fa
Feedback
أَڤين بشّار

أَڤين بشّار

رفتن به کانال در Telegram

إنِّي وجَّهْتُ وجْهيَ للَّذي فَطَرَ السَّماواتِ والأرضَ حَنيفاً وَما أنا مِنَ المُشْرِكين.

نمایش بیشتر
2 243
مشترکین
+124 ساعت
-87 روز
-1530 روز
آرشیو پست ها
الإنسان الحديث بدلاً من أن يحاول رفع نفسه إلى الحقيقة، يسعى إلى خفض الحقيقة إلى مستواه الخاصّ! رينيه غينون، أزمة العالم الحديث (بتصرُّف)

للمهتمّين بسطوة اللغة وتجلِّياتها في الفكر وتشكُّل العالم، استمعتُ اليوم إلى سلسلة حلقات للدكتور عدنان إبراهيم بعنوان "سطوة الكلمات"، وأنصح بالاستماع إليها والتفكُّر في الكيفيّة التي تُعيد بها الكلمات تقعيد مسارات التفكير، وفي الأبعاد التداوليّة للغة بوصفها سُلطةً ترسم الواقع وتؤطّر إمكاناتنا التأويليّة. وتوضّح الحلقات الثلاثة علاقة الفكرة بالإدراك الحسيّ، وكيف يمارس الكلام فعلَه الخفيّ في إعادة هندسة الواقع داخل الوعي قبل أن يتبدّى في الخارج. https://youtu.be/CrEMaSEIp4s?si=4fLLXu-2L8RY9ENK

photo content

- ولكن كيف ستعيش إذا كنت لا تملك شيئًا؟ - لم أفكر في هذا قط يا سيدي، وقد عشت بلا ممتلكات ما يقرب من ثلاثة أعوام، ولم أفكر أبدًا بِمَ سأعيش. - إذن فقد عشت على ما يمتلكه الآخرون. - في الظاهر. والتاجر يعيش أيضًا على ما يمتلكه الآخرون. - أحسنت القول، ولكنه لا يأخذ من الآخرين دون مقابل. إنه يعطي بضائعه نظير ما يأخذ. - هذا ما تبدو عليه الأشياء.. الكل يأخذ، والكل يعطي، والحياة تسير على هذا النحو. - آه، ولكن إذا كنت لا تمتلك شيئًا تعطيه؟ - كل إنسان يُعطي ما لديه: الجندي يعطي القوة، والتاجر السلع، والمعلم التعليم، والزارع الأرز، والصياد السمك. هرمان هيسه، روايته سد هارتا.

لا ألبث أعود مطمئنّ القلب بعدما تعرف والدتي شيئًا عن حزني، ولكنّه حزن لا يتبدّد، بل ينتقل إلى قلبها، فيثقل كاهلها به وتحمله عني. لهذا كان الأوّلون يصبرون على حزنهم وعدم بثّه، أي تمريره، تفريغه، نقلِه؛ وأنبل ما يُبَثّ من الحزن هو ذلك الذي إلى ﷲ، وﷲ لا يُثقله حزن وحِملٌ. {إنّما أشكو بَثّي وحزني إلى ﷲ}

كلّما استعصى عليَّ فهمُ شيءٍ من أشياء الكون، أيقنتُ أنّ العجز عن الفهم إنما هو قصورٌ في معرفتي لذاتي، فرفعتُ يدي بقول: "ربّي، لا تحجب عنّي معرفة نفسي؛ فإنّ مَن لم يتطهّر باطنُه بنور معرفة ذاته، عجز عن النفاذ إلى معرفة الكلّ، ربّي طهّر قلبي من كلّ ما يحجبني عن فهم ذاتي، وقرّبني من معرفة نفسي دون غشاوة أو وهم".

كمالُ الإنسان أنّه طالبٌ للحقيقة في أيّ حالٍ أو شرط أو ظرف؛ ولا يهمّ بعد ذلك أنّه يصيب الحقيقةَ أو لا يبلغها. السيّد كمال الحيدري، سلسلة تأمّلات في الحداثة وما بعد الحداثة، بتصرّف

كلّما حنّ قلبي إلى الدّهشة، سكّنتُه برؤية جبال كُردستان!
كلّما حنّ قلبي إلى الدّهشة، سكّنتُه برؤية جبال كُردستان!

ما مِن شيء يبعث فيَّ الحسرة مثل قوله تعالى: "وقال الشّيطانُ لمّا قُضيَ الأمرُ إنّ الله وعدكم وعدَ الحقّ ووعدتُكم فأخلفتُكم، وما كان لي عليكم مِن سلطانٍ إلّا أن دعوتُكم فاستجبتُم لي؛ فلا تلوموني ولوموا أنفسكم..".

••
••

ما أدلِّل به على خطورة اللّغة وتأثيرها، أنّ القرآن العظيم ينظّم اللّسان الإنسانيّ، ويجعل من الدقّة في القول مسلكاً تعبّديّاً، ومن الانضباط اللّغويّ مظهراً من مظاهر الوعي الإيمانيّ. فالقرآن، في بنيته الخطابيّة، يُربّي الإنسان على أن تكون كلماته امتداداً صادقاً لشعوره وأحواله، فلا يقول إلّا ما يُطابق حال قلبه. ومن شواهد ذلك أنّه حين تنزل بالمؤمن مصيبة، يُؤمَر أن يقول: «إنَّا لله وإنَّا إليهِ راجعون»، لا أن يحمد الله على مصيبته، لأنّ الحمد يستدعي الزّيادة، والشّكر يورِث الكثرة حتّى في المصائب؛ «لئِن شكرتُم لأزيدنَّكم»، وهذه سنّة كونيّة لا تستثني نوع الحدث؛ خيراً كان أم بلاءً. وأكاد أجزم أنّ توالي معظم البليّات يتأتّى من اللّغة المستخدَمة للتّعبير عنها! ومن ثمّ، فإنّ الخلط بين مواضع الألفاظ، هنا، ليس مجرّد هفوة بيانيّة، وإنّما هو انحراف في منطق العلاقة بين الشّعور واللّغة المُنتَجة. ولعلّ القول المتداوَل بكثرةٍ: "الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروهٍ سواه" مثالٌ بيّن على التباس الوعي اللّغويّ بالعقيدة، إذ يحمل اضطراباً عقديّاً ولغويّاً معاً؛ ذلك أنّه يتضمّن نسبة المكروه إلى الله، وهي نسبة تُخِلّ بمقام التّنزيه الإلهيّ، والحمد لا يُقال على ما يُستكرَه فطرةً، لأنّ الإنسان، في تكوينه الإنسانيّ، مائلٌ إلى النّفور من البلايا لا إلى استحسانها. ومن هنا، يغدو الانحراف اللّسانيّ دالّاً على انفصال الوعي اللّغويّ عن الشّعور الإيمانيّ، ويكمن الخطر اللّغويّ هنا أنّ الكلمة قد تُصبح، في منطق الخطاب القرآنيّ، نوعاً من الكذب؛ كذبٍ على النّفس وعلى الله، «يقولونَ بأفواهِهم ما ليسَ في قلوبِهم واللهُ أعلمُ بما يكتمونَ».

مِن أفضال الله العزيز عليّ، أنّني أعيش في قريةٍ تمنحني، بأشجارها الحانية لطيفةِ المعشر، تربية روحيّة تربّي فيَّ القدرة على ال
مِن أفضال الله العزيز عليّ، أنّني أعيش في قريةٍ تمنحني، بأشجارها الحانية لطيفةِ المعشر، تربية روحيّة تربّي فيَّ القدرة على الصّبر وتجعلني سالمة في وجودي، وتمنحني، بتعاقب أحوالها، دروساً تخدمني في تحرير روحي وإدراك حكمة وجودي، وبها أهتدي إلى سلامة الإصغاء وبُطء التّلقّي، وفهم حكمة التّوقّف والنّماء والفناء؛ هنا أعرف ضروباً من الهداية وتفتُّح البصيرة! * تُظهر الصّورة جزءًا من امتداد غابةٍ في قريتي

حين نفهم المسار الإبراهيميّ في اليقين، ندرك أنّ علاقة النبيّ إبراهيم بالسّماء كانت لحظة تأسيسيّة في الوعي الإنسانيّ، فهو أوّل ناظرٍ إلى العلوّ السّماويّ بوعيٍ متأمّل، فضلاً عن كونه أوّل نموذجٍ للإنسان المتسائل، وأوّل مَن دشّن السّؤال بوصفه حركة ضروريّة نحو الحقيقة؛ ولمّا كان متسائلاً عن سرّ الوجود، صادقاً في بحثه وتوتّره المعرفيّ، طالباً للحقيقة في كلّ حال، صيَّر الله لهُ السّماء فضاءً لانكشاف الحقيقة. ولا يمكن قراءة شخصيّة هذا النبيّ -السّلام عليه- دون حضور الأفق السّماويّ (الشّمس، القمر، النّجوم، الكواكب)، غير أنّ هذا الأفق السّماويّ لا يتجلّى لغيره، أي إنّ سماء إبراهيم ليست سماءَنا، لأنّها انكشفت له متجاوِزةً الحواسّ، فالسّماء التي نراها نحن مجرّد فضاء فيزيائيّ ممتدّ، أمّا السّماء التي رآها إبراهيم فهي السّماء الحقيقيّة التي تفتح البصيرة على ما وراء الظّاهر "السّماء الملكوتيّة"، ولا شكّ أنّه ليس كلّ مَن يرفع بصره إلى العلوّ وينظر إلى النّجوم يرى ما رآه إبراهيم، ونعرف ذلك بقوله تعالى: "وكذلكَ نُري إبراهيمَ ملكوتَ السَّماواتِ والأرضِ وليَكونَ مِنَ الموقِنينَ"، ليخلص في مساره اليقينيّ إلى: "إنّي وجّهتُ وجهيَ للذي فطرَ السَّماواتِ والأرضَ حنيفاً وما أنا مِنَ المُشرِكينَ".

ثمّة بعدٌ من تزييف الذّاكرة الحقيقيّة يتجلّى في توليد الصّور بوساطة الذّكاء الاصطناعيّ وتعديلها وَفق متطلّبات "الترند"؛ ففضلاً عن أنّ هذه التقنيّة تضعنا أمام تدخّلات خارجيّة في الأدوات تستخدمها الشّركات أو الأنظمة، فهي تسعى إلى إعادة إنتاج الذّكريات بوجهٍ غير بريء، وبسُلطة تقنيّة، يمكنها تحويل الذّكرى المرئيّة إلى صورة لم تحدث، فتحوّلها إلى ما يشبه "ذاكرة أخرى" لم نعشها؛ فحين نصنع صورنا أو نُعيد تشكيلها، نمارس نوعاً من السّيطرة على سرد حياتنا البصريّ، ونحتكم إلى معيار الجمال المحسوب أو المثاليّ، بما يفرّغ الذّكرى (الصّورة الأولى قبل التّعديل) من صدقها ويعيد صياغتها وفق منطق خارجيّ. لا تُزيّفوا حقيقة ذكرياتكم المصوَّرة، ولا تُفرغوا الذِّكرى الأصليّة من صدقها!

في ظنّي، ليس في قول الشّعراء بيتٌ بالغ الذّكاء والرّهافة كقول رابعة العدويّة: "فلستُ أرى الكونَ حتَّى أراك"، إذ يكاد يكون تكثيفاً أقصى لفكرةِ أنّ العالَم لا يُرى محايداً، بل يُفلتَر دوماً عبر "آخر" يمنحه قابليّته أن يكون منظوراً ومأهولاً بالمعنى؛ وهنا، المحبوب هو الواسطة الوجوديّة التي يمرّ فيها العالَم ليتجلّى حيّاً عند المحبّ، وإنّ حضور المحبوب ليس تفصيلاً في الوجود، وإنّما شرط إدراك الوجود برمّته؛ أي إنّ العاشق لا يرى العلامات ولا الأشياء إلّا بقدر ما تمرّ عبر محبوبه؛ فيغدو الكون مجرّدَ فراغٍ لا دلالة له إن لم يُشفَع بحضوره، ويتحوّل الغياب إلى حجابٍ على الكينونة؛ فيصير البيت إعلاناً عن أنّ الحبّ هو الذي يهبُ الأشياء قابليّةَ أن تُرى، والعالَم لا يقوم إلّا بقدر ما ينهض على مرايا المحبوب بوصفه مكوِّناً ضروريّاً لإحاطة العالَم بالمعنى.

وجدت مؤخّرًا أن ﷲ قد أكرمني بزيادةٍ قليلةٍ في طول النَّفَس وثباته، ووضوح الفكر وسرعة نفاذه؛ فحمدتُ ﷲَ وغمرني الامتنان، واستحييتُ المعصيةَ صغيرَها، وأنّي سأكون ظالمًا مسرفًا لو عصيتُه تعالى رغم أفضاله؛ ثمّ يأتي إلى ذهني قولُ يوسفَ عليه السّلام بعدما دُعِيَ إلى المعصية: معاذَ ﷲ، إنّه ربّي أحسن مثواي...). ذهبت إلى الآية، لأتفاجأ أنّها تنتهي: إنّه لا يُفلِح الظّالمون.

مَن لا يعرف إلّا لغة واحدة، يجهل حتّى لغته!
مَن لا يعرف إلّا لغة واحدة، يجهل حتّى لغته!

أُصغي إلى فَهم العامّة وحدسهم الشعبيّ الحيّ كما أُصغي إلى المعرفة العلميّة، وأكتشف كثيراً أنّ كِلا المسارين يتكاملان في كشف الحقيقة، فالعلم يلتقط انتظام الظواهر ويُعيد صياغتها في قوانين دقيقة، في حين يلتقط الوجدان الشعبيّ الأنماط المستترة خلف تفاصيل العيش اليوميّ، ويجعلها حكمة جارية على الألسن. وأنا كلّما ركّزت في الأمثال السائرة على ألسنة العامّة في مُحيطي، أدركت أنّ حدس العامّة، رغم بساطته الظاهريّة، وعدم صياغته بمصطلحات دقيقة، فإنّ فيه ضرباً من المنطق لا يقلّ عن العقل التحليليّ. وفي هذا السياق، سمعتُ أمسِ من جارة كبيرة تزور أمّي قولاً مألوفاً على ألسنة عامّة أهل الشام، وفيه يتجلّى بُعد إدراكيّ في منطق الظواهر، وهو "لو بِدّها تمطِّر، كانت غيَّمتْ!"؛ ولا ريب أنّ هذا القول يتأسّس على علاقة سببيّة تدركها الفطرة قبل أن يُصيغها المنطق، فهو يُفصح عن بداهة أنّ المطر لا ينزل من فراغ، وأنّ للظواهر شروطاً سابقة تُمهّد لحدوثها؛ أي إنّه درس في ضرورة اقتران الحدث بأسبابه، بقدر ما هو إدراك ضمنيّ لفكرة فلسفيّة كبرى: أنّ الإمكان لا يتحقّق إلّا بوسيط يُهيّئ له شروط وجوده. وهذه الجارة، بالتأكيد، لا تدرك أنّ النسق البرهانيّ يجري على لسانها الفطريّ! ومن هنا، فإنّ كثيراً من قول العامّة ليس مجرّد عفويّة سطحيّة، أو حكمة مختزَلة في أقوالٍ مأثورة، وإنّما شكل من أشكال التلقّي الفطريّ للعالم، إذ الإنسان، قبل أن يُصنّف الظواهر بمفاهيم العلم، يملك استعداداً لتأويل ما يواجهه؛ وهذا الاستعداد يتجلّى في صياغاتٍ يوميّة تحوي بذرة الفهم الأولى.

داڤيلا في كتابه «شذرات فلسفيّة» يطرح تعريفاً لكرامة الإنسان، وهو "أن نفعل كلَّ شيء ببطء"؛ أحبّ هذا التعريف وأتذكّره حين تكاد تبتزّني العَجَلة. ويمكن ردُّ هذا التعريف إلى لفظٍ إغريقيّ ابتدعه أرسطو ليُحيل به على لفظ "توقّفْ/استرحْ؛ وهو "السكولي". وبالعودة إلى السياق الاجتماعيّ الذي نشأ فيه "السكولي"، ندرك أنّه لفظ أُريدَ به البطء والهدوء والطمأنينة والانهمام بالذَّات، وليس التمهّل فقط، ولم يكن هذا البطء مجرّد ترفٍ في حياة اليوناني، وإنّما كان امتيازاً اجتماعيّاً وثقافيّاً ارتبط بقدرة الفرد على التفرّغ للفكر والمساءلة والتأمّل، بعيداً عن شؤون الكدح اليوميّ. ويترك "السكولي" للفرد حرّيّة الانصراف إلى ما لا يُقاس نفعُه بعائدٍ مادّيّ عاجل، وإنّما بما يضيفه إلى حياة الروح والعقل من اتّساع. وفي هذا السياق، فإنّ تعريف داڤيلا يعيد إلينا جوهر هذه الرؤية القديمة، فهو مقاومة ضدّ نظامٍ يحوّل الإنسان إلى آلة توقيت، وضد تسارع يبتلع المعنى قبل أن يتكوّن؛ فأنْ نفعل كل شيء ببطء، هو أن نستعيد سيادتنا على الزمن، وأن نحقّق انتصاراً صغيراً على طاحونة الإنتاجيّة!

في سياق الملاحظة الماضية عن «سطوة اللغة وخطورتها»، أشعر بضرورة النظر إلى «الأغاني» من منظورِ كونِها بنية لغويّة معقّدة غير مُحايدة، تتشابك في تعقيدها مع بنيات نفسيّة عصبيّة لا تُدرَك من السطح، وبضرورة عدم الوقوف عند مجرّد تبايُن الخلاف في حُكمها في السياق الإسلاميّ، أو النظر إليها بوصفها فنّاً ترفيهيّاً أو مُنتَجاً سمعيّاً مجرّداً. فالأغنية، في هذا السياق، أداة تأويل جاهزة تُهندس طريقتنا في الشعور وتُقنّنها، وتُقصي إمكاناتٍ ومشاعرَ لم نُجرِّبها، أي، نعيش مشاعرَ ليست لنا، أو نُبكِت أنفسنا بألمٍ لم يحدث بعد! وهذا يدخل في باب «فقدان السيادة»: أن نسمح لنصٍّ خارجيّ أن يتملّك جهازنا الشعوريّ التأويليّ الداخليّ باستمرار. وما أقصده هنا، وجوب الحذر من كلّ خطاب لغويّ دخيلٍ؛ فمن منظور فوكو، السُّلطة لا تحتاج إلى القوّة لتُمارس ذاتها، بل تعمل عبر ما يُسمّيه الخطابات الناعمة: المدرسة، والإعلام، والفنّ… والأغنية، تدخل، في هذا الإطار، بوصفها خطاباً لغويّاً ناعماً يُعيد هندسة الشعور ويُروّض الذات من الداخل؛ فاللغة ليست مجرّد وسيط بريء ينقل التجربة، بل نظام رمزيّ يُعيد توزيع موازين القوّة داخل الذات، ويُعيد تشكيل جهاز الإنسان النفسيّ. ومن هنا، علينا أن نحترسَ من كلّ خطاب يُقدَّم لنا في لحظة هشاشة، لأنّه غالباً لا يُداوي، بل يُعيد إنتاج الألم بطريقةٍ مغلَّفة بلذّة. ومِن هذا المُنطلَق، أفهم قوله تعالى: {وقُلْ لعبادي يَقولوا التي هيَ أحسَنُ}، وأجد فيه أمراً يسعى إلى ممارسة واعية في انتقاء اللغة "اللغة الداخليّة"، وليست دعوة خُلُقيّة فحسب، بل هي تحذير لغويّ: أن ننتبه لما نقول، ولِما يُقال لنا، ولِما نُسمعه ونُردّده؛ فإذا كنّا مأمورين أن نقول التي هي أحسن، فذلك يقتضي الحذرَ من القول الذي يُغنَّى لنا ونردّده في داخلنا، ذاك الذي نتبنّاه بلا مساءلة أو تيقُّظ، ونُردّده في دواخلنا بصيغة الطرب!