fa
Feedback

فریب کلاهبرداران را نخورید! تل‌متریو این کانال‌ها را شناسایی و برچسب‌گذاری می‌کند 👉 برای مشاهده برچسب، اشتراک تهیه کنید 👈

قصص رعب و روايات خيالية

قصص رعب و روايات خيالية

رفتن به کانال در Telegram

شعارنا التميز والابداع في انتقاء اجمل قصص وروايات الرعب 👻 👻انضم معنا لتعيش اجمل لحظات الرعب👻 📌لمن اراد المشاركة معنا علية مراسلة بوت القناة @Robstory_Bot

نمایش بیشتر
کشور مشخص نشده استدسته بندی مشخص نشده است
5 772
مشترکین
+224 ساعت
+127 روز
+14230 روز

در حال بارگیری داده...

ابر برچسب‌ها
هیچ داده‌ای
مشکلی وجود دارد؟ لطفاً صفحه را تازه کنید یا با مدیر پشتیبانی ما تماس بگیرید.
اشارات ورودی و خروجی
---
---
---
---
---
---
جذب مشترکین
دسامبر '24
دسامبر '24
+104
در 0 کانال‌ها
نوامبر '24
+218
در 0 کانال‌ها
Get PRO
اکتبر '24
+118
در 0 کانال‌ها
Get PRO
سپتامبر '24
+114
در 0 کانال‌ها
Get PRO
اوت '24
+204
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژوئیه '24
+320
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژوئن '24
+266
در 0 کانال‌ها
Get PRO
مه '24
+218
در 0 کانال‌ها
Get PRO
آوریل '24
+195
در 0 کانال‌ها
Get PRO
مارس '24
+182
در 0 کانال‌ها
Get PRO
فوریه '24
+199
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژانویه '24
+202
در 0 کانال‌ها
Get PRO
دسامبر '23
+201
در 0 کانال‌ها
Get PRO
نوامبر '230
در 0 کانال‌ها
Get PRO
اکتبر '230
در 0 کانال‌ها
Get PRO
سپتامبر '23
+394
در 0 کانال‌ها
Get PRO
اوت '23
+285
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژوئیه '23
+293
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژوئن '23
+259
در 0 کانال‌ها
Get PRO
مه '23
+248
در 0 کانال‌ها
Get PRO
آوریل '23
+218
در 0 کانال‌ها
Get PRO
مارس '23
+212
در 0 کانال‌ها
Get PRO
فوریه '23
+187
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژانویه '23
+293
در 0 کانال‌ها
Get PRO
دسامبر '22
+232
در 0 کانال‌ها
Get PRO
نوامبر '22
+225
در 0 کانال‌ها
Get PRO
اکتبر '22
+232
در 0 کانال‌ها
Get PRO
سپتامبر '22
+263
در 0 کانال‌ها
Get PRO
اوت '22
+319
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژوئیه '22
+279
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژوئن '22
+179
در 0 کانال‌ها
Get PRO
مه '22
+160
در 0 کانال‌ها
Get PRO
آوریل '22
+119
در 0 کانال‌ها
Get PRO
مارس '22
+155
در 0 کانال‌ها
Get PRO
فوریه '22
+97
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژانویه '22
+123
در 0 کانال‌ها
Get PRO
دسامبر '21
+117
در 0 کانال‌ها
Get PRO
نوامبر '21
+123
در 0 کانال‌ها
Get PRO
اکتبر '21
+126
در 0 کانال‌ها
Get PRO
سپتامبر '21
+95
در 0 کانال‌ها
Get PRO
اوت '21
+243
در 0 کانال‌ها
تاریخ
رشد مشترکین
اشارات
کانال‌ها
21 دسامبر0
20 دسامبر+3
19 دسامبر+2
18 دسامبر+7
17 دسامبر+7
16 دسامبر+3
15 دسامبر+9
14 دسامبر+7
13 دسامبر+3
12 دسامبر+5
11 دسامبر+3
10 دسامبر+4
09 دسامبر+5
08 دسامبر+8
07 دسامبر+3
06 دسامبر0
05 دسامبر+7
04 دسامبر+7
03 دسامبر+13
02 دسامبر+5
01 دسامبر+3
پست‌های کانال
إلى البئر. إلى كل مرة ظهرت فيها الدمية… كانت تنظر إليها هي. لم تكن حنين هي الهدف. كانت باتشيبا تستخدمها فقط لتقترب من أمها. وفجأة، فهمت سيرين معنى كل ما حدث. همست: — كنتِ تريدينني أنا… ساد الصمت. ثم جاءها الرد من داخل الغرفة: — نعم. ارتجفت سيرين. وفي تلك اللحظة، دوّى طرق شديد على باب المنزل. التفتت. كان الشيخ قد عاد. فتح الباب ودخل مسرعًا. — ماذا حدث؟ أشارت سيرين إلى غرفة التخزين. — إنها لم تنتهِ. نظر الشيخ إلى الباب، ثم قال: — كنت أخشى ذلك. — ماذا تقصد؟ قال: — عندما خرجت باتشيبا من حنين، لم يكن ذلك كافيًا. كان علينا أن نقطع ارتباطها بالدمية أيضًا. ولهذا طلبت منكِ ألا تقتربي منها. ثم نظر إلى سيرين مباشرة. — والآن عرفنا الحقيقة كاملة. وأشار إلى حنين. — باتشيبا لم تكن تريد ابنتكِ. كانت تستخدمها لتصل إليكِ. ثم نظر إلى الدمية. — وأنتِ كنتِ هدفها منذ البداية. اقترب الشيخ من الدمية. رفع يده وبدأ يقرأ القرآن. ارتجفت الدمية بعنف. تساقط شعرها الأشقر على الأرض. ثم بدأ جسدها يتشقق. خرجت منها صرخة حادة هزت أرجاء المنزل. صرخت حنين ووضعت يديها على أذنيها. أما سيرين فبقيت واقفة. لأول مرة… لم تهرب. واصل الشيخ القراءة. ارتفع صوت الصرخة أكثر. ثم ظهر وجه باتشيبا للحظة داخل ملامح الدمية. وجه شاحب مشوه، وعينان سوداوان تحدقان في سيرين. قالت بصوت متقطع: — كنتِ لي… أجابتها سيرين، وهي ترتجف لكنها لم تتراجع: — لم أكن لكِ يومًا. ارتفع صوت الشيخ بالقراءة. وفجأة… انطفأت جميع الأنوار. ثم ساد سكون مطبق. توقفت الدمية عن الحركة. وسقطت على الأرض. وانكسر وجهها إلى قطع. بقيت لحظات طويلة دون أن يتحرك أحد. ثم أضاءت الشمعة من تلقاء نفسها. لكن هذه المرة… كان نورها ثابتًا. فتحت حنين عينيها. نظرت إلى أمها. — أمي؟ احتضنتها سيرين بقوة. — أنا هنا. بكت حنين في حضنها. لكن دموع سيرين هذه المرة لم تكن من الخوف. كانت دموع نجاة. نظر الشيخ إلى الدمية المحطمة. ثم قال: — انتهى الأمر. سألته سيرين: — هل أنت متأكد؟ أجابها بثبات: — نعم. ثم أشار إلى بقايا الدمية. — باتشيبا كانت مرتبطة بهذه الدمية، وحين انقطع ارتباطها بها انتهت اللعنة. لن تعود. نظرت سيرين إلى بقايا الدمية. لأول مرة، لم تشعر بالخوف منها. بل شعرت بأنها تنظر إلى مجرد بقايا لعبة ميتة. مع شروق الشمس، خرجت سيرين إلى الحديقة. كان البئر هادئًا. لا أصوات. لا آثار أقدام. لا دم. ولا شيء غريب. أما الكتاب القديم… فكانت صفحاته قد تحولت كلها إلى بياض. وحين وصلت سيرين إلى الصفحة رقم 100… وجدتها فارغة. تمامًا. لم تظهر عليها أي كلمات أخرى. أغلقت الكتاب. ثم أخذت بقايا الدمية، ودفنتها بعيدًا عن المنزل، بعد أن أحرق الشيخ ما تبقى منها. هذه المرة… لم تعد. مرت الأيام. عادت حنين إلى طبيعتها. نامت في غرفتها دون خوف. وعادت سيرين إلى حياتها. لم تعد تسمع خطوات في الممر. لم تعد ترى الدمية في المرآة. لم يعد الماء يتحول إلى اللون الأحمر. ولم تعد الكلمات تظهر على الجدران. أما غرفة التخزين… فبقيت فارغة. بعد أسابيع، وقفت سيرين أمام المرآة في الحمام. نظرت إلى انعكاسها. ثم ابتسمت. لأول مرة منذ زمن طويل… لم ترَ خلفها أحدًا. أغلقت الصنبور. وغادرت. لكن قبل أن تطفئ النور، نظرت إلى المرآة مرة أخيرة. كانت نظيفة. خالية تمامًا من الكتابات. ثم همست: — انتهت. وانطفأ النور. هذه المرة… لم يكن خلف الظلام شيء. فقد انتهت باتشيبا. وانتهت اللعنة. وعادت حنين إلى أمها. أما السكون… فلم يعد يحمل تهديدًا. كان مجرد سكون. النهاية..

