fa
Feedback
الدعوة السلفية بالديس الشرقية

الدعوة السلفية بالديس الشرقية

رفتن به کانال در Telegram

كل مايتعلّق بالدعوة السلفية في مدينة الديس الشرقية بمحافظة حضرموت ...

نمایش بیشتر
1 570
مشترکین
-324 ساعت
اطلاعاتی وجود ندارد7 روز
+630 روز
آرشیو پست ها
اخي ابو عبد الرحيم لعلك لاحظت أننا قلنا في *المحطة الثالثة عشر: رأس محل مسك الختام قبل الختام* فليست هذه ختام الرحلة بل ننوه في خاتمة أخرى لها... والئك أخيّ العزيز: المحطة الرابعة عشر: الكرم الحضرمي.. فيض الروح وسماحة الطباع في رحلتنا العلمية الدعوية إلى وادي حضرموت، لم يكن الكرم مجرد ضيافة عابرة أو وجبات تُقدَّم للجسد، بل كان فيضاً متدفقاً يجمع بين سماحة الطباع الحضرمية الأصيلة ورفعة الروح السلفية النقية. كان كرماً يتجلى في كل محطة، لا ينفصل عن سياق الرحلة السلفية الجميلة، بل ينسج معها نسيجاً واحداً، فكأنما أصبح جزءاً لا يتجزأ من دروس العلم والموعظة والأخوة التي عشناها. منذ الصباح الأول في *مسجد الإمام الوادعي رحمه الله بالديس الشرقية*، حيث استقبلتنا العصيدة الباعيسية الدافئة والقهوة العتيقة التي تسري في العروق حياةً وذكرى، انطلقنا لنشهد في *رسب* أولى تباشير الحفاوة بغداء مباركٍ وضع ميزان الجود لبقية الرحلة. وفي *ساه* تجلّى النبل في استقبالٍ غمر الوجدان بصفائه، ثم حلّت القافلة في *تريم* فكان الاستقبالُ يليقُ بمكانتها، حيثُ امتزج وقارُ المدينةِ بطِيبِ أهلها في عشوية امتعت بمنظر مياه المسابح من لذيذ الأرز اللحمي. ومنها إلى *خلع راشد* عند الشيخ محمد باجمال، حيثُ تجلّت الوجاهةُ السلفية في أبهى صورها؛ فكان استقبالهم مدرسةً في التواضعِ والسخاء، ومع التمر والقهوة اللذيذة أعقبه الفول مع الخبز والشاي الممتع. وفي *منوب بني كليب*، تجلى الكرم في موائد عامرة ضمّت مائة وعشرين نفساً على أرز حضرمي مخلوط بالزبيب واللوز واللحم اللذيذ، وفي *شحوح* كان العشاء الفائض مع لحم الدجاج والبلدي عند شيخنا أبو عبد الرحمن يحيى الحجوري حفظه الله ورعاه وحماه من كيد أهل البدع والكفر.. مع الببسي الذي يعدل الرأس، وفي منطقة *البويرقات* كان الصيد الثمد طبقاً أصيلاً لا يُنسى. وتتابع العطاء الصبوحي في *بور* وضيافة الشيخ حبليل، و *القرن* بجلسة غذائية علمية مع الشيخ جمعان حفظه الله، و *مريمة* الحفاوة في مائدة عصرية طيبة، و *شبام* العز والرفعة. وفي *العقوبية* حيث كانت دروس غدوة الأرواح مع الصبوح المبارك، وفي *شرج حاح* اجتمعنا على غذوية الدجاج والأرز مع بعض عقال البلاد، وفي *الحجيرة* كذلك، وصولاً إلى آخر ليلة في *رأس محل* حيث كانت العشوية الدافئة تذيب برد الجبال القارس في لمة حميمة بعد المجالس العلمية. لم يكن هذا الكرم مجرد طعام يشبع البطون، بل كان تعبيراً صادقاً عن محبة أهل السنة لبعضهم، وشهادة حية على أن الدعوة إلى الله تُكرم بالبذل والإيثار والفتح للقلوب قبل فتح البيوت. ففي كل محطة كان العلم يُقدَّم مع الطعام، والموعظة تُسقى مع الشاي، والنصيحة تُقدَّم مع حلوى الطحينية. لم يكن هناك فصل بين مجلس العلم ومائدة الكرم؛ بل كانا وجهين لعملة واحدة هي الأخوة في الله. كأن أهل حضرموت أرادوا أن يقولوا لنا بلسان الحال: "جئتمونا نشراً للعلم والسنة، فمرحباً بكم في قلوبنا وبيوتنا وموائدنا". إن هذا الكرم ثمرة طبيعية لاجتماع سماحة الطبع الحضرمي الأصيل وصدق المحبة على المنهج السلفي الصافي. فجزا الله أهل حضرموت خير الجزاء، شيوخاً وأهالي وقبائل، على ما أبدوه من كرم لم يُنس. إن الكرم الحضرمي في هذه الرحلة لم يكن مجرد ضيافة، بل كان شهادة حية أن الدعوة إلى الله إذا صدقت القلوب ازدانت بالبذل، وأن أهل السنة إذا اجتمعوا على الحق اجتمع معهم كرم الروح وسماحة الطباع. وهكذا كانت رحلتنا... رحلة علم وكرم، وموعظة وإكرام، وذكر وبركة، نسأل الله أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يثيب كل من بذل فيها جهداً أو مالاً أو وقتاً أو مشاعر صادقة. وجعل الله هذه الرحلة مباركة، وأدام علينا وعليهم نعمة السنة والإخاء والاستقامة. والحمد لله رب العالمين.

