الحكمة العملية تدريس السيد صادق التبريزي
رفتن به کانال در Telegram
دروس في الحكمة العملية تدريس السيد صادق التبريزي شرح كتاب أخلاق ناصري تأليف الخواجة نصير الدين محمد بن حسن الطوسي شرح كتاب السياسة ارسطو بحوث في احكام العقل العملي بين الواقعية والاعتبارية
نمایش بیشتر603
مشترکین
اطلاعاتی وجود ندارد24 ساعت
+57 روز
+630 روز
در حال بارگذاری دادهها
کانالهای مشابه
هیچ دادهای
مشکلی وجود دارد؟ لطفاً صفحه را تازه کنید یا با مدیر پشتیبانی ما تماس بگیرید.
ابر برچسبها
هیچ دادهای
مشکلی وجود دارد؟ لطفاً صفحه را تازه کنید یا با مدیر پشتیبانی ما تماس بگیرید.
اشارات ورودی و خروجی
---
---
---
---
---
---
جذب مشترکین
نوامبر '26نوامبر '26
نوامبر '26
+6
در 0 کانالها
اکتبر '26
+373
در 2 کانالها
Get PRO
سپتامبر '260
در 1 کانالها
Get PRO
اوت '260
در 1 کانالها
Get PRO
ژوئیه '260
در 4 کانالها
Get PRO
ژوئن '260
در 3 کانالها
Get PRO
مه '260
در 0 کانالها
Get PRO
آوریل '260
در 0 کانالها
Get PRO
مارس '260
در 0 کانالها
Get PRO
فوریه '260
در 1 کانالها
Get PRO
ژانویه '260
در 0 کانالها
Get PRO
دسامبر '250
در 0 کانالها
Get PRO
نوامبر '250
در 0 کانالها
Get PRO
اکتبر '250
در 0 کانالها
Get PRO
سپتامبر '250
در 0 کانالها
Get PRO
اوت '250
در 0 کانالها
Get PRO
ژوئیه '250
در 0 کانالها
Get PRO
ژوئن '250
در 1 کانالها
Get PRO
مه '250
در 0 کانالها
Get PRO
آوریل '250
در 0 کانالها
Get PRO
مارس '250
در 1 کانالها
Get PRO
فوریه '250
در 0 کانالها
Get PRO
ژانویه '250
در 0 کانالها
Get PRO
دسامبر '240
در 0 کانالها
Get PRO
نوامبر '240
در 0 کانالها
Get PRO
اکتبر '240
در 0 کانالها
Get PRO
سپتامبر '240
در 0 کانالها
Get PRO
اوت '240
در 0 کانالها
Get PRO
ژوئیه '240
در 0 کانالها
Get PRO
ژوئن '240
در 0 کانالها
Get PRO
مه '240
در 0 کانالها
Get PRO
آوریل '240
در 0 کانالها
Get PRO
مارس '240
در 0 کانالها
Get PRO
فوریه '240
در 0 کانالها
Get PRO
ژانویه '240
در 0 کانالها
Get PRO
دسامبر '23
+8
در 0 کانالها
Get PRO
نوامبر '23
+3
در 0 کانالها
Get PRO
اکتبر '23
+242
در 0 کانالها
| تاریخ | رشد مشترکین | اشارات | کانالها | |
| 07 نوامبر | +1 | |||
| 06 نوامبر | 0 | |||
| 05 نوامبر | +1 | |||
| 04 نوامبر | +1 | |||
| 03 نوامبر | +1 | |||
| 02 نوامبر | +2 | |||
| 01 نوامبر | 0 |
پستهای کانال
| 2 | وقد اعتمد الباحثون على التفاوت في كثافة المخبرين التابعين لجهاز أمن الدولة الألماني الشرقي، المعروف باسم «شتازي»، بين المناطق المختلفة، وأظهرت الدراسة أن المناطق التي شهدت رقابة أكثر كثافة عانت لاحقاً، بعد إعادة توحيد ألمانيا، من مستويات أقل من الثقة بين الأفراد وبالمؤسسات، ومن ضعف في بعض مظاهر التعاون والمشاركة المدنية كما رصد الباحثون آثاراً اقتصادية طويلة الأمد، منها انخفاض العمل الحر والدخل وارتفاع التعرض للبطالة. | 66 |
| 3 | فهنا تظهر إحدى أخطر نتائج الأنظمة الاستبدادية والطغيانية ، فانه يحصل انتقال بعض وظائف الرقابة من مؤسسات السلطة إلى السلوك الذاتي للأفراد، فالإنسان قد يمتنع عن إظهار رأيه حتى عندما لا يكون مراقباً بالفعل، لأنه اعتاد توقع العقوبة أو الاستنكار، وقد يتجنب المبادرة المستقلة حتى عندما تكون متاحة، لأنه اعتاد أن المبادرة تنطوي على مخاطر، وهذا لا يعني أن جميع الخاضعين للطغيان يكتسبون ملكة الخسة أو الجبن؛ فقد يكون الصمت تدبيراً عقلانياً لحفظ النفس، وقد يظل الإنسان محتفظاً باستقلاله الأخلاقي رغم امتثاله الظاهري.
والتمييز هنا ضروري بين السلوك المفروض تحت الإكراه، وبين الملكة النفسانية التي يصبح السلوك مقتضىً مستقراً لها.
كما يمكن تحديد جملة من الملكات أو الاستعدادات التي قد تسهم الأنظمة الطغيانية في تنميتها كما صوره ارسطو في كتابه .
أولها الخوف المستمر، حيث تصبح العلاقة بالسلطة قائمة على توقع العقوبة بدلاً من الثقة بالقانون. وقد ينتقل هذا الخوف إلى العلاقات الاجتماعية، فيتحفظ الإنسان في كلامه، ويخشى إظهار آرائه حتى أمام الآخرين، وثانيها التملق والنفاق الاجتماعي، إذ يتعلم الفرد أن إظهار الولاء قد يكون وسيلة للسلامة أو الحصول على المنافع، بينما يؤدي إظهار المخالفة إلى المخاطرة. ومع تكرار هذا السلوك قد تنشأ فجوة بين الاعتقاد الداخلي والتعبير الخارجي، وثالثها ضعف المبادرة والاستقلال، لأن النظام الذي يعاقب التصرف المستقل قد يدفع الأفراد إلى الاعتماد على أوامر السلطة وتجنب تحمل المسؤولية، ورابعها الاعتياد على الهوان، حيث قد تؤدي الإهانة المتكررة إلى إضعاف شعور بعض الأفراد بقدرتهم على المطالبة بحقوقهم أو تغيير أوضاعهم.
وخامسها ضعف الثقة الاجتماعية، لأن الرقابة والخوف من الوشاية قد يجعلان الأفراد أكثر تحفظاً في علاقاتهم، وأقل استعداداً للتعاون في الشؤون العامة.فلايكون اذن نظام الطغيان مجرد علاقة عمودية بين الحاكم والمحكوم، بل يمكن أن يتحول إلى عامل مؤثر في شبكة العلاقات الأفقية بين أفراد المجتمع أنفسهم.
فاذا انتقلنا إلى علم النفس السياسي الحديث فانا نرى اهتمامه بأنماط السلوك المتولد للأفراد في الأنظمة السياسية الاستبدادية ، ومن أبرز الدراسات التي تساعد على تفسير ملاحظة أرسطو تجربة عالم النفس الاجتماعي ستانلي ميلغرام، المنشورة سنة 1963 حول الطاعة للسلطة، فقد وضع ميلغرام المشاركين في موقف تجريبي يُطلب منهم فيه توجيه صدمات كهربائية متزايدة إلى شخص آخر، وكانت الصدمات وهمية، بينما اعتقد المشاركون أنها حقيقية، وأظهرت التجربة أن 26 مشاركاً من أصل 40 امتثلوا لتوجيهات المشرف حتى أعلى مستوى من الصدمات في التجربة الأصلية، رغم علامات التوتر والاعتراض التي ظهرت على بعضهم.
