مَلاذٌ آمِن
رفتن به کانال در Telegram
حِينَ تَبْدَأ بِقِراءةِ القُرْآن؛ تُؤجَر حتَّى عَلَى سَكَتَاتِك💚:') للتواصل: @thana26
نمایش بیشتر1 181
مشترکین
+124 ساعت
-27 روز
-1130 روز
آرشیو پست ها
1 181
أغلبنا قرأ الجزء السادس عشر من القرآن، واللي هنركّز فيه على سورة مريم اللي فيها رسايل لكل قلب مَوجوع، مَخذول، ضَايع، ومليانة مُعجزات بترجَّع فينا الأمل من تاني! والجزء ده هيثبتلك إن المُعجزات بتتحقق عادي، وهيكسر كل قوانين المنطق والطِّب والأسباب الدنيوية، وعندنا ٥ محطات في سورة مَريم لازم تفهمهم كويس جدًا:
١. المحطة الأولى - كواليس سورة مريم:سورة مريم دي من أحب وأقرب السور للقلب، السورة دي سُميت تكريمًا للسيدة مريم بنت عمران، ودي البنت الوحيدة في القرآن كله اللي ليها سورة كاملة بإسمها؛ لأنها نموذج في الطهارة، والعفّة، والعبادة، والصبر على الابتلاء وكلام الناس! السورة دي مكيّة، ونزلت في توقيت كان فيه النبي ﷺ والصحابة بيواجهوا ضغط وإيذاء بدني ونفسي شديد جداً من قريش، التوقيت ده تحديدًا كان قبل الهجرة للحبشة والمرحلة دي كانت صعبة جدًا، والنبي ﷺ كان محتاج دفعة إيمانية جبارة تقوي قلبه وقلوب الصحابة المكسورين، فنزلت السورة دي بـ ٤ أهداف استراتيجية ونفسية في منتهى العظمة: - الهدف الأول: السورة مليانة آيات بتتكلم عن رحمة ربنا بعباده في أصعب الحالات وفي عِز انقطاع الأسباب وكأن ربنا بيطمِّن قلب النبي والصحابة وبيقولهم: أنا شاهد، ورقيب، وقريب، واللي نصر الأنبياء والصالحين اللي قبلكم قادر ينصركم! - الهدف التاني: ودي حتة تدبرية عظيمة! الصحابة كانوا على وشك يهاجروا ويسيبوا مكة ويروحوا الحبشة، والحبشة دي بلد المَلِك بتاعها هو النَّجَاشيّ وكان مَلِك نصراني فربنا بينزل سورة كاملة بتحكي بالتفصيل عن قصة السيدة مريم وسيدنا عيسى! ليه؟ علشان يجهّز الصحابة فكريًا وعقائديًا بالكلام اللي هيحتاجوه لما يقفوا قدام الملك ده! وفعلاً، لما قريش راحوا وراهم الحبشة وقلبوا النجاشي عليهم وعملولهم محاكمة، سيدنا جعفر بن أبي طالب وقف بثبات وقرأ على النجاشي بدايات سورة مريم فبكى النجاشي لحد ما دموعه بللت لحيته وقال جملته الشهيرة: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة! ورفض يسلمهم لقريش. أحياناً ربنا بيلهمك تقرأ حاجة أو تسمع معلومة، أو تتعلم مهارة إنت مِش عارف لازمتها إيه دلوقتي، بس هو بيجهّزك لمواجهة هتدخلها قدام، علشان لما ييجي وقتها تلاقي مُفتاحك في إيدك! - الهدف التالت: السورة بترد بمنتهى القوة على المشركين اللي أنكروا البعث والحساب، وبتأكد إن سيدنا عيسى هو عَبْدُ الله ونبيه وبترسخ عقيدة التوحيد في وقت كانت قريش بتعبد فيه الأصنام. - الهدف الرابع: السورة دي عبارة عن كتالوج معجزات مُتتالي، بتثبت للمسلمين المُستضعفين إن قدرة ربنا ملهاش حدود ومبتعترفش بحسابات البشر، علشان ترفع سقف يقينهم في السماء!
٢. المحطة التانية - قانون المُستحيل:بنبدأ السورة بروشتة يقين لأي حد الأسباب كلها اتقفلت في وشه قصة سيدنا زكريا عليه السلام. سيدنا زكريا نبي كريم، ورجل صالح وعابد لكنه كان عايش في اختبار صعب جدًا، كِبِر في السِن وعمره وصل ٩٠ سنة، ووصل لمرحلة من العجز ربنا وصفها بدقة طبية مُرعبة: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) يعني العضم اللي هو أصلَب حاجة في الجسم داب وبقى هش وضعيف، والشيب غطى راسه زي النار لما بتمسك في الهشيم! ومِش بس كدا، المشكلة الأكبر في مراته: (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا) مِش مجرد سِت كبيرة وعدّت سِن اليأس ومبقتش تخلف، دي من صُغرها وفي عز شبابها كانت عقيم ومفيش أي أمل طبي في خِلفتها! يعني الأسباب الطبيّة والبيولوجية بتقول: أمل ماتِت! تخيل راجل في الحالة دي، بيطلب إيه من ربنا؟ بيطلب وَلَد! المنطق الطبيعي بيقول إن ده مستحيل.إيه السِّر؟ وإيه علاقة مريم بالدعوة دي؟ علشان تفهم اليقين ده جابه منين، لازم تعرف إن سيدنا زكريا يبقى زوج خالة السيدة مريم، ولما أم مريم وأبوها ماتوا، الناس اختلفوا مين يكفلها لأنها من بيت نبوة، وعملوا قُرعة ورموا أقلامهم في النهر، والقلم اللي يمشي عكس التيار هو اللي يكسب، وزي ما سورة آل عمران حكتلنا: (وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) وكانت الكفالة من نصيب سيدنا زكريا! فسيدنا زكريا كان هو المشرف على تربية مريم في المحراب، وكل يوم يدخل عليها يلاقي معجزة! يلاقي عندها رزق غريب، فواكه الصيف في الشتا، وفواكه الشتا في الصيف! فيستغرب ويسألها: (يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ) وهنا شرارة الأمل نوَّرت في قلب زكريا! قال: لو ربنا بيكسر قوانين الزراعة والمواسم علشان يرزق مريم من غير أسباب ليه أنا كمان مطلبش منه يكسر قوانين الطب والأحياء ويرزقني بولد؟ وهنا دخل سيدنا زكريا يصلي في محرابه، وسجد، ودعا بيقين وحُب وذُل، وفي السِّر علشان الناس ماتتريقش عليه: (إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) وزوِّد في الدعاء وقال: (وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) يااه على الأدب مع ربنا! بيقوله يارب أنا #ختمة_الفهم
1 181
المُعجزة بعينهم، ولما القصة اتعرَفت، والمُهمة خِلصت، والناس اتأكدت إن وعد ربنا حَق وإن البعث بَعد الموت حقيقة ثابتة زي ما الشباب دول صحيوا بعد ٣٠٠ سنة ربنا توفَّاهم لرحمته وهما في قمّة كرامتهم وعزتهم!
وعلى الهامش علشان تتأكد إن القرآن ده مُعجز: ربنا حدد مدة نومهم بالظبط وقال: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) الـ ٣٠٠ دول سنين شمسية، ودول بيساووا بالظبط ٣٠٩ سنة قمرية، يعني القرآن حسبها بالإعجاز الرياضي قبل ما البشرية تعرف الآلة الحاسبة! ركّز بقى إنت مِش بتسمع القصة دي علشان تقول: يا سبحان الله وتدخل تنام! لا، القصة دي نازلة علشان تفوَّقك الكهف بتاعك في ٢٠٢٦ مِش حُفرة في الجبال ولا مَركب في المُحيط، الكهف بتاعك هو إعتزال الفتنة بكل أشكالها! الكهف بتاعك إنك تعمل بُلوك لأي حد بيأذيك وبيدمّر علاقتك بربنا وبيشغلك عنه! الكهف بتاعك إنك تخرج من جروب أو شلّة كلها غِيبة ونميمة وذنوب! الكهف هو إنك تعتزل أي تريند بيشدَّك للتفاهة والمُحرّمات! البيئة السامّة مِش هتتغيّر علشان سَواد عيونك والصُحاب اللي بيشدّوك للحرام مِش هيتوبوا ويتغيّروا فجأة الحل الوحيد اللي القرآن بيعلِّمهولك هو الهروب للكهف! اعتزل ما يؤذيك وما يُفسِد دينك، وساعتها ربنا هيعوَّضك وينشر لك من رحمته، وهييسرلك أمرك زي ما حَفَظ الشباب دول وهما نايمين مئات السنين!وافتكر دايمًا الكَلب اتذكر في القرآن واتخلَّد ذكره في أعظم كِتاب لمجرد إنه بس صاحِب شباب كويسين فما بالك بيك إنت يا إنسان يا مُكرَّم؟! فما بالك بالشاب اللي بيعافر في زمن الفِتن علشان يختار صُحبة صالحة تعينه وتشده للطريق الصح؟ فما بالك بالبنت اللي بتسيب صُحبة بتبعدها عن ربنا، وتدوّر على صُحبة القرآن اللي يقربوها للجنة؟ الصاحب سَاحب، والبيئة بتشكّل صاحبها اختار اللي تمشي معاهم في الدنيا، علشان همّا دول اللي هتعدي معاهم الصراط وتدخلوا الجنّة سوا بإذن الرحمن.
1 181
وحفلات التخرُّج اللي بنرقص فيها على واحدة ونُص، والنظرة التانية اللي بتفحص فيها من فوق لتحت، والتجاوز في الكلام والهزار، والاختلاط والخلوة بشكل عام ده كله ربنا حذّر منه!