2
وفي تلك اللحظة، شعرت سيرين أن من أمامها… لم تعد ابنتها. تذكرت سيرين الكتاب. الكتاب الذي اشترته من المتجر نفسه الذي اشترت منه الدمية. كان كتابًا قديمًا. أخرجته من مكانه وبدأت تقلب صفحاته. كانت بعض الصفحات محترقة. وفي إحدى الصفحات وجدت الرمز نفسه. الرمز الذي ظهر على جدار غرفة حنين. بدأت تقرأ. كل صفحة كانت تقودها إلى صفحة أخرى. وكأن شخصًا ما ترك لها الطريق عمدًا. ثم وجدت ورقة تحت الباب. كانت تحمل كلمة واحدة: «ابنتي.» بحثت عن حنين. وجدتها في الحديقة. لكنها لم تقل شيئًا. كانت فقط تحدق في الأرض. عادت سيرين إلى الكتاب. وجدت كلمات متفرقة بين الصفحات: بنتي أنا تشبه شمعة يائسة بسماء الرعب حدقت سيرين في الكلمات. ثم بدأت تربطها ببعضها. لم تكن الجمل هي المهمة. بل الحروف الأولى. ب ا ت ش ي ب ا شهقت سيرين. همست: — باتشيبا… ساد الصمت. وفي اللحظة نفسها… سمعت صوتًا يأتي من غرفة حنين. ضحكة طفلة. في تلك الليلة، جاء الشيخ إلى المنزل. وقبل أن يبدأ، سأل سيرين: — أين الدمية؟ أشارت إلى غرفة التخزين. — هناك. توجه الشيخ إليها وفتح الباب. كانت الغرفة مظلمة. لكن الدمية كانت جالسة في مكانها. تقدم نحوها، ثم توقف. قال: — لا تلمسيها. ثم نظر إلى سيرين: — مهما حدث، لا تحركيها من مكانها. وضعت سيرين الدمية أمام حنين. بدأ الشيخ يقرأ القرآن. في البداية لم يحدث شيء. ثم ارتجف جسد حنين. بدأت يداها ترتعشان. ثم ارتفع صوتها. لم يكن صوتها. كان صوتًا آخر. صوتًا عميقًا ومشوّهًا خرج من فم طفلة. قال الشيخ: — باتشيبا! صرخت حنين: — اخرجي منها! ازدادت صرخاتها. اهتزت الدمية. تحرك رأسها ببطء. ثم انطفأت الشمعة. ارتفع صوت صرخة حنين. وبعد لحظات… سقطت على الأرض. ساد الصمت. واصل الشيخ القراءة حتى هدأ جسدها. وبعد لحظات، فتحت حنين عينيها. نظرت إلى أمها. ثم قالت بصوتها الطبيعي: — أمي… احتضنتها سيرين وهي تبكي. لأول مرة منذ أسابيع… شعرت أن ابنتها عادت إليها. لكن الشيخ لم يبتسم. كان لا يزال ينظر إلى الدمية. سألته سيرين: — ماذا هناك؟ قال بهدوء: — لا تقتربي منها. ثم غطّاها بقطعة قماش، وأعادها إلى غرفة التخزين، وأغلق الباب. وقبل أن يغادر، التفت إلى سيرين وقال: — لا تفتحي غرفة التخزين الليلة. — لماذا؟ نظر إلى الباب طويلًا. — لأنني لا أريدكِ أن تقتربي منها حتى أتأكد أن أثر باتشيبا انقطع تمامًا. ثم غادر. ظنت سيرين أن كل شيء انتهى. ظنت أن باتشيبا خرجت من ابنتها. وأن اللعنة انتهت. لكنها، رغم ذلك، لم تستطع النوم. كانت كلمات الشيخ تتردد في رأسها. «حتى أتأكد أن أثر باتشيبا انقطع تمامًا.» وفي صباح اليوم التالي، فتحت سيرين الكتاب. كانت الصفحة رقم 100 بيضاء. ثم بدأت كلمات سوداء تظهر أمام عينيها ببطء. كأن يدًا خفية تكتبها. «أحيانًا… الشيء الذي تكرهينه، هو الشيء الذي اختارك.» تجمدت سيرين. ثم نظرت نحو باب غرفة التخزين. كان مغلقًا. اقتربت منه. وضعت يدها على المقبض. ثم تذكرت تحذير الشيخ. سحبت يدها. وفي اللحظة نفسها… انطفأت الشمعة. فجأة. غرق المنزل في الظلام. ثم جاء الصوت. من خلف باب غرفة التخزين. ضحكة طفلة. ضحكة قصيرة… ثم ثانية… ثم ثالثة. تراجعت سيرين. كانت الدمية موجودة داخل الغرفة. وكانت قد وُضعت هناك بعد طرد باتشيبا من حنين. إذن… من كان يضحك؟ اقتربت سيرين من الباب. سمعت صوتًا خافتًا. ثم جاء صوت طفلة من خلفه: — أمي… تجمدت سيرين. كان صوت حنين. لكن حنين كانت تقف خلفها. استدارت ببطء. كانت ابنتها هناك. مستيقظة. تنظر إليها بخوف. ثم قالت: — أمي… أنا هنا. عاد الصوت من داخل الغرفة: — أمي… نظرت سيرين إلى حنين. ثم إلى الباب. ثم جاء الصوت للمرة الثالثة. لكنه لم يعد صوت حنين. كان صوتًا أعمق. أبرد. — أنا هنا منذ البداية. ارتجفت يد سيرين. ثم بدأ مقبض الباب يتحرك ببطء. مرة… ثم مرة أخرى… ثم توقف. ساد السكون. السكون نفسه الذي حذرتها منه الكلمات. «سكوني أساس لعنتي… فاحذري.» فهمت سيرين أخيرًا. لم تكن العبارة تحذرها من الصمت. بل كانت تكشف لها الحقيقة. السكون كان أساس اللعنة. والدمية لم تكن هي اللعنة. وحنين لم تكن مصدرها. بل كانت الطريق الذي عبرت منه باتشيبا إلى سيرين. أما باتشيبا… فكانت هي الروح التي حملت اللعنة منذ البداية. رفعت سيرين عينيها نحو الكتاب. كانت الصفحة رقم 100 قد تغيرت. ظهرت تحت الجملة الأولى كلمات جديدة: «حين تعرفين الاسم… تظنين أنك عرفتِ الحقيقة.» ثم ظهرت جملة أخرى: «لكن الحقيقة كانت أمامك منذ البداية.» شهقت سيرين. وعادت بذاكرتها إلى كل شيء. إلى أول ليلة. إلى الدمية بجانب سرير حنين. إلى المرآة. إلى السيارة.
540
3
شهقت سيرين. ثم ركضت خارج الغرفة. في صباح اليوم التالي، قررت سيرين التخلص من الدمية. حملتها ووضعَتها في سيارتها. كانت تريد أخذها إلى مكان بعيد. أدارت المحرك. لكن السيارة لم تعمل. حاولت مرة أخرى. لا شيء. ثم نظرت من خلال الزجاج الأمامي. كانت الدمية واقفة في منتصف الطريق. تحدق إليها. لم تكن هناك أي سيارة. ولا أحد في الشارع. وفجأة… اختفت. ظهر صوت قوي خلفها. التفتت سيرين. كانت الدمية في المقعد الخلفي. صرخت. فقدت السيطرة على السيارة. اصطدمت السيارة بعمود كهرباء. ثم غاب كل شيء. عندما فتحت سيرين عينيها، كانت في المستشفى. رأسها يؤلمها. ولم تكن تتذكر سوى وجه الدمية. لكن أول شيء سألته عنه كان حنين. — أين ابنتي؟ قالوا لها إنها بخير. عادت إلى المنزل بعد خروجها من المستشفى، وكانت مصممة هذه المرة على إنهاء الأمر. أخذت الدمية إلى الحديقة. وضعتها على الأرض وسكبت عليها الوقود. أشعلت النار. بدأت الدمية تحترق. لكن شيئًا غريبًا حدث. بينما كانت النار تلتهمها، سمعت سيرين صوت ابنتها: — أمي! التفتت. كانت حنين تقف بالقرب من البئر. — حنين! ركضت إليها. لكن فجأة شعرت بقوة هائلة تدفعها نحو البئر. صرخت وحاولت التمسك بالأرض. كانت القوة تزداد. ثم… اختفى كل شيء. وجدت سيرين نفسها ملقاة على الأرض. نظرت حولها. لم تكن حنين هناك. عادت إلى المنزل مذعورة. لكن عندما أخبرت أختها بما حدث، نظرت إليها أختها باستغراب. — حنين كانت عندي طوال الوقت. تجمدت سيرين. — ماذا؟ — كانت نائمة عندي منذ الليل. لم تستطع سيرين الكلام. إذا كانت حنين عند أختها… فمن التي نادتها في الحديقة؟ في تلك الليلة، دخلت سيرين الحمام. فتحت الصنبور. نزل الماء. ثم تغير لونه. أصبح أحمر. تراجعت سيرين. نظرت إلى الماء وهو يتدفق أمامها. ثم ظهرت الكلمات على المرآة مرة أخرى: *«سكوني أساس لعنتي… فاحذري.»* هذه المرة لم تكن الكلمات مكتوبة على سطح المرآة. بل ظهرت من داخلها. كأن شيئًا كان يقف خلف الزجاج. في إحدى الليالي، سمعت سيرين طرقًا على الباب. ذهبت إلى الباب ونظرت من خلال العين السحرية. كانت حنين تقف في الخارج. قالت: — أمي، افتحي. فتحت سيرين الباب بسرعة. لكنها لم تجد أحدًا. استدارت وركضت نحو غرفة حنين. وعندما فتحت الباب… كانت حنين نائمة داخل الغرفة. تراجعت سيرين. ثم سمعت صوتًا خلفها. التفتت. كانت حنين أخرى تقف عند الباب. لكن هذه المرة… كانت الدمية تقف بجانبها. وكانت تلوّح لسيرين بيدها. ثم بدأت تضحك. ضحكة طفلة صغيرة… لكنها لم تكن ضحكة بشرية. هربت سيرين إلى الحديقة. كانت الأرض مبللة بالطين. رأت آثار أقدام صغيرة تمتد من البئر إلى المنزل. ثم رأت بقعة دم. وبجانبها… سكين. تجمدت في مكانها. لكن عندما رمشت… اختفت البقعة. واختفى السكين. واختفت آثار الأقدام. بقي سؤال واحد يطاردها: من كان في الحديقة؟ في اليوم التالي، تركت سيرين حنين تشاهد التلفاز. كانت تشاهد فيلم سندريلا. ذهبت سيرين إلى المطبخ. وبعد دقائق، عادت. لكن شاشة التلفاز لم تعد تعرض الفيلم. كانت تعرض صورة الدمية. حدقت سيرين في الشاشة. ثم أدركت شيئًا آخر. حنين اختفت. بحثت عنها في كل مكان. حتى وجدتها تحت الأريكة. كانت مستلقية بلا حركة. حملتها سيرين وهرعت بها إلى المستشفى. قال الطبيب إن هناك نزيفًا داخليًا، ونصحها بأن تستعين بأحد الشيوخ. في تلك الليلة، قرأت سيرين سورة البقرة بجانب ابنتها. كان المنزل هادئًا. هادئًا أكثر من اللازم. ثم… انفتح أحد النوافذ. أغلقته. فُتح الباب. أغلقته. ثم سمعت صوت طفل يبكي. صوتًا خافتًا يأتي من مكان مجهول. خرجت إلى الممر. وجدت ورقة ملقاة على الأرض. كانت مغطاة بالدم. حملتها. كانت عليها كلمات غير واضحة. أشعلت فيها النار. لكن بعد ثوانٍ… سمعت صوت ارتطام هائل في الغرفة. ركضت إليها. كان هناك رمز غريب مرسوم على الجدار. رمز لم تره من قبل. ثم عادت إلى المكان الذي ألقت فيه الورقة. كانت الورقة هناك. سليمة تمامًا. لم تحترق. ذهبت سيرين إلى الشيخ. أخبرته بكل ما حدث. ظل صامتًا للحظات، ثم قال: — ربما لم تكن الدمية مجرد لعبة. نظرت إليه سيرين. — ماذا تقصد؟ قال: — ربما كانت تحمل روحًا. ثم أضاف: — إذا أردنا معرفة ما يحدث، فعلينا أن نعرف اسم تلك الروح. بعد ذلك بدأت حنين تتصرف بطريقة غريبة. كانت ترفض الاستحمام. وترفض ارتداء ملابسها المعتادة. وتختار ملابس لا تحبها. وفي إحدى المرات… قدمت لها سيرين طبق السمك. وكانت حنين تكرهه منذ طفولتها. لكنها أكلته كله. نظرت سيرين إليها. — منذ متى تحبين السمك؟ رفعت حنين رأسها. حدقت في أمها. ثم ابتسمت. ابتسامة لم تعرفها سيرين من قبل.