وتكشف هذه النتيجة عن قابلية الإنسان لممارسة أفعال تتعارض مع تحفظاته الأخلاقية تحت تأثير سلطة يراها مشروعة.وتفيد هذه الدراسة في تفسير جانب من فلسفة أرسطو؛ لأن الطغيان قد يستفيد من ميل الإنسان إلى الامتثال للسلطة، ولا سيما عندما يُقدَّم الامتثال باعتباره واجباً أو ضرورة.لكن ينبغي التنبيه إلى أن تجربة ميلغرام تدرس الطاعة في موقف محدد، ولا تثبت أن تكرار الطاعة يؤدي بالضرورة إلى تكوين ملكة أخلاقية دائمة. ومن ثم فإن ربطها بنظرية الملكات عند أرسطو يمثل استنتاجاً فلسفياً يستفيد من النتائج التجريبية، وليس نتيجة مباشرة للتجربة نفسها.كما قدمت الباحثة إليزابيث نويل نيومان سنة 1974 نظرية «دوامة الصمت»، التي تفسر كيف يؤثر الخوف من العزلة الاجتماعية في استعداد الأفراد للتعبير عن آرائهم، وتقوم النظرية على أن الإنسان يراقب المناخ العام للرأي، فإذا اعتقد أن موقفه مخالف للرأي السائد، فقد يفضل الصمت تجنباً للعزلة أو الاستنكار، ويؤدي هذا الصمت إلى جعل الرأي المخالف أقل ظهوراً، مما يعزز الاعتقاد بأن الرأي السائد يحظى بتأييد أوسع مما هو عليه بالفعل.
وإذا طبقنا هذه النظرية على الأنظمة الطغيانية، وجدنا أن الخوف من العزلة قد يقترن بالخوف من العقوبة السياسية، فيصبح إخفاء الرأي وسيلة متكررة للتكيف مع البيئة العامة.وقد ينتقل الإنسان تدريجياً من الامتناع عن الكلام بسبب خطر محدد إلى الاعتياد على تجنب التعبير عن آرائه في مواقف متعددة.وهنا تظهر الصلة بنص أرسطو؛ لأن الطغيان لا يحتاج دائماً إلى منع كل رأي مخالف بالقوة، بل قد تكفيه بيئة يخشى فيها الأفراد إظهار المخالفة.غير أن الصمت الظاهري لا يدل بالضرورة على اقتناع داخلي أو فساد الملكة الأخلاقية، بل قد يكون وسيلة لحماية النفس مع الاحتفاظ بالموقف الحقيقي.ومن الدراسات الحديثة ذات الصلة المباشرة بكلام أرسطو دراسة أندرياس ليشتر وماكس لوفلر وسيباستيان زيغلوخ حول الآثار الطويلة الأمد للرقابة الحكومية في ألمانيا الشرقية. | 60 |
| 4 | أثر الأنظمة السياسية في تكوين الملكات الأخلاقية للأفراد: عند أرسطو وعلم النفس السياسي الحديث
تُعدّ العلاقة بين طبيعة النظام السياسي وتكوين الملكات النفسانية والأخلاقية عند الأفراد من المسائل الأساسية في الحكمة العملية، لأن النظام السياسي لا يقتصر تأثيره على تنظيم السلطة وتوزيع الحقوق والواجبات، بل يمتد إلى تشكيل أنماط السلوك والعادات والاستعدادات النفسانية التي يكتسبها الأفراد من خلال حياتهم اليومية داخل المجتمع.وقد تنبّه أرسطو إلى هذه العلاقة في كتاب السياسة خصوصا عند حديثه عن الأساليب التي تستخدمها الأنظمة الطغيانية للمحافظة على سلطانها، حيث يقول( وإكراه المقيمين في البلاد على أن يظلوا بادين للعيان، وأن يمكثوا على أبواب منازلهم، إذ لن يخفى البتة على هذا النحو ما ينصرفون إليه من الأعمال، وقد يعتادون هكذا باستعبادهم المتواصل الخسة والهوان) كتاب السياسة ص ٣٠٠.
فهذه العبارة تكشف عن إدراك أرسطو أن الطغيان لا يستهدف السيطرة على الأفعال الخارجية للأفراد فحسب، بل أيضاً يؤثر في تكوينهم النفساني والأخلاقي، وذلك من خلال إخضاعهم المستمر للرقابة والإكراه والإذلال، حتى تتحول بعض صور الخضوع من أفعال تفرضها السلطة إلى عادات واستعدادات راسخة.
وهذه الفكرة تكتسب أهمية خاصة عند وصلها بمباحث أرسطو في الأخلاق النيقوماخية ،حيث يقرر أن الفضائل والرذائل الأخلاقية لا تنشأ في الإنسان مكتملة بالفعل، وإنما تتكون من خلال الاعتياد وتكرار الأفعال.ومن هنا يمكن القول إن النظام السياسي يمثل إحدى البيئات الأساسية التي تسهم في تكوين الملكات الأخلاقية عند الأفراد، سواء أكانت ملكات فاضلة كالشجاعة والعدالة والصدق، أم ملكات رديئة كالجبن والتملق والخسة والاعتياد على الظلم.وقد جاءت دراسات علم النفس الاجتماعي والسياسي الحديثة لتكشف عن آليات إضافية لهذه العلاقة، من خلال البحث في أثر السلطة والطاعة والخوف والرقابة والامتثال الاجتماعي في سلوك الإنسان وتصوراته عن نفسه والآخرين.
بداية ان التصور الأرسطي للأخلاق يقوم على التمييز بين القوى والاستعدادات الطبيعية التي يمتلكها الإنسان، وبين الملكات التي يكتسبها بالممارسة والاعتياد.
فالإنسان يمتلك بالطبع قابلية اكتساب الفضائل والرذائل، ولكنه لا يولد شجاعاً أو جباناً أو عادلاً أو ظالماً بمعنى امتلاكه ملكة خلقية مكتملة، وإنما تتشكل هذه الملكات من خلال الأفعال المتكررة.ومن هنا يقرر أرسطو أن الإنسان يصبح عادلاً بممارسة الأفعال العادلة، وشجاعاً بممارسة الأفعال الشجاعة.وإذا انتقلنا من دائرة الأخلاق الفردية إلى دائرة السياسة، وجدنا أن النظام السياسي يؤثر في نوعية الأفعال التي يمارسها الأفراد وفي الظروف التي يمارسونها ضمنها.فالنظام الذي يوفر للمواطنين فرص المشاركة وإبداء الرأي وممارسة المسؤولية العامة يهيئ بيئة يمكن أن تساعد على تنمية الشجاعة المدنية والاستقلال في الحكم والتعاون والثقة المتبادلة.أما النظام الذي يعتمد الرقابة والإكراه والعقوبات التعسفية، فإنه يهيئ بيئة قد تدفع الأفراد إلى ممارسة الصمت والخضوع والتملق وإخفاء آرائهم الحقيقية.ومع تكرار هذه الممارسات يمكن أن تتحول بعض السلوكيات إلى عادات راسخة، ثم إلى استعدادات نفسانية تؤثر في شخصية الفرد حتى خارج علاقته المباشرة بالسلطة.وبذلك تتضح العلاقة السببية التي يلفت إليها أرسطو بين ثلاثة أمور: طبيعة النظام السياسي، والأفعال التي يعتادها الأفراد، والملكات الأخلاقية التي قد تتكون نتيجة تكرار تلك الأفعال.
