِ الموازين دونَ حولٍ منك ولا قوّة، ولكن بعد أن يبلغ الكتاب أجله، ويستنفد البلاء مدته! | 570 |