359
4
> *لــــعــــنــــة الـــــســــكــــون* ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‏ ليس كل ما يصمت آمنًا… فبعض الأشياء لا تتكلم، لأنها تنتظر فقط أن تسمعها أنت. كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، والبيت غارقًا في سكون ثقيل، حتى إن سيرين كانت تسمع صوت عقارب الساعة وهي تتحرك في الصالة. كانت ابنتها حنين تخاف الليل منذ طفولتها، ولم تكن تستطيع النوم وحدها. كانت دائمًا تتسلل إلى فراش أمها، وتختبئ تحت الغطاء كلما سمعت صوتًا غريبًا. لكن في تلك الليلة، كان هناك شيء مختلف. شيء لم تستطع سيرين تفسيره. شيء بدأ منذ اليوم الذي عادت فيه حنين من مدينة الملاهي. في الثامن والعشرين من أبريل، اصطحبت سيرين ابنتها إلى مدينة الملاهي. كانت حنين سعيدة، تركض بين الألعاب وتضحك، حتى توقفت أمام آلة كبيرة مليئة بالدمى. حدقت طويلًا في إحدى الدمى. كانت دمية ذات شعر أشقر طويل، ووجه أبيض شاحب، وعينين واسعتين ساكنتين بصورة غير طبيعية. أشارت إليها حنين وقالت: — أريد تلك. حاولت سيرين إقناعها باختيار دمية أخرى، لكنها أصرت. وبعد عدة محاولات، خرجت الدمية من الآلة. حملتها حنين بين ذراعيها. لكن ابتسامتها اختفت فجأة. قالت بصوت خافت: — أمي… لا أحبها. نظرت سيرين إلى الدمية، ثم إلى ابنتها. — لكنك أنت من اخترتها. لم تجب حنين. كانت تحدق في وجه الدمية وكأنها ترى شيئًا لا تراه أمها. في النهاية، أخذت سيرين الدمية منها ووضعتها في حقيبة، ثم عادتا إلى المنزل. وما إن وصلتا حتى وضعتها سيرين في غرفة التخزين. وقبل أن تغلق الباب، نظرت إلى الدمية مرة أخيرة. كانت جالسة بصمت. لكن شيئًا في عينيها جعل سيرين تشعر بأنها لا تنظر إلى دمية… بل إلى شيء ينتظر. أغلقت الباب. ولم تكن تعلم أن تلك اللحظة كانت بداية كل شيء. في تلك الليلة، استيقظت سيرين عند الساعة الثالثة فجرًا. لم تعرف ما الذي أيقظها. فتحت عينيها ببطء. كان الظلام يملأ الغرفة. ثم سمعته. صوت الماء. كان هناك ماء يجري في مكان ما داخل المنزل. جلست على السرير وأصغت. ششششش… كان الصوت يأتي من الممر. نهضت وفتحت باب غرفتها. كان الممر مظلمًا. — حنين؟ لا إجابة. تقدمت خطوة. ثم أخرى. وفجأة توقف صوت الماء. حلّ السكون. لكن بعد ثوانٍ قليلة… سمعت صوتًا آخر. خطوات صغيرة. كانت تتحرك في الممر. اقتربت الخطوات من غرفة حنين. ثم توقفت. شعرت سيرين ببرودة تسري في جسدها. اقتربت من باب ابنتها وفتحته. كانت حنين نائمة بعمق. تنفست سيرين براحة. لكن عندما التفتت… تجمدت في مكانها. كانت الدمية تقف بجانب السرير. الدمية التي وضعتها في غرفة التخزين. حدقت سيرين فيها. لم تتحرك. اقتربت منها بحذر. ثم رفعت عينيها إلى وجه الدمية. كانت الدمية تنظر إليها مباشرة. قالت سيرين بصوت مرتجف: — كيف وصلت إلى هنا؟ لم يجبها أحد. مدت يدها لتأخذها. وفجأة… فتحت الدمية عينيها. تراجعت سيرين مذعورة. تجمدت أنفاسها. لكن عندما رمشت… كانت عينا الدمية مغلقتين. وكأن شيئًا لم يحدث. استيقظت حنين بعد لحظات. نظرت حولها وقالت: — أمي… لماذا أنت هنا؟ نظرت سيرين إلى جانبها. لم تكن الدمية موجودة. بحثت عنها في الغرفة. لا شيء. عادت إلى غرفة التخزين. وهناك… كانت الدمية موجودة. جالسة في المكان نفسه الذي تركتها فيه. لكن هذه المرة كان وجهها موجّهًا نحو الباب. وكأنها كانت تنتظر سيرين. أغلقت سيرين الباب بإحكام هذه المرة. ثم وضعت أمامه صندوقًا ثقيلًا. ولم تلاحظ أن الدمية، من خلف الباب المغلق، كانت تحدق نحو المكان الذي وقفت فيه. مرت الأيام، لكن الأمور لم تعد طبيعية. كانت سيرين تشعر أن الدمية تظهر في أماكن مختلفة داخل المنزل. تتركها في غرفة التخزين، فتجدها في الصالة. تضعها داخل صندوق، فتجدها بجانب سرير حنين. وفي إحدى الليالي… وقفت سيرين أمام المرآة تمشط شعرها. رفعت عينيها إلى انعكاسها. ثم رأت شيئًا خلفها. الدمية. كانت واقفة خلفها. لكنها لم تكن كما رأتها من قبل. بدت أطول. وأكبر. وشعرها الأشقر ينسدل حتى الأرض. استدارت سيرين بسرعة. لم يكن هناك شيء. عادت إلى المرآة. فوجدت الدمية ما زالت هناك. هذه المرة كانت أقرب. اقترب وجهها من كتف سيرين. ثم اختفت. سقطت خصلة من الشعر الأشقر على أرض الحمام. تراجعت سيرين وهي ترتجف. ثم ظهرت كلمات على المرآة، وكأن إصبعًا خفيًا يكتبها من الداخل: *«سكوني أساس لعنتي… فاحذري.»*
445
5
الفصل الخامس والأخير: العهد المكسور تكسّر الخشب القديم للباب الرئيسي بصوتٍ يدوي كقصف الرعد. انفلقت الضلفة اليمنى، وبدأت أذرعٌ سوداء، مطاطية، تتدلى منها أظافر طوال شبيهة بالسكاكين المصنوعة من السخام، تتسلل من الخلال وتخدش جدران المكتبة. تراجع يوسف نحو منتصف القاعة، وسقط على ركبتيه فوق الأرضية الخشبية. لم يكن أمامه خيارٌ آخر. جثا وسط الدخان الكثيف الذي بدأ يلتف حول ساقيه كالأفاعي، ورفع المخطوطة الجلدية المحترقة بين يديه المرتجفتين نحو الضوء الخافت الذي كان يتصارع مع الظلام. بدأ يوسف يقرأ أسطر "طقس الإرجاع" بصوتٍ مرتفع، بصوتٍ لم يكن يعرف أنه يملكه؛ صوت يمزج بين الذعر المطلق والصرامة الأخيرة للمحاصَر: "باسم من سمك السقف ورسخ الأرض، وبحق العهود الأولى التي سُطرت قبل خلق الطين... أرجعوا يا عُمّار الظل إلى أطباقكم! أعدكم إلى السفل الذي جاء منه أولكم، وأغلق الباب الذي فتحتموه بالحبر والدم!" ما إن نطق بالكلمة الأخيرة، حتى ارتفعت صرخة حادة، ثاقبة للأذن من خلف الباب! لم تكن صرخة مخلوق واحد، بل كانت حشرجة آلاف الأصوات المتداخلة التي تمزق نسيج الهواء. اهتزت المكتبة بأكملها. أخذت الرفوف الخشبية العتيقة تتساقط، والكتب النادرة تتطاير في الهواء وكأنها طيور ميتة تحركها عاصفة داخلية. ارتفع الدخان الأسود من الأرض ليصنع إعصاراً صغيراً في منتصف الغرفة، وفي بؤرة الإعصار، ظهر وجه "الشيخ الطارم" – ملامح مشوهة، بلا عينين، وفمٌ مفتوح على اتساعه يبعث بحرارة لا تطاق. "لن تقدر يا يوسف!" زمجر الكيان، وصوته يزلزل عظام القفص الصدري للبشر: "لقد حُفر اسمك في صحيفتنا... أصبحت منا!" لكن يوسف، وهو يشعر بالدم يقطر من أنفه جراء الضغط الماورائي المرتفع في الغرفة، لم يتوقف. جَذب قداحته النحاسية القديمة من جيبه، وبحركة خاطفة، أشعل النار في طرف المخطوطة الجلدية! صرخ "الشيخ الطارم" صرخة جنونية تمزق الألباب. فالعهد الذي يُحرق أثناء تلاوة الإرجاع... يلتهم صاحبه من العالم الآخر! تأجج اللهب الأزرق في الجلد الأسود بسرعة غير طبيعية، وانتشرت رائحة حريق هائلة أزكمت الأنوف. ومع كل إنش تأكله النار من المخطوطة، كان جسد الكيان الظلي يتفتت في الهواء، ويتلاشى كالشرار المتطاير في الريح. "سـنـعـود... حـيـن يـنـسـى الـبـشـر..." كانت هذه هي الهمسة الأخيرة للكيان قبل أن ينفجر الإعصار الأسود في ومضة ضوء حمراء خاطفة، صرعت يوسف وألقته أرضاً ليفقد وعيه تماماً... الخاتمة: أثرٌ لا يزول أشرقت شمس الصباح الباردة، لتتسلل أشعتها الذهبية عبر زجاج النافذة المكسورة للمكتبة. أفاق يوسف. كان يستلقي على الأرضية الخشبية المغطاة بالرماد والغبار. المكان كان هادئاً كأن شيئاً لم يكن، سوى من أرفف الكتب المنهارة والباب الخشبي المحطم. جلس ببطء، يئن من آلامٍ متفرقة في جسده. نظر إلى يديه... كانتا ملوثتين بالرماد الأسود. المخطوطة الجلدية اختفت تماماً ولم يبقَ منها سوى كومة صغيرة من الشحم المحروق على الأرض. تنفس الصعداء، وشعر بلذة النجاة تسري في جسده. حاول النهوض، وأثناء مسحه للرماد عن وجهه، مر بقرب مرآة قديمة معلقة على جدار المكتبة. توقف يوسف في مكانه. تجمّدت الدماء في عروقه مجدداً. نظر في المرآة... كان انعكاس وجهه يبدو طبيعياً، لكن حين ابتسم ابتسامة باهتة من الهول... لم يبتسم انعكاسه في المرآة. ظل الانعكاس واقفاً بتجهم، ورفع يده داخل زجاج المرآة ليضع سبابته على شفتيه... مشيراً ليوسف بـ: "أنتظر دورك". (تمت القصة)
2 958
6
الفصل الرابع: وجهٌ خلف الزجاج تراجع يوسف على الأرض الخشبية بزحفٍ بطيء، ومرفقاه يحتكان بالبساط المتهالك. كان الشبح الكاذب الجالس أمامه قد تلاشى بالكامل، ولم يبقَ مكان جلوسه سوى كُومة صغيـرة من التراب الكبريتي الأسود. ومن خلف الباب الخارجي للمكتبة، تكرر الطرق، لكنه أصبح أكثر اضطراباً وعنفاً: "طق! طق! طق!" ارتفع صوت الشيخ مبارك من الخارج، ممتلئاً بالبُكاء والرجاء: "يوسف! بالله عليك افتح الباب! أغلقتُ المكتبة من الخارج لأحضر الحطب، فوجدتُ الأرواح تلتف حول المبنى! من بالداخل ليس أنا يا بني... أياً كان من نزل معك للقبو فهو ليس مبارك!" كان العرق ينهمر من وجه يوسف كالمطر. نظر حوله؛ الظلام في قاعة المكتبة أصبح قيراطياً، أثقل وأعتك، والشموع المنطفئة تصاعدت منها أدخنة لولبية رائحتها كالعظام المحروقة. هل يفتح الباب الخارجي؟ أم أن الصوت في الخارج هو فخٌ آخر من فخاخ "عُمّار الأرض"؟ وقف يوسف على قدمين ترتجفان، وأمسك بالمخطوطة الجلدية التي بدأت تفور بحرارة ملحوظة، وكأن الجلد يُطبخ بين يديه. اقترب بخطوات كالميت من الباب الخشبي الرئيسي للمكتبة. كان الباب يحوي نافذة زجاجية صغيرة متسخة ومغطاة بقماش ستارة متهرئ. رفع يوسف يده المرتجفة، ومسح جزءاً من الغبار عن زجاج النافذة ليلقي نظرة إلى الخارج. كان الضباب في الخارج كثيفاً جداً، ينساب كألسنة ناصعة البياض وسط العتمة. وفي وسط الضباب، كان يقف الشيخ مبارك بالفعل... يحمل قنديلاً زيتياً خافتاً، ووجهه يشع ذعراً حقيقياً وهو يطرق الباب. تنهد يوسف برداءة، وكاد أن يمد يده لفك المغلاق، لكن... تجمّدت عيناه على شيء واحد. تحت ضوء القنديل الزيتي الخافت في يد الشيخ مبارك... لم يكن هناك ظلٌّ للشيخ على الأرض المبتلة بالماء! ولم يكن هذا فحسب... بل حين ركّز يوسف نظره في عيني الشيخ مبارك عبر الزجاج، لاحظ أن حدقتَي عينيه لم تكن دائرية كأعين البشر... بل كانت شقين طوليين، كأعين الأفاعي، وتتوهج ببريقٍ أصفر كبريتي في عمق العتمة! قهقه الشيخ مبارك المزعوم من خلف الزجاج. انقطعت نبرة الرجاء من صوته فجأة، وتحولت إلى صوتٍ هادئ، عميق، وذكي... صوت يتكوّن من أفق طبقات متعددة تتحدث في وقت واحد: "ذكاءٌ يحمد لك يا يوسف... لم تقع في الفخ الثاني." تراجع يوسف خطوات إلى الخلف، وقدمه تخبط بطاولة القراءة. صرخ بصوتٍ بحاح: "من أنت؟! ماذا تريد مني؟ أين الشيخ مبارك الحقيقي؟!" ساد الصمت لثوانٍ معدودات، ثم انقبض زجاج النافذة الصغيرة ببطء... ليظهر خلفه وجهٌ خيالي، وجهٌ يتغير كل ثانية؛ تارة يشبه الشيخ مبارك، وتارة يشبه رجلاً قديماً بملابس غابرة، وتارة يصبح مجرد فراغ أسود بلا أعين ولا فم. قال الكيان من خلف الباب: "أنا 'الشيخ الطارم'... صاحب الوثيقة التي تطبق عليها بيدك. المبارك الحقيقي؟ مبارك نائم في بيته منذ الغروب، وما تركتَ أنت في القبو سوى بديله الذي صنعناه لك كي تُنزل المفتاح في القفل... نحن لا نطرق أبواب البشر إلا إذا فتحوها بأيديهم يا يوسف." انساب الخوف داخل يوسف كأنه سمّ ينفذ في الوريد. "والآن... ماذا تريد؟" "نريد ما قمتَ باستعارته،" أجاب الصوت، محركاً الباب الخشبي بضغطٍ هائل جعل المفصلات الصدئة تئن. "المخطوطة كُتبت بدمائنا، وقراءتك لها أعطتنا الحق في جسدك. إما أن تخرج إلينا بحريتك وتترك العهد... أو ندخل نحن إليك ونأخذ العهد... والجسد معاً." بدأ الباب الخشبي الضخم يهتز بعنف متزايد، وكأن هناك قطاراً من الأجساد الثقيلة يصطدم به من الخارج. بدأت الشقوق تظهر على الخشب القديم، وتتسلل من بين الشقوق خصلات من الدخان الأسود الكثيف الذي يزحف على أرضية المكتبة متجهاً نحو قدمي يوسف! التفت يوسف حوله في ذعر مطلق. لا يوجد مخرج. الباب الخلفي يؤدي للقبو الذي تعيش فيه تلك الظلال، والباب الأمامي يتهاوى تحت وطأة الكيان الماورائي. وفي لحظة يأس، نظر يوسف إلى المخطوطة الجلدية في يده... ولحظ أن الرسم الذي يمثل وجهه الصارخ قد بدأ يتغير مرة أخرى، وتظهر تحت الوجه سطور سفلية جديدة لم يقرأها بالأسفل، سطور باللغة العربية القديمة تُدعى: "طقس الإرجاع". كانت المخطوطة هي السجن... وهي في نفس الوقت المفتاح!