غير أن الانتقال من الفعل إلى الملكة ليس انتقالاً آلياً؛ إذ يتوقف على درجة الاختيار، والتربية السابقة، والوعي الأخلاقي، وطبيعة الظروف الاجتماعية المحيطة بالإنسان.
في عبارة أرسطو المتقدمة نرى انها تجمع بين وسيلة سياسية ونتيجة نفسانية، فالوسيلة السياسية هي إخضاع السكان للرقابة المستمرة، وإجبارهم على البقاء ظاهرين للسلطة، بحيث يصعب عليهم إخفاء أعمالهم وتحركاتهم.أما النتيجة النفسانية فهي اعتياد الخسة والهوان بفعل الاستعباد المتواصل.ويمكن تفسير هذه العلاقة من خلال ثلاث مراحل مترابطة، فالمرحلة الأولى هي الإكراه الخارجي، حيث يمتثل الفرد لأوامر السلطة خوفاً من العقوبة، مع احتمال بقائه رافضاً لها في داخله.
والمرحلة الثانية هي الاعتياد السلوكي، حيث يؤدي تكرار الخضوع إلى جعل بعض أنماط الامتثال مألوفة في الحياة اليومية، ويقل احتياج السلطة إلى التدخل المباشر في كل موقف، وأما المرحلة الثالثة فهي احتمال ترسخ الاستعداد النفساني، حيث قد يتحول الخوف أو تجنب المبادرة أو التذلل إلى ميل معتاد في سلوك الفرد. | 49 |
| 5 | كتاب السياسة ٣٣١.m4a | 69 |
| 6 | كتاب السياسة ٣٣٠.m4a | 79 |
| 7 | الاخلاق النصيرية ١٢٤.m4a | 94 |
| 8 | كتاب السياسة ٣٢٩.m4a | 103 |
| 9 | كتاب السياسة ٣٢٨.m4a | 161 |
| 10 | ومن هنا نستخرج مبدأً مهماً وهو إن وجود القوانين لا يكفي وحده لتحقق حاكمية القانون، بل ينبغي النظر في مدى خضوع السلطة نفسها لها.
٥- العدالة السياسية
فان ارسطو يربط العدالة السياسية بفكرة التناسب والاستحقاق وتوزيع المنافع والمناصب.
فالذاتي في العدالة السياسية إعطاء كل ذي استحقاق ما يناسب استحقاقه يدخل في مفهوم العدالة التوزيعية بحسب المعيار المعتمد للاستحقاق.والعرض اللازم يقتضي تحقيق العدالة التوزيعية مع وجود معيار للتناسب، ويقتضي تحقيق العدالة التصحيحية معالجة الاختلال الواقع في المعاملات والاعتداءات.والمفارق: الوسائل المؤسسية لتحقيق العدالة، وأنظمة الضرائب، وتفاصيل توزيع الموارد والمناصب.ويجب التمييز هنا بين مبدأ التناسب الذي يبحثه أرسطو وبين تحديد الأشخاص المستحقين ومقدار استحقاقهم؛ لأن هذا التحديد قد يتأثر بالتصورات الأخلاقية والسياسية.
٦- القضاء
فالذاتي: الفصل في الخصومات وفق معيار معتبر يدخل في حقيقة الوظيفة القضائية.واللازم: يقتضي القضاء العادل سماع الأطراف، وتعيين الوقائع، وتطبيق معيار الحكم من دون تحيز.والمفارق: عدد المحاكم، ودرجات التقاضي، ونظام المحلفين، وطريقة تعيين القضاة.
وبذلك يمكن التمييز بين حقيقة القضاء بوصفه وظيفة لازمة للعدل السياسي، وبين تنظيماته التاريخية المتغيرة.
٧- الخير المشترك
فيرى أرسطو أن الأنظمة المستقيمة تتجه إلى المصلحة المشتركة، بينما تتجه الأنظمة المنحرفة إلى المصلحة الخاصة للحاكم أو الطبقة الحاكمة.
فالذاتي يكون برعاية الخير المشترك وحينئذ تدخل في تحديد النظام السياسي المستقيم والصالح من حيث استقامته، ولا تدخل في ماهية كل نظام سياسي موجود.واللازم: إذا كان النظام متجهاً إلى الخير المشترك، لزم أن يراعي مصالح الجماعة السياسية، وألا يجعل السلطة أداة لتحقيق المنافع الخاصة للحكام.والمفارق: الوسائل الاقتصادية والإدارية التي تعتمدها الدولة لتحقيق المصالح العامة.
ومن هنا يمكن اتخاذ الخير المشترك مبدأً عقلياً لتقويم الأنظمة السياسية، بعد تحديد مضمونه ومعايير تحقيقه.
٨- الطبقة الوسطى والاستقرار السياسي
فان ارسطو يؤكد في الباب الرابع من السياسة أهمية الطبقة الوسطى في تحقيق الاعتدال وتقليل النزاعات بين الأغنياء والفقراء.
فالذاتي هو التوسط الاقتصادي وهو وصف يدخل في تحديد الطبقة الوسطى من حيث موقعها بين الطرفين.و العرض اللازم هو الطبقة المتوسطة للنظام المختلط واما الاستقرار السياسي فهو ليس لازماً عقلياً لوجود الطبقة الوسطى، ولكنه قد يكون من مقتضيات اتساعها وقوتها في ظروف اجتماعية معينة.والمفارق: مقدار الدخل الذي يحدد الطبقة الوسطى، وحجمها العددي، ومهن أفرادها.
وهنا تظهر ضرورة التمييز بين البرهان العقلي والقضية التجريبية؛ فإن علاقة الطبقة الوسطى بالاستقرار السياسي تحتاج إلى الملاحظة والتجربة، ولا يصح جعلها لازماً ماهوياً مطلقاً. | 148 |
| 11 | الذاتيّات والأعراض اللازمة والمفارقة في الحكمة العملية
القسم الثاني
واما الأعراض اللازمة والمقتضيات الغائية فيمكن ذكر الأمور التالية :
أ. التعاون: يقتضيه كمال الاجتماع المنزلي بسبب تعدد الحاجات والقدرات.
ب. تنظيم الموارد: يقتضيه حسن التدبير لتحقيق التناسب بين الحاجات والإمكانات.
ج. رعاية الأولاد: وهي لازمة عند تحقق عجز الطفل عن الاستقلال في شؤونه.
د. المؤانسة الزوجية: وهي من مقتضيات كمال الاجتماع الزوجي الذي لا يقتصر على التعاون المادي، بل يتجه إلى السكن والمودة وحسن المعاشرة.
هـ. تنظيم المسؤوليات: يقتضي التدبير الرشيد تعيين المسؤوليات بما يمنع التنازع والإهمال، وإن اختلفت كيفية توزيعها.
واما الأعراض المفارقة فتذكر الأمور التالية :
أ. غنى الأسرة أو فقرها.
ب. عدد الأولاد.
ج. عمل الزوجة خارج المنزل.
د. طريقة توزيع الأعمال المنزلية.
هـ. شكل المسكن وموقعه.
و. أساليب التعليم والتربية.
ز. الوسائل التقنية المستعملة في إدارة المنزل.
فان هذه الأعراض قد تتغير مع بقاء حقيقة الاجتماع المنزلي.
٣- الذاتيّات والأعراض في سياسة المدن
فان كتاب السياسة، لأرسطو يمثل مادة غنية لهذا البحث لأنه لا يكتفي بوصف الدولة، بل يبحث في حقيقتها، وغايتها، والمواطنة، والدستور، والعدالة، والقانون، والطبقات الاجتماعية، وأسباب الانقلابات، ووسائل صيانة الأنظمة.
وينبغي هنا التفريق بين ما يدخل في حقيقة الدولة أو النظام السياسي، وما يلزم لوجودهما أو كمالهما، وما يعرض عليهما بحسب الظروف.
١- الاجتماع السياسي :
الذاتي: الدولة اجتماع سياسي منظم، يتميز عن سائر الاجتماعات بوجود سلطة عامة وتدبير للشؤون المشتركة.
والعرض اللازم: يقتضي انتظام الاجتماع السياسي وجود قواعد تنظم العلاقات بين أفراده ومؤسساته.
والعرض المفارق: عدد السكان، والمساحة الجغرافية، والشكل الإداري، وحجم المدن.
ويستفاد من ذلك أن الدولة لا تختزل في شخص الحاكم، وإنما هي اجتماع سياسي له تنظيمه ومصالحه المشتركة.
٢- المواطنة
فيبحث أرسطو في الباب الثالث من كتاب السياسة عن حقيقة المواطن، ويجعل المشاركة في وظائف الحكم والقضاء أساساً مهماً في تعريفه، ولا يكتفي بمجرد الإقامة في المدينة.
فالذاتي في المواطنة هي المشاركة في الحكم والقضاء وتدخل في تعريف المواطن بالمعنى الأرسطي الدقيق، وإن كان نطاق هذه المشاركة يختلف باختلاف الدساتير.
واما العرض اللازم، فإذا كان المواطن شريكاً في تدبير الشأن السياسي، لزم أن تكون له أهلية مناسبة لممارسة الوظائف التي يتيحها له النظام، وأن يتحدد مركزه السياسي بقواعد معلومة.واما العرض المفارق: طريقة اكتساب المواطنة، وسن المشاركة السياسية، وشروط الانتخاب، وطريقة اختيار الممثلين.ومن هنا يمكن الاستفادة من بحث أرسطو في تطوير مفهوم المواطنة الحديثة، ولكن مع ملاحظة أن المواطنة المعاصرة أوسع من تعريفه، إذ تتضمن العضوية القانونية في الدولة وحقوقاً لا تتوقف على المشاركة الفعلية في الحكم.
والنتيجة أن المشاركة السياسية يمكن اعتبارها مقوماً للمواطنة الفاعلة، لا بالضرورة لمطلق المواطنة القانونية الحديثة.
٣- الدستور والنظام السياسي
فالذاتي في الدستور عند أرسطو هو تنظيم مناصب الحكم وتعيين موضع السلطة العليا، ولذلك تدخل كيفية توزيع السلطة في حقيقة النظام السياسي واما العرض اللازم فهو يقتضي انتظام الدستور تحديد الاختصاصات والعلاقات بين السلطات، ووجود قواعد لانتقال السلطة وحسم التنازع، واما العرض المفارق فانه مثل الملكية والجمهورية، والنظام الرئاسي والبرلماني، وطريقة تشكيل المجالس، ومدد الولايات.وهذا يتيح استخراج مبدأ عقلي مهم، وهو أن انتظام الدولة يتوقف على انتظام السلطة، لا على مجرد صلاح الأشخاص المتولين لها.
٤- حاكمية القانون
فمن أبرز أفكار أرسطو في الباب الثالث من كتاب السياسة تفضيل حكم القانون على تحكم الإرادة الفردية، مع اعترافه بالحاجة إلى الحكم البشري في تطبيق القواعد على الجزئيات.
فالذاتي هنا إذا أخذنا موضوع البحث هو النظام القانوني فإن وجود قواعد عامة منظمة يدخل في حقيقته. أما حاكمية القانون فلا تدخل في ماهية مطلق الدولة؛ لأن الدولة قد توجد مع استبداد الحاكم.واما العرض اللازم كما إذا أريد قيام حاكمية القانون بمعناها الكامل، لزم أن تكون السلطة مقيدة بقواعد معلومة، وأن توجد وسائل لتطبيق هذه القواعد والفصل في مخالفتها.واما العرض المفارق، فهو مثل شكل المحاكم، وعدد درجات التقاضي، وطريقة تعيين القضاة، والتفاصيل الإجرائية.
ويمكن تطوير الفكرة الأرسطية إلى ثلاثة مستويات:
أ. حاكمية القانون على المجتمع: خضوع الأفراد لقواعد عامة تنظم علاقاتهم.
ب. حاكمية القانون على الإدارة: خضوع الموظفين والوزراء وأصحاب المناصب للقوانين التي تحدد اختصاصاتهم.
ج. حاكمية القانون على السلطة العليا: خضوع الحاكم نفسه لقواعد أعلى لا يستطيع تعطيلها بإرادته المنفردة . | 105 |
| 12 | كتاب السياسة ٣٢٧.m4a | 114 |
| 13 | ب- التدبير: تنظيم شؤون الاجتماع المنزلي بحسب غاياته يدخل في حقيقة تدبير المنزل.
ج. العلاقة الزوجية: وهي مقومة للأسرة الزوجية، وإن لم تكن مقومة لكل صورة من صور الاجتماع المنزلي. | 121 |
| 14 | الثانية: توظيف الذاتيّات والأعراض اللازمة بوصفها مبادئ عقلية فانه لا يقف البحث عند معرفة ذاتيّات الموضوعات ولوازمها، بل يتخذ منها مقدمات في الاستدلال على أحكام عقلية اخرى في الحكمة العملية، فإذا ثبت مثلا أن الاجتماع السياسي يقوم على تدبير المصالح المشتركة، وأن تدبير هذه المصالح يقتضي قواعد عامة للفصل في الحقوق والاختصاصات، أمكن استخراج مبدأ عقلي في ضرورة وجود نظام قانوني.
وإذا ثبت أن الاجتماع المنزلي يقوم على علاقات تترتب عليها حاجات متبادلة، وأن حسن التدبير يقتضي تنظيم تلك الحاجات، أمكن استخراج مبادئ عقلية في التعاون والرعاية وتوزيع المسؤوليات.وبذلك تتحول معرفة الموضوعات من معرفة وصفية إلى مقدمات يستفاد منها في إقامة البراهين العملية.
ولكن ينبغي أن تكون المقدمة المضافة إلى حقيقة الموضوع مقدمة مبرهنة أيضاً؛ لأن مجرد تعريف الدولة أو الأسرة لا يكفي وحده لاستخراج جميع الأحكام المعيارية المتعلقة بهما.
الثالثة: تأسيس معايير عقلية لتقويم النظم والمؤسسات
فانه يمكن اعتماد المبادئ المستخرجة من الذاتيّات واللوازم في تقويم صور الاجتماع الإنساني.
فإذا ثبت أن غاية المدينة الفاضلة تحقيق الخير المشترك، أمكن تقويم الأنظمة السياسية بمقدار تحقيقها لهذه الغاية، وإذا ثبت أن كمال الاجتماع المنزلي يقتضي التعاون والرعاية وحسن المعاشرة، أمكن تقويم التنظيمات الأسرية بمدى تحقيقها لهذه المقاصد، وهكذا لا يكون الحكم على المؤسسات قائماً على مجرد العادة أو التقليد، وإنما على مدى موافقتها لمقتضيات الموضوع وغاياته.
الرابعة: التمييز بين المبادئ العقلية والمواضعات التشريعية، فانه ليست جميع الأحكام المنظمة للحياة الإنسانية مستفادة مباشرة من ماهيات الأشياء، فبعضها مستند إلى مبادئ عقلية، وبعضها الآخر من تقديرات المواضعات التي يضعها المشرع لتحقيق المصالح، فضرورة وجود قواعد تنظم انتقال السلطة يمكن البرهنة عليها من مقتضيات الاستقرار السياسي، أما تحديد مدة الولاية بأربع سنوات أو خمس فهو أمر وضعي تقديري، وكذلك فإن ضرورة تنظيم الإنفاق المنزلي ترجع إلى مقتضيات التدبير، أما طريقة توزيع النفقات وتفاصيلها فقد تتوقف على المواضعات والأعراف والقدرات.
الخامسة: امكان إعادة إنتاج الحكمة العملية في ضوء التجربة الحديثة
فانه بواسطة تحديد الذاتيات والأعراض اللازمة والمفارقة تعطينا امكانية اعادة قراءة كتب الحكمة العملية، والتمييز بين المبادئ العقلية التي يمكن المحافظة عليها، والأحكام التاريخية التي كانت مرتبطة بأوضاع المجتمعات القديمة، وبذلك يمكن الاستفادة من أرسطو والطوسي في بناء نظرية معاصرة للأسرة والدولة، من دون افتراض أن جميع التنظيمات التي عرفتها المجتمعات القديمة لازمة لطبيعة الاجتماع الإنساني.
وسنذكر جملة من أصناف المحمولات المذكورة في أقسام الحكمة العملية وان وقع الكلام في كون بعضها من الذاتيات او الاعراض اللازمة او المفارقة .
١- الذاتيّات والأعراض في تهذيب الأخلاق، ففي تهذيب الأخلاق يبحث في النفس الإنسانية من جهة ملكاتها وأفعالها الاختيارية، وغايتها تحصيل الفضائل التي تستكمل بها النفس قوتها العملية.
فاما الذاتيّات :
أ. الاختيار: يدخل الاختيار في حد الفضيلة الخلقية عند أرسطو؛ لأن الفضيلة ملكة اختيارية، ولا يكفي صدور الفعل الحسن اتفاقاً لتحققها.
ب. الوسط العقلي: الاعتدال بحسب ما يحدده العقل مقوم للفضيلة الخلقية في التصور الأرسطي، فالشجاعة وسط بين الجبن والتهور، والعفة وسط بين الإفراط والتفريط في اللذات.
ج. الملكة: الفضيلة هيئة راسخة في النفس، وليست فعلاً عابراً أو انفعالاً مؤقتاً.
د. انتظام القوى: في التصور الطوسي، تتحقق الفضائل الأساسية بانتظام القوى النفسية تحت تدبير العقل، على أنحاء تختلف باختلاف القوة والفضيلة.
واما الأعراض اللازمة فيمكن ذكر الامثلة على ذلك :
أ. استحقاق المدح: الفضيلة الاختيارية تستلزم استحقاق المدح، وإن لم يتحقق المدح الخارجي.
ب. الاستعداد للفعل الحسن: الملكة الفاضلة تقتضي استعداد صاحبها لاختيار الفعل الموافق للعقل عند تحقق شروطه.
ج. امتناع اجتماع الفضيلة والرذيلة المتقابلتين من الجهة نفسها: فلا تجتمع الشجاعة والجبن في الملكة نفسها وبالحيثية نفسها.
د. الحاجة إلى الحكمة العملية في الفضيلة الكاملة: لأن تعيين الوسط المناسب يحتاج إلى إدراك ظروف الفعل وغايته.
واما الأعراض المفارقة فيمكن ذكر بعض منها :
أ. الغنى والفقر.
ب. المنصب الاجتماعي.
ج. الشهرة وحسن السمعة.
د. الانتماء إلى طبقة اجتماعية معينة.
هـ. اختلاف المهن والأعمال.
فهذه الأوصاف قد تقترن بالإنسان الفاضل وقد تنفك عنه، ولا تدخل في حقيقة الفضيلة.
٢- الذاتيّات والأعراض في تدبير المنزل، فموضوع تدبير المنزل هو الاجتماع المنزلي من حيث تنظيم العلاقات والموارد والأفعال التي يتحقق بها صلاح أفراده وكمال اجتماعهم.
١- الذاتيات :
أ. الاجتماع المنزلي: فهو اجتماع إنساني مخصوص، لا مجرد بناء مادي. | 113 |
| 15 | الذاتيّات والأعراض اللازمة والمفارقة في الحكمة العملية
القسم الاول
تنقسم الحكمة عند الفلاسفة إلى حكمة نظرية وحكمة عملية؛ فالحكمة النظرية تبحث في الموجودات من حيث ما هي عليه، ويكون غرضها استكمال القوة النظرية بإدراك الحقائق، أما الحكمة العملية فتبحث في الأفعال الإنسانية الاختيارية من حيث ما ينبغي أن تكون عليه لتحصيل الخير والكمال، ويكون غرضها استكمال القوة العملية بمعرفة الأفعال الفاضلة وتحصيل ملكاتها وإقامة الاجتماع الإنساني على مقتضى العقل.وقد جرى تقسيم الحكمة العملية، كما نجده عند الفارابي وابن سينا
والطوسي، إلى ثلاثة أقسام: تهذيب الأخلاق، وتدبير المنزل، وسياسة المدن.ولما كانت موضوعات الحكمة العملية، شأنها شأن موضوعات الحكمة النظرية، قابلة للبحث عن حقائقها ومقوماتها ولوازمها وعوارضها، أمكن الاستفادة من التقسيم المنطقي للمحمولات إلى ذاتيّات وأعراض ذاتية لازمة وأعراض مفارقة، لتأسيس منهج عقلي في دراسة الإنسان والأسرة والدولة.وهذا المنهج لا يقتصر على تصنيف الأحكام، بل يتجاوز ذلك إلى استخراج المبادئ العقلية التي يمكن اعتمادها في فهم موضوعات الحكمة العملية، وتمييز ما هو ثابت بمقتضى حقيقة الموضوع أو لوازمه عما يتغير بتغير الأحوال والأزمنة والمواضعات.فالذاتي في اصطلاح المناطقة، في باب الكليات الخمس، هو المحمول الذي يدخل في ماهية الموضوع، إما بوصفه جنساً وإما بوصفه فصلاً، ويكون قوام الماهية به، فالحيوان والناطق ذاتيان للإنسان؛ لأن الأول جنسه والثاني فصله في الحد المشهور، وعليه، فالذاتي هو ما لا يمكن تصور حقيقة الموضوع بحدها التام مع سلبه عنها، غير أنه ينبغي التمييز بين الذاتي في باب الكليات الخمس والذاتي في باب البرهان، إذ قد يراد بالذاتي في البرهان ما يؤخذ الموضوع في حده، أو ما يؤخذ في حد الموضوع، بحسب أنحاء العروض الذاتي التي بحثها المناطقة، وهذا التمييز مهم في الحكمة العملية؛ لأن بعض المحمولات التي لا تدخل في حد الموضوع قد تكون من عوارضه الذاتية التي يصح البحث عنها في العلم.واما العرض اللازم فهو المحمول الخارج عن ماهية الموضوع، ولكنه يمتنع انفكاكه عنه مع تحقق موضوعه وشرائطه، فاللازم ليس جزءاً من الحد الماهوي، وإنما يثبت للموضوع بواسطة مقتضى ذاته أو بسبب لازم له،وينبغي التمييز بين أنحاء اللزوم:
أ. اللازم العقلي البرهاني: وهو ما يمتنع انفكاكه عن الموضوع بحسب البرهان.
ب. اللازم المشروط: وهو ما يلزم الموضوع عند تحقق شرط مخصوص.
ج. المقتضى الغائي: وهو ما تتوقف عليه غاية الموضوع وكماله، وإن لم يلزم وجوده في كل فرد من أفراده.
ولا يصح التسوية بين هذه الأقسام في درجة اليقين؛ فإن اللازم الغائي قد يكون ضرورياً لتحصيل الكمال، ولكنه لا يكون بالضرورة لازماً ماهوياً لكل وجود خارجي للموضوع.
واما العرض المفارق فهو المحمول الخارج عن حقيقة الموضوع، الذي لا يمتنع انفكاكه عنه، فيمكن أن يوجد الموضوع متصفاً به أو فاقداً له.وقد يكون العرض المفارق سريع الزوال، وقد يكون طويل البقاء، وقد يغلب وجوده في أفراد الموضوع، إلا أن كثرة وجوده لا تحوله إلى ذاتي أو لازم عقلي، فكون الدولة ملكية، أو كون الأسرة غنية، أو كون الإنسان الفاضل مشهوراً، أمور قد تتحقق وقد تتخلف من دون انتفاء حقيقة الدولة أو الأسرة أو الفضيلة.
و ينبغي قبل تصنيف أي محمول تعيين موضوع القضية تعييناً دقيقاً.
فقد يكون الوصف ذاتياً لنوع مخصوص، وعرضياً لجنسه الأعلى.
فحكم الواحد مقوم للنظام الملكي، ولكنه ليس مقوماً لمطلق النظام السياسي، والعدالة مقومة للمدينة الفاضلة من حيث فضيلتها، ولكنها ليست مقومة لمطلق الدولة، لأن الدولة قد تكون عادلة أو ظالمة.
وهذا يقتضي التمييز بين ثلاثة أمور: حقيقة الموضوع، وكمال الموضوع، وصور وجوده الخارجي.
ويمكن تحديد خمس غايات أساسية لتحديد انحاء المحمولات في الحكمة العملية :
الأولى: التمييز بين الثابت والمتغير في الحكمة العملية ، فإن أولى فوائد هذا التقسيم هي التمييز بين ما يرجع إلى حقيقة الموضوع أو لوازمه الضرورية، وما يرجع إلى أعراضه المفارقة، فليست جميع الأحكام المتعلقة بالأسرة أو الدولة أحكاماً متساوية في الثبات، فوجود رابطة اجتماعية منظمة يدخل في حقيقة الاجتماع السياسي، بينما لا يدخل شكل النظام الملكي أو الجمهوري في حقيقة الدولة، وكذلك فإن الحاجة إلى رعاية الطفل غير المستقل ترجع إلى مقتضيات طبيعة الطفولة، بينما تختلف وسائل التربية وتنظيم المؤسسات المسؤولة عنها.
ومن هنا يمكن الفصل بين المبادئ العقلية الثابتة والصور التاريخية المتغيرة. | 103 |
| 16 | الأولى: لا تكفي القوة المادية وحدها لتفسير بقاء الأنظمة السياسية؛ إذ لا بد من دراسة الحالة النفسية للمحكومين.
الثانية: لا يكفي السخط الشعبي لتفسير سقوط الأنظمة؛ إذ لا بد من دراسة الثقة المتبادلة والاستعداد للتضحية والقدرة على التنظيم.
الثالثة: لا يمكن تفسير قرارات الطبقة الحاكمة بالمصالح العقلانية وحدها؛ لأن الخوف والغرور والطمع والارتياب قد تكون دوافع حاسمة في سلوكها.
رابعاً: تطور أفكار أرسطو في علم النفس السياسي الحديث
قد شهد القرن العشرون تطوراً واسعاً في دراسة الأبعاد النفسية للسلطة والطاعة والخضوع والثورة.
ويمكن الإشارة بإيجاز إلى بعض الاتجاهات الرئيسية:
١- علم نفس الطاعة والامتثال، فقد درس ستانلي ميلغرام استعداد الأفراد لطاعة السلطة حتى عندما تتعارض أوامرها مع ضمائرهم، بينما درس سولومون آش تأثير ضغط الجماعة في أحكام الأفراد، وتساعد هذه الدراسات على فهم بعض الآليات النفسية التي تجعل المحكومين يمتثلون للسلطة أو للجماعة حتى دون اقتناع داخلي.
٢- الشخصية السلطوية
وقد درس تيودور أدورنو وزملاؤه الشخصية السلطوية، وعلاقتها بالخضوع للسلطات المعتبرة والعداء للجماعات المخالفة والتشدد في القيم، ويمثل هذا الاتجاه محاولة لفهم الاستعدادات النفسية التي قد تساعد على تقبل الأنظمة التسلطية.
٣- سيكولوجية الجماهير، ودرس غوستاف لوبون، ثم إلياس كانيتي بطرائق مختلفة، سلوك الجماهير والانفعالات الجماعية وعلاقة الحشود بالقوة والسلطة، وتفيد هذه الدراسات في فهم انتقال الخوف والغضب والحماسة بين الأفراد، وكيف تتحول الانفعالات الفردية إلى حركات جماعية.
٤- السلطة الانضباطية وإنتاج الطاعة، وقد قدم ميشيل فوكو تحليلاً للسلطة التي تعمل من خلال المراقبة والانضباط وتشكيل السلوك، وهذا الاتجاه يوسع فهمنا لوسائل السيطرة التي أشار إليها أرسطو، ولا سيما المراقبة وإنتاج الخضوع، مع اختلاف الإطار الفلسفي والمنهجي بينهما.
٥- الهيمنة والعنف الرمزي، ودرس بيير بورديو آليات الهيمنة الرمزية التي تجعل بعض علاقات السيطرة تبدو طبيعية أو مشروعة في وعي الخاضعين لها، ويساعد هذا الاتجاه على تفسير كيف يمكن للسلطة أن تستمر دون الاعتماد الدائم على القسر المباشر.
وفي الختام لابد من الاشارة الى أن هذه النظريات الحديثة في علم النفس السياسي لاتعني ضمنيا انها امتداد تاريخي مباشر لأرسطو، وإنما هذه النظريات قد طورت، بمناهج ومفاهيم مختلفة، مسائل نفسية وسياسية كان قد التفت ارسطو إلى بعضها في تحليله للحكم. | 114 |
| 17 | الأبعاد النفسية للحكم الطغياني: من أرسطو إلى علم النفس السياسي في القرن العشرين
القسم الثاني
واما سيكولوجية الطبقة الحاكمة عند أرسطو فقد ذكر الأمور التالية :
١- الخوف الدائم من فقدان السلطة
وهنا يقدم أرسطو صورة للطاغية بوصفه حاكماً يعيش في حالة مستمرة من الخوف، فالطاغية يعلم أن سلطته لا تقوم على الرضا العام والعدالة، ولذلك يخشى المحكومين والمقربين منه على السواء، وهذا الخوف يدفعه إلى توسيع أجهزة المراقبة والقمع، وإضعاف الشخصيات القوية، ومنع ظهور مراكز نفوذ مستقلة، وتنشأ هنا دائرة نفسية مغلقة، كلما ازداد خوف الطاغية، ازداد قمعه؛ وكلما ازداد قمعه، ازداد سخط المحكومين؛ وكلما ازداد سخطهم، تعاظم خوفه.
وبذلك يصبح الخوف المتبادل أحد المحركات الأساسية للحكم الطغياني.
٢- الارتياب وفقدان الثقة بالمقربين
فان الطاغية لا يثق الطاغية بسهولة بأصحاب القوة والكفاءة والاستقلال.