اخي ابا عبد الرحيم لعلك لاحظت أننا قلنا في *المحطة الثالثة عشر: رأس محل مسك الختام قبل الختام* فليست هذه ختام الرحلة بل ننوه في خاتمة أخرى لها... والئك أخيّ العزيز: المحطة الرابعة عشر: الكرم الحضرمي.. فيض الروح وسماحة الطباع في رحلتنا العلمية الدعوية إلى وادي حضرموت، لم يكن الكرم مجرد ضيافة عابرة أو وجبات تُقدَّم للجسد، بل كان فيضاً متدفقاً يجمع بين سماحة الطباع الحضرمية الأصيلة ورفعة الروح السلفية النقية. كان كرماً يتجلى في كل محطة، لا ينفصل عن سياق الرحلة، بل ينسج معها نسيجاً واحداً، فكأنما أصبح جزءاً لا يتجزأ من دروس العلم والموعظة والأخوة التي عشناها. منذ الصباح الأول في مسجد الامام الوادعي رحمه الله الديس الشرقية، حيث استقبلتنا العصيدة الباعيسية الدافئة والقهوة العتيقة التي تسري في العروق حياةً وذكرى، إلى آخر ليلة في رأس محل حيث كانت العشوية الدافئة تذيب برد الجبال القارس، كان الكرم حاضراً بقوة ولطف. لم يكن هذا الكرم مجرد طعام يشبع البطون، بل كان تعبيراً صادقاً عن محبة أهل السنة لبعضهم، وشهادة حية على أن الدعوة إلى الله لا تُكرم بالكلام فقط، بل تُكرم بالبذل والإيثار والفتح للقلوب قبل فتح البيوت. في منوب، تجلى الكرم في موائد عامرة ضمّت مائة وعشرين نفساً على أرز حضرمي مخلوط بالزبيب واللوز واللحم اللذيذ، وفي شحوح كان العشاء الفائض مع الببسي الذي يعدل الرأس، وفي منطقة البويرقات كان الصيد الثمد طبقاً أصيلاً لا يُنسى، وفي شرج حاح اجتمعنا على غذوية الدجاج والأرز مع عقال البلاد، وفي الحجيرة كذلك، وعشاء رأس محل تُقدَّم في لمة حميمة بعد المجالس العلمية. كان كل ذلك يحدث بيُسر وابتسامة لا تفارق الوجوه، كأن أهل حضرموت يتنافسون في إكرام الضيف لا لأنه ضيف عابر، بل لأنه ضيف على السنة والتوحيد. ولكن الكرم الحضرمي في هذه الرحلة لم يقتصر على الجسد، بل كان كرماً روحياً رفيعاً في آنٍ واحد. ففتح المساجد وتقديم المشائخ وطلبة العلم ، والترحيب الحار بشيخنا أبي حمزة حسن باشعيب ومن معه، والاستماع بإنصات ووقار، والفرح الظاهر بقدوم الإخوة من الديس الشرقية، كل ذلك كان تعبيراً عن كرم الروح قبل كرم المائدة. كان أهل حضرموت يرون في هذه الزيارة نعمةً ورفعةً لبلادهم، فيبذلون ما يستطيعون من جهد ومال ووقت ومشاعر صادقة، لأنهم يدركون أن إكرام أهل العلم والدعاة إلى السنة هو من أجلّ القربات وأعظم أنواع الإحسان. هذا الكرم الذي جمع بين الروح والجسد، وبين التقاليد الحضرمية العريقة والمنهج السلفي النقي، كان من أبرز مميزات رحلتنا. ففي كل محطة كان العلم يُقدَّم مع الطعام، والموعظة تُسقى مع الشاي، والنصيحة تُقدَّم مع الحلوى. لم يكن هناك فصل بين مجلس العلم ومائدة الكرم؛ بل كانا وجهين لعملة واحدة هي الأخوة في الله. كأن أهل حضرموت أرادوا أن يقولوا لنا بلسان الحال قبل اللسان: "جئتمونا نشرا للعلم والسنة، فمرحباً بكم في قلوبنا وبيوتنا وموائدنا". إن هذا الكرم لم يكن صدفة، ولا مجرد عادة اجتماعية، بل كان ثمرة طبيعية لاجتماع أمرين عظيمين: سماحة الطبع الحضرمي الذي اشتهر به أهل الوادي منذ قرون، وصدق المحبة على المنهج السلفي الصافي الذي يجعل الإخوة يرون بعضهم بعضاً أعزاء وأحبة في الله. فكان الكرم روحاً وجسداً، معنى ومادة، علمًا وإكرامًا، حتى صارت الرحلة كلها لوحةً فنيةً جميلةً تجمع بين جمال الطبيعة الحضرمية وجمال الأخلاق والقلوب. جزا الله أهل حضرموت خير الجزاء، شيوخاً وأهالي وقبائل، على ما أبدوه من كرم لم يُنسَ، وعلى ما فتحوه من قلوبهم قبل بيوتهم. وجعل الله هذه الرحلة مباركة في الدنيا والآخرة، وأدام علينا وعليهم نعمة السنة والإخاء والاستقامة. إن الكرم الحضرمي في هذه الرحلة لم يكن مجرد ضيافة، بل كان شهادة حية أن الدعوة إلى الله إذا صدقت القلوب ازدانت بالبذل، وأن أهل السنة إذا اجتمعوا على الحق اجتمع معهم كرم الروح وسماحة الطباع. وهكذا كانت رحلتنا... رحلة علم وكرم، وموعظة وإكرام، وذكر وبركة، نسأل الله أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يثيب كل من بذل فيها جهداً أو مالاً أو وقتاً أو مشاعر صادقة. والحمد لله رب العالمين.

ثم انتقل الشيخ للحديث عن نعمة التوحيد والسنة التي يتقلب فيها الحاضرون، مؤكداً أنها محض فضل واصطفاء من الله، لا تُنال بذكاء ولا جاه ولا مال، فالهداية بيد الله وحده يمنحها لمن يشاء ويصرفها عمن يشاء؛ ولذلك نجد أقرب الناس للأنبياء لم يهتدوا كما حدث لامرأة نوح وابنه ولوط وامرأته، وعم النبي صلى الله عليه وسلم أبي طالب، بينما اهتدت امرأة فرعون وهي في قصر الطاغية، وآمن السحرة بموقف واحد فثبتوا رغم التهديد بالقتل، وهو ما يدل على أن الله إذا أراد بعبد خيراً شرح صدره للحق. واختتم الشيخ كلمته بدعوة الحاضرين للمحافظة على هذا الوسام الإلهي والكرامة الحقيقية، وهي الاستقامة على منهج السلف الصالح، مبيناً أن الرجولة الحقيقية تكمن في الصدق مع الله وتقديم الدين على تجارة الدنيا ومتاعها، والثبات على الحق دون تبديل أو تغيير حتى الممات، سائلاً الله أن يرزق الجميع اتباع الحق واجتناب الباطل. فكانت كلمة وعظية علمية مؤثرة حفظه الله تعالى وبارك فيه. ثم أعقب الكلمة اسئلة طيبة اجاب عليه الشيخ بكل نصح ولباقة حفظه الله تعالى فمما قاله ورجحه أنك إذا صليت الفجر في مسجد يقنتون فلا تقنت معهم لأن قنوت الفجر بدعة ولا تصح فيه الأحاديث، وإنما يتابع الإمام في السنن لا في المحدثات، فادعُ أو اذكر الله حتى يفرغ إمامك. أما تشبيك الأصابع في المسجد فلا يثبت في النهي عنه شيء والأحاديث فيه معلولة. وفي أكل الدجاج المستورد كالبرازيلي والفرنسي فالأولى التورع عنه لشكوك في طريقة ذبحه ومن اتقى الشبهات استبرأ لدينه. ولا يجوز طاعة الوالد في شراء التنباك لأنه محرم ومضر ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وعن لغة آدم عليه السلام فالله أعلم بها والأنبياء العرب أربعة هم هود وصالح وشعيب ومحمد عليهم السلام. ومن سهى عن التشهد الأول فالصلاة صحيحة وسجود السهو واجب والراجح أن تركه عمدا لا يبطل الصلاة لكنه يأثم. وأفاض في التحذير من كرة القدم حيث صارت فتنة سحرت العقول وضيعت الأعمار والصلوات وأورثت الشحناء، فالواجب على الشباب الترفع عنها وشغل الوقت بالخير، وكذا النت والجوال فتنة تستوجب على أولياء الأمور القيام بمسؤوليتهم في التربية. ولا يصح إحسان الظن بدعاة الشرك والقبوريين الذين تعلقت قلوبهم بالأموات، والواجب تعلم التوحيد والثبات عليه. وفي العطية يجب على الأم والأب العدل بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين وتفضيل أحدهم جور يولد الضغينة إلا إن كان بطيب نفس من البقية. كما تطرق لسجود السهو وأنه يكون قبل السلام عند النقص أو الشك الذي يبنى فيه على اليقين، ويكون بعد السلام عند الزيادة أو الشك الذي يترجح فيه أحد الأمرين، والأمر في ذلك واسع والمقصود جبر الخلل والله أعلم. وفي رحاب رأس محل، حيث تلتقي القلوب على المودة، استأذن الأدبُ ليقول كلمته، فقام أخونا أبو عمار ياسر الغرابي الحلفوني ليفيض بما تجود به القريحة تجاه أهل هذه البلدة من المراشد، الذين ضربوا أروع الأمثلة في الحفاوة والكرم. فكانت قصيدته "المراشد الوافية" برداً وسلاماً، استفتحها بصدق المقصد في الزيارة طلباً لرضا رب العالمين، وسيراً على نهج سيد المرسلين، مثنياً على أهل المراشد ومقادمتهم، الذين جعلوا بيوتهم قصوراً للضيافة، وهديهم كتاب الله وسنة نبيه، فاستحقوا التهنئة بسلوك درب الحق والصراط المستقيم. ولم تنتهِ تلك اللحظات حتى عطر شيخنا المجلس بشكر هؤلاء الرجال شيباً وشباباً، وخصّ بالشكر اخينا هاني بامؤمن على بصماته الطيبة، مذكراً بأن من صنع معروفاً فحقٌ على الناس مكافأته ولو بالدعاء، سائلاً الله الثبات على السنة حتى الممات. ومع غياب الشمس، بدأت رأس محل تكتسي بردها الشديد؛ حيث ينزلق الهواء البارد من قمم الجبال المحيطة نحو الوادي المنخفض لثقله، فتفقد الأرض حرارتها بسرعة وتستقبل رياح الهضبة العاتية. وفي غمرة هذا البرد القارس، كانت العشوية الدافئة محطة راحة واستجمام، قبل أن تمخر الحافلة عباب الطريق الوعرة بقيادة السائق الماهر عبدالقادر الدموني حفظه الله تعالى. وفي طريق العودة، والليل قد أرخى سدوله، كان صوت "الصلاحي" ينساب في الحافلة متحدثاً عن تاريخ الأمة الإسلامية، وما مر بها من عز وذل، في تداول للأيام لا ينتهي إلا بعاقبة المتقين. وبينما كان الباص ينحدر من "عقبة عبدالله غريب" في طمأنينة، كنت أستمع لحكايات الشيخ أحمد بن عثمان حفظه الله تعالى عن أسفاره في وديان حضرموت، وأنا بين الحلم واليقظة، حتى بدأت رياح الساحل تداعب الوجوه معلنة القرب من الشحر ثم الحامي، وصولاً إلى الديس الشرقية في تمام الساعة الثانية فجراً تقريبا. لقد عدنا إلى الديار، ولكن القلوب لا تزال مضمخة بعطر تلك الرحلة العلمية التي لا تُنسى، وبقي عبيرها يملأ الوجدان إيماناً وأدباً ومعرفة.