2 210
7
الفصل الثالث: الرقص في الظلام تسمّر يوسف في مكانه. كان الظلامُ يضغطه من كل اتجاه، ظلامٌ سميك يمكنك تقريباً تذوق طعمه الرطب في حلقك. كان يعلم أن أي حركة، أي صرخة، أو حتى زفير خائف قد يُنهي حياته أو يقتطع جزءاً من عقله. لم تكن الأصابع مجرد ثلج، بل كانت جافة كأوراق شجر يابسة، وتنبعث منها رائحة الكبريت والتراب النديّ التي تستنشقها عند فتح المقابر القديمة. وفجأة، اقترب الصوت مجدداً. هذه المرة، لم يكن يهمس في أذنه من الخارج، بل كان يتردد داخل رأسه مباشرة، كأن هناك من يتحدث من بين طيات دماغه: "لمَ أطفأت النور يا يوسف؟ ألم تأتِ لتشاهدنا؟ نحن الأبديون... نحن من عشنا تحت هذه الصخور قبل أن ينسج آدم أول ثوبٍ له..." اشتط يوسف ذعراً، لكنه انحنى بجسده ببطءٍ شديد، ممسكاً بالمخطوطة الجلدية وسحَبها نحو صدره. أغلق عينيه بقوة رغم أن الظلام حوله كان تاماً، وحاول أن يتذكر أي آية، أي تعويذة، أو حتى طريقة للهروب. ثم... صدر صوت تحطم حاد! "طااااخ!" ارتطم الباب الخشبي الضخم في أعلى السلم بالجدار الحجري. صدى الصوت هز القبو بأكمله، وجاء صوت خطوات سريعة، ثقيلة ومتقاربة، تنزل السلم الحجري بعنف. توهّج خيط رفيع من الضوء البرتقالي من أعلى الدرج. إنه ضوء مشعل! ظهر جلباب الشيخ مبارك الممزق، وهو يحمل مشعلاً يشتعل بلهب أزرق غريب، ووجهه يفيض بذعرٍ لم يره يوسف في حياته من قبل. كان الشيخ يصرخ بنبرة حشرجة جافة: "اركب السلم يا يوسف! لا تنظر خلفك! المخطوطة فتحت البوابة... العمار يمرون الآن!" لم ينتظر يوسف ثانية واحدة. اندفع بكامل قوته نحو مصدر الضوء، متجاهلاً الآلام التي ضربت ركبتيه وهو يركض في الظلام نحو السلم. لكن أثناء ركضه، رأى بوضوح على جدران الممر الصخرية أظلالاً... أظلالاً بلا أجساد! كانت الأظلال تتحرك وتتراقص على الجدران بفعل ضوء المشعل الأزرق؛ أظلال أذرع متعددة، ورؤوس مستطيلة بقرون ناعمة، وهياكل تتمدد وتنكمش كأنها كائنات هلامية تُصنع من الدخان الأسود. وكانت تتفوه بأصوات قهقهة مكتومة تشبه احتكاك الخناجر بالحديد. وصل يوسف إلى أول درجات السلم، وأمسك به الشيخ مبارك من ذراعه بقوة غير طبيعية بالنسبة لسنّه، وسحبه لأعلى. "أسرع! لا تنظر إلى الأسفل مهما سمعت!" صرخ مبارك وهو يلقي بمسحوق أسود من جيبه على درجات السلم، فتصاعدت فرقعة نارية ودخان أبيض حال دون تقدم تلك الظلال. اندفع الاثنان عبر الباب الخشبي إلى القاعة الرئيسية للمكتبة، وأغلق مبارك الباب الخشبي الضخم فوراً، وأدخل المفتاح الحديدي وداره ثلاث دورات، ثم أخذ يرتل كلمات بلغة غريبة وهو يضع يده المرتجفة على القفل. سقط يوسف على الأرض الخشبية للمكتبة، يلهث بشدة، وقلبه يخفق كطبلٍ حربي. كانت قطرات العرق البارد تتصبب من جبهته، والمخطوطة الجلدية المفقودة ما زالت في يده، تفرز حرارة خفيفة تشبه جمرة تشتعل تحت الرماد. نحَب يوسف وهو يستند إلى أرفف الكتب: "ما هذا... ما الذي يوجد بالأسفل يا مبارك؟ ذلك لم يكن ظلاً عادياً... لقد لمسني!" جلس الشيخ مبارك على الكرسي الخشبي المقابل، وكان صدره يعلو ويهبط بصعوبة. نظر إلى يوسف بعينين فارغتين من الأمل، وقال بصوت منخفض ومتقطع: "أنت لم تلمس التاريخ يا يوسف... أنت أيقظت 'الشيخ الطارم'... رئيس عُمّار هذه الناحية. المخطوطة التي بيدك ليست كتاباً تاريخياً... إنها سند ملكية. ومن يحملها، يصبح ملزماً بتقديم الثمن." تأمل يوسف الرقعة الجلدية في يده، فلحظ أن الحبر الأسود الذي كُتبت به الحروف بدأ يسيح ببطء، ويتشكل من جديد على الجلد... ليتحول إلى رسم دقيق لملامح وجه يوسف نفسه وهو يصرخ! وفجأة، انطفأت جميع الشموع والقناديل في المكتبة دفعة واحدة. وعمّ الصمت القاتل... سوى من صوتٍ واحد، جاء هذه المرة من خلف باب المكتبة الخارجي، مغلفاً بالضباب: طرقات خفيفة متزنة على الباب... "طق... طق... طق..." وصوت الشيخ مبارك – الجالس أمامه – بدأ يتلاشى، ليتكتشف يوسف أن الرجل الجالس أمامه على الكرسي لم يكن سوى خيالٍ يتفكك إلى دخان... وأن الشيخ مبارك الحقيقي... كان يطرق الباب من الخارج ويصرخ بالرعب: "يوسف! افتح الباب! أرجوك لا تصدق ما تراه داخل المكتبة... أنا لم أنزل معك إلى القبو إطلاقاً!"
1 546
8
الفصل الثاني: همسٌ تحت الأرض كانت الدرجات الحجرية زلقة، كأنها طُليت بمركب زيتاني خفيف، وكلما نزل يوسف درجة، كان ينتابه شعور غريب بأن المسافة بينه وبين الباب العلوي تتسع بشكل غير منطقي. الهواء هنا لم يكن بارداً فحسب، بل كان ثقيلاً، يضغط على رريتيه كأنه غبار كثيف يرفض أن يُستنشق. وجه يوسف حزمة ضوء مصباحه اليدوي نحو جدران القبو. لم تكن جدراناً ملساء أو مبنية بالآجر الكلاسيكي، بل كانت صخوراً طبيعية منقورة بعناية فائقة، تحوي حفوراً ورموزاً عتيقة. خطوط متقاطعة، ودوائر متداخلة، ورسومات لكائنات ذات أطراف طويلة وأوجه بلا ملامح. "أوهام... مجرد نقوش طقوسية قادمة من العصور الوسطى،" زمجر يوسف بصوت خفيض محاولاً طمأنة نفسه، لكن صوته ارتدّ إليه ناعماً، متكسراً، كأن الجدران نفسها تبتلع الموجات الصوتية وتمنعها من الانتشار. سار في الممر الضيق حتى وصل إلى حجرة دائرية واسعة. في منتصف الحجرة، كانت تقبع طاولة حجرية ضخمة تلتف حولها سلاسل حديدية صدئة ممتدة إلى السقف. وعلى سطح الطاولة، وضع صندوق خشبي مغلف بالجلد الأسود، تحيط به طبقة سميكة من الغبار تنبئ بأنه لم يلمسه بشر منذ عقود. اقترب يوسف بخطوات حذرة، وصدره يعلو ويهبط. سحب منديله ومسح الغبار عن سطح الصندوق. ظهرت على الجلد محفورة يدوياً باللون الأحمر الداكن حروف لغة غريبة، لكنه استطاع تمييز عبارة واحدة في المنتصف دُوّنت بالعربية القديمة: "من يفك القفل، يمنح الجسد صوتاً، ويمنح الظل قدماً." ابتسم يوسف ابتسامة متوترة، وقال لنفسه: "الوعيد المعتاد للكتب القديمة... مجرد حيلة لإبعاد اللصوص." مدّ يده وفتح قفل الصندوق المعدني الذي انكسر بسهولة تحت ضغط أصابعه المرتجفة. بالداخل، كانت تتمدد رقعة جلدية مطوية، هي الجزء المفقود من مخطوط "عهد الأثير". كانت الرقعة تفوح برائحة لا تشبه أي شيء عرفه من قبل؛ مزيج من الحناء المحروقة والدم الجاف ومادة زهرية غريبة. فتح الرقعة بحذر شديد تحت ضوء المصباح. كانت الكلمات مكتوبة بحبر أسود لامع، وكأن كتابتها تمت بالأمس فقط. بدأ يوسف يقرأ بصمت، يمرر عينيه على التعاويذ والأوصاف التي تتحدث عن "عمار الطبقة السفلية" وكيفية تداخل أبعادهم مع أبعاد البشر عند انكسار الضوء. وفجأة... "تكتك... تكتك... تكتك..." توقف يوسف عن القراءة. انقبض قلبه. كان هذا صوت دقات الساعة القديمة! لكن كيف؟ الساعة كانت في المكتبة بالخلايا العليا، فكيف يسمع صوتها الآن وبهذا الوضوح، كأنها معلقة خلف عنقه مباشرة؟ التفت بسرعة ووجه المصباح خلفه. لا شيء. مجرد الزاوية المظلمة للحجرة. تنفّس الصعداء، محاولاً السيطرة على روعه: "إنها انعكاسات الصوت... القبو يعمل كمكبر للصوت." أعاد نظره إلى المخطوطة، لكن حزمة ضوء المصباح بدأت ترتعش. هبطت شدة الضوء فجأة إلى النصف، وأخذ الضوء الأبيض يتحول ببطء إلى أصفر كئيب، ثم إلى أحمر باهت. ثم جاء الصوت. لم يكن صخباً، بل كان همساً. همساً متواصلاً، يشبه جشيش القش الحاد عندما تحتك به الرياح، كان يتأرجح بين أذنيه: "يـو... سـف..." تجمّد يوسف في مكانه. تجمدت الدماء في أطرافه وأحس بشعر رقبته يقف رعباً. تذكر كلمة الشيخ مبارك فوراً: (إن سمعت اسمك يُهمس من زاوية فارغة... لا تجب). أغلق عينيه بشدة، وداخله يصرخ بالأفكار المتضاربة. عض على شفته السفلى حتى كاد يدميها كي لا ينطق بحرف. لكن الهمس لم يتوقف، بل بدأ يقترب. لم يكن يأتي من مكان واحد، بل كان يتحرك في دائرة حول الطاولة الحجرية. صدى أنفاس حارة غير مرئية بدأ يلمس قماش قميصه عند الكتف الأيسر. "نحن هنا يا يوسف... طال انتظارنا لمن يقرأ الأسماء..." انفتحت عينا يوسف برعب هائل، ونظر إلى الأرض. هناك، تحت ضوء المصباح الأحمر الضعيف، رأى ما جعل جسده يرتعد بالكامل... ظلّه الممتد على الأرض الحجرية... لم يكن يقلد حركته. كان ظل يوسف يقف منتصباً تماماً، رغم أن يوسف كان منحنياً على الطاولة. وفجأة، بدأ الظل يرفع يديه الفحميتين ببطء شديد نحو حنجرته على الأرض، وكأنه يستعد لخنق الصاحب الأصلي! تذكر يوسف الوصية الثانية للشيخ مبارك: (وإن رأيت ظلك يسبقك... أطفئ مصباحك فوراً). بسرعة جنونية، وضغط متسارع من الذعر، قفل يوسف زر المصباح اليدوي. حلّ الظلام الكلي. ظلام دامس، مطلق، لا ترى فيه يدك لو قربتها من عينيك. وفي وسط هذا الظلام الدامس... شعر يوسف بـ يدٍ باردة جداً، كالثلج الميت، تتلمس مؤخرة عنقه برفق.
1 300
9
الفصل الأول: خرافة في طيات العتمة لم تكن قريّة "مرتفعات الغراب" سوى بقعة منسية على حافة خارطة العالم الحديث. مكانٌ يبدو وكأن الزمان قد صبّ فيه خرسانته وركَد، تبتلعه ألسنة الضباب الكثيف مع كل غروب، كأنها أيدٍ أثيرية تسحب البيوت الحجرية القديمة إلى جحرٍ لا قاع له. كان يوسف يستند إلى زجاج نافذة المكتبة المتهالكة، يراقب قطرات المطر الشديدة وهي تتشكل على الهيئة الطولية كخدوشٍ على وجه المساء. يوسف، الباحث البالغ من العمر ثلاثين عاماً، خسر تسعة أشهر من حياته وهو يطارد خيطاً وهمياً لخطوط مخطوطة نادرة تُدعى "عهد الأثير"، وهي نصوصٌ شعبية تُحاك حولها الأساطير وتدّعي أنها دُوّنت بأيدي العمار الأوائل لهذه الأرض... قبل أن يطأها قدم بشر. "إنك تبحث عن الموت يا بني، ولكن بطريقة معقدة." جاء الصوت جافاً كصرير بابٍ قديم. التفت يوسف ليرى الشيخ مبارك، حارس مكتبة المخطوطات والبيت الوحيد الذي يملك مفاتيح الأرشيف السفلي. كان مبارك يملك عينين غائرتين تحيط بهما التجاعيد كأنها شقوق في أرض جافة، ويبدو دوماً وكأنه يستمع لأصوات لا يراها غيره. ابتسم يوسف ابتسامة باهتة وردّ: "لا يوجد موت في الأوراق يا عم مبارك. مجرد حبر جاف، وخرافات قرويين أرهقهم البرد والعزلة فصاروا يفسرون صفير الريح بأنه صراخ الجن." دنَا الشيخ مبارك خطوة، فتصاعدت منه رائحة العفونة والمسك القديم، ثم انحنى على الطاولة الخشبية وجعل وجهه على مستوى وجه يوسف. قال بنبرة هادئة، لكنها أثقل من الحجارة: "الحبر يا يوسف... لم يكن دوماً نباتياً. بعض النصوص لم تُكتب لتقرأها بعينيك، بل لـتناديك. الجن ليسوا ظلالاً في الحكايات؛ هم العمار الأصليون لهذه الأبعاد. حين تحفر في تاريخهم، أنت لا تقرأ القصة... بل تدعو صاحبها للجلوس بجانبك." ساد الصمت لثوانٍ، لم يقطعه سوى صوت انهمار المطر الخارجي وصوت دقات ساعة الحائط القديمة، والتي كانت تتكتك بانتظامٍ يبعث على التوتر. سحب يوسف نفساً عميقاً، متجاهلاً البرودة التي تسللت فجأة إلى أطراف أصابعه. "أين باقي الصفحة المفقودة من 'عهد الأثير'؟ أعلم أنها هنا. الحكام والسلاطين القدامى خافوا منها وأخفوها، لكنك تعرف أين هي." تجمّدت تقاطيع الشيخ مبارك. تراجعت نظراته نحو العتمة الممتدة في أروقة المكتبة خلفهما. ثم قال بتمتمة بصوت شبه مسموع: "في الأسفل... حيث لا تصل الشمس، وحيث ترفض الشموع أن تشتعل أحياناً. إن كنت تصرّ، فلتتحمل مسؤولية ما سيفتح عينيه عليك عند أول حرف تقرأه." سحب مبارك حلقة معدنية من جيبه، بها مفتاح ضخم مصنوع من الحديد الخاميّ الأسود الذي تكسوه حشرجة الصدأ. أشار بيده النحيلة نحو باب خشبي غائر في الجدار الخلفي، كان الباب مظلماً وضخماً، كأنه مدخل إلى مقبرة. تجهّز يوسف بملفاته ومصباحه اليدوي، مشى بخطوات حذرة نحو الباب. كل خطوة كانت تُحدث صدىً مكتوماً على الخشب المتهالك. حين أدخل مبارك المفتاح في القفل، صدر صوت "تك" حاد، هز أرجاء الغرفة، وتبعه هبوب نسيم بارد بشكل غير طبيعي من الفتحة الضيقة، محظوراً برائحة كبريتية خفيفة وأرض رطبة. توقف يوسف للحظة عند عتبة السلم الهابط إلى ظلمات القبو. نظر خلفه إلى الشيخ مبارك، فرآه واقفاً بلا حركة، وقد تراجعت حدقتا عينيه للأنوار الباهتة، بينما كان يحرك شفتيه بتعاويذ صامتة. قال يوسف يحاول التخفيف من حدة الرعب الذي بدأ يتسلل إلى صدره: "لن أطيل بالأسفل." رد الشيخ مبارك بصوت غريب، لم يكن يشبه صوته المعتاد، كان يملك رنيناً مضاعفاً كأن أحداً آخر يتحدث معه في نفس اللحظة: "الزمن بالأسفل ليس كالزمن هنا... إن سمعت اسمك يُهمس من زاوية فارغة، لا تجب. وإن رأيت ظلك يسبقك... أطفئ مصباحك فوراً." تجمّدت الدماء في عروق يوسف، لكن غروره الأكاديمي وظمأه للشغف المظلم دفعه إلى خطو الخطوة الأولى نزل السلم الحجري... خطوة، فثانية، فثالثة، وبدأ الضوء الأبيض لمصباحه يتآكل داخل ظلامٍ أسود كثيف... ظلام لم يكن مجرد غيابٍ للنور، بل كان يشعر وكأنه مادة حية تتحرك حوله.
1 288
10
انا حسن كنت بصيف انا و اهلي و ف يوم كنا في مكان بنتعشي لقيت ماما بتقولي انا نسيت المحفظة بتاعتي في الشاليه روح هاتها و تعالي و فعلاً روحت بس لقيت الغرفه بتاعت امي الباب مفتوح و النور منور و اصلا انا طفيت كل الانوار قبل ما انزل بس دخلت لقيت بنت غريبة قعدة و بتسرح شعرها بصتلي و كان عنيها سوداء و وجهها شاحب وسرخت بصوت مرعب و قامت تجري ورايا علي ايديها و رجليها زي الحيوانات اترعبت و نزلت جري و قلبي كان بيدق جداً وصلت لاهلي ماماقالتلي فين المحفظة ف حكيت ليهم الحصل ماحدش صدقني روحت الشاليه ده تاني بس مكنش في حد جبت اللاب توب بتاعي و بحثت عن الشاليه ده و لقيت ان كانوا بيصوره فيلم رعب و ان المفروض ان المنتج جاب ممسل يعمل ضور السفاح بس اكتشفوا ان هو جاب سفاح حقيقي و قتلها بجد ! وان صاحب الشاليه خبا علينا اتعصبت و خفت جداً وسمعت صوت من ورايه و حسيت ان حد بيخنقني أظلمت الغرفة فجأة، وحرارة أنفاس مكتومة لامست رقبتي من الخلف! حاولت أصرخ بس الصوت كان محبوس في زوري، أيدين باردة زي الثلج كانت ماسكة رقبتي بقوة، وبدأت الرؤية تضعف قدام عيني. كان اللاب توب لسه مفتوح قدامي على صورة المقال اللي فيه تفاصيل الجريمة البشعة... والصدمة إني شفت في انعكاس الشاشة السوداء الشبح أو الممثل السفاح واقف ورايا بالظبط! لحظة الفتك بقوتي الأخيرة، ضربت بكوعي لورا بكل ما فيا. سمعت صرخة مكتومة مش بشرية، والقبضة خفت من على رقبتي لثواني. استغليت الفرصة، وقبل ما يستوعب، مسكت اللاب توب ورميته في وشه بكل قوتي وجريت ناحية باب الشاليه. الطقس بره كان انقلب فجأة، مطر شديد وبرق ينور السماء، والباب المرة دي مكنش مفتوح... كان مقفول بضبة ومفتاح! سمعت صوت خطوات سريعة جاية من الممر، نفس الحركة المرعبة على أربع إيدين ورجلين، والصوت الشبيه بزمجرة حيوان مفترس يقرب مني. الدماء اتجمدت في عروقي وأنا بحاول أكسر أكرة الباب. "مش هتخرج من هنا زي ما هي مخرجتش..." صوت همس أبحّ اتردّد في الصالة، الصوت مكنش طالع من شخص واحد، كان زي ما يكون خليط بين صوت الراجل القاتل وصوت البنت اللي اتقتلت! المواجهة والسر الخفي في لحظة يأس، لمحت فازة تقيلة على الترابيزة جنب الباب. مسكتها بأيدي اللي بتتعدل ورصيتها في الهوا في الوقت اللي الشبح هجم فيه عليا! الفازة اتقطعت حتت لما خبطت فيه، ووقع على الأرض. بس بدل ما ينزف دم، كان بيطلع منه دخان أسود وريحته كريهة جداً. استغليت ثانية الذهول دي، وزقيت الباب بكتفي بكل قوتي لحد ما الاتصال اتفك والباب اتفتح! جريت في الشارع تحت المطر وأنا بنهج ومش شايف قدامي، لحد ما وصلت للمطعم اللي أهلي قاعدين فيه. لما دخلت عليهم، كانت هدومي مقطعة وشكلي مرعوب، وأول ما ماما شافتني صرخت وقالت: "حسن! إيه اللي حصلك؟ وإيه العلامات الزرقاء اللي على رقبتك دي؟!" النهاية غير المتوقعة أخيراً صدقوني لما شافوا الآثار على رقبتي وشكلي المنهار. بابا قفز من مكانه وطلب الشرطة فوراً، وروحنا كلنا مع القوة على الشاليه. لما الشرطة دخلت وفتشت المكان: المفاجأة الأولى: اللاب توب بتاعي كان مكسور نصين على الأرض، بس الشاشة كانت لسه شغالة على صفحة البحث. المفاجأة الثانية: الضابط فتح أرضية الغرفة اللي كانت البنت بتسرح فيها شعرها، ولقوا مخبأ سري تحتيها... وفيه بقايا جثة وملابس ملطخة بالدماء! صاحب الشاليه اتقبض عليه واعترف إنه كان بيأجر الشاليه وهو عارف إن روح الضحية والقاتل محبوسين جواه، وكان بياخد فلوس من منتجين بيبحثوا عن أماكن مسكونة حقيقية! رجعت أنا وأهلي بيتنا في نفس الليلة، وسبنا المصيف كله... بس لحد النهاردة، كل ما أقف قدام المراية عشان أسرح شعري، بفتكر عيونها السوداء، وأسمع صوت الهمس اللي قال لي: "مش هتخرج من هنا..."
1 404
11
14 أكتوبر (الليلة): الدورة الثالثة تكتمل. إذا كان هذا النمط صحيحاً... فإن الشخص التالي المطلوب لإكمال العدد ليس من سكان القرية. الشخص التالي هو أنا. ملاحظة توثيقية من مصلحة التحقيقات: هذا كان آخر التقرير المكتوب بخط يد المحقق يوسف العشاري. في صباح 14 أكتوبر، وُجدت سيارته في مكانها، وعُثر على هذا دفتر المذكرات وجهاز التسجيل على المقعد المجاور للمقود. لم يُعثر على يوسف العشاري حتى لحظة إغلاق هذا الملف.
1 229
12
الملف رقم: 84-ب/تحقيق الموضوع: متابعة واستكمال الأدلة الميدانية (مشروع "الربوة") 13 أكتوبر / 03:40 عصراً — مذكرات يوسف العشاري أمضيت أكثر من ثلاث ساعات في محاولة ترميم الشريط المغناطيسي المنزوع من جهاز "سالم". كانت الأجزاء التالفة كثيرة، لكن المقطع الأخير البالغ طوله دقيقتين و18 ثانية كان واضحاً بشكل مرعب. التسجيل يعود لتاريخ 8 أكتوبر — الساعة 03:12 فجراً (أي ليلة اختفاء الفريق بالكامل). [تفريغ مقطع الشريط رقم: 04-B] (صوت تشويش مغناطيسي كثيف، يعقبه صوت أنفاس خائفة وسريعة) سالم (صوت همس مرتجف): "المكالمة لم تتصل... الشبكة مقطوعة منذ البارحة. طارق لم يعد من عند السدرة. خرج ليتحقق من السلك الأراضي ولم يرجع... عمر (السائق) أغلق على نفسه داخل السيارة ويصرخ أنه يراهم من المرآة الجانبية." (صوت احتكاك الخشب، كأن سالم يجلس ومقرفص في خزانة أو زاوية ضيقة) سالم: "إذا عثر أحد على هذا الشريط... لا تأتوا إلى هنا في الليل. الأشياء التي هنا لا تهجم، لا تركض... هي فقط تقترب عندما تغمض عينيك. ينقرون على الخشب ثلاث نقرات... ثم ينزلون من الجبل." (صوت ثلاث نقرات جافة على جدار الغرفة التي يسجل فيها سالم... صمت لمدة 4 ثوانٍ... ثم ثلاث نقرات أخرى لكنها أقرب هذه المرة، كأنها من داخل السقف) سالم (يبكي بصوت مكتوم): "عمر فتح باب السيارة... أسمع صوت أبواب السيارة تفتح... يارب..." (انقطاع مفاجئ في الصوت، يليه صوت تردد منخفض جداً يدوم لـ 10 ثوانٍ قبل أن ينتهي الشريط) 14 أكتوبر / 01:00 صباحاً — مذكرات يوسف العشاري الهدوء في قرية "المرقاب" ليس هدوءاً طبيعياً. الساعة الآن الواحدة صباحاً، وأنا أكتب هذه السطور من داخل سيارتي الموقوفة على التل المطل على بيت الفريق المهجور. منذ ساعتين، لاحظت شيئاً لم يستوعبه عقلي فوراً: كل البيوت الحجرية في القرية تُطفئ أنوارها تماماً عند غروب الشمس. لا تجد ضوءاً واحداً، ولا تشاهد أحداً يتحرك في الأزقة بعد السابعة مساءً. وعندما سألت صاحب البقالة الوحيدة صباح اليوم عن سبب ذلك، نظر إليّ بنظرة فارغة وقال جملة واحدة قبل أن يغلق دكانه: "الليل هنا ليس لنا، الليل للذين تحت الأرض." الآن... وأنا أنظر من نافذة السيارة نحو بيت الفريق عبر المنظار المكبر: هناك ضوء أصفر خافت يشتعل داخل الغرفة الخلفية. البيت مغلق بالشرط الأحمر التابع للشرطة منذ يوم أمس. لا يفترض أن يكون هناك أحد. 14 أكتوبر / 01:45 صباحاً — تفريغ تسجيل صوتي (الميكروفون المحمول للمحقق) (صوت خطوات يوسف الحذرة على الحصى والتراب... صوت الرياح يعزف بين الحجارة البركانية) يوسف: "تسجيل رقم 2. أنا أقترب الآن من البيت المهجور. الضوء الأصفر ما زال يظهر من النافذة الصغيرة للغرفة الخلفية. لا توجد أي سيارة جديدة في المكان. سيارات الفريق الثلاث ما زالت كما هي... مغطاة بطبقة خفيفة من غبار الليل." (صوت فتح البوابة الخشبية للبيت... صرير خفيف) يوسف: "الرائحة في الداخل تغيرت. البارحة كانت الرائحة غباراً وقشاً جافاً... الآن هناك رائحة تراب رطب، كأن أحداً حفر أرضية البيت للتو وترسّب الماء فيها." (خطوات يوسف تتجه نحو الغرفة الخلفية... الضوء الأصفر يسطع بشكل أوضح) يوسف (بهسيس): "الضوء ليس من مصباح أو كشاف... إنه كشاف الجيوفيزياء الخاص بسالم. المصباح موضوع على الأرض وموجه نحو الجدار." (صوت احتكاك أوراق... يوسف يقترب من الجدار) يوسف: "على الجدار... هناك كتابات بالطبشور الأسود. خط يد غير مستقر، كأن من كتبه كان يرتجف بشدة. الكتابة تكرر جملة واحدة على طول الجدار: 'العدد أربعة... ليسوا ثلاثة... نحن أربعة الآن.' وتحت الجملة... هناك ثلاث بطاقات هوية مصفوفة بعناية على الأرض: بطاقة طارق، وبطاقة سالم، وبطاقة عمر." (صوت نقر منتظم ينبعث من السقف الخشبي فوق رأس يوسف مباشرة... ثلاث نقرات متتالية) (يتوقف يوسف عن التنفس لمدة 5 ثوانٍ) يوسف (بصوت مرتجف لأول مرة): "الصوت... الصوت يأتي من العلية فوقي..." (صوت خطوات ثقيلة ومبطنة تبدأ بالتحرك في العلية الخشبية فوقه، تتجه مباشرة نحو الفتحة المؤدية للأسفل) 14 أكتوبر / 04:00 فجراً — تقرير التفتيش الميداني (مكتوب بخط يد يوسف) عدت إلى سيارتي. لم أستطع البقاء هناك دقيقة واحدة أخرى. عندما وجهت كشافي نحو فتحة العلية، لم أرَ أحداً... ولكن رأيت شيئاً أكثر إثارة للرعب. كانت هناك أثر أقدام مغطاة بالتراب الأسود تتدلى من فتحة السقف، وكأن شخصاً كان يجلس على حافة الفتحة وساقاه تتدليان في الهواء، يراقبني طوال الوقت وأنا أقرأ الجدار. الأحداث لم تعد مجرد قضايا اختفاء جنائي. هناك نمط تكراري يحدث كل ثلاث ليالٍ: 5 أكتوبر: اختفاء طارق. 8 أكتوبر: اختفاء سالم وعمر. 11 أكتوبر: انقطاع أثر أي محاولة تواصل.
1 156
13
وجدت جهاز تسجيل صوتي صغير (Dictaphone) يعود للفني "سالم" ملقى بين الأوراق الجافة. الشريط الداخلي للجهاز كان ملفوفاً ومحشوراً يدويًا، كأن أحداً حاول إتلافه بسرعة. قمت بسحب الشريط وتجميعه في المختبر الميداني البسيط. ما وجدته في الساعات الأخيرة قبل اختفاء المجموعة كاملة يغير مسار التحقيق بالكامل... (يتبع في الفصل الثاني...)
814
14
الملف رقم: 84-ب/تحقيق الموضوع: الاختفاء غير المفسر لأعضاء فريق المسح السطحي (مشروع "الربوة") [مقدمة توثيقية] تنويه مصلحة التحقيقات: تم تجميع المواد التالية من مذكرات المحقق وسجلات التفريغ الصوتي الخاصة بالمحقق الميداني يوسف العشاري، والتي عُثر عليها داخل سيارته المتروكة على حافة الخط الممتد بين قرية "المرقاب" والمشروع الإنشائي المهجور. المحتويات تُنشر كما هي دون أي تعديل لفظي. 12 أكتوبر / 09:15 صباحاً — مذكرات يوسف العشاري أنا لا أؤمن بالصدف، ولا أؤمن بالهلع الجماعي. عندما يتصل بك قسم الشرطة في بلدة نائية ليخبرك أن ثلاثة مهندسين مساحة يختفون واحداً تلو الآخر خلال ستة أيام فقط، فإن التفسير المنطقي الوحيد هو: هناك جريمة، وهناك فاعل منظم. القصة بدأت مع فريق مسح تضاريسي مبعوث لتقييم أرض مخصصة لمشروع زراعي قديم تم إغلاقه في الثمانينيات. القرية المجاورة تُدعى "المرقاب" — قرية جبلية صغيرة، بيوتها الحجرية القديمة تبدو وكأنها نبتت من الصخر نفسه. السكان هناك صامتون، يراقبون الغرباء بنظرات ثقيلة لا تفصح عن شيء. المختفون هم: طارق عمران (34 عاماً): مهندس مساحة، عمل في الساحل لسنوات. رجل عملي وجاد. سالم عبد الجبار (29 عاماً): فني أجهزة ومختص بالتسجيلات الجيوفيزيائية. عمر ناصر (41 عاماً): سائق الفريق والدليل المحلي. الشيء الغريب الأول: لم تكن هناك أي آثار لعنف. السيارات الثلاث الخاصة بالفريق كانت مصفوفة بدقة أمام المقر المؤقت (بيت حجري قديم استأجروه على أطراف القرية). أبواب البيت كانت مفتوحة، المفاتيح على الطاولة، وأجهزة الكمبيوتر المحمولة كانت تشتعل في وضع الاستعداد حتى فرغت بطارياتها. 12 أكتوبر / 04:30 مساءً — تفريغ تسجيل صوتي (الميكروفون المحمول للمحقق) (صوت هبوب رياح قوية، يعقبه صوت خطوات يوسف على أرضية خشبية تتأكل) يوسف: "تسجيل رقم 1. أنا الآن داخل البيت القديم. المكان بارد بشكل غير طبيعي مقارنة بالطقس في الخارج. الغبار يغطي كل شيء، لكن هناك شيء ملفت... لا توجد آثار أقدام مضطربة. كل شيء يبدو هادئاً. طاولة العمل الرئيسية تحتوي على خرائط تضاريسية للمنطقة. هناك دائرة باللون الأحمر مرسومة على المنطقة الشمالية الشرقية — المقبرة القديمة المهجورة منذ نصف قرن. وجدت هاتف 'سالم' على الرف. الهاتف مغلق، لكن البطارية منزوعة وموضوعة بجانبه. لماذا ينزع شخص بطارية هاتفه ويتركها على الرف قبل أن يختفي؟" (صوت صرير باب يفتح ببطء شديد... يتوقف يوسف عن الكلام لمده 8 ثوانٍ) يوسف (بهسيس): "هناك أحد في الكوريدور..." (صوت خطوات منتظمة جداً، ليست سريعة وليست بطيئة. تتوقف الخطوات تماماً خلف باب الغرفة) يوسف: "من هناك؟" (صمت تام لمدة 10 ثوانٍ... ثم صوت فتح وإغلاق بوابات معدنية بعيدة، رغم أن البيت لا يحتوي على أي بوابات معدنية) 13 أكتوبر / 02:15 فجراً — مذكرات يوسف العشاري لم أستطع النوم في الفندق القريب. عدت لفحص وحدة التخزين الخارجية (Hard Drive) التي وجدتها في حاسوب المهندس طارق. كانت تحتوي على ملفات تفريغ للميكروفونات الميدانية التي يستخدمونها لتسجيل الترددات الصوتية للتربة. استمعت للملفات باستخدام سماعات الرأس. في التسجيل المورّخ بـ 5 أكتوبر (قبل اختفاء طارق بيوم واحد)، كان طارق وسالم يتحدثان بشعبية طبيعية عن حالة الطقس وعن وجبة العشاء. لكن خلف أصواتهما، وعلى مسافة ترددية منخفضة جداً لا تلاحظها الأذن العادية إلا بالتركيز... كان هناك صوت. ليس صوتاً بشرياً، وليس صوت حيوان. كان يشبه صوت نقر منتظم، كأن أحداً يطرق بقلم على طاولة خشبية ثلاث طرقات متتالية... ثم يصمت لمدة أربع ثوانٍ... ثم يكرر الطرقات الثلاث. الغريب ليس الصوت، بل ما حدث في التسجيل بعد ذلك: عند الدقيقة 14:20، يتوقف طارق عن الكلام فجأة وسط جملته. سالم يسأله: "طارق؟ مالك؟" طارق لا يجيب. يمر دقيقة كاملة من الصمت. كل ما يُسمع هو صوت تنفس طارق الذي بدأ يصبح متسارعاً ومكتوماً، كأنه يحاول ألا يتنفس. ثم يهمس طارق بصوت خائر تماماً، صوت شخص مرعوب حتى النخاع: "سالم... لا تلتفت. صاحب الثوب الأبيض واقف ورائك عند السدرة... إنه لا يملك وجهاً، لكنه ينظر إلينا." سالم يضحك بجهالة في التسجيل ويقول: "أي ثوب أبيض؟ لا يوجد أحد..." ثم ينقطع التسجيل تماماً. 13 أكتوبر / 11:00 صباحاً — تقرير معاينة الموقع قمت بالذهاب إلى موقع "شجرة السدرة" المشار إليها في التسجيل، والتي تقع على بعد 200 متر من المقبرة القديمة. المعاينة الميدانية أظهرت ما يلي: الأرض حول الشجرة جافة تماماً، لكن هناك انخفاضاً بيضاوياً في التربة بجانب الجذع، كأن شيئاً ثقيلاً كان يقف هناك لفترة طويلة جداً.
935
15
انتظرونا في الجزء الثاني
1 034
16
لامست أصابعه ورقة كرتونية صغيرة مجعدة. سحبها ببطء دون أن يلاحظ صلاح. أمالها تحت ضوء الفلوريسنت. كانت صورة فوتوغرافية قديمة بالأبيض والأسود... تظهره هو، يقف في ممر البدروم الإسمنتي، وهو يمسك بأداة القطع وينظر بطرف عينه نحو الكاميرا بملامح ميتة. وفي ظهر الصورة، كان مكتوباً بخط يدوية أحمر داكن طري لم يجف بعد: "تم حفظ التسجيل. القناة مفتوحة دائماً." وفجأة، ومن داخل سماعة هاتفه المحمول الملقى في جيبه الآخر، انبعث صفيرٌ خافت جداً، ثم صوت قطرة ماء تسقط في الفراغ: تك.
1 213
17
الفصل السادس: قطع الدائرة رفض عقله الاستسلام لهذا الشلل الأثيري. إن كانت هذه المتاهة تُبنى على الترددات وعلى الإشارات الكهربائية والمجالات المغناطيسية التي تلاعبت بالزمن والمكان، فمعنى ذلك أن لها مصدراً مادياً—والمادة يمكن كسرها، أو تفكيكها، أو قطع تيارها. صرخ خالد بصوت هدر في أرجاء الممر الإسمنتي المهجور: "هذا لا يحدث! هذه مجرد موجات مستحثة!" لم ينتظر رد الشخص الواقف أعلى الدرج. صبّ كل تركيزه في الشيء الوحيد الذي يتقنه تماماً: الهندسة الكهربائية. سحب خالد من حزامه أداة القطع والتعرية الحادة (Wire Cutters) ومفك الفحص المعزول. لم يتجه نحو "النسخة" القابعة أعلى الدرج، بل استدار بلمح البصر نحو لوحة التوزيع الكهربائية الرئيسية القديمة المثبتة على الجدار الإسمنتي للطابق الأرضي. كانت اللوحة مغطاة بطبقة صلبة من الصدأ ومزودة بقاطع طوارئ نحاسي ضخم يعود إلى أربعينيات القرن الماضي. إن كان المكان "يسجل الأثر" ويعيد بثه عبر تردد 142.8 ميجاهرتز، فإن هناك طاقة كهرومغناطيسية تتغذى عليها هذه الظاهرة. تقدمت "النسخة" نزولاً من على الدرج بخطوات منتظمة وميكانيكية. كان صوت وقع حذائها يتردد متطابقاً مع نبضات قلب خالد، وكأنهما شريكان في هرتز واحد: "لا يمكنك قطع التيار يا خالد... أنت التيار." "لنجرب إذن!" زعق خالد. هوى بجانب المفك الحديدي على قفل اللوحة المتهالك، فكسره بضربة واحدة حاسمة. انفتح الصندوق الحديدي ليظهر أحشاء اللوحة: كابلات ضخمة مكسوة بالمطاط الأسود المتآكل، وموصلات نحاسية ينبعث منها وميض أزرق خافت، وزنيناً أشبه بزنين خلية نحل غاضبة. استقر جهاز فحص الترددات في جيبه على أقصى قراءة ممتازة، وصوت الصفير يزداد حدة ليصبح صفيراً صفيرياً يثقب الأذنين. رفع خالد أداة القطع المعزولة مقبضها بالشرائط المطاطية، ووجه رأسها الفولاذي مباشرة نحو الكابل الرئيسي المبتدئ من الأرض والمغذي للمبنى بأكمله—الكابل الذي ينبض بالتردد الغريب. "إذا قَطعتَ السلك، ستظل هنا للأبد،" جاء الصوت هذه المرة ليس من النسخة، بل من الممر بأكمله، من الأنابيب، ومن الجدران، ومن أسفل قدميه. أغمض خالد عينيه. تخيل الدائرة المغلقة التي يدور فيها منذ ساعات: إنذار، للبدروم، سجل، هاتف، سلم، طابق ثانٍ. لكي تخرج من الدائرة الحتمية، يجب أن تتلف الموصل! بكل ما أوتي من قوة في زفيره الأخير، أطبق خالد أداة القطع على الأسلاك السميكة. صدمة! انفجرت شرارة كهربائية عملاقة باللون الأبيض الناصع، أضاءت الممر بأكمله لكسر من الثانية كأنها الصاعقة. شعَر خالد بموجة حرارة حارقة تضرب وجهه، وبصدمة ارتجاجية دفعته للخلف ليرتطم بالجدار وتلتف الظلمة التامة حول حواسه. استعاد خالد وعيه ببطء. كان هناك طنين حاد يصفر في أذنه اليمنى. فتح عينيه ليجد نفسه مستلقياً على الأرضية الرخامية الناعمة... وليس الإسمنت الخشن. كانت أضواء الفلوريسنت البيضاء تومض في السقف بهدوء شديد. رائحة المعقمات العادية والمطهرات الحديثة تمشر المكان. رفع رأسه؛ كانت الساعة المعلقة على الجدار الرخامي تُشير إلى 12:44 منتصف الليل. مرت دقيقة واحدة فقط؟ جثا على ركبتيه بتثاقل، كاشفاً عن يديه؛ كانت أداة القطع في يده، ورأسها الفولاذي متفحم تماماً ومصهر. أمامه كانت لوحة التوزيع الحديثة مغلقة وسليمة، دون أي أثر للحريق أو الصدأ. "خالد؟ هل أنت بخير يا بني؟" جاء الصوت من نهاية الممر. كان عم صلاح يمش بخطوات عادية، يحمل ترمس الشاي الدافئ في يده، وعلى وجهه نظرة استغراب عفوية وهو يراه ممدداً على الأرض. "عم... عم صلاح؟" جف حلق خالد، وصوته يخرج مبحوحاً. "ماذا حدث؟ الغرفة 204؟ البدروم؟ السجلات؟" توقف صلاح ونظر إليه بدهشة، ثم ابتسم ابتسامة باهتة: "أي بدروم يا خالد؟ أنت صعدت قبل دقيقة واحدة لتفقد المحول الصغير بجوار السلم، ثم سمعت صوت فرقعة كهربائية وركضت نحوك. يبدو أن الإرهاق أخذ منك مأخذه يا بني... لم تنم منذ أربع وعشرين ساعة." نظر خالد إلى يديه، ثم إلى جهازه اللاسلكي الملقى على الأرض بجانبه. كانت الشاشة تعمل بشكل طبيعي، وتُظهر القراءة: 00.00 ميجاهرتز (لا يوجد أي تداخل). تنفس خالد الصعداء، وشعر بموجة ارتياح غارمة تجتاح جسده. مسح العرق عن جبهته وأومأ براسه لصلاح: "ربما معك حق... الإجهاد يجعل العقل يتخيل أشياء عجيبة." وقف خالد واستعاد توازنه، ثم وضع أداة القطع المتفحمة في حزامه، وأخرج هاتفه المحمول. كان التاريخ يُشير إلى اليوم الحالي، والشبكة تعمل بكامل طاقتها. وابتسم لنفسه وهو يتحرك مع صلاح نحو غرفة الحراسة ليحتسي الشاي. ولكن... بينما كان يسير خلف صلاح، وضع خالد يده في جيب سترة الصيانة العميقة التي لم يفتحها منذ بداية الليلة.
962
18
الفصل الخامس: العدّ التنازلي للممر انفجر الرعب داخل صدر خالد كشحنة كهربائية عالية الفولت. لم يعد هناك مجال للتفكير، ولا متسع للتحقق من العقل أو الوهم؛ كان جهازه العصبي بالكامل يصرخ بكلمة واحدة: اهرب. مدّ يده في الظلام الدامس واصطدم بحافة الطاولة الخشبية، متلمساً طريقه بيمناه حتى أمسك بذراع عم صلاح. "امسك بي ولا تتركني!" هَسّ خالد بنبرة شبه ميتة من شدة الذعر. لكن ذراع صلاح لم تتحرك. عندما جذبه خالد بقوة، لم يكن الحارس ليخطو معه، بل استقر في مكانه كثمثال حجري قديم. "لا فائدة من الصعود يا خالد..." جاء صوت صلاح من بين ظلال الأرشيف، بطيئاً وثقيلاً وكأنه يخرج من بئر عميقة، "أنت لست صاعداً للهروب... أنت تصعد لتبدأ من جديد." ترك خالد ذراع الحارس، ولم يعد لديه متسع لسؤاله. اندفع نحو الباب المفقود في العتمة، اصطدم كتفه بإطار الباب بخشونة أحدثت ألماً حارقاً في ترقوته، لكنه واصل الدفع بيديه الاثنتين حتى انفتح الباب على ممر البدروم المظلم. خرج راكضاً. كان شعاع الكشاف قد انطفأ نهائياً، لكن أضواء الإنذار الحمراء التي عاودت الوميض ببطء في السقف كانت تلقي خطوطاً دموية متقطعة على جدران البدروم الخرسانية. ركض نحو السلم الأسمنتتي، وكانت خطواته تتعثر في الطين الرطب المتجمع على الأرض. تك... تك... تك... لم تكن قطرات ماء هذه المرة. كانت أصوات خطوات أخرى ترتد من الجدران وراءه، تتطابق مع نبضات قلبه المتسارعة، وتكاد تلامس كعب حذائه. وثب خالد على درجات السلم، ثلاث درجات دفعة واحدة، يلهث بشدة وكأن رئتاه تحترقان. عندما وصل إلى نهاية السلم، دفع الباب المصفح بقدمه بكل ما أوتي من قوة، فانفتح محدثاً صريراً مدوياً. وجد نفسه في الطابق الأرضي. لكن المكان لم يكن كما تركّه قبل قليل. زوايا الطابق الأرضي كانت مغطاة بطبقات سميكة من الغبار المتراكم الذي يعود لعقود، والمكاتب الجلدية أمام الاستقبال كانت ممزقة ومحشوة بالقش والأوراق المتفحمة. أين عم صلاح؟ وأين شاشات المراقبة الحديثة؟ بدلاً منها، كانت هناك جدران إسمنتية صماء، وفي المنتصف، كانت ممرّات الطابق الثاني تتدلى منها أسلاك سوداء عارية تلمع ببطء تحت الوميض الأحمر. أخرج هاتفه المحمول بسرعة من جيبه، رغم علمه المسبق بانقطاع الشبكة، باحثاً عن أي بصيص ضوء للشاشة. ضغط على زر الطاقة؛ اشتعلت الشاشة لتعرض بوضوح مرعب: التاريخ: 31 يوليو 1988. الساعة: 12:43 منتصف الليل. البطارية: 142.8% (رقم لم يكن منطقياً ولا تقنياً ممكناً). وفي اللحظة ذاتها، بدأ الهاتف في يده يصدر صفيراً عالياً، وانبعث من مكبر الصوت الصغير صوت تشويش راديو حاد، ثم تلوّن الصوت بصوت امرأة تتحدث من داخل الجهاز مباشرة وبجوار أذنه: "...التردد ثابت... تم تسجيل الأثر بنجاح." رفع خالد رأسه ببطء نحو سقف الممر الأرضي. هناك، عند تقاطع السلم المؤدي إلى الطابق الثاني المغلق، كان هناك شخص يقف بانتظاره في الظلام، يحمل حقيبة أدوات ويسلط كشافاً يدوياً ضعيفاً ومصفراً على وجه خالد المرتجف. نادى الرجل بصوت يشبه صدى صوت خالد نفسه: "أهلاً بك... لقد تأخرت في الصعود."
652
19
الفصل الرابع: الانعكاس المتأخر تجمّد الهواء في الغرفة. كان مقبض الباب النحاسي يدور ببطء شديد، ملمساً صريراً معدنياً حاداً يقطع الصمت الثقيل. سحب خالد خطوة إلى الخلف، دافعاً عم صلاح بيدٍ ترتجف ليجعله خلفه. قبضت يده الأخرى على مفك البراغي الطويل داخل حقيبة أدواته، بينما ثبت كشافه اليدوي على الفتحة الآخذة في الاتساع. انفتح الباب. لم ينقضّ كائن من الظلام، ولم تكن هناك ظلال هلامية. على العتبة، تحت الضوء الباهت للكشاف، كان يقف رجلٌ يرتدي سترة صيانة كحلية اللون، يحمل على كتفه حقيبة أدوات جلدية متآكلة الأطراف، وفي يده الأخرى جهاز فحص الترددات اللاسلكية ذاته. كان الرجل هو خالد. نفس الوجه المقنع بالإرهاق، نفس الهالات السوداء تحت العينين، ونفس جرح الشفرة الصغير المنكمش على جانبه الأيسر من الذقن. لكن خالد الواقف عند الباب لم يكن ينظر إلى خالد الواقف في الداخل؛ كانت عيناه محدقتين في الهواء على بعد سنتيمترات من وجهه، وتنفسه بطيئاً ومعزولاً، وكأنه يتحرك داخل شريط فيديو يُعرض ببطء. "مـ... من أنت؟" خرجت الكلمة من حنجرة خالد في الداخل جافة ومبتورة. لم يستجب خالد الواقف على الباب. تقدم خطوة واحدة إلى داخل الغرفة. مرّ بجانب خالد الأصلي عن قرب لدرجة أن هذا الأخير استطاع أن يشم رائحة سترة الصيانة: رائحة الغبار، العرق، وزيت المحركات القديم. كان القادِم يفيض برائحة واقعية تماماً، لا سراب فيها ولا خيال. تحرك "النسخة" ونزل على ركبتيه في المكان نفسه الذي سقط فيه الصندوق الكرتوني قبل دقائق. بدأ يجمع الصور الفوتوغرافية والأوراق بآلية مطابقة تماماً لما فعله خالد قبل قليل، دون أن يعترف بوجود خالد الحقيقي أو عم صلاح. "خالد..." جاء صوت عم صلاح من الخلف، خافتاً، ومصحوباً ببحّة غريبة. التفت خالد بحدة إلى الحارس. كان صلاح ما زال واقفاُ في الزاوية، لكنه لم يكن ينظر إلى الشخص الغريب عند الأرض، بل كان ينظر إلى ساعة الحائط القديمة المعلقة فوق طاولة الأرشيف. كانت العقارب في الساعة يدوران للخلف. ليست بسرعة، بل بتكتكة منتظمة ومستقرة: 12:43... 12:42... 12:41. "هذا ليس شخصاً آخر يا بني،" قال صلاح ونبرته خالية تماماً من الفزع، بل مليئة بحزن ثقيل ومستسلم. "هذا أنت... قبل خمس دقائق." "ماذا تقول يا عم صلاح؟ أنا أقف هنا! أنا ألمسك الآن!" سحب خالد ذراع الحارس بقوة، لكن ذراع صلاح كانت قاسية وجافة كغصن شجرة ميت. "المبنى لا يحتفظ بالأشياء..." واصل صلاح كلامه وهو ينظر إلى النسخة التي كانت تضع شريط الكاسيت الآن في الجهاز، "المبنى يكرر التسجيل عندما يرتفع التردد. أنت لم تنزل إلى البدروم لأن الإنذار عمل... الإنذار عمل لأنك نزلت إلى البدروم." في تلك اللحظة، أصدر جهاز التشغيل على الطاولة الصوت نفسه الذي سمعه خالد قبل قليل: "...اليوم هو الحادي والثلاثون من يوليو... التردد ما زال يرتفع..." شعر خالد بدوار حاد، وكأن الأرضية الأسمنتية تميل تحت قدميه. انقبضت معدته. نظر إلى النسخة التي تسقط الشريط من يدها في التسجيل المتكرر، ورأى نفسه تراجع للخلف وتصطدم بالرف. تكررت الحركة بالكامل أمام عينيه. وفجأة، توقفت النسخة عن الحركة في منتصف خطوتها. توقف كل شيء. التكتكة العكسية للساعة انقطعت. الصوت الصادر من الشريط استحال إلى صفير ثابت، وتسمرت النسخة في مكانها، ثم—وببطء شديد لم يحدث في المرة الأولى—التفتت النسخة برأسها فقط نحو خالد الحقيقي. لم تكن العينان فارغتين هذه المرة. كانت العينان تشعان برعب مطلق، وشفاة النسخة تحركت بصوت خالد نفسه، ولكن بنبرة همسٍ حادة صدرت مباشرة من خلف أذن خالد الحقيقي: "التردد 142.8 ليس قناة استلام... إنه قناة بث." انطفأ الكشاف اليدوي مجدداً. وفي الظلام التام، سمع خالد صوت سحاب حقيبة أدواته يُفتح ببطء من المكان الذي يقف فيه هو، وليس من مكان النسخة.
1 359
20
الفصل الثالث: أوراق لا تجف في الظلام الدامس الذي تلى انغلاق الباب وانطفاء الكشاف، لم يبقَ سوى صوت أنفاس خالد المترددة وزفير عم صلاح البطيء، إلى جانب صرير خفيف ومستمر يصدر من زوايا الغرفة—كأثر احتكاك معدن قديم بمعدن آخر. جثا خالد على ركبتيه بسرعة، يدُه ترتجف وهو يضرب جانب الكشاف اليدوي بكفّه. بعد ضربتين، ومض الضوء الأصفر الضعيف مرة، ثم استقر على شعاعٍ خافت يكفي لرؤية ما حوله فقط. كُتب على جانب الصندوق الكرتوني الذي سقط من الرف الأعلى خطٌّ باهت باللون الأحمر: "حالات خاصة - قسم العزل (1988)". كانت المحتويات المتناثرة على الأرض الأسمنتية عبارة عن ملفات ورقية متآكلة الأطراف، وشريط كاسيت قديم ذي شريط مغناطيسي ممتدّ قليلاً، إضافة إلى عدة صور فوتوغرافية بالأبيض والأسود. ألتقط خالد إحدى الصور. كانت تُظهر الممر نفسه الذي يقفون فيه الآن، لكن الأرضية لم تكن أسمنتية، بل كانت مكسوة بالبلاط، وفي منتصف الممر كان يقف رجلٌ يرتدي معطفاً أبيض، وجهه ممسوحٌ تماماً بفعل رطوبة الزمن أو بسبب مسحٍ متعمد للطبقة الكيميائية على الورقة. لكن ما أثارت رُعبه حقاً لم تكن الصورة، بل الدفتر المفتوح على الطاولة الخشبية. اقترب خالد مجدداً من الطاولة، وهو يشعر ببرودة غريبة تنبعث من الخشب نفسه. تسلقت نظراته الصفحة المفتوحة. في خانة الاسم: "سارة عبد الرحمن" (اسم والدته). في خانة سبب الدخول: "اضطراب في الإدراك الزمني وسماع ترددات منخفضة." أما خانة "الملاحظات الإدارية"، فكانت مكتوبة بخط يدوية أحمر داكن يبدو حديثاً مقارنة بحبر الورقة المصفرة: "الشبكة لا تسجل الأشخاص... الشبكة تُسجل الأثر." "كيف... كيف يعقل هذا؟" همس خالد بصوت متهدج وهو يحمل الدفتر. والدته لم تطأ قدمها هذه المدينة قط، وتوفيت في مستشفى حكومي يبعد مئات الكيلومترات عن هنا. التفت خالد إلى عم صلاح الذي كان يقف بجانب الباب المغلق، لا يتحرك، عيناه متثبتتان على السقف خالي التعبير. "عم صلاح! أنظر إلى هذا... من كتب اسم أمي هنا؟ هل هذه دعابة؟ هل يحاول أحد تشتيتي؟" لم يردّ صلاح بكلمة، بل رفَعه يده ببطء وأشار بإبهامه نحو شريط الكاسيت الملقى بين الورق المتناثر على الأرض. نزل خالد وحمل الشريط. كان المكبس القديم الخاص بتسجيلات الأرشيف يعلوه الغبار على رف جانبي، موصولاً بسلك كهربائي يمر إلى مقبس حائطي قديم. وضع خالد الشريط داخل الجهاز بآلية شبه تلقائية، واضغط على زر التشغيل (PLAY). أصدر الجهاز صوت احتكاك ميكانيكي حادّ، ثم انطلق تشويشٌ أبيض، تلاه صوتٌ نسائي مضطرب، قادم من بؤرة سحيقة عبر السنين. "اليوم هو الحادي والثلاثون من يوليو... التردد ما زال يرتفع. الطابق الثاني ليس فارغاً كما يظنون. الصوت لا يأتي من أجهزة الراديو، الصوت يأتي من داخل الأنابيب. إذا سمعت اسمك... لا تُجب. إنهم يحاولون قياس التردد الراجع..." توقف الصوت، وحلّ محله صوت صفيرٍ مألوف جداً لـ خالد. إنه صوت جهاز فحص الترددات الخاص به... لكن التسجيل يعود لعشرات السنين. وفجأة، وفي منتصف التسجيل، صدر من سماعة المكبس الصغيرة صوتُ خطوات تسرع في ممر خرساني، ثم صوت أنفاس خالد نفسه وهو يلهث، يعقبه صوت قطرة الماء: تك. أسقط خالد الشريط من يده، فتوقف المسجل فوراً. في هذه اللحظة، شعر بضغطٍ شديد في أذنيه، يشبه الضغط الذي يحدث عند هبوط طائرة بسرعة فائقة. الأضواء الحمراء الضعيفة التي كانت تتسرب من أسفل الباب المغلق انطفأت كلياً. ومن خلف الباب المغلق للأرشيف—في الممر المظلم للبدروم—سمعا صوت خطوات ثقيلة ومترددة تتقدم نحو الغرفة. لم تكن خطوات كائن غريب، بل كانت خطوة حذاء عمل ثقيل... تطابق تماماً نعل الحذاء الذي يرتديه خالد نفسه. توقف الصوت تماماً أمام الباب. ثم، وببطء شديد، بدأ مقبض الباب النحاسي يدور إلى الأسفل.
764