الشيطان عُمره ما هييجي لشاب وبنت متربيين ويقولهم يلا نعمل فاحشة! الشيطان أذكى من كدا بكتير، بييجي من باب المواساة ويقولك: يا عيني دي مخنوقة ولازم تسمعها وتخفف عنها! وده محتاج حد يثِق فيه، خليكي جنبه وادعميه! وتفضلوا راكبين لحد ما تلبسوا في قطر الفاحشة! الآية دي بتعالج وهم كبير بيلعب في دماغ الشباب والبنات: أنا مُستحيل أفكّر في كدا، أنا أقدر أفرمل وقت ما أحب، انا عارفة حدودي كويس! حبيبي الغالي وأختي المؤدَّبة المُشكلة مش فيك، المُشكلة إنك راكب ورا الشيطان وهو اللي سايق، وقت ما يِحب يلبّسك دي شُغلته ومعندوش صنعة تانية! ومثال بسيط جدًا علشان تفهم الفكرة تخيّل مثلاً عندنا مكان فيه ألغام، وقولتلك خلّي بالك المكان ده مُلغَّم، فإنت ذكي جدًا وقولتلي سيبها على الله أنا ذكي وهعدّي هنا إنت كدا مِحتاج تاخد خرزانتين علشان تفوق، والآية هنا بتحذّرك إن مفيش حد يقدر يفرمِل قدام الفتنة دي بالذات لو ساب نفسه لمقدماتها! حافظ على قلبك ودينك، واقطع كل السُبل والطُرق.
٥. المحطة الخامسة - أصحاب الكهف:بندخل على سورة(الكهف)، السورة اللي النبي ﷺ وصَّانا نقرأها كل يوم جمعة علشان تعصمنا من فِتَن الدنيا، ونحصَّن نفسنا من الجمعة للجمعة! قصّة أصحاب الكهف دي مش قصة تاريخية، ده واقع بنعيشه كل يوم قصة شباب عمرهم بين الـ ١٣ والـ ١٩ سنة (فِتْيَةٌ)، مِش شيوخ عواجيز، لا دول شباب صُغيّرين في عز فورمتهم وطاقتهم، عايشين في مجتمع كله فتن وشرك وفساد، والمَلِك بتاعهم كان ظالم وجبار ومُؤذي! الشباب دول مِش فقراء ولا غلابة، دول من عائلات غنيّة ومبسوطين بس قلوبهم كانت حيّة وضميرهم مابينامش! حسّوا إنهم لو كملوا في البيئة دي دينهم هيضيع، فعملوا إيه؟ وقفوا وقفة رجالة، وربنا وصف اللقطة دي وصف عظيم: (وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا) لمّا بتاخد خطوة وقرار لله، ربنا بيربط على قلبك ويثبتك! لما حسّوا إنهم هيقعوا في الشّرك والفساد، قرروا يسيبوا القصور، والفلوس، والرفاهية، والمُدن، ويهربوا بدينهم لمكان محدش يتوقعه هربوا لـ كهف في الجبل! مكان ضلمة، ضيق، مليان حشرات وزواحف وموحش جداً. بس بُص اليقين العجيب في كلامهم وهم رايحين للكهف: (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ) إزاي كهف ضيّق وضلمة هينشر ليهم الرحمة؟ لأنهم عرفوا إن السعة الحقيقية مِش في الأماكن الواسعة، السعة في قربك إنت من ربنا حتى لو في خُرم إبرة، الكهف مع ربنا أوسع وأرحم من مدينة مليانة فِتَن ومعاصي! بمجرد ما دخلوا الكهف وناموا، بدأت قوانين الطبيعة تتعطل علشان خاطرهم! ربنا سخّر ليهم الشمس: (تَزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ) (وَتَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) الشمس بتميل وقت الشروق والغروب علشان تدخّلُّهم حرارة وتطهّر المكان من غير ما تحرقهم وهم نايمين! وعلشان جسمهم مياكلوش التراب من رقدة مئات السنين: (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ) وحتى الكلب بتاعهم اللي مشي وراهم، ربنا حفظه وخلِّده في القرآن لمجرد إنه صاحَب ناس صالحين: (وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ). ولو حد فكّر يقرّب من الكهف، ربنا حاطط عليهم هالة من الرُعب علشان يحميهم: (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) اللي هيقرّب من المكان هيخاف وهيجري من المنظر! وبعد أكتر من ٣٠٠ سنة نوم، صحيوا! (قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ). كانوا فاكرين إنهم ناموا يوم أو كام ساعة! بعتوا واحد منهم يشتري أكل، بس بُص الدقة والتربية: (فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا) حتى وهمّا في قمّة الجُوع ومطاردين، بيدوروا على الأكل الحلال الطيب الأزكى، مِش أي حاجة وخلاص! ووَصُّوه ياخد باله علشان المَلِك الظالم مايمسِكهُمش: (وَلْيَتَلَطَّفْ) يعني يتسحَّب بالراحة وعلى مهله، وميعملش مشاكل مع حد! الولد نزل المَدينة، واشترى أكل بس وهو بيحاسِب، الراجل بيبص في الفلوس بَرَّق وقفشه! الفلوس اللي دفعها دي عُملة أثرية بقالها أكتر من ٣٠٠ سنة! الراجل مِسك فيه وفرَّج عليه الناس! الناس اتلمت في السوق، والولد واقف مرعوب وبيرتعش، فاكر إنهم هيسلموه للمَلِك اللي هربانين منه إمبارح! بس هنا بتحصل الصدمة والمفاجأة الناس بتطمِّنه، واكتشف إن المَلِك الظالم ده مات وشبع موت من قُرون، وإن المدينة كلها أجيالها اتغيّرت وبقت مدينة مؤمنة وموحِّدة بالله، والمَلِك بتاعهم راجل صالح! والمفاجأة الأكبر إن الناس دي كانت بتدور على أي أثر للشباب اللي هربوا بدينهم زمان وبيحكوا بطولتهم في الكُتب! المَلِك الجديد والناس كلها مشيوا مع الولد في زفّة لحد الكهف علشان يشوفوا
1 181
-(طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ): بعد ما ربنا وضّحلك إن القرآن فيه كل حاجة، بتنزِل آية بتقطع كل الشمَّاعات اللي بنغلَّق عليها أخطاءنا: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا). طائره في عنقه؟ يعني إيه؟
العرب زمان كانوا لمّا ييجوا ياخدوا قرار، بيطيروا طائر لو طار يمين يتفاءلوا ويعملوا الحاجة دي، ولو طار شمال يتشاءموا ومايعملوهاش!
فربنا بيقولك: سيبك من بنك الحظ ده، والنحس، والظروف، والمُجتمع، وأصلي طلعت لقيت أبويا وأمي كدا، وأصل صحابي هما اللي سحبوني! لا يا حبيبي عَمَلك، وقراراتك، وذنوبك طالعة من دِماغك، ومِتعلقة في رقبتك إنت لوحدك! إنت المسئول الأول والأخير عن أفعالك، وهتشيل لوحدك!
-(اقْرَأْ كِتَابَكَ):وهنا بنوصل لمشهد مُفزِع يوم القيامة: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) تخيّل المحكمة الإلـٰهية مفيهاش شهود زور، ولا مُحامين يدافعوا عنك بالباطل، ومفيهاش قاضي ممكن تضحك عليه بمبرراتك! ربنا يوم القيامة هيسلِّمك سجل حياتك، ويقولك: إنت اللي هتحاسب نفسك! هتقرأ الشات اللي كنت بتخونه وتمسحه! وهتقرأ النوايا السُودا اللي كنت بتخبيها ورا ضحكتك! وهتقرأ المرات اللي عملت فيها مُتديِّن وإنت بتتجرَّأ على ربنا في خَلوِتك! وهتشوف الـ History بتاع حياتك كلها قدام عينك (مَنشُورًا) يعني مفتوح ومفضوح مفيش حاجة مستخبية!
(كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) إنت قاضي نفسك، وإنت اللي هتحكم عليها بالجنة أو بالنار من كتر ما السجل دقيق ومافيهوش ذرة ظُلم! الآية دي بتعملِّنا صدمة وعي بتفوَّقك علشان تبطَّل تبرر لنفسك الغلط، وإن حياتك دي كلها وكأنها متصوَّرة صوت وصورة، والنسخة الأصلية هتستلمها يوم القيامة وهنشوفها كلنا سوا، مشهد مُرعب والله يا رب سلِّم!
٣. المحطة التالتة - بِرِّ الوالدين:السورة بتاخدنا لأخطر علاقة في حياتك العلاقة اللي ممكن تدخلك الجنة بكلمة، وممكن تخسف بيك الأرض بتنهيدة! ربنا بيقول: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) وربنا رَبَط أعظم أمر إلـٰهي اللي هو التوحيد والعبادة بحاجة مُهمّة وخطيرة وهي بِرِّ الوالدين! مفيش فاصل، الاتنين ملحومين في بعض، لأن اللي ملوش خير في أهله خلاص ده مش هيبكي على حاجة! بس هنا في تفصيلة صغيرة كلنا بنقع فيها بسبب ضغوط الحياة، والسرعة، واختلاف الأجيال والتفكير: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا). إيه هي (أُفٍّ) دي؟ الأُف دي مِش شتيمة، ولا إهانة، ولا رفع إيد، الأُف دي هي النَفَس الطويل اللي بتقوله وإنت بتنفُخ ومِكشّر في وشهم: أوووف! الحاجات دي بتحصل معانا في أبسط الأمور، زي الشاب اللي بيتعصب على أبوه وهو بيعلِّمه للمرة العاشرة إزاي يبعت رسالة واتساب أو يستخدم التاتش! والبنت اللي أمها بتحكيلها قصة قديمة قالتها مليون مرة، فالبنت ترفع حاجبها وتنفخ في وشها! يعني لو التنهيدة والنفخة دي بس بتغضب ربنا وممكن تمسح حسناتك وتدّيلك خِتم العاق! أومَّال اللي بيعلي صوته عليهم، أو بيشخط فيهم، أو بيخاصمهم بالأيام، أو اللي بيهبِد الباب في وشهم، أو اللي بيمِد إيده ده عقابه إيه عند ربنا؟! الناس دي لما بتكبر في السن بتضعَف وبترجع لضعف الأطفال تاني جسمهم بيتَّاكِل، وتفكيرهم بيبطأ، وذاكرتهم بتخونهم، والأهم إنهم بيحسوا إنهم بقوا "تُقال" على اللي حواليهم وعاملين دوشة! هما مِش محتاجين منك تنظير، ولا كورسات في التكنولوجيا، ولا إثبات إنك أذكى وأفهم منهم! هما محتاجين طَبطَبة واحتواء، محتاجين تسمع نفس القصة القديمة كأنك أول مرة تسمعها وتضحك معاهم وتجبر بخاطرهم: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ)، بر الوالدين مِش مجرد قرشين بتديهملهم آخر الشهر، البر هو (قَوْلًا كَرِيمًا)، هو إنك تحسسهم إنهم لسه ليهم قيمة وأهمية وبركة في حياتك!