وقد قيل قديماً إن الأرض التي نستهين فيها بوقار الله، قد تكون هي ذاتها اللحد الذي يواجه فيه الإنسان حقيقة تقصيره وسوء أدبه حين ينقطع عنه ضجيج الأحياء. ولعل أشد المشاهد وقعاً على النفس، هي تلك الأعمال الكبيرة التي تُبنى بجهد الصيام والقيام ثم تتهاوى كالهباء، لا لعلة في بنائها، بل لأنها فقدت ركيزتها المتينة وهي طهارة السريرة. فالعمل الذي لا يسنده أدبٌ في الخفاء هو بناء بلا أساس، سرعان ما تذروه الرياح حين ينكشف المستور. لذا كان كمال المرء في أن يجعل خلوته مرآةً لصدقه، وأن يوقن أن أدب الخلوات هو الحصن الذي يحفظ للعمل ثباته، وللروح سكينتها. ثم توالت الكلمات والنصائح من المشائخ حفظهم الله ، فمسك بزمام الكلمة اخونا سالم النموري حفظه الله تعالى وكانت كلمته في «بركة الاستجابة وَخِذلَان العناد» حيث عقد مقارنة إيمانية ومنهجية بين بني إسرائيل وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث الاستجابة لأمر الله عز وجل حيث استعرض في بدايتها صفات بني إسرائيل القائمة على العناد والتعنت وكثرة السؤال والاعتراض على الأنبياء مما أدى إلى ذلهم وهوانهم وحلول غضب الله عليهم مبيناً أن سورة البقرة تزخر بالآيات التي توضح عدم استجابتهم ومحاججتهم في أوامر الله الواضحة ثم انتقل في المقابل للحديث عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مبرزاً سرعة انقيادهم وتسليمهم المطلق لشرع الله حتى في أصعب المواقف مستشهداً بموقفهم عند نزول آية المحاسبة على ما في النفوس وكيف أرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم لقول "سمعنا وأطعنا" بخلاف قول أهل الكتاب "سمعنا وعصينا" فكانت نتيجة هذا الاستسلام والذل لله أن رحمهم الله ونسخ عنهم التكاليف الشاقة ورفع قدرهم وأعزهم كما ساق اخونا سالم أدلة أخرى من السنة والقرآن تؤكد هذا المنهج في قصة تحريم الخمر والحمر الأهلية وفي غزوة حمراء الأسد حين استجابوا لله والرسول رغم الجراح فكانت العاقبة هي النصر والفضل ليرسل في ختام كلمته رسالة مفادها أن البركة والنتيجة الحسنة تكمن دائماً في امتثال أمر الله ورسوله وإن ظنه المرء شاقاً في البداية فإن الله لا يضيع من سلك سبيل طاعته. ثم كانت كلمة اخونا الشيخ أبو حذيفة ذو الكتابات الجليلة والاستنباطات التفسيرية للقرآن الكريم تكلم عن «ائتلافُ السنَّة وثمراتُ التَّقوى»، حيث استفتح كلمته بحمد الله والثناء عليه، معبراً عن سروره بما رآه من وجوه طيبة اجتمعت في هذه البلاد المباركة على فطرة سليمة ومحبة صادقة، مؤكداً أن أعظم نعمة منّ الله بها على هؤلاء القوم هي اجتماعهم على السنة والتوحيد، وهو تأليف قلبي لا يُشترى بكنوز الأرض ولا يُقدر بثمن، مما يستوجب الحفاظ على هذا الخير والحذر الشديد من التنازع الذي يورث الفشل والفرقة، خاصة حين يكون الخصام على حطام الدنيا الزائل الذي لا قيمة له أمام وحدة الدين والصف. وقد عقد مقارنة بليغة بين من يتعاونون على إقامة شعائر الإسلام وبث العلم وبناء المساجد، وبين من يسخرون جهودهم وأموالهم لبناء صروح الباطل من بدع وشركيات أو ملاهٍ وملاعب تصد عن ذكر الله، محذراً في الوقت ذاته من كيد الأعداء الذين يسعون لترويج المخدرات والآفات لتدمير الشباب وسلبهم إرادتهم، ليؤكد أن النجاة من هذه الفتن تكمن في ملازمة تقوى الله التي هي مفتاح الفلاح ونيل المطلوب والنجاة من المرهوب، فبها يتيسر العسير وتحل البركة في القليل والكثير. كما أفاض في شرح الفوارق الجوهرية بين رزق التقي ورزق غيره، موضحاً أن المتقي يرزقه الله من حيث لا يحتسب ليظل قلبه معلقاً بالرزاق لا بالرزق، فتسكن نفسه ويطمئن باله، بخلاف من انصرف عن الله فصار عبداً لماله مشغولاً به ليل نهار حتى وإن كثر، ليختم كلمته بالتواصي على الصبر والمصابرة، مشيداً بما وجده من كرم الحفاوة وبشر الوجوه في هذه القرية، داعياً الله أن يديم عليهم نعمة الأمن والإيمان وأن يحفظهم ثابتين على منهج التوحيد والسنة. ثم كانت كلمة شيخنا حفظه الله ورعاه وبعد الثناء على الله وتمجيده تطرق بلفتة جميلة لمن سبقه وهذا دأب شيخنا كما قلت سابقا كلامه مسبوك عبق حفظه الله ورعاه وكانت له "إرشاد الأنام لوجوب الانقياد وفضل الإنعام" ، بدأ الشيخ كلمته بالثناء على حفاوة استقبال أهل البلاد، معتبراً بشاشة وجوههم دليلاً على حبهم للسنة، ثم انطلق ليؤكد أن الاستجابة لأمر الله ورسوله هي مكمن الحياة الحقيقية للقلوب، فالمؤمن المستجيب حي يرزق بنور الإيمان والطمأنينة، بينما المعرض ميت القلب وإن كان يمشي بين الناس، مشدداً على أن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم هي بوابة الجنة الوحيدة، حيث لا يجوز لمؤمن أن يتردد أو يجد حرجاً في صدره تجاه حكم الله، ضارباً أروع الأمثلة في الاستسلام المطلق بقصة الذبيح إسماعيل عليه السلام الذي لم يتوان عن طاعة ربه وأبيه حين أمره بالذبح، فكانت النتيجة هي الفرج والفداء من السماء.

*اضطررنا إلى حذف المحطة (قبل الختام) هذه وذلك لغرض إضافة بعض اللفتات التي نراها مهمة في سير الرحلة* وهذه اليكموها... *رويدا* *رويدا* *رويدا* *ايها القلم* *فمِسكِ الختام قبل الختام* *تنبيه من رجل كريم حفظه الله:* يقول: كأنه خطأ قليل هنا *المحطة الثانية عشر: بصائر العصر في الحجيرة* وفي هذا الجو الطبيعي العصري الهادئ بجانب المسجد الواسع.. حيث ترى الوجوه الضاحكة النستبشرة... فتعدل الكلمة  إلى *المستبشرة* وجزاك الله خيرا يا عم صلاح على هذه الجهود الطيبة فقلت له: نعم خطأ والصحيح المستبشرة سنعدلها في قناة الدعوة السلفية بالتليجرام أما الوتساب الان مافيه تعديل جزاك الله خيرا وحفظك الرحمن *تنبيهٌ وتحرير: من اخ كريم الى اخ كريم ثم إليّ* " السلام عليكم كتابات الاخ جميلة جدا ولكن نهاية الكلام قال ثم انطلقنا الى الحجيرة من وادي العين (من مناطق وادي العين) لا الحجيرة وشرج حاح (شرج حاح تبع دوعن) لكن الحجيره هذه وراس محل كلها هذه يعني ارياف المكلا  تسمى تمام ارياف المكلا اداريا قول له كذا انت قله شوف تبعها هذا مرتفعات قول له مرتفعات حضرموت" وقبل أن نمضي في تفاصيل رحلتنا إلى "رأس محل"، وجب التوقف عند هذه اللفتة الجغرافية والإدارية الدقيقة نبهنا إليها أحد الإخوة الخبراء بالمنطقة، لضبط معالم الطريق في ذاكرة التوثيق: فقد غادرت القافلة بنهاية محطة العقوبية حدود وادي العين، لتدخل في نطاق مديرية دوعن فعند وصولنا إلى شرج حاح. أما وجهتنا التالية في الحجيرة و رأس محل، فهي تقع إدارياً ضمن مديرية أرياف المكلا، وتُصنف جغرافياً ضمن مرتفعات حضرموت، هذا الانتقال من بطون الأودية إلى رؤوس الجبال ليس مجرد انتقال في المسافة، بل هو انتقال في التضاريس والمناخ، حيث بدأنا نلمس خشونة المرتفعات وصفاء هوائها، وهو ما يضفي على هذه المحطات طابعاً خاصاً من الصبر والجلد والجمال. وبسم الله نستأنف المسير... *المحطة الثالثة عشر:* *رأس محل مسك الختام قبل الختام* ومع غروب شمس هذا اليوم الحافل، كان المستقر في رأس محل لمحاضرة المغرب، ليكون مسك الختام في مكانٍ يرتفع باسمه ومعناه، ويجتمع فيه أهل المنطقة على مأدبة العلم قبل أن يرخوا سدول الليل على يومٍ مليء بالعمل الصالح. وصلنا بعد العصر ومكثنا هناك فمن يرتشف الشاي ومن يشرب ومن هو يتفكر في هذه المساحات الجبلية الشاسعة ومن هو في جلسة حديث ... إذ يمضي الوقت ويسدل الليل فإذا بالجو يبرد بردا شديدا يدخل العظم مما تكاد تخاف أن تلمس الماء فتبقى على الطهور السابق ... واذا بالمؤذن لاذان المغرب ثم الصلاة ثم الترحيب من أهل الكرم والجود اهل رأس محل كانت المقدمة لابي المنهال حفظه الله تكلم فيها عن "أدب العبد مع رب البرية" وانه جماع الخير كله، وذروة سنام الفضائل، وذلك بأن يعيش المرء في هذه الدار متوشحا برداء الأدب؛ فالأدب مع الله زينة الصالحين وسيماء المقربين. وإذا كان التخلق مع الخلائق مروءة وجمالا، فإن الأدب مع الله جل جلاله هو أصل الأصول، وأوجب ما ينشغل به ذو العقل والفضول. إن حقيقة الأدب مع الخالق تتجلى في تعظيم الوقوف بين يديه؛ فلا يليق بعبد في صلاته أن يلتفت بصره يمنة أو يسرة، أو يشرد قلبه في مفاوز الدنيا ومشاريعها، والرب تبارك وتعالى ينظر إليه. فكيف يسكن الجسد والقلب غائب؟ وكيف يخشع الجوارح والروح في أودية الغفلة تائه؟ ويمتد هذا الأدب ليكون وقارا عند تلاوة كلامه، فلا يزاحم جلال القرآن لهو الهواتف ولا شواغل البرامج، ويكون عفة في الصيام عن لغو القول وفحش الفعل، وإجلالا للذات العلية بأن يصان الاسم الأعظم عن كثرة الحلف وابتذال الأيمان في توافه الأمور. ثم إن من أرفع مقامات الأدب مع الله إخلاص الشكر لمولاه؛ فلا ينسب الفضل لغير أهله، ولا يعلق النعم بذكاء أو وظيفة أو دولة، بل يرد الفضل إلى المنعم الأول الذي خلق فهدى، وأطعم وسقى. فما قل تعظيم الرب في قلب عبد إلا ساء أدبه، وما امتلأ الفؤاد بالهيبة إلا استقام العبد على جادة التقديس، وصار حاله لسان صدق ينطق بأن النعمة من الله، وبالله، وإلى الله، حيث يقوم خلق الأدب في جوهره على الصدق، وأصدق موازين المرء تلك التي تظهر حين يغيب عن أعين الناس وينفرد بذاته؛ فثمة يتبين جوهر النفس ومدى توقيرها لمن لا تغيب عنه غائبة. إن الفجوة التي يصنعها البعض بين ظاهر يتزين بالوقار أمام الخلق، وباطن يستبيح الهفوات في الخلاء، ليست مجرد زلل عابر، بل هي خلل في ميزان الهيبة والإجلال، إذ كيف يكون تقدير العبد لرقابة الناس أعظم في قلبه من رقابة الخالق؟ إن عاقبة هذا التفاوت في الأدب لا تقف عند حدود الغيب، بل تتسلل آثارها إلى واقع الإنسان؛ فتنزع سكينة الروح، وتمحق بركة السعي، وتورث القلب شتاتاً يلمسه المرء في ضيق حاله وتعب حياته.