فهو ينظر إلى الشخصية القوية بوصفها منافساً محتملاً، وإلى الشخصية المستقلة بوصفها خطراً على سلطته، ولهذا يميل إلى إبعاد أصحاب الفضائل والكفاءات، وتقريب الأشخاص الذين يعتمدون عليه اعتماداً شخصياً، وهنا تظهر مفارقة مهمة، وهي إن الصفات التي تحتاج إليها الدولة لكي تنجح، كالشجاعة والكفاءة والاستقلال، قد تتحول في نظر الطاغية إلى صفات تهدد بقاءه ومن ثم تتعارض مصلحة الدولة مع المصلحة النفسية للحاكم في المحافظة على سلطته.
٣- حب التفوق واحتكار العظمة
فان أرسطو يرى أن الطاغية لا يريد أن يكون صاحب السلطة العليا فحسب، وإنما يسعى أيضاً إلى منع الآخرين من بلوغ مكانة عظيمة.
فوجود شخصيات ذات نفوذ اجتماعي أو ثروة أو شجاعة أو شهرة يثير مخاوفه ولهذا يحاول منع تعاظم الأفراد وإضعاف الشخصيات البارزة.وهنا نلاحظ أن الطغيان لا يقوم على احتكار السلطة وحدها، بل قد يقوم أيضاً على احتكار المكانة والاعتراف والتفوق، فالحاكم الذي لا يحتمل وجود شخصيات عظيمة إلى جانبه ينتهي إلى إضعاف المجتمع والدولة معاً.
٤- الطمع وتحويل السلطة إلى منفعة خاصة، فأرسطو يميز بين الحكم الذي يستهدف المصلحة العامة والحكم الطغياني الذي يستهدف منفعة الحاكم، ومن الناحية النفسية، يتحول الطمع إلى أحد دوافع ممارسة السلطة، فالمال العام لا يعود مورداً لخدمة المدينة، وإنما يصبح وسيلة لإشباع رغبات الحاكم وتمويل أجهزته وضمان ولاء أنصاره، ولكن هذا الطمع قد يؤدي إلى نتائج عكسية؛ لأن الاستيلاء على الأموال وإهانة أصحاب الثروات يولدان دوافع للثورة، وهنا يكشف أرسطو العلاقة بين فساد الغاية السياسية وفساد النفس الحاكمة.
٥- التملق وصناعة البيئة النفسية المغلقة، فيشير أرسطو إلى ميل الطغاة إلى تقريب المتملقين
فالحاكم الذي يخشى النقد ويفضل سماع ما يرضيه يحيط نفسه بأشخاص يؤكدون صواب قراراته ويضخمون عظمته، وينتج عن ذلك انفصال تدريجي بين إدراك الحاكم والواقع الاجتماعي، فبدلاً من أن تكون النخبة المحيطة به مصدراً للمشورة والتصحيح، تتحول إلى أداة لتعزيز أوهامه، ان تركيز ارسطو على ظاهرة التملق ليس لاجل انها مجرد رذيلة أخلاقية، وانما لاجل انها تتحول إلى خلل في عملية اتخاذ القرار السياسي.
٦- اللذة والإفراط وضعف ضبط النفس، فأرسطو يربط بين بعض صور الطغيان والانغماس في اللذات والإفراط في الشهوات فالحاكم الذي يعجز عن ضبط رغباته قد يستخدم السلطة لإشباعها، فيعتدي على الأموال والأعراض والكرامات.ويؤدي ذلك إلى إثارة الأحقاد الشخصية والسياسية، وهذه الفكرة تنسجم مع فلسفة أرسطو الأخلاقية التي تجعل الاعتدال وضبط النفس من شروط الفضيلة، فالإنسان الذي لا يستطيع تدبير نفسه وفق العقل يصعب أن يكون صالحاً لتدبير المدينة وفق العدالة.
٧- الانتقال من القمع إلى صناعة القبول ، فمن الملاحظات الدقيقة عند أرسطو أنه لا يحصر وسائل المحافظة على الحكم الطغياني في القمع والإرهاب، فهو يذكر طريقاً آخر يتمثل في اقتراب الطاغية من صورة الملك الصالح فيحرص على إظهار الوقار والاعتدال، والعناية بالمصلحة العامة، واحترام الدين، وتكريم أصحاب الفضل، وتجنب الإهانات، ويمكن تفسير هذه السياسة بأنها محاولة لتغيير الصورة النفسية للحاكم في أذهان المحكومين، فبدلاً من أن يظهر بوصفه عدواً للمجتمع، يسعى إلى الظهور بوصفه راعياً لمصالحه.غير أن هذا التحول قد يكون مجرد محاكاة خارجية للملكية الصالحة، لا تحولاً حقيقياً في غاية الحكم.وهنا ينبغي التمييز بين اكتساب الشرعية الفعلية وصناعة صورة نفسية توحي بالشرعية.
تكمن أهمية تحليل أرسطو في أنه لا يدرس نفسية الحاكم ونفسية المحكوم بوصفهما عالمين منفصلين، فكل منهما يؤثر في الآخر.
خوف الحاكم يولّد القمع، والقمع يولّد خوف المحكوم أو غضبه، والغضب يولّد المعارضة، والمعارضة تزيد ارتياب الحاكم.
وهكذا تنشأ دائرة من التفاعلات النفسية التي قد تنتهي إلى استقرار ظاهري أو انفجار سياسي.ويمكن استخراج ثلاث قواعد عامة من هذا التحليل: | 102 |
| 18 | فأرسطو يلاحظ أن الثورات لا تنشأ دائماً عن الحسابات العقلانية للمصالح، فقد يثور الإنسان بسبب إهانة شخصية أو شعور بالاحتقار أو اعتداء على كرامته، والغضب يختلف عن الطمع؛ لأن الطامع يسعى إلى الحصول على منفعة، بينما الغاضب قد يسعى إلى الانتقام حتى لو خسر حياته ولهذا يرى أرسطو أن أخطر المعارضين للطاغية هم الذين لا يخشون الموت، فالسلطة تستطيع مساومة أصحاب المصالح، ولكنها تواجه صعوبة أكبر في مساومة من أصبح مستعداً للتضحية بنفسه.
ومن هنا تتضح أهمية التمييز بين المعارضة المصلحية والتي تطمح للوصول إلى السلطة وبين المعارضة التي تحركها الكرامة والغضب.
٦- الحرمان من الشرف والاعتراف الاجتماعي، فأرسطو يعطي مكانة مهمة للشرف في تفسير الصراع السياسي، فالإنسان لا يطلب الثروة والمنفعة فقط، وإنما يطلب الاعتراف بمكانته وفضله وعندما تستأثر جماعة صغيرة بالمناصب والتكريم والامتيازات، فإنها تولّد لدى الآخرين شعوراً بالحرمان والاحتقار، وقد يتحول هذا الشعور إلى دافع للتمرد، حتى عندما لا يكون المحرومون فقراء، وبذلك يكشف أرسطو أن الصراع السياسي ليس صراعاً على توزيع الثروة وحدها، بل هو أيضاً صراع على توزيع الشرف والمكانة والاعتراف، وهذه الفكرة تفسر جانباً من الصراعات داخل الطبقات السياسية نفسها، حيث قد تنشأ الانقلابات بسبب الإقصاء والإهانة أكثر مما تنشأ بسبب الاختلاف في البرامج السياسية. | 716 |
| 19 | الأبعاد النفسية للحكم الطغياني: من أرسطو إلى علم النفس السياسي في القرن العشرين
القسم الاول
من الملاحظات المهمة التي يمكن استخلاصها من دراسة الباب الخامس من كتاب السياسة لأرسطو، ولا سيما الفصول المتعلقة بالحكم الطغياني وأسباب الثورات والانقلابات، أن أرسطو لم يكتفِ بتحليل البنية الدستورية والاقتصادية والاجتماعية للأنظمة السياسية، بل انتقل إلى دراسة العوامل النفسية التي تتحكم في سلوك الحاكم والمحكوم.فالحكم السياسي عند أرسطو ليس مجرد علاقة بين مؤسسات وقوانين ومصالح، وإنما هو أيضاً علاقة بين نفوس بشرية تتحرك بدوافع الخوف والطمع والغضب والشرف والإهانة والحسد والرغبة في التفوق والسيطرة.ومن هنا يمكن القول إن أرسطو وضع مقدمات مبكرة لما أصبح يُعرف في العصر الحديث بعلم النفس السياسي، حين درس سيكولوجية الطبقة الحاكمة وسيكولوجية الطبقة المحكومة، وكيف تتفاعل الحالتان في إنتاج الاستقرار السياسي أو الثورة والانقلاب.
ان ارسطو يهتم بالعوامل النفسية في داخل الطبقة المحكومة اتجاه الحاكم وهكذا نفسية الحاكم اتجاه الطبقة المحكومة ، فيبدأ بذكر تلك العوامل ومدى تأثيرها في عدم استقرار النظام السياسي
اما بالنسبة لسيكولوجية الطبقة المحكومة فيذكر العوامل التالية :
١- الخوف بوصفه أداة للسيطرة السياسية، فيرى أرسطو أن الطاغية يسعى إلى إخضاع المحكومين عن طريق إشاعة الخوف في نفوسهم.
فالخوف لا يؤدي وظيفة ردع الأفراد عن المعارضة فحسب، بل يتحول إلى حالة نفسية عامة تجعل الإنسان يتردد في المبادرة السياسية، ويخشى التعبير عن رأيه، ويفقد الثقة بقدرته على تغيير الواقع.
وينبغي التمييز بين مستويين من الخوف، فالأول: الخوف من العقوبة المباشرة، كالسجن والقتل والمصادرة والثاني: الخوف النفسي المستقر، الذي يجعل الفرد يمارس الرقابة على نفسه حتى في غياب أدوات القمع والمستوى الثاني أشد خطورة؛ لأن السلطة تنجح عندئذٍ في تحويل الخوف من قوة خارجية إلى قوة داخلية تتحكم في سلوك الإنسان ولكن أرسطو يلاحظ في المقابل أن الخوف نفسه قد يتحول إلى سبب للثورة، عندما يشعر الإنسان بأن بقاءه تحت الحكم الطغياني أشد خطراً من مواجهته.
وبذلك يصبح الخوف عاملاً مزدوجاً: فهو يحفظ السلطة في بعض الظروف، وقد يؤدي إلى إسقاطها في ظروف أخرى.
٢- الإذلال وتحطيم الكرامة الإنسانية
من الأفكار العميقة عند أرسطو أن الطاغية لا يكتفي بإخضاع الأجساد، بل يسعى إلى إضعاف النفوس وإذلال المحكومين، فالإهانة المتكررة تؤدي إلى إضعاف الشعور بالكرامة والاستقلال، وتدفع بعض الأفراد إلى الخضوع والاستسلام.
ولكن أرسطو يلتفت إلى الوجه الآخر لهذه الظاهرة، وهو أن الإهانة قد تولّد غضباً شديداً ورغبة في الانتقام.
ولهذا عدّ الاعتداء على الشرف والكرامة، ولا سيما إهانة أصحاب المكانة والشجاعة، من الأسباب المهمة للثورات والاغتيالات السياسية، والنتيجة أن الإذلال ليس وسيلة مضمونة لإدامة السلطة، بل قد يتحول إلى عامل لتدميرها.
٣- تفكيك الثقة بين المحكومين
فيرى أرسطو أن من أهم مقاصد الطغاة منع المواطنين من الثقة بعضهم ببعض، ولهذا يلجأ الطاغية إلى الوشاية والتجسس ومنع الاجتماعات وإضعاف الروابط الاجتماعية، والغاية ليست مجرد منع التنظيم السياسي المعارض، وإنما تفكيك القدرة النفسية والاجتماعية على العمل المشترك.
فالإنسان قد يكون ساخطاً على السلطة، ولكنه لا يستطيع التحرك ما دام يشك في الآخرين ويخشى خيانتهم، ومن هنا يمكن ان نقول ان ارسطو يؤسس للقاعدة التالية :
إن قدرة المجتمع على مقاومة الاستبداد لا تتوقف على مقدار سخط أفراده فحسب، وإنما تتوقف أيضاً على مقدار الثقة المتبادلة بينهم.
فقد يكون المجتمع شديد السخط ولكنه عاجز عن الفعل السياسي بسبب انهيار الثقة الاجتماعية.
٤- إضعاف المعنويات وإنتاج العجز السياسي، فيشير أرسطو إلى أن الطغاة يسعون إلى جعل المحكومين ضعفاء النفوس، منشغلين بمشكلاتهم اليومية، وعاجزين عن التفكير في الشأن العام، ولهذا يستخدمون الاستنزاف المالي والعمل المرهق والحروب المستمرة، وبذلك يمكن تحليل هذه السياسة على ثلاثة مستويات:
الأول: المستوى الاقتصادي، بإضعاف الموارد التي تمنح المواطنين استقلالاً عن السلطة.
الثاني: المستوى الاجتماعي، بمنع تكوين الجماعات والروابط القادرة على التنظيم.
الثالث: المستوى النفسي، بإنتاج الشعور بالعجز وفقدان القدرة على المبادرة، فالطاغية لا يريد مجتمعاً فقيراً فحسب، بل يريد مجتمعاً لا يعتقد أفراده أنهم قادرون على تغيير أوضاعهم.
٥- الغضب بوصفه دافعاً للثورة | 686 |
| 20 | الثالث: إصلاح الأنظمة التي تعاني من ضعف الدولة.
وذلك بالبحث في بناء المؤسسات، وإخضاع أجهزة القوة للقانون، وإقامة القضاء الفعال، وتعزيز الثقة الاجتماعية، وإخضاع الإدارة للمساءلة.
وبذلك لا تكون وظيفة الحكيم السياسي مجرد الحكم على النظام بأنه فاضل أو جاهل أو فاسق أو ضال، وإنما معرفة كيفية نقله من حالته الموجودة إلى حالة أفضل، حتى عندما يتعذر تحقيق النظام الأمثل.
١٢- إعادة بناء منهج البحث في الحكمة السياسية، وتقتضي إعادة الإنتاج أيضاً تطوير منهج البحث نفسه، بحيث يقوم على أربع مراحل مترابطة:
المرحلة الأولى: البرهانية. وتتمثل في تحديد المبادئ العقلية المتعلقة بالخير والعدل والحقوق والغاية من الاجتماع السياسي.
المرحلة الثانية: التحليلية. وتتمثل في دراسة الأنظمة السياسية القائمة، ومؤسساتها وقوانينها وتوازن القوى الاجتماعية فيها.
المرحلة الثالثة: التقويمية. وتتمثل في تشخيص مواطن الصلاح والفساد في الغايات والآراء والأفعال والمؤسسات.
المرحلة الرابعة: الإصلاحية.
وتتمثل في تحديد الوسائل الممكنة للانتقال من النظام الموجود إلى نظام أفضل، مع مراعاة الظروف والموارد والآثار المتوقعة.
وهذه المراحل تسمح بالمحافظة على الأصول الفلسفية للحكمة السياسية، مع الاستفادة من العلوم السياسية والقانون الدستوري وعلم الاجتماع والاقتصاد والتاريخ. | 132 |