٤. المحطة الرابعة - منطقة اللا عودة:سورة الإسراء مليانة أوامر ونواهي كتير جداً، زي: النهي عن إنهاء الحياة، وأكل مال اليتيم، والكِبر، بس هنعمل زوم على أخطر نهي بيُقع فيه شباب وبنات الجيل ده تحت مُسمَّى التحضُّر والأوبن مايند! ربنا بيقول: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا). ركز في الدقة القرآنية المُرعبة ربنا مقالش (ولا تزنوا)! لكنه قال: (وَلَا تَقْرَبُوا)! تفتكر ليه؟ لأن الذنب ده بالذات عامل زي الثقب الأسود، أو حقل الألغام مِش بيحصل فجأة، ده له مجال مغناطيسي لو دخلت جواه هيسحبك غصب عنك، وعامل زي لمّا تدوس بنزين والفرامل تتقِطع! الزنا بيبدأ بخطوة صغيرة أوي شكلها بريء علشان كدا (لا تقربوا) دي: الشات اللي بيبدأ بفضفضة وبينتهي بتعلق عاطفي، والخروجة اللي بحجة إننا بِيست فريند،
1 181
أغلبنا قرأ الجزء الخامس عشر من القرآن، الجزء ده بيضم سورتين من أعظم السور اللي بيشكِّلوا وعي أي إنسان: (سُورة الإِسْرَاء، وسُورة الكَهْف) سورتين مليانين مُعجزات وقوانين بتكسر المنطق البشري، وعندنا ٥ محطات أساسية، لو فهمتهم وعِشت تفاصيلهم نظرتك للحياة هتتغيّر تمامًا:
١. المحطة الأولى - بداية سُورة الإسراء:لازم نرجع بالزمن شوية علشان تفهم سبب نزول الآيات، سيدنا النبي ﷺ كان بيمر بأقسى وأشدّ فترة في حياته كلها، فترة من كُتر الوَجع والصعوبة اتسمَّت بـ عَام الحُزن، والنبي فَقَد فيها حبيبته وزوجته وقُرة عَينه وغَطاه وسَنده النفسي السيّدة خديجة اللي كانت بتخفف آلامه وتطبطب عليه، وبعدها بكام يوم بيفقِد ضهره وسنده الاجتماعي عَمُّه أبو طالب اللي كان بيحميه من قُريش! تخيّل كمية الفقد واليُتم الداخلي والخارجي اللي كان فيها! وهنا قُريش استغلّت الفرصة وبدأت تضيِّق على النبي ﷺ وتهينه وتتجرأ عليه، واشتد عليه الإيذاء والقسوة! فالنبي حسّ إن مكّة خلاص قفلت أبوابها ومفيش أمل منها، وقرر يمشي على رجله مسافات طويلة جدًا علشان يوصل لمدينة الطائف، ويدوَّر فيها على مساحة جديدة وناس جُداد على أمل حد يسمعه ويُقف جنبه! وهناك حصلت الكارثة سادة الطائف رفَضوه وبهدِلوه وقفلوا الباب في وشّه، ومش بس كدا دول شتموه واستهزأوا بيه، وسلَّطوا عليه العيال الصغيرة والعبيد والبلطجية يِحدِّفوه بالطوب والحجارة، لحد ما حبيب قُلوبنا أُصيب ونَزَف! النبي ﷺ مِشي هربان في الصحرا، مَكسور، وحِيد، مَطرود، بينزف، والبشر كلها بتعاديه، الأرض كلها بتلِف بيه، ومفيش أي باب في الأرض مفتوحله! لحد ما استخبَّى في بُستان، ووقف يسند على حيطة ويرفع إيده للسما ويدعي الدعاء المشهور: «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ». كل أبواب الأرض اتقفلت، وكل أسباب الدنيا وقوانين البشر وِقفت وهنا بيحصل تدخُّل (رَبُّ العَالَمِين) تدخُّل مباشر، ونزلت بداية سورة الإسراء العظيمة: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). ربنا مبعتلوش مَلَك يواسيه في الأرض، ربنا بعتله دليڤري مخصوص اسمه البُراق علشان يرفعه من الأرض للسما السابعة في رحلة مفيش بشر شافها ولا هيشوفها! السورة بدأت بكلمة (سُبْحَانَ) علشان تنزّه ربنا عن العجز، وكأنها بتقولك: اللي هيحصل دلوقتي بيكسر كل قوانين الفيزياء والمنطق والزمان والمكان! إنت بتتعامل مع إلـٰه عظيم بيقول للشيء كُن فيكون. ولاحظ معايا التكريم الجميل في كلمة (بِعَبْدِهِ) ربنا مقالش بنبيّه ولا برسوله، لكنه قال (بعبده) ليه؟ علشان يعلِّم البشرية كلّها إن أعلى رتبة ممكن توصلها، مِش إنك تكون دكتور ولا عالِم ولا شيخ ولا غني ولا سُلطان! لا أعلى رُتبة هي إنك تكون عبد حقيقي لله، مُستسلِم وخاضع في عِز ضعفك وانكسارك! الآية دي نازلة علشان تعالج الشاب اللي قدّم في ١٠٠ شغلانة واترفض وحاسس إنه فاشل! وبتصبّر البنت اللي خطوبتها اتفركشت وبتعيّط من الزعل كل يوم! وبتفوَّق أي حد حاسس إن السكة سَد والناس خذلته وظلمته! مش معنى إن الأبواب اتقفلت، والناس سابتك يبقى ربنا غضبان عنّك أو ناسيك! السورة دي بتقولك إن ربنا ممكن يقفل كل الأبواب في وشك علشان يفتحلك بابه، ويفكّرك بيه علشان يُجبرك جبر يتعجب منه أهل الأرض والسماء! والآية بتختم وبتقولك (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) يعني ربنا سامع دقات قلبك السريعة والتنهيد والبكاء، وبصير بدموعك اللي بتخبيها عن الناس، الكَسرة والرفض اللي بنمُر بيهم دول مِش نهاية المطاف، ده تجهيز لرحلة جَبر إلـٰهي هتكسر كل قوانين المنطق وتنسّيك كل الحُزن والفَقد بإذن الله.
٢. المحطة التانية - اللوكيشن:بعد ما ربنا طمِّن قلب النبي ﷺ وهوِّن عليه في رحلة الإسراء والمِعراج، السورة بتنقلنا نقلة تانية خالص بتخُصّنا إحنا كبشر تايهين في الزحمة ربنا بيقول: (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ). كلمة (أَقْوَمُ) دي عجيبة في دقتها! إحنا في عصر التوهان، كل يوم حوار جديد، وأفكار بتضرب ثوابتنا، وشاب تايه مِش عارف يثبت على مَبدأ، وبنت مُشتتة بين المَنهج الربّاني والأفكار السامّة وهنا ربنا بيلفِت نظرنا إن القرآن دا هو المكان اللي هتلاقي فيه كل حاجة، مش مجرد كلام بتقرأه وبيهديك للصح، لا ده بيهدي للـ (أَقْوَمُ) يعني الطريق الأكتر استقامة، والأكتر استقرار، والأكتر أمان، ولو مشيت ورا أوامر ونواهي القرآن، عُمرك ما هتلبس في حيطة. #ختمة_الفهم
1 181
٢. المحطة التانية - سُورَة النَّحْل:بنسيب هيبة سورة الحِجْر، وبندخل على سورة النَّحْل والسورة دي التسمية الحركية بتاعتها في التفاسير هي (سُورَة النِّعَم)، وهدفها كله متلخص في آية واحدة بترُجّ الدماغ: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)! أي حد حاسس بضيق، أو عايز يتدبر حجم النعم اللي ربنا مغرَّقه فيها يفتح بس سورة النحل ويقرأها. - سِر التسمية إشمعنى النَّحْل؟ وإيه علاقته بالنِّعَم؟ ربنا اتكلم عن النحل في السورة دي كنموذج وقدوة لينا كلنا، وإزاي النحلة دي نفذت أوامر ربنا، فربنا كرَّمها وخلّى مُخرجاتها عسل فيه شفاء: (وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ). النحلة دي كائن مُبرمج على النَّضافة والنفع، بتاكل أطيب حاجة ربنا وفَّرهالها وهي الرحيق، وبتطلّع أنفع حاجة اللي هو العسل فربنا بيقولك خلّيك زي النحلة، اُشكر ربنا على النعمة واستعملها في رِضاه، علشان يُخرج منك الإحسان والخير والنفع للناس وللخَلق، وماتُبقاش زي الدِّبانة اللي مابتقفش غير في مَقالب القمامة، والناس كلها بتقرف منها! - كلمة السِّر (لَكُم): تخيّل إن كلمة (لَكُم) اتكررت في السورة دي حوالي ١٢ مرة! (خلق لَكُم.. سخر لَكُم.. أنشأ لَكُم.. أنزل لَكُم.. يُنبت لَكُم).. وكلمة (نعمة) ومشتقاتها اتذكرت ١٣ مرة! يعني كميّة تسخير رهيبة للكون علشان تخدمك إنت! وبعد العرض المُرعب ده للنعم، ربنا بيقولك: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) لأن ما خفي من النعم في جِسمك وحياتك أكبر وأعظم من اللي إنت شايفه إنت غرقان في النعم بس دايمًا بتُبص على النقص ومِركّز على نص الكوباية الفاضي! - طبع الخِسَّة والنَّدالة! إحنا كبشر عندنا عيب خطير لما النعمة بتدوم، بنألفها وبنبطّل نحس بيها، ومبنفتكرش ربنا غير في المصايب! بُص السورة بتوصفنا إزاي: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) يعني طول ما إحنا في النعمة ناسيين ومنفّضين، وأول ما ناخد خبطة نُصرخ ونقول يارب إلحقنا! ولما ربنا يكشف الغمّة، نرجع نستهبل ونعصيه تاني! لازم تراجع نفسك، النعم دي مِش علشان تستقوى بيها على الناس، ومِش علشان تستخدم نعمة النظر في الحرام، ولا نعمة المال في القُمار إنت مُستأمن على النعمة! - قصة القرية الجاحدة: علشان ربنا يوريك نتيجة اللي مابيشوفش النعم وبيتبطر عليها، بيضربلك مَثَل يخوِّف: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ). قرية عايشة في أمان ورزقها واسع. عملوا إيه؟ شكروا؟ لا (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ). استهتروا بالنعم وبطروا على عيشتهم واستخدموها بالشقلوب، والنتيجة الفورية؟ (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) ربنا سحب منهم الأمان والرزق، ولبّسهم الجوع والخوف علشان يعرفوا قيمة النعم اللي كانت في إيديهم واتبطروا عليها. - أعظم دستور وقانون للحياة: السورة دي فيها آيات كتير بترد على استهزاء قريش بالتوحيد والبعث، وفيها أحكام شرعية عظيمة، لدرجة إنها ضمت آية جامعة للخير والشر في القرآن كله، وخُطباء الجمعة بيستودعوا الناس وبيختموا بيها الخطبة: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ) الآية دي لوحدها دستور لو كل إنسان فينا طبقها على حياته هنكون في حتّة تانية خالص! - مسك الختام: في آخر صفحة في السورة، وبعد ما ربنا عرضلك النعم، وعرضلك القرية الجاحدة، بيختم بالنموذج البشري المثالي في التعامل مع نعم الله وهو سيدنا إبراهيم خليل الرحمن. إزاي كان بيتعامل مع النعم؟ (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) كان أُمَّة لوحده، طائع، حنيف، وبيطبّق أهم حاجة (شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ). فاللهم أوزعنا أن نشكُر نعمتك التي أنعمت علينا، ولا تسلبنا نعمك بذنوبنا وتقصيرنا.
1 181
- قصة قوم لُوط:
نفس الملايكة اللي كانت عند سيدنا إبراهيم وجابوله البُشرى، بتتحرك وتروح لسيدنا لوط على هيئة شباب وسيمين جداً علشان ينفذوا العِقاب في قومه اللي كانوا غرقانين في أقذر فاحشة (العِيال المِلوِّنة). القوم المُجرمين دول حاصروا بيت سيدنا لوط علشان يعملوا القذارة مع الضيوف! سيدنا لوط مكنش يعرف إنهم ملايكة فكان في قمة الرُعب والكُسوف إن قومهم تعبانين كدا، لحد ما الملايكة كشفوا عن حقيقتهم وقالوله إحنا هنا علشان ندغدغهم، وطلَّعوه من القرية بأمر وتدبير إلهي للنجاة: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ). يعني خد أهلك واخرج بالليل، ومحدش يُبص وراه! وبمجرد ما خرجوا، ربنا قَلَب القرية عاليها واطيها لحمايتهم وهلك القوم كلهم ومعاهم مرات سيدنا لوط اللي خابِت وكانت بتدعمهم في الفاحشة! وفي وسط القصة دي في الآية ٧٢، هتلاقي الموضع الوحيد في القرآن كله اللي ربنا بيقُسِم فيه بحياة وعُمر سيدنا النبي ﷺ تكريماً وتعظيماً ليه: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ). لمّا تكون في بيئة سامّة، أو شلّة بتجُرَّك للرذيلة والضياع، أو علاقة بتدمّر دينك ونفسيتك، وربنا يرزقك فرصة للنجاة اُخرج ومتبصّش وراك! متحنّش للماضي المُقرِف، ومتدّيش فرصة لقلبك يلتفت للفتنة تاني، اهرب بدينك علشان العناية الإلـٰهية تنجِّيك!
- قصة أصحاب الأيْكَة:
ودول قوم سيدنا شُعيب، والأيكة يعني القرية صاحبة الشجر الكثيف الملتَف، الناس دي كانت عايشة في رفاهية وجنات، بس استغلوا النعمة دي في العصيان، والبلطجة الاقتصادية، وأكل حقوق الناس والغِش في الميزان! فربنا نسفهم: (وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ). الفلوس، والكومباوندات، والعربيات الفخمة مِش هتحميك من غضب ربنا لو كنت ظالم، أو بتاكل ورث أخواتك، أو بتسرق في شغلك والنعمة اللي مبتقربكش من ربنا، هي في الحقيقة اختبار!
- سِر التسمية، قصة أصحاب الحِجْر:
دول قوم سيدنا صالح، وخلِّي بالك من الخطأ اللي الناس بتُقع فيه: مفيش أنبياء اسمهم عاد وثمود، دول اسم الأقوام اللي جالهم الأنبياء سيدنا هود لقوم عاد، وسيدنا صالح لقوم ثمود. القوم دول لما كذبوا سيدنا صالح، حبُّوا يشغَّلوا دماغهم ويبنوا بيوت وجحور جوا الجِبال والصخور علشان تحميهم من العذاب! (وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ) بس هل الحيطان الصخرية والشقاوة دي أنقذتهم؟ الإجابة: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ)! مفيش جبل، ولا فلوس، ولا واسطة، ولا ذكاء معماري يقدر يمنع عنك قَدَرَ ربنا، ومفيش حد يقدر يحفظك غير (الحافظ) سُبحانه وتعالى!
- فَخ المُقارنات (آية ٨٧ - ٨٨):
بنوصل لأعظم علاج نفسي لمرض دمَّر حياتنا وبيوتنا ربنا بيفكَّر النبي ﷺ بأعظم نعمة مَعاه (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) يعني إنت معاك الكنز الحقيقي، وهنا أعظم روشتة في القناعة: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ). لمّا بتفتح الانستجرام، وتلاقي واحد راكب عربية بـ ٥ مليون، ودي بتصيف في المَالديف، وده بيعرض نجاحاته فترجع تبص لعيشتك، ولشقتك البسيطة، ولشُغلك المتواضع، ورزقك المُقدّر، فتحزن، وتكتئب، وتتفِتِن، وتحتقر نِعَم ربنا عليك! إنت بتشوف اللقطة الحلوة بس! لكن مِش شايف الكواليس، مش شايف المَرض اللي بياكل في جسمه، ولا الديون اللي كاسراه، ولا الإكتئاب اللي جوا البيت! ربنا وزّع الأرزاق بعدل مُطلَق، وبمجرد ما تُبص في ورقة غيرك إنت سقطت! فارضى بالباكدج بتاعتك كلها، وركِّز في النِّعَم اللي في إيدك، ومتخلّيش المناظر تسرق منك نعمة الرضا والإحساس بالنعمة!
- روشتة الخنقة وكلام الناس (آية ٩٧ لـ ٩٩):
بنختم السورة بتوجيه وعلاج ربَّاني لأي حد مخنوق من الحياة أو كلام الناس اللي بيسِمّ البدن ربنا بيكلم النبي ﷺ وبيقوله: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ). حتى النبي ﷺ صدره كان بيضيق من كلامهم وتريقتهم! طيب إيه العلاج يارب؟ أرد الشتيمة بشتيمة؟ أدخل في صراعات وتبريرات وجدال وأناطح رأس برأس؟ لا العلاج بسيط خالص: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ). لما كلام الناس يقفلك، والمُجتمع يضغطك وتحس إن الدنيا مقفولة افرش سجادتك واسجد! السُجود والتسبيح هما اللي بيفرَّغوا الشُحنة السلبية، وبيشحنوا قلبك صبر وثبات، وده أقرب وأحب حاجة ربنا بيحب يشوفك فيها السُجود والخضوع وتسليم أمورك وهمومك لله الواحد القهار!
1 181
أغلبنا قرأ النهاردة الجزء الرابع عشر من القرآن، الجزء ده فيه سُورتين من أمتَع وأعظم سُور القرآن: (سُورة الحِجْر، وسُورة النَّحْل)، والنهاردة هنعيش معاهم ونفهمهم بشكل تاني خالص:
١. المحطة الأولى - سُورَة الحِجْر:قبل ما ندخل في تفاصيل السُورة، لازم تفهم الجو العام اللي نِزل فيه السورة، سورة الحِجْر مكيّة، وأي سورة مكيّة بتلاقي ربنا بيحكي فيها قَصَص الأنبياء مع أقوامهم، وإزاي ربنا خَلَّص عليهم ونجى المؤمنين. إعرف كدا إن السورة دي نزلت في وقت إشتداد الإيذاء والخَنقَة من قُريش للنبي ﷺ والصحابة! والسورة دي نازلة تعمل تثبيت وتعزية وتصبير لقلب النبي ﷺ والمؤمنين إن الفَرَج جاي، وإنذار مُرعب لصناديد قُريش إن نهايتهم هتكون زي اللي قبلهم. السُورة دي هي سورة الحِفْظ، والاسم الأعظم لله فيها هو (الله الحَافِظ) تعالوا نمشي مع الآيات بالترتيب ونشوف عظمة التدرج فيها: - حِفظ الدين والقرآن (آية ٩): السورة بتبدأ بأعظم رسالة يقين وتَعَهُّد ربَّاني إنه هيحفظلنا القرآن والدين إلى يوم القيامة: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ودايمًا صيغة الجَمع في القرآن زي: (إِنَّا نَحْنُ) بتكون للتعظيم في حَق الله، لأن فيه ناس مُجرمين ومُخهُّم أصغر من وِرك النملة وبيمسكوا في أمور بديهية زي دي وقال إيه إن فيه آلهة تانية! ومهما طلع ناس يشكِّكوا في ثوابت الدين، أو يحاولوا يبدلوا مَعانيه، فمتقلقش ربنا تكفَّل بحِفظ القرآن والدين إلى يوم القيامة! - حِفظ الكون (آية ١٦ لـ ٢٠): ربنا بينقلنا لمشهد كوني عظيم، وإزاي حَفَظ السماء بالبروج: اللي هي النجوم (وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ) يعني ربنا منع أي شيطان مارد ومطرود من رحمة الله إنه يوصل للسماء، إلا الشيطان البِجِح اللي يحاول يختلِس ويتنصنَّت ويحاول يسمع الملأ الأعلى: (فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ) بينزل عليه جُرم أو كوكب ناري مُضيئ بيتوِّهه ويِفلَق دماغه! - تهيئة الأرض وحفظ الأرزاق (آية ٢١ لـ ٢٢): وهنا ربنا بيطمِّنا على الرزق في الأرض: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ). الآية دي بتعالج هشاشتك النفسية والخوف من بكرة، ربنا بيقولك خزائن كل حاجة في الكون عندي أنا مِش عند مديرك ولا في البورصة والبنوك، وربنا بينزِّلها بالقطَّارة (بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) في الوقت اللي ينفعك ويِصلح حالك! طالما إنت بتاخد بالأسباب وبتسعى، مِش شغلك إنت بقى جالك قليل جالك كتير. رزقك مِتفصل على مقاس حياتك علشان يحميك، فنام وإنت مطمن. وعلى الهامش في الآية اللي بعدها رقم ٢٢، هتلاقي أطول كلمة في القرآن الكريم كله: (فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ). - حِفظ قلبك، والمعركة مع إبليس (آية ٢٦ لـ ٤٢): السورة بتاخدنا لقصة خلق سيدنا آدم، وتَكبُّر إبليس ورفضه للسجود، وإبليس بيتوعَّدلنا عيني عينك: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) وهنا بييجي الحفظ الرباني كدِرع واقي ليك: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ). إبليس مَلوش عليك أي سُلطة قهرية، مبيمسكش إيدك علشان تعصي ربنا! هو مجرد فُرقع لوز بيتنطط قدامك وبيفرَّجك على الحرام، وطول ما إنت مُستَمسِك بعبوديِّتك لربنا وقلبك محفوظ، فمفيش أي شيطان يقدر يخترقه! - نداء للي فاقد الأمل (آية ٤٩ - ٥٠): وبعد المعركة دي، ربنا بيبعت نِداء في منتهى الرجاء لكل شاب وبنت غِرقوا في ظُلمات الذنوب ووقعوا في فَخ إبليس: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ربنا رحيم أوي أوي لدرجة إنه بيناديك وفاتحلك الباب دايمًا، بس اللي بيستهبِل وبيركِن عند الآية دي ويكمِّل في الظُلمات هيلاقي قلم تفويقة في الآية اللي بعديها: (وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) فلازم يكون عندك توازن بين الخوف والرجاء علشان حياتك تتعِدل! - قصة ضيوف إبراهيم: السورة بتاخدنا لمشهد عجيب، الملايكة بتنزل على سيدنا إبراهيم في هيئة بشر علشان يبشروه بحاجة شبه مستحيلة في الحسابات البشرية بشروه بولد وهو راجل عجوز ومراته مابتخلِّفش! سيدنا إبراهيم استغرب جداً، فالملايكة قالوا: (بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ) وهنا سيدنا إبراهيم بيرد بعقلية سيدنا إبراهيم المؤمنة: (قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ). مهما كانت أبواب الدنيا مِقفلة في وشك، ومهما كانت الأسباب المنطقية بتقول إن موضوعك مستحيل سواء جواز، أو شغل، أو شفاء من مرض، إياك تيأس! المُستحيلات بتاعتك دي عند ربنا بتخلَص بحرفين بس اسمهم: (كُنْ) ولما ربنا بيريد بيعطَّل قوانين الطبيعة علشان يجبر بخاطرك، واليأس ده طريق الضالين اللي -والعياذ بالله- فاقدين الأمل في الله! #ختمة_الفهم
1 181
الشاب اللي بيمشي في سِكّة شمال، وبيقول أصل السادة الزُملاء همّا اللي جَرجَروني، والبنت اللي بتتنازل عن شَرفها ومبادئها علشان تتشهر، وتقول ده فَنّ وبيحصل في الحقيقة! والإنسان اللي بيعمل ذنب ويقول أصل الشيطان شاطر! هنا لازم تاخد قلم يفوّقك علشان متسمعش خُطبة إبليس الحمضانة وتكتشف إنك كنت تَابِع وإمَعَة! محدّش هيشيل شيلتك يوم القيامة! والصاحب والبلوجر وأصحاب الأفكار الذُكوريّة والنِسويّة اللي صدّرولك أفكار سامّة وإنت طبقتها وخربت حياتك وحياة غيرك، هيقولولك (فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم) إحنا كنّا بنقول بس! من النهاردة لازم توقّف الدوَّامة دي، وتعرف إن قرارك طالع من دماغك، ومفيش شيطان إنس ولا جِن يقدر يجبرك على المعصية، إنت اللي بتعمل بمزاجك، لازم تنضّف قايمة الناس اللي مِتابعهم في الواقع والمواقع لأن وقت الحِسَاب، كله هيخلَع ومحدّش هيدفعلك!
٤. المحطة الرابعة - الشجرة:بنختم سُورة إبراهيم والجزء العظيم ده بمشهد بيوصف حاجة خطيرة جدًا عندنا كلنا: وهو اللسان. وربنا بيضربلنا مثل بيوضّح إزاي الكلمة ممكن تغيّر الحياة: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) تخيل الكلمة الحلوة، كلمة التشجيع، جبر الخاطر، أو النصيحة اللي طالعة من قلبك بجد ربنا بيشبِّهها بشجرة ضخمة، جذورها ضاربة في الأرض ومُستحيل تِتهز، وفُروعها مُزهرة وواصلة للسماء، وكل شوية بتكبر وتِطرَح حسنات. عارف إنت ده بيحصل لمّا تلاقي واحد مُحبَط وتقوله: متخافش إنت قدّها وهتنجح بإذن الله! هنا هتزرع فيه ثقة تخلّيه يقوم يدغدغ الدنيا وينجح، وربنا يكافئك إنت كمان لأنك كنت مُحرِّك طيِّب وإنت مش دريَان! وبيحصل لمّا تقولي لزوجك أو تقول لزوجتك كلمة شُكر تخليه طاير في السماء، ومنها حسنات بتزيد، وبينزل على القلب رضا ودفء وطمأنينة! وعلى العكس تماماً، بُص الرعب في الآية اللي بعدها: (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ) الكلمة السَّامّة، التريقة، التنمر، الشتيمة في كومنت، أو الإحباط اللي بترقعه في وش أي إنسان دي عاملة زي الشجرة الخبيثة المؤذية، مَلهاش أصل ولا جذور، بتطلع على وش الأرض علشان تأذي وتِقرِف اللي حواليها بس! الكلمة الخبيثة دي ممكن تدمَّر ثقة طفل في نفسه وتخليه مُعقّد طول حياته، ممكن تخرب بيت وتِطلَّق زوجين، ممكن تدخّل بنت أو شاب في اكتئاب يخليه ينهي حياته! وإنت مُتخيل إنها مُجرد شويّة هاها، بس هي عند ربنا (شَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ) هتتحاسب على كل شُوكة طِلعت منها! إمسك لسانك، يا تقول كلام طيِّب وتُثمِر، يا إمّا تريّح الناس منّك وتكسب فيهم ثواب وتُسكُت!
1 181
النضيفة! القرآن بيعمل من المِثالين دول إسقاط على الحق والباطل: (كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) الزَبَد والرغاوي المنفوخة دي مِسيرها هتكون (جُفَاءً) هتِنشف وتطير في الهوا، والمايّة الصافية اللي بتسقي الزرع وتنفع الناس هي اللي بتفضل وتثبت في الأرض!
الآية دي بتوصف عصر التَّفاهة اللي إحنا عايشينه دلوقتي! إنت بتفتح الموبايل وتلاقي مَقطَع تافه، أو رَقصَة، أو مَقلَب مُفبرَك قالب الدنيا وجايب مُشاهدات بالملايين وراكب التِريند! وفي نفس الوقت تلاقي واحد طالِع عينه في تحضير مُحتوى مُحترم وقيِّم، أو بيعلِّم الناس مهارة حقيقيّة وبينشر الوعي، وتلاقي الدنيا عنده صحراء جرداء! المشهد ده بيعمل إحباط رهيب عند المُشاهِد، وبيخليك تسأل نفسك: هو أنا بتعب ليه؟ طيب ما التفاهة بتكسب والمُوجه عالية أهي؟ بس القرآن بيكشفلك اللعبة دي إوعى تتخِدع بالرَّغاوي! والتريندات التافهة اللي بتاخد اللقطة دي زَبَد، آه هياخد اللقطة، وهيعمل هيصة كدابة، بس بعد كام يوم الناس هتنسى وهيطير في الهَوا (فَيَذْهَبُ جُفَاءً) ومحدّش هيفتكر الموضوع أصلاً! لكن عِلمك، وتعبك، ومُحتواك النافِع، والقيمة اللي بتقدمها هي دي المايّة الصّافية (مَا يَنفَعُ النَّاسَ)، آه ممكن محدّش يشوفك أو توصل بصعوبة، بس هو ده اللي بيعيش، ويبني العُقول، وينوَّر الطريق، وبيسيب أثر حقيقي وحسنات لا تنقطِع، وهو ده الأصيل اللي بـ (يَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ)!
- وهنا بنسيب هَيبة سورة (الرَّعْد)، وبندخل على سورة من أكتر السُور اللي بتعالج عُقَدنا من جذورها سُورَة (إِبْرَاهِيم). السورة دي مكيّة، نِزلت في أشد أوقات الظَّلام والاضطهاد اللي كان المُسلمين بيعيشوها في مكّة، علشان كده السورة دي بتبدأ بآية بتلخص هدف القرآن كله: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) السورة دي نازلة تِلحَقَك من ظُلمات الَهم واليأس والعلاقات السّامّة، وتاخدك لنور الهداية واليقين. واتسمّت بـ (إبراهِيم) لأنها بتعرضلنا نموذج لنبيّ عظيم قِدر يُقف لوحده في وش مُجتمع كامل، وقِدر يبني أُمَّة وحياة من العَدم في صحراء جرداء مفيهاش نقطة مايّة، ومن غير أدوات ومُعدّات هندسية، هو بناها باليقين والإيمان والدُعاء، وكأن ربنا بيقولك خليك زي إبراهيم، خليك إنت البداية في المُجتمع!
٣. المحطة التالتة - أخطر خُطبة في التاريخ:الناس كلها طالعة من القُبور، مفيش ملابس، مفيش فلاتر، مفيش ألقاب، مفيش حد قادِر يستخبّى: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا) الكل مكشُوف قدام ربنا وهنا بتبدأ أول مُواجهة بين التَابِعين والمَتبُوعين، وبين المُتابعين والبلوجرز والمشاهير، كله هيتقابل وجهًا لوجه: (فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا) المُتابعين والتابِعين هيقولوا وهمّا بيصرخوا للكُبار اللي مِشيوا وراهم: إيه الدنيا يا حبايبي، أكيد هتدافعوا عننا وتطلعونا صح؟ أكيد هتقولوا لربنا الناس دي طيِّبة وولاد حلال صح؟ أكيد إن شاء الله هتقولوا إننا كنّا بنشجع بس حد يرد علينا يا جماعة: (فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ) طيب حد هيشيل مننا شويّة؟ ده إنتوا اللي سهّلتولنا الحرام وجبتونا هنا! بُص بقى رد الكِبار والخُذلان اللي يكسر الضهر: (قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ۖ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ) بيقولولهم إحنا غرقانين زيكم وكلنا في الهَوا سَوا! ومفيش أي مَفر، ومحدش هينقذ حد! ولمّا الكل بيكتشف إنهم اتخدعوا، واليأس بيِركَبهُم كلُّهُم بيقوم الكبير بتاعهم (إبليس) يُخطُب فيهم خُطبة بتنزل عليهم زي الصاعقة علشان يقطع كل الآمال: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ) بيقولهم بمُنتهى الصَّراحة والبَجَاحة: ربنا وعدكم بالجنَّة ووعده هو الصِدق، وأنا وعدتكم بالوَهم، وإنتوا عارفين إني كدَّاب وبيَّاع، وعلى بلاطة كدا أنا ضِحكت عليكم! طيب إنت ليه عملت فينا كدا؟ ليه غويتنا؟ بَجَاحة وصَراحة تاني: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم) يعني أنا مرفَعتِش على حد مَطوة علشان يِسمع كلامي! أنا شاورت على الحرام بس! وإنتوا اللي عَملتوه بمزاجكم! فمترمُوش بلاكم علينا! ولوموا نفسكم يا شوية ضُعفاء إنتوا! وبيختم الخطبة بالخلاصة المُرعبة: (مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ) يعني لا أنا هعرف أنقذكم ولا أسمع صراخكم، ولا إنتوا هتعرفوا تنقذوني، كل واحد يشيل شيلته! الآيات دي بتعالج آفة خطيرة أوي في مُجتمعنا، وهي التبعية العَمياء ورمي اللوم على الغير!
1 181
أغلبنا قرأ الجزء التالت عشر من القرآن، الجزء ده بيعمل إعادة ضبط مصنع لدماغنا وتفكيرنا بشكل كامل! في الجزء اللي فات، ودَّعنا سورة يُوسف اللي بتُحيي فينا الأمل، وبنُدخل في الجزء ده على سورة الرَّعد وإبرَاهِيم، وعندنا ٤ محطات أساسية لازم نركّز فيهم جدًا:
- لكن قبل ما ندخل في التفاصيل، لازم تعرف إن سورة (الرَّعْد) اتسمّت بالاسم المُرعب ده علشان تبيِّن قوّة وعظمة وهَيبة ربنا في الكون، وسبب نزول بعض آياتها بيلَخّصلَك المَشهد كان فيه اتنين من جبابرة العرب: عامر بن الطُفيل وأربد بن قيس، راحوا المدينة للنبي ﷺ علشان يغتَالوه، وخطَّطوا إن عامِر يكلِّمه ويِشغِله في الأسئلة، وأربد يقوم فجأة ويخلَّص عليه، فعامِر قَعَد يستفِز النبي ﷺ بكل كِبر وحَمَاقة ويقول: من هو الله؟ أهو من ذهب أم من فضة؟ وأسئلة من اللي بالك فيها، وأربد كل ما يحاول يقرّب، كان بيتراجع ومايقدرش يتحرّك، لأن النبي ﷺ مَحمِي بقدرة الله، وطِلعوا من المَدينة غَضبانين إنهم فشلوا، وهما راجعين ربنا أرسل على أربد صاعِقة من السماء خَلَّصِت عليه، وعامر أُصيب بدُبَيْلَة: يعني ورم خبيث في رقبته، ومات بردو في الطريق! فالسورة دي نازلة بتأسس لعظمة الخالق وعِلمه المُطلق، وبتنسف أي كِبر أو وهم في دماغ الإنسان!
١. المحطة الأولى - المكان مُراقب بالكاميرات:السورة بتبدأ بتَسَلسُل مُرعب بيبيِّنلك حجمك الحقيقي قدام عِلم ربنا، وبتبدأ من وإنت لسه حتّة لحمة في بطن أمك: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ) وهنا هيطلع واحد فَزلوك ويقول: طيب ما إحنا كمان بنشوف اللي في بطن الأم بالسُونار! ونقدر نعرف نوع الجنين كمان! وهنا القرآن بيرد وبيقولك: السونار اللي ربنا علِّمك تخترعه لمصالح دنيوية ده آخره يعرف الهَارد وِير: يعني يشوف نوع الجنين، ووزنه، وحجم أعضائه! لكن هل السونار ده يقدر يقولك الطفل ده شقي ولا سعيد؟ رزقه واسع ولا هيعيش مديون؟ هيطلع بار بأهله ولا هيكون سبب تعاستهم؟ طيب هيعيش ٨ أيام ولا ٨ سنين ولا ٨٠ سنة؟ أمّا السُوفت وِير ده في علم الغَيب المُطلق، اللي مهما عملت واخترعت وطوَّرت في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا متقدرش توصل للعلم ده أبدًا! ربنا وحده هو العَالِم والمُتفرِّد بكل تفصيلة، وعَالِم بكل قطرة بتنقص أو تزيد في الرَّحِم، وكل شيء عنده محسوب (بِمِقْدَارٍ) يعني حاجة كدا أدَق من الفيمتو ثانية! وهنا فيه وقفة لازم نفهمها والله ربنا بيعرَّفنا إننا كنَّا مِتراقبين في الرَّحِم وكل شيء عننا معلوم، فما بالك لمّا تخرج للدنيا: (سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) الآية دي بتطمِّن المُؤمن وبترعِب العَاصي إنت مِتراقِب في كل أحوالك، سواء كنت بتذنب في عز الظهر أو في ظُلمات الليل، سواء شتمت بصوت عالي أو بصوت مهموس، سواء عصيت في العلن أو في الخلوة! كل شيء عند ربنا معلوم. وبعد ما السورة وضحتلك إن ربنا عَالِم ومُطَّلع، بتختم الجُزئية دي بأعظم قاعدة وقانون للتغيير في تاريخ البشرية: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) الآية دي بتِنسف عُقدة الضحيَّة، اللي أغلب المُسلمين عايشين فيها النهاردة! بتشتكي من الظروف والمدير والعيلة والاقتصاد والبلد والدهب وإنت قاعد على السرير ومستني مُعجزة تنزل من السماء تصلحلك حالك بس المفاجأة إن حالك مِش هينصلح بالطريقة دي! ربنا حط قانون عظيم في الكون: عايز التغيير؟ إبدأ بنفسك الأول! عايز رزق؟ اسعى واتعلِّم مَهارة جديدة وخُد بالأسباب! عايز تبطل ذَنب مُعيّن؟ احذف رقم البنت، امسح الأبلكيشن، اقفل باب الفتنة من عندك الأول. ربنا سُبحانه وتعالى مُطَّلع على نيّتك ومُراقِب تصرُّفاتك زي ما قولنا في الآيات من شوية، ويرى سَعيَك وتغييرَك، وساعتها بس هتشوف التغيير والمَدَد الربَّاني اللي هينزل يِقلِب الموازين ويغيَّر حياتك!
٢. المحطة التانية - الرغاوي المُبهِرة وزَبَد البحر:وهنا السورة بتنقلنا نقلة عبقرية، وربنا بيضربلنا مثال عظيم: (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا) تخيِّل معايا سِيل مايّة قوي جداً نازل من الجبل، المايّة دي وهي ماشية بتشيل معاها شوائب ورغاوي وقمامة بتطفو على الوِش وهو ده الزَّبَد والرغاوي دي بيبقى شكلها كبير ومَنفوخ ومِغطّيّة المايّة كلها لدرجة إنك ممكن متشُوفش المايّة النضِيفة اللي تحتها أصلاً! وفي نفس الآية ربنا بيضربلنا مثال تاني: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ) يعني المعادن زي الذهب والفضة والنحاس لمّا بتتحط في النار بيطلع منها زَبَد ومُخلَّفات ملهاش لازمة واللي بيفضل هو الخواتم والمشغولات والحِلَل والأواني #ختمة_الفهم
1 181
وشوف رُقي وأخلاق الأنبياء، يُوسف بيشكر ربنا إنه طلّعه من السجن، بس مجابش سيرة البير أبدًا: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) ليه؟ علشان مِش عايز يجرح إخواته أو يعايرهم باللي عملوه زمان، بعد ما سامحهم وربنا غفرلهم! فاللهم اجعلنا يُوسُفيِّي القلب، وأذقنا لذّة: (قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا).
1 181
تخيّل معايا كده، واحد مَسجون ظُلم بقاله سِنين، وباب الزنزانة بيتفتحلُه بعفو مَلكي علشان يروح يِقابل المَلك شخصيًا! أي حد مكانه كان هيسيب السجن ويجري حافي من الفرحة! لحظة بس يُوسف ده طاهر، ورَفَض يُخرج! وقال للي جاي ياخده: (ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) يعني أنا مش هخرج من السّجن بعفو مَلكي والناس تبُصلي على إني مُذنب والمَلك عَفى عني! أنا مش هخرج غير لما تفتحوا قضيتي القديمة وتِثبتوا براءتي قُدام البلد كلها، وتِعرفوا حقيقة النسوة اللي طيَّروا إيديهم! وهنا المَلك بيجيب النِسوة وامرأة العزيز، وبيحقَّق معاهم، وبتظهر الحقيقة زي الشمس، وامرأة العزيز بتعترف أخيرًا: (الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ). المَشهد ده بيدينا درس قاسي في عِزة النفس والكرامة حُريتك، أو رُجوعك لشُغلك، أو رُجوعك لعلاقة، مَلهُمش أي قيمة لو سُمعتك وكرامتك مُشوّهة! ويُوسف قعد في السجن بكرامة، أفضل ما يعيش بين الناس وهو مَكسور.
٨. المشهد التامن - مُلك خزائن الأرض!بعد ما ظهرت براءة يُوسف قدام مَصر كلها، المَلك جابه وادّاله صلاحيات مُطلقة: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) وهنا يُوسف طلب يمسك وزارة المالية والاقتصاد لأنه عارف قدراته: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) والقرآن بيعقَّب على اللقطة دي وبيقول: (وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) الطفل المِسكين اللي اترمى في البير وباعوه في سوق العبيد بقى هو اللي بيمشّي بلد بحالها! بتعدي السنين، والمَجاعة بتضرب الأرض، والناس بتيجي من كل حتة تطلب أكل من عَزيز مصر والمفاجأة بقى؟ إخوات يُوسف (اللي رموه في البير زمان) بييجوا يقفوا طابور قُدَّامه أذلاء ومحتاجين مُساعدة، وهما مِش عارفينه أصلاً: (وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ). وهنا بتبدأ سلسلة من الاختبارات اللي يُوسف عملها علشان يُشوف معدن إخواته اتغيّر ولا لا، طلب منهم يجيبوا أخوهم الصغير (بنيامين) في المرة الجاية علشان يدّيهم حصة أكبر، ولما جابوه، يُوسف دبّر خطة ذكية وحطّ صُواع المَلك (الكوباية) في شَنطة أخوه علشان يخلّيه معاه بحجّة إنه سرق! إخواته اترجُّوه يِسيبه وياخد أي حد فيهم مَكانه، بس يُوسف رَفَض، فرِجعوا لأبوهم من غير أخوه! وهنا سيدنا يعقوب من كُتر الحُزن والقَهرة على يُوسف وبنيامين، فَقَد بَصره: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) بس بيقينه العظيم طلب منهم يرجعوا مَصر يدوَّروا عليهم ولما رجعوا وقَفوا قدّام يُوسف للمرة التالتة وهمّا في قمّة الذُّل والاحتياج، وبيقولوله: (يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا). وهنا يُوسف قرَّر ينهي الاختبار ويكشفلهم نفسه: (قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ) تخيّل الرُعب اللي هما فيه لما عرفوه: (قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي) أخوهم اللي رموه في الضلمة وهو طفل علشان يموت، بقى في إيده قرار يطيَّرهم بكلمة واحدة، وهما حرفياً تحت كلمته! بُص بقى العظمة والتسامح وتطهير القلب: (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) يعني مفيش عتاب، ولا لوم، ولا توبيخ أنا مِسامحكم وربنا يغفرلكم ويتوب عليكم!
٩. المشهد التاسع والأخير - تَحقيق الرؤيا!وهنا بنوصل لأجمل ختام، يُوسف بيبعت قميصه لأبوه، وأول ما القميص بيلمس وَجه يعقُوب، بصره بيرجع في مُعجزة ربّانية: (فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا) وتتجمع العيلة كلها وتشد الرحال لمصر علشان يقابلوا: إبنهم عَزيز مِصر. الأسرة كلها بتدخل القصر، ويُوسف بيستقبل أبوه وأمه بحفاوة المُلوك وتكريم عظيم، وبيطلّعهم يقعدوا جنبه على كُرسي الحُكم: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) وفي اللحظة المهيبة دي، الإخوات الـ ١١، ومعاهم الأب والأم، بينزلوا كلهم: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) سُجود احترام وتقدير وتكريم مِش عِبادة، ودا كان مُباح في شريعتهم وقتها. وهنا يُوسف بيبُص لأبوه، والدُموع في عينه، وبيفتكر الطفل الصُغيّر اللي جِري عليه من سنين يحكيله الرؤيا، وقال: (يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا).
1 181
٦. المشهد السادس - السِّجن ونسيان الجميل!وهنا بيتقِفل السجن على يُوسف، شاب بريء، اتظلم من إخواته، واتباع مع العبيد، واتهموه في شرفه، ودلوقتي مسجون ظُلم! أي حد مكانه كان هيجيله اكتئاب، ويكفُر بالناس وبالمجتمع، ويقعد يندب حظُّه بس يُوسف معملش كدا! يُوسف حوّل المحنة لمنحة، وحافظ على هويّته ومعدنه الأصيل حتى وهو مَسجون، لدرجة إن المساجين اللي معاه لاحظوا إن شاب خلوق ومؤدّب: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) شافوا فيه الإحسان والجدعنة، فراحوا يطلبوا منه يفسرلهم أحلامهم. وهنا لقطة عظيمة أوي يُوسف كان ممكن يفسّر الحلم علطول، بس هو عايز يطمِّنهم ويثبتلهم إنه مِش بيفسّر بالوَدَع، ولا بيلعَب بالبيضة والحَجر، ولا بيألّف، فإدَّاهم دليل مادي يخلِّيهم يَثقوا فيه ثِقة عمياء، قالهم: (لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا) يعني قبل ما وجبة السجن تيجي، هقولكم إيه اللي مَطبوخ النهاردة! قالوله: طيّب إنت بتعمل كدا إزاي يا يُوسف؟ تنجِيم ولا سِحر؟ ردّ عليهم وعرفهم إنه وحي: (ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۖ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ده مِش ذكاء ولا فَزلَكة، ده فضل ربنا عليّا. ولما يُوسف أثبتلهم صِدقُه، بقوا قاعدين مِركّزين ومِستنيين تفسير الحِلم، وهنا الدَّاعية الذكي مبيفوتش الفرصة! استغل لهفِتهم، وقبل ما يديهم اللي هما "عايزينه" إدَّاهم اللي هما "محتاجينه" بجد. كلِّمهُم عن التوحيد: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) فُكُّكوا من الأصنام والآلهة المُزيفة دي، ومفيش إلـٰه غير ربنا! وبعد ما وصّل رسالته، فسّر الحلم وقالهم: واحد هيخرج يشتغل سَاقي للملك، والتاني هيتعلَّق والطير هتاكل من راسه! وهنا بتيجي لقطة إنسانية جدًا، يُوسف بَشر، وتِعِب من السجن، فطَلَب من الشاب اللي هيخرج طلب منطقي، كأنه بيكلم واحد واسطة: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ) والرَّب هنا: معناها المَلِك يعني لمّا تُخرج وتشتغل، ابقى افتكرني عند المَلِك وقوله إن فيه شاب بريء مَرمِي في السجن بقاله سنين! لكن الصدمة؟ إن الشاب خَرَج، وبقى مُقرّب جدًا للملك، ونسي يُوسف تماماً: (فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) ويُوسف قَعَد بسبب النسيان ده كذا سنة كمان في السجن! فعندنا هنا وقفتين مُهمّين جدًا: -الأولى: بتعالج نُكران الجَميل كام مرة وقفت جنب حد في أزمته، وساعدته يخرج من ضيقته، وأول ما أموره اتظبطت ووقف على رجليه نسيك أصلاً؟ إوعى تزعل، يُوسُف عمل خير في الشاب وفسرله حلمه، والشاب نسيه سنين! - التانية: درس قاسي في التعلُّق بالأسباب، يُوسف اتعلق بواسطة: (اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ) فربنا قَفَل الباب ده وخلَّى الشاب ينسى علشان يُوسف يقعد (بِضْعَ سِنِينَ) كمان! ليه؟ علشان ربنا بيعلِّم أنبياءه وبيعلِّمك إن أُمورك مش بتمشي بِفلان وعلان، ولا أي مَخلوق! ربنا بيقطع الأسباب اللي اتعلَّقت بيها علشان تطلبها منه هو، وساعتها الكريم المُعطي هيدبّر أمورك تدبير يِليق بيك!
٧. المشهد السابع - رؤيا المَلك والكرامة قبل الحُريّة:بتمُر السِّنين، وبييجي مِيعاد الفرج وتدبير ربنا العظيم من سابع سما! المَلك بيشوف رؤيا بترعبه: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ) جابوا كِبار الكهنة والخُبراء علشان يفسّروها، وكلهم وقفوا عاجزين وقالوله: (أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ) دي شوية كوابيس مَلهاش معنى! وهنا الساقي اللي كان مع يُوسف في السجن، بيفتكره أخيرًا بعد السنين دي كلها: (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) وراح جري على السجن يسأل يُوسف عن تفسير الحلم وشوف هنا أصل ومَعدن يُوسف! أي حد مَكانه كان هيقوله: "والله ما أنا مِفسّر غير لما تطلعوني الأول" أو كان عاتبه مثلاً وقاله: يا مَصلَحنجِي! بس يُوسف النّبي الأصيل مَعملش كدا، ده مش بس فسّر الحلم، ده حطلهم خِطة اقتصادية كاملة لإنقاذ مَصر وقتها من المَجاعة لمدة ١٥ سنة قدام: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ) المَلك لمّا سمع التفسير والخِطّة دي، اتذِهل من عبقرية الشاب ده، وأصدر قرار فوري بخروجه: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ)
1 181
وهنا بنشوف نفس اللقطة اللي عملوها إخوات يوسف تمثيل دور الضحية والتلاعب بالحقيقة! وامرأة العزيز بكل بُرود وبجاحة هاجمت يُوسف وقَلَبِت عليه علشان تطلع بريئة: (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) عاوزة تسجنه أو تِعاقبه وتلبّسه هوّ التُهمة! بس يوسف دافع عن نفسه بكلمتين بس: (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي) وهنا بتتدخل العِناية الإلـٰهية، وربنا بيُنطِق شَاهد من قرايب امرأة العزيز: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) الدليل المَادي البديهي حَسَم المَوقف، والقميص مقطوع من ورا، يعني هو العَفيف اللي كان بيهرب، وهي اللي بتجري وراه، والعزيز فعلاً اكتشف الحقيقة وبيعترف وبيقول: (إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ). المشهد ده مِش قصة تاريخية، ده بيحصل معاك في زماننا! الأبواب المُغلَّقة النهاردة مِش شرط تكون أبواب قَصر الأبواب المُغلَّقة هي باب أوضتك وإنت قاعد لوحدك بالليل ومُوبايل العزيز والتابلت واللابتوب في إيدك. الفِتنة كلها بقت بضغطة زِرار، المَواقع، الشَّات، البنات، العلاقات المُحرمة كلها بتناديك وتقولك (هَيْتَ لَكَ)، ومحدش من أهلك شايفك! الاختبار الحقيقي هو إنك في عِز خلوتك، تقول: (مَعَاذَ اللَّهِ) وخوف الخلوات هو اللي بيصنع الرِجال، وهو اللي هينجّيك وقت الأزمات، وحتى لو الناس كلها اتّهموك بالباطل، ربنا هيبعت اللي يبرّأك ويدافع عنّك، لأن الحَق صُوته عالي، والقميص المَقطوع هيِثبت صدقك!
٥. المشهد الخامس - ضغط المُجتمع:وهنا الفِضيحة بتسمَّع في المدينة كلها، وبقت تريند على لِسان سِتَّات المُجتمع الراقي: (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا) امرأة العزيز بدل ما تِتكِسف وتداري على بلوتها، قرَّرت ترد رد مَجنون ومليان جَبروت! وعزمتهم على حفلة، وجابت لكل واحدة سكّينة وفاكهة: (وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا) وطلبت من يُوسف يُخرج عليهم وأول ما شافُوه، من كتر الصّدمة والذُهول والسّرحان في جَماله: (وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) نِسيوا نفسهم وطيَّروا إيديهم ومحسّوش بالوجع أصلاً! وهنا امرأة العزيز كَشفت عن وِشها الحقيقي قدامهم كلهم، وقالتلهم: أهو ده اللي لُمتوني فيه! وهدِّدِته تاني قدام الناس: (وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ) يا تمشي في الحرام وتسمع كلامي، يا تِترمي في السجن وتِتهان! يُوسف هنا اتحط في أقسى اختبار، مُجتمع كامل بيضغط عليه، والبيئة كلها بتسهّله الحرام، بس هو ساب ده كله ورَفَع إيده لربنا، وقال: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) يُوسف اختار السجن بكامل إرادته! اختار الخَنقَة والظُلمة والعَزل، في سبيل إنه ميعملش الحرام، برغم إن المُجتمع كله بيقوله: إعمل، إحنا اللي بنقولك ومِش هتتعاقِب دا إنت هتبقى بَطَل ومَحبوب ومُقرَّب! ويُوسف ماتغَرِّش بقوّته، ده اعترَف بضعفه البشري: (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ) يعني يا رب، لو مَاصَرَفْتِش عني الفتنة دي أنا هضعف وأقع (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ). الضغط اللي حَصَل ده هو نفس الضغط اللي بيتعرَّضله الشاب علشان يِقبل رشوة أو شُغل حرام ويتقاله: عادي، ما هو كُل الناس بتعمل كدا، يا إما هتترِفد! ونفس الضغط اللي بتتعرَّضله البنت علشان تِقلع الحجاب أو تتنازل عن حِشمتها علشان تِعجب المُوضة، يا إمّا هتبُوري ومحدّش هيتجوِّزك! أهو المُجتمع بيزنُقك بين نارين: يا تمشي معانا في الحرام، يا هنهمّشك وتبقى سُخرة للـ هاها والتريَقة! والسِجن هنا هو إنك تعيش وَحيد وغَريب ومُستَمسِك بدينك وعقيدتك في وِسط مُجتمع بايعها بالرخيص؛ فمُبارك عليك، إنت في زِنزانة بتودِّي الجنّة «فَطُوبَىٰ لِلْغُرَبَاء».
1 181
٣. المشهد التالت - الرُخص وعوض البدايات:وهنا بننزل لقاع البير المُظلِم، وبنلاقي يُوسف الطِفل المِسكين مَرمِي ومغدور بيه قاعد لوحده ومكسور وفجأة بتعدّي قافلة تُجار رايحة مصر، وهيموتوا من العَطش، فبعَتوا واحد منهم يجيب جردل ميّه من البير: (وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ) الراجل رمَى الجردل، وبيشد طِلعله يُوسف في الجَردل! الراجل مِش مِصدّق عينيه، طفل زي القمر، بيصرُخ من الفرحة: (قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ) بس التُجار دول بدل ما يدوَّروا على أهله ويرجّعوه، طِمعوا فيه من جماله وحلاوته، وقَرروا يخبُّوه وِسط البِضاعة علشان يِبيعوه ويكسبوا من وراه: (وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ). وهنا اللقطة الأغرب في القصة! يُوسف وَصَل أسواق مَصر، وهيتعِرض للبيع تخيّل نبيّ، وابن نبيّ، واللي هيكون ليه شأن عظيم كمان شويّة بيِتباع بكام؟ الآية بتوصِف البيعَة بوجع: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) اتباع بِرُخص التُراب! شوية دراهم تِعدُّهم بصوابعك، والناس كانت زاهدة فيه، يعني مش مُهتمّين بالسعر ولا حد شايفله أي قيمة أصلاً! الآية دي بتعالج عندنا عُقدة تقدير الذّات، وبتطَبطَب على كل واحد حاسِس إنه مش مِتشاف في المُجتمع ولا مِتقَدّر في مكانه، أوقات كتير بتكون طاحن نفسك في الشُغل؛ بس مُديرك مِستَرخَصك! وأوقات بتكوني بنت أصُول وجَدعة؛ بس تُقعي مع زوج زاهد فيكي ومِش شايفِك! بس القرآن بيعلِّمنا وبيطمّنا إن مش هو ده سِعرك الحقيقي، وقيمتك الحقيقية مش في عيون الناس، ربنا الخالق اللي سوَّاك ونفخ فيك من رُوحُه هو الواحِد العالِم بقيمتك! ولمّا تِحس إنك مِش مِتقَدّر افتِكر إن سيدنا يُوسف اتباع بدرَاهِم، علشان يبقى أغلى راجل في العالم! شوف بقى العوض الربّاني السريع التُجار باعوه رخيص، بس مين اللي اشتراه؟ وزير اقتصاد مَصر بشحمه ولحمه: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) يعني القَمَر ده مِش هيبقى عَبد، ده هيعيش في القصور، وهيتكرَّم، وممكن يتبنُّوه كمان! القرآن بيعقّب على اللقطة دي بقاعدة إيمانية لازم تبروزها جوه قلبك: (وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) يعني إخواته دبَّروله المَكيدة علشان يخلصوا، فربنا نجّاه! ورموه في البير علشان يِختفي؛ فربنا أخرجه! واتباع كعبد رخيص؛ فربنا عَزِّزه وكرَّمه! مهما الناس خَطّطِت ودبّرت علشان توقّعك وتأذيك، إطمّن وحُط في بطنك بطيخة صيفي، لأن ربنا (غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ) ومَحدّش هيعمل أكتر من اللي هو كاتبه ومُقدّره، وتدبيره هو اللي هيمشي عليك وعليهم: (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) بس إحنا اللي بنستعجِل ومش فاهمين حِكمتُه!
٤. المشهد الرابع - الفتنة والعفّة:وهنا السورة بتنقلنا نقلة زَمنيّة، والطِفل اللي اتباع بدرَاهِم، كَبَر وبقى شاب في قمّة الجَمال والرُجولة والعِفّة والذكاء: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) بس الجمال ده كان بداية لأخطر اختبار نفسي وجسدي ممكن يُمر بيه إنسان!يُوسف عايش جوَّا القَصر، وبتبدأ المؤامرة التانية في حياته، بس المرة دي مِش من إخواته، دي من سيدة مَصر الأولى امرأة العزيز! والآيات بتوصف المَشهد كأنه بيحصل قُدامك الشاب جَميل وأعزب، وغريب عن بلده يعني محدّش يعرفه، وامرأة العزيز عندها مَنصب وجمال وسُلطة، والأخطر من ده كله إنها جابت يُوسف في مكان وقفِّلت عليه كل الأبواب: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ) وقالتله يلا يا يُوسف! كل مُبرِّرات الحرام مُهيَّئة، ومفيش كاميرات مُراقبة ولا مَخلوق شايفهم! بس يُوسف اللي متربي بعناية ربّانية مبصّش للأبواب المَقفولة، بَصّ للمُطّلع عليه من فُوق الأبواب، وردّ بكلمة مُخلَّدة إلى يوم القيامة: (مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) حدَّ الله ما هخون ربنا ولا هعمل كدا، وشوف بقى الصِدق والرجولة والعِفّة، هو في موضع ضعف وتهديد لكنه: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ) قاوِم بكل ما أُوتى وبدأ يجري ناحية الباب علشان يِهرب من الفتنة، وهي بتجري وراه علشان تمنعه: (وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ) مِسكت قميصه، فاتقطع من ورا، وأول ما الباب اتفتح: (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ) بيتفاجئوا بجُوزها عزيز مَصر واقف برّا!