إن عاقبة هذا التفاوت في الأدب لا تقف عند حدود الغيب، بل تتسلل آثارها إلى واقع الإنسان؛ فتنزع سكينة الروح، وتمحق بركة السعي، وتورث القلب شتاتاً يلمسه المرء في ضيق حاله وتعب حياته. وقد قيل قديماً إن الأرض التي نستهين فيها بوقار الله، قد تكون هي ذاتها اللحد الذي يواجه فيه الإنسان حقيقة تقصيره وسوء أدبه حين ينقطع عنه ضجيج الأحياء. ولعل أشد المشاهد وقعاً على النفس، هي تلك الأعمال الكبيرة التي تُبنى بجهد الصيام والقيام ثم تتهاوى كالهباء، لا لعلة في بنائها، بل لأنها فقدت ركيزتها المتينة وهي طهارة السريرة. فالعمل الذي لا يسنده أدبٌ في الخفاء هو بناء بلا أساس، سرعان ما تذروه الرياح حين ينكشف المستور. لذا كان كمال المرء في أن يجعل خلوته مرآةً لصدقه، وأن يوقن أن أدب الخلوات هو الحصن الذي يحفظ للعمل ثباته، وللروح سكينتها. ثم أعقب الكلمة اسئلة طيبة اجاب عليه الشيخ بكل نصح ولباقة حفظه الله تعالى فمما قاله ورجحه أنك إذا صليت الفجر في مسجد يقنتون فلا تقنت معهم لأن قنوت الفجر بدعة ولا تصح فيه الأحاديث، وإنما يتابع الإمام في السنن لا في المحدثات، فادعُ أو اذكر الله حتى يفرغ إمامك. أما تشبيك الأصابع في المسجد فلا يثبت في النهي عنه شيء والأحاديث فيه معلولة. وفي أكل الدجاج المستورد كالبرازيلي والفرنسي فالأولى التورع عنه لشكوك في طريقة ذبحه ومن اتقى الشبهات استبرأ لدينه. ولا يجوز طاعة الوالد في شراء التنباك لأنه محرم ومضر ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وعن لغة آدم عليه السلام فالله أعلم بها والأنبياء العرب أربعة هم هود وصالح وشعيب ومحمد عليهم السلام. ومن سهى عن التشهد الأول فالصلاة صحيحة وسجود السهو واجب والراجح أن تركه عمدا لا يبطل الصلاة لكنه يأثم. وأفاض في التحذير من كرة القدم حيث صارت فتنة سحرت العقول وضيعت الأعمار والصلوات وأورثت الشحناء، فالواجب على الشباب الترفع عنها وشغل الوقت بالخير، وكذا النت والجوال فتنة تستوجب على أولياء الأمور القيام بمسؤوليتهم في التربية. ولا يصح إحسان الظن بدعاة الشرك والقبوريين الذين تعلقت قلوبهم بالأموات، والواجب تعلم التوحيد والثبات عليه. وفي العطية يجب على الأم والأب العدل بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين وتفضيل أحدهم جور يولد الضغينة إلا إن كان بطيب نفس من البقية. كما تطرق لسجود السهو وأنه يكون قبل السلام عند النقص أو الشك الذي يبنى فيه على اليقين، ويكون بعد السلام عند الزيادة أو الشك الذي يترجح فيه أحد الأمرين، والأمر في ذلك واسع والمقصود جبر الخلل والله أعلم. وفي رحاب رأس محل، حيث تلتقي القلوب على المودة، استأذن الأدبُ ليقول كلمته، فقام أخونا أبو عمار ياسر الغرابي الحلفوني ليفيض بما تجود به القريحة تجاه أهل هذه البلدة من المراشد، الذين ضربوا أروع الأمثلة في الحفاوة والكرم. فكانت قصيدته "المراشد الوافية" برداً وسلاماً، استفتحها بصدق المقصد في الزيارة طلباً لرضا رب العالمين، وسيراً على نهج سيد المرسلين، مثنياً على أهل المراشد ومقادمتهم، الذين جعلوا بيوتهم قصوراً للضيافة، وهديهم كتاب الله وسنة نبيه، فاستحقوا التهنئة بسلوك درب الحق والصراط المستقيم. ولم تنتهِ تلك اللحظات حتى عطر شيخنا المجلس بشكر هؤلاء الرجال شيباً وشباباً، وخصّ بالشكر اخينا هاني بامؤمن على بصماته الطيبة، مذكراً بأن من صنع معروفاً فحقٌ على الناس مكافأته ولو بالدعاء، سائلاً الله الثبات على السنة حتى الممات. ومع غياب الشمس، بدأت رأس محل تكتسي بردها الشديد؛ حيث ينزلق الهواء البارد من قمم الجبال المحيطة نحو الوادي المنخفض لثقله، فتفقد الأرض حرارتها بسرعة وتستقبل رياح الهضبة العاتية. وفي غمرة هذا البرد القارس، كانت العشوية الدافئة محطة راحة واستجمام، قبل أن تمخر الحافلة عباب الطريق الوعرة بقيادة السائق الماهر عبدالقادر الدموني حفظه الله تعالى. وفي طريق العودة، والليل قد أرخى سدوله، كان صوت "الصلاحي" ينساب في الحافلة متحدثاً عن تاريخ الأمة الإسلامية، وما مر بها من عز وذل، في تداول للأيام لا ينتهي إلا بعاقبة المتقين. وبينما كان الباص ينحدر من "عقبة عبدالله غريب" في طمأنينة، كنت أستمع لحكايات الشيخ أحمد بن عثمان حفظه الله تعالى عن أسفاره في وديان حضرموت، وأنا بين الحلم واليقظة، حتى بدأت رياح الساحل تداعب الوجوه معلنة القرب من الشحر ثم الحامي، وصولاً إلى الديس الشرقية في تمام الساعة الثانية فجراًتقريبا. لقد عدنا إلى الديار، ولكن القلوب لا تزال مضمخة بعطر تلك الرحلة العلمية التي لا تُنسى، وبقي عبيرها يملأ الوجدان إيماناً وأدباً ومعرفة.

*رويدا* *رويدا* *رويدا* *ايها القلم* *فمِسكِ الختام قبل الختام* *تنبيه من رجل كريم حفظه الله:* يقول: كأنه خطأ قليل هنا *المحطة الثانية عشر: بصائر العصر في الحجيرة* وفي هذا الجو الطبيعي العصري الهادئ بجانب المسجد الواسع.. حيث ترى الوجوه الضاحكة النستبشرة... فتعدل الكلمة  إلى *المستبشرة* وجزاك الله خيرا يا عم صلاح على هذه الجهود الطيبة فقلت له: نعم خطأ والصحيح المستبشرة سنعدلها في قناة الدعوة السلفية بالتليجرام أما الوتساب الان مافيه تعديل جزاك الله خيرا وحفظك الرحمن *تنبيهٌ وتحرير: من اخ كريم الى اخ كريم ثم إليّ* " السلام عليكم كتابات الاخ جميلة جدا ولكن نهاية الكلام قال ثم انطلقنا الى الحجيرة من وادي العين (من مناطق وادي العين) لا الحجيرة وشرج حاح (شرج حاح تبع دوعن) لكن الحجيره هذه وراس محل كلها هذه يعني ارياف المكلا  تسمى تمام ارياف المكلا اداريا قول له كذا انت قله شوف تبعها هذا مرتفعات قول له مرتفعات حضرموت" وقبل أن نمضي في تفاصيل رحلتنا إلى "رأس محل"، وجب التوقف عند هذه اللفتة الجغرافية والإدارية الدقيقة نبهنا إليها أحد الإخوة الخبراء بالمنطقة، لضبط معالم الطريق في ذاكرة التوثيق: فقد غادرت القافلة بنهاية محطة العقوبية حدود وادي العين، لتدخل في نطاق مديرية دوعن فعند وصولنا إلى شرج حاح. أما وجهتنا التالية في الحجيرة و رأس محل، فهي تقع إدارياً ضمن مديرية أرياف المكلا، وتُصنف جغرافياً ضمن مرتفعات حضرموت، هذا الانتقال من بطون الأودية إلى رؤوس الجبال ليس مجرد انتقال في المسافة، بل هو انتقال في التضاريس والمناخ، حيث بدأنا نلمس خشونة المرتفعات وصفاء هوائها، وهو ما يضفي على هذه المحطات طابعاً خاصاً من الصبر والجلد والجمال. وبسم الله نستأنف المسير... *المحطة الثالثة عشر:* *رأس محل مسك الختام قبل الختام* ومع غروب شمس هذا اليوم الحافل، كان المستقر في رأس محل لمحاضرة المغرب، ليكون مسك الختام في مكانٍ يرتفع باسمه ومعناه، ويجتمع فيه أهل المنطقة على مأدبة العلم قبل أن يرخوا سدول الليل على يومٍ مليء بالعمل الصالح. وصلنا بعد العصر ومكثنا هناك فمن يرتشف الشاي ومن يشرب ومن هو يتفكر في هذه المساحات الجبلية الشاسعة ومن هو في جلسة حديث ... إذ يمضي الوقت ويسدل الليل فإذا بالجو يبرد بردا شديدا يدخل العظم مما تكاد تخاف أن تلمس الماء فتبقى على الطهور السابق ... واذا بالمؤذن لاذان المغرب ثم الصلاة ثم الترحيب من أهل الكرم والجود اهل رأس محل كانت المقدمة لأحد الإخوة تكلم فيها عن "أدب العبد مع رب البرية" وانه جماع الخير كله، وذروة سنام الفضائل، وذلك بأن يعيش المرء في هذه الدار متوشحا برداء الأدب؛ فالأدب مع الله زينة الصالحين وسيماء المقربين. وإذا كان التخلق مع الخلائق مروءة وجمالا، فإن الأدب مع الله جل جلاله هو أصل الأصول، وأوجب ما ينشغل به ذو العقل والفضول. إن حقيقة الأدب مع الخالق تتجلى في تعظيم الوقوف بين يديه؛ فلا يليق بعبد في صلاته أن يلتفت بصره يمنة أو يسرة، أو يشرد قلبه في مفاوز الدنيا ومشاريعها، والرب تبارك وتعالى ينظر إليه. فكيف يسكن الجسد والقلب غائب؟ وكيف يخشع الجوارح والروح في أودية الغفلة تائه؟ ويمتد هذا الأدب ليكون وقارا عند تلاوة كلامه، فلا يزاحم جلال القرآن لهو الهواتف ولا شواغل البرامج، ويكون عفة في الصيام عن لغو القول وفحش الفعل، وإجلالا للذات العلية بأن يصان الاسم الأعظم عن كثرة الحلف وابتذال الأيمان في توافه الأمور. ثم إن من أرفع مقامات الأدب مع الله إخلاص الشكر لمولاه؛ فلا ينسب الفضل لغير أهله، ولا يعلق النعم بذكاء أو وظيفة أو دولة، بل يرد الفضل إلى المنعم الأول الذي خلق فهدى، وأطعم وسقى. فما قل تعظيم الرب في قلب عبد إلا ساء أدبه، وما امتلأ الفؤاد بالهيبة إلا استقام العبد على جادة التقديس، وصار حاله لسان صدق ينطق بأن النعمة من الله، وبالله، وإلى الله. ثم تعطر المكان والزمان بكلمة شيخنا حفظه الله ورعاه وبعد الثناء على الله وتمجيده تطرق الى ادب الخلوات في لفتة جميلة لمن سبقه وهذا دأب شيخنا كما قلت سابقا كلامه مسبوك مبتوت مجبور عبق حفظه الله ورعاه وكانت له"وقفات في أدب الخلوات" حيث يقوم خلق الأدب في جوهره على الصدق، وأصدق موازين المرء تلك التي تظهر حين يغيب عن أعين الناس وينفرد بذاته؛ فثمة يتبين جوهر النفس ومدى توقيرها لمن لا تغيب عنه غائبة. إن الفجوة التي يصنعها البعض بين ظاهر يتزين بالوقار أمام الخلق، وباطن يستبيح الهفوات في الخلاء، ليست مجرد زلل عابر، بل هي خلل في ميزان الهيبة والإجلال، إذ كيف يكون تقدير العبد لرقابة الناس أعظم في قلبه من رقابة الخالق؟

ملاحظة مهمة : اضطررنا إلى إعادة صياغة المحطة العاشرة وذلك لخطأ في تلخيص كلمة الصباح في العقوبية لشيخنا الكريم حفظه الله ورعاه ، وهانحن نواصل السفر الى المحطات الأخيرة في هذه الرحلة العلمية المباركة والشكر لله اولا واخرا سبحانه.. المحطة الثانية عشر: بصائر العصر في الحجيرة ثم مالت القافلة بعد الظهر نحو الحجيرة، تلك القرية الطيبة الهادئة الواقعة في قلب وادي العين بمحافظة حضرموت. تتميز الحجيرة بطبيعتها الجبلية ، ويُنسب اسمها إلى تصغير كلمة الحجرة لكثرة الحجارة والصخور في أرضها ومرتفعاتها. في وقت العصر وصلت القافلة إلى الحجيرة، وبعد صلاة العصر تكلم شيخنا حفظه الله كلمةً بعنوان "ميزان الرفعة ومعالم الاستقامة"، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فالشكر لله سبحانه على جميع ما نتمتع به من نعم الدين والدنيا، فله الفضل وله المنة، وما بكم من نعمة فمن الله. ومن أعظم هذه النعم مثل هذه الاجتماعات في بيوت الله أحب الأماكن إليه، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده. فما أجمل هذه المجالس التي نجتمع فيها لا لأمر من أمور الدنيا، بل نصرة لدين الله وطاعة له وتفقه في شرعه وتناصح فيما بيننا. إذا شعر العبد بانشراح صدره لهذه المجالس وأنس قلبه بها فليبشر، فهذا دليل صدق إيمانه وإخلاصه وصلاح حاله. وإن شعر بالنفور أو الضيق فليعالج نفسه وليحاسبها، فالأمر خطير. فالمؤمن من سرته حسنته وساءته سيئته، فإذا وقع في السيئة حزن وتألم وسارع إلى التوبة. فليضع كل منا نفسه في هذا الميزان: كيف حالنا مع الحق؟ وكيف حالنا مع العلم؟ وكيف حالنا مع التزود ليوم القيامة؟ قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد. ثم أثنى شيخنا على أهل الحجيرة، فشكر شيخهم الذي استقبل الوفد بالترحيب والمصافحة الحارة، ووصف ذلك بالشهامة والكرم الحضرمي الأصيل. وشكر أهل البلد على حسن استقبالهم وإنصاتهم وبشاشة وجوههم، وذكّر بحديث "لا يشكر الله من لا يشكر الناس". ثم تحدث عن عظمة العمل الصالح وعلو شأن أهل الخير في الدنيا والآخرة، مستشهدا بحديث الجنازتين في الصحيحين، وبقول الله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا. ودعا إلى تحقيق التوحيد الخالص ولزوم سنة النبي صلى الله عليه وسلم والبعد عن الشركيات والخرافات والبدع والأهواء والحزبيات. وأكد أن الدين ليس مقصورا على المسجد بل هو شامل لحياة المسلم كلها في بيته وسوقه ومجالسه، وانتقد دعاة العلمانية الذين يريدون حصر الدين في المسجد فقط. ثم تكلم عن رفعة العلم وأهله مستشهدا بقول الله: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات، وساق أمثلة من السلف كعطاء بن أبي رباح وعبد الله بن المبارك وسالم مولى أبي حذيفة. وختم شيخنا بالتذكير بفضل حفظ القرآن وباب التوبة المفتوح لكل مسرف على نفسه، داعيا الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يرزقنا التوبة النصوح ويحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. وفي هذا الجو الطبيعي العصري الهادئ بجانب المسجد الواسع.. حيث ترى الوجوه الضاحكة النستبشرة وترى الحفاوة الحضرمية الأصيلة ، وزعت صحون الحلوى الطيبة والطحينية اللذيذة والتمر اليانع والقهوة السادة، في لمة حميمة من مشايخ قبائل الرواشد وباظروس. وكان الأطفال في لباس العيد يملؤون المكان بهجة وابتهاجا بمقدم هذا الوفد الكريم، فكأن البركة حلت بالمجلس والفرح غمر الوجوه. في هذه الجلسة اجتمع العلم بالكرم، والتفقه بالإخاء، والذكر بحلاوة الضيافة الحضرمية الأصيلة. جزى الله أهل الحجيرة خير الجزاء، وبارك فيهم وفي أبنائهم، وأدام عليهم نعمة السنة والاستقامة.

وبعد انتهاء المجلس العلمي الروحي، أقبل أهل شرج حاح بكرم حضرمي أصيل، فمدُّوا مائدةً عامرةً طيبة. اجتمعنا مع اثنين من عقال البلاد -حفظهم الله- ترى في سيماهم وجوه البشر والرجولة، على غذوية الدجاج المطبوخ بلذة، والليمون الطري، والموز الناضج، والأرز الشهي. كان الطعام شهيًا مباركًا، والأهم منه تلك الوجوه المشرقة بنور الشيبة وهيبة الحضارم، والحديث الهادئ الخبير الذي يعكس طيب القلوب وكرم النفوس. في تلك الجلسة شعرنا بدفء الإخاء الصادق، وبركة المجالس التي تجمع بين العلم والطعام والمحبة. جزى الله أهل شرج حاح خير الجزاء، وبارك فيهم وفي ذريتهم، وأدام عليهم نعمة السنة والاستقامة والكرم. وبعد الغداء انطلقنا إلى الحجيرة من بلاد وادي العين، في جلسة عصرية جميلة سنتحدث عنها لاحقًا بإذن الله.

المحطة الحادية عشر: مائدة الرزق ومعالم الهدى في ظلال "شرج حاح حيث تشتد الشمس وقت الهجير، كانت جلستنا التي تبرد القلوب والاجساد فمن الملاحظ في وادي حضرموت أن الشمس ليست مجرد قرص من لهب، بل هي إيقاع حياة صاغ ملامح الأرض والإنسان. شمسٌ حادةُ الإشراق، تطل من سماء صافية لايحجبها غمام، لتبث حرارةً جافة تمتاز بلسعة الإباء وقوة النفوذ. غير أن هذا الجفاف هو سرّ اللطافة الخفية، فالهواء في الوادي -على شدة قيظه- حر طليق من قيود الرطوبة، مما يجعل الجسد يتنفس بيسر، ويستقبل النسمات التي تغدو باردة بمجرد أن يلامسها القليل من الماء. وهنا تجلت فطنةُ الإنسان الحضرمي في مواءمة بيئته، فبينما استندت مدنه إلى الطين الذي يمتص عناد الشمس نهاراً ليهب السكينة ليلاً، استعان في تبريد هجيره بالمكيفات الصحراوية. تلك التقنية التي تآخت مع جفاف الجو تآخياً عجيباً؛ فهي لا تكتفي بكسرِ حدة الحرارة، بل تنفث في الأرجاء رطوبة ندية ترطب الأنفاس، وتُحيي في البيوت الطينية روحاً من الانتعاش، وكأنها تحاكي في عملها سحابة مارة رشت رذاذها على ممر ريح عابرة، لقد أصبحت هذه المكيفات في ظلال الوادي هي الخيار الأذكى، فهي تجدد الهواء ولا تحبسه، وتمنح النفس رِيّاً من البرودة الطبيعية التي تذكّرُ بظلال النخيل وسواقي الوديان، لتظل شمس حضرموت -رغم حرورها- مبعث نضج الثمار، ومنارة بناء الحضارة، وهناك بعد صلاة الظهر في مسجد شرج حاح امتعنا أخونا أبو الحسين محمد بن سعيد مفلح -حفظه الله- بابتسامته الطيبة وطرافة لسانه، حيث يسقي المجلس برد اليقين في كلمته "برد اليقين في فقه الرزق والتمكين" فقد تكلم بفصاحة هادئة عن نعم الله السابغة، وذكر حديث الاجتماع على كتاب الله الذي تنزل فيه السكينة وتغشى فيه الرحمة. ثم فاض الكلام عن الرزق، فبيَّن أنه مكتوب قبل أن نخرج إلى الدنيا، وأن الله تعالى هو الرزاق الذي يتكفل برزق كل دابة، حتى النمل والقطط والدواب التي تأكل ما يفضل من طعام البشر. وانتقد بلباقة من يجعل الرزق مقصورًا على المال والوظائف، وأوضح أن الرزق أوسع فعلم نافع، وخلق حسن، وقناعة، وتوكل صادق، وتقوى تجلب المخرج من حيث لا يحتسب. ساق مثال طالب العلم الذي يُرزق بسبب تفرغه للعلم، ودافع عن أهل المجالس العلمية من تهمة من أين يأكلون؟، مبينًا أن الشيطان يزين الشك في رزق من يسلك طريق السنة. ثم ختم بدعاء بالبركة لأهل البلد وللمجلس، تاركًا في النفوس طمأنينة بأن الرزق آت لا محالة، وأن التوكل على الرزاق أجلُّ الأسباب. كانت كلمة مُطمئنة، تجمع بين الدليل والمثال والنصح الرفيق، كأنها نسيم يبرد لهيب الهموم. ثم قام شيخنا أبو حمزة -حفظه الله-، فألقى كلمة جامعة مانعة، تفيض حكمة وفقهًا بالواقع والدين معًا بعنوان "فقه الثبات في زمن المتغيرات" بدأها بشكر أهل شرج حاح على حفاوتهم وطيب معدنهم، وشهد لهم بحبهم للسنة واستقبالهم لأهلها، معتبرا ذلك دليلاً على صلاح القلوب وصدق الاعتقاد، إذ ما في القلب يظهر على الوجه والجوارح. وأطال في بيان علامات الخير في البلد من استقدام لطلبة العلم ومشايخ السنة واستقبالهم بفرح شديد، وهو ما يدل على رغبة صادقة في الخير لا تُغرى بالعرض الفاني. وأشاد بفضل السنة في تربية الرجولة والشجاعة والثبات، مقابل التذبذب والخنوع في غيرها. ثم ربط كلامه بموضوع الرزق، فبيَّن ضعف حسن الظن بالله عند بعض الناس، وأن الفقر قد يكون خيرًا من الغنى بحكمة الله، وساق قصص النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الغنى بالتوحيد والصبر والعفاف، حتى قال: "أغناهم الله بهذا المنهج"، فالتوحيد والسنة هما الكنز الحقيقي. وكانت الأسئلة جوهرة الجلسة، تدل على وعي قبائل حضرموت بقضايا الدعوة والواقع، وعلى انطلاقة الشيخ وارتياحه لهذه المجالس النصحية التي تبصر الإنسان بفحول الرجال وبين أهل الأهواء. وأجاب الشيخ بفقه واضح، يجمع بين العلم الشرعي والفطنة بالواقع، ففي زواج البنت من أهل الأهواء نصح بعدم التزويج، محذرًا من خطر ذلك على الدين والرحم، مؤكداً أن أهل السنة وجه واحد لا يتلون. وفي السجود عند القيام للصلاة حكم بأنه بدعة، وبيَّن السجدات المشروعة (سجود الصلاة، السهو، التلاوة، والشكر)، مستندًا إلى أصل التوقيف في العبادات. وفي تصديق الساحر فرَّق بين الاعتقاد بأنه يعلم الغيب (كفر أكبر مخرج من الملة) وبين الذهاب إليه للعلاج (كبيرة من الكبائر إن لم يعتقد علمه للغيب). وفي التمردات على الدولة حذر من الركون إلى الفتن والثورات، مبينًا وجوب السمع والطاعة في المعروف، وأن الأمن والاستقرار شرط لكل خير وعمران. كما أجاب بسرعة بديهة، مع أسئلة تفاعلية تجذب الانتباه، وختم بدعاء ونصح بالقناعة والتمسك بالسنة. فخرج المجلس بعلم غزير وفقه وخشية، بارك الله في الشيخ وحفظه.

تنبيه: أراني أحد الإخوة منشوراً هو قصيدة جميلة لأبي عمر محمد الباص، نظمها يوم الاثنين الثالث من ذي القعدة 1447، أثناء تواجدنا عند بني كليب بـ "منوب"، ولم تُقرأ حينها، أسماها: (ترحيب أهل منوب المعرَّب بوفد الديس الشرقية المقرَّب)، يقول في مقدمتها: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه قصيدة ترحيبية بالوفد الكريم من الديس الشرقية لزيارتهم لوادي منوب ظهر هذا اليوم الاثنين، وقد عزمت على قراءتها بواسطة أحد الإخوة قبل كلمة الشيخ، لكن لضيق الوقت آثرنا سماع كلمة ضيفنا العزيز المبارك الشيخ حسن باشعيب حفظه الله وسدده...". ويا لها من لفتة كريمة من أبي عمر، ومشاعر جياشة ترجمتها حروفه فهذه القصيدة ليست مجرد أبيات، بل هي وثيقة حب وإخاء تربط بين الديس الشرقية ووادي منوب ودار آل كليب الكرام، وتؤكد أن الدعوة إلى الله والمنهج السلفي الصافي هما أقوى الروابط التي تجمع القلوب. لقد أحسن الشاعر بوصف الوفد بـ "المقرَّب"، ووصف الشيخ حسن باشعيب بـ "واحد الأعلام"، وجسد كرم آل كليب الذين هم أهل القِرى والنصرة. وهذا المنشور أراه هو خير افتتاح لتوثيق يومنا الرابع، الذي يبدو حافلاً بالبذل والعطاء في شعاب وأودية مباركة. وننبه ثانيا إلى ما ذكره الأخ الناصح بأن اسم المنطقة هو "العقوبية" (بالواو دون ياء)، وهو الصواب. المحطة العاشرة: غدوة الأرواح وبركة الغدو والرواح بعد تلك الليلة المفعمة بالترحيب والكلمات العلمية في البويرقات، انطلقت القافلة في يومها الرابع لتنشر عبير السنة في محطات متتالية، بدأت بتباشير الفجر واستمرت حتى سكون المغرب. كان مبيتنا في منطقة العقوبية في مسجدها المتواضع الذي تميزه السنة والهدي السلفي، إذ استقبلنا مشايخ المنطقة بالترحاب والابتسام، وما إن وضعتُ جنبي حتى استيقظتُ على حال رجال ثلث الليل الركع السجد.. اللهم لك الحمد. فأخذنا من الزاد ما نطيق، وانتظرنا ليرفع أخونا الحبيب القريب سالم النموري -حفظه الله- بصوته الندي أذان الفجر في أجواء قرية العقوبية ومسجدها العامر برجال البلاد والضيوف الكرام. وافتتحنا يومنا هذا بمحاضرة الفجر لشيخنا الكريم أبي حمزة -حفظه الله وأعانه- في العقوبية؛ التي تقع ضمن النسيج الاجتماعي والعمراني لوادي العين، وتمتاز ببيئتها الريفية الأصيلة، واختيار هذا الوقت والمكان يعكس أهمية القرية كمركز سكاني يحرص أهله على الاستفادة من مجالس العلم والذكر. وإذ بمقدم الكلمة كان أخونا عبد الله النهدي -حفظه الله- يرحب بالشيخ والوفد المرافق له، ثم كانت كلمة الشيخ الصباحية التي دارت حول مادة البركة وقوة الاستفتاح بذكر الله وكانت بعنوان: "غدوة الأرواح وبركة الغدو والرواح ". استهل الشيخ كلمته بإشادة عطرة بأهل العقوبية، حيث قدم الشكر الجزيل لهؤلاء الأهل الطيبين على ما وجده الوفد من حفاوه واستقبال وترحيب، وما أبدوه من بِشر وفرح بزيارة إخوانهم، داعياً الله أن يزيدهم من فضله. وأشار الشيخ إلى السمعة الطيبة للقرية التي يسمع عنها كل خير منذ فترة طويلة، وخص بالذكر أخانا أبا حاتم، مشيداً بحرصه وإلحاحه الدائم وطلبه المتكرر لهذه الزيارة نيابة عن أهل القرية وشيخها وسائر الرجال فيها، حتى يسر الله هذا اللقاء المبارك في مسجدهم العامر. ثم غاص الشيخ في لُبّ الموضوع، مبيناً أن أول ما ينبغي أن يستفتح به العبد يومه هو ذكر الله، مستدلاً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم عند الاستيقاظ بقوله: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا واليه النشور». وفصّل الشيخ في فقه العُقد الشيطانية وسبل حلها بالذكر والوضوء والصلاة، مؤكداً أن من فعل ذلك أصبح نشيطاً طيب النفس. ثم انتقل تبيان أن الذكر هو مادة القوة البدنية، مستدلاً بحديث علي وفاطمة رضي الله عنهما، ومستحضراً قول ابن تيمية «هذه غدوتي، لو لم أتغدها سقطت قواي». كما حث على ملازمة الأذكار المقيدة والمطلقة، مختتماً بالدعاء العظيم: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». ثم كانت جلسة صباحية جميلة تناقشنا فيها في مسألة الترحيب بكلمة (ألو) بالجوال وهل فيها شيء محظور، وكانت جلسة مع أخينا نصيب الغتنيني الرجل الوقور مرافقنا في الرحلة حفظه الله، إذ أتحفنا بأن الشيخ الإمام الألباني يرى عدم التحريم لكونها أعجمية ولكن الأفضل تركها، وخلصنا إلى أن الأفضل كما قاله اخونا العزيز ابو عبد القادر سالم المقدي حفظه الله القول: "مرحباً" أو "السلام عليكم" كما هي عادة أهل العلم. ثم أتى الصبوح كالعادة مع الحلاوة والخبز والشاي الحضرمي مع ضيافة كريمة مباركة حفظهم الله. ومما أخّرنا تعطل أحد إطارات الباص مما اضطررنا معه إلى بعض التأخير وزيارة بعض الورش برفقة قائدنا السائق عبد القادر الدموني حفظه الله، ولله الحمد.. ثم انطلقت القافلة مستأنفة مسيرها نحو "شرج حاح" و"الحجيرة" و"رأس محل"، محملةً بآمال التغيير وعزائم الاستقامة.

وبعد انتهاء المجلس العلمي الروحي، أقبل أهل شرج حاح بكرم حضرمي أصيل، فمدُّوا مائدةً عامرةً طيبة. اجتمعنا مع اثنين من عقال البلاد -حفظهم الله- ترى في سيماهم وجوه البشر والرجولة، على غذوية الدجاج المطبوخ بلذة، والليمون الطري، والموز الناضج، والأرز الشهي. كان الطعام شهيًا مباركًا، والأهم منه تلك الوجوه المشرقة بنور الشيبة وهيبة الحضارم، والحديث الهادئ الخبير الذي يعكس طيب القلوب وكرم النفوس. في تلك الجلسة شعرنا بدفء الإخاء الصادق، وبركة المجالس التي تجمع بين العلم والطعام والمحبة. جزى الله أهل شرج حاح خير الجزاء، وبارك فيهم وفي ذريتهم، وأدام عليهم نعمة السنة والاستقامة والكرم. وبعد الغداء انطلقنا إلى الحجيرة من بلاد وادي العين، في جلسة عصرية جميلة سنتحدث عنها لاحقًا بإذن الله.

المحطة الحادية عشر: مائدة الرزق ومعالم الهدى في ظلال "شرج حاح حيث تشتد الشمس وقت الهجير، كانت جلستنا التي تبرد القلوب والاجساد فمن الملاحظ في وادي حضرموت أن الشمس ليست مجرد قرص من لهب، بل هي إيقاع حياة صاغ ملامح الأرض والإنسان. شمسٌ حادةُ الإشراق، تطل من سماء صافية لايحجبها غمام، لتبث حرارةً جافة تمتاز بلسعة الإباء وقوة النفوذ. غير أن هذا الجفاف هو سرّ اللطافة الخفية، فالهواء في الوادي -على شدة قيظه- حر طليق من قيود الرطوبة، مما يجعل الجسد يتنفس بيسر، ويستقبل النسمات التي تغدو باردة بمجرد أن يلامسها القليل من الماء. وهنا تجلت فطنةُ الإنسان الحضرمي في مواءمة بيئته، فبينما استندت مدنه إلى الطين الذي يمتص عناد الشمس نهاراً ليهب السكينة ليلاً، استعان في تبريد هجيره بالمكيفات الصحراوية. تلك التقنية التي تآخت مع جفاف الجو تآخياً عجيباً؛ فهي لا تكتفي بكسرِ حدة الحرارة، بل تنفث في الأرجاء رطوبة ندية ترطب الأنفاس، وتُحيي في البيوت الطينية روحاً من الانتعاش، وكأنها تحاكي في عملها سحابة مارة رشت رذاذها على ممر ريح عابرة، لقد أصبحت هذه المكيفات في ظلال الوادي هي الخيار الأذكى، فهي تجدد الهواء ولا تحبسه، وتمنح النفس رِيّاً من البرودة الطبيعية التي تذكّرُ بظلال النخيل وسواقي الوديان، لتظل شمس حضرموت -رغم حرورها- مبعث نضج الثمار، ومنارة بناء الحضارة، وهناك بعد صلاة الظهر في مسجد شرج حاح امتعنا أخونا أبو الحسين محمد بن سعيد مفلح -حفظه الله- بابتسامته الطيبة وطرافة لسانه، حيث يسقي المجلس برد اليقين في كلمته "برد اليقين في فقه الرزق والتمكين" فقد تكلم بفصاحة هادئة عن نعم الله السابغة، وذكر حديث الاجتماع على كتاب الله الذي تنزل فيه السكينة وتغشى فيه الرحمة. ثم فاض الكلام عن الرزق، فبيَّن أنه مكتوب قبل أن نخرج إلى الدنيا، وأن الله تعالى هو الرزاق الذي يتكفل برزق كل دابة، حتى النمل والقطط والدواب التي تأكل ما يفضل من طعام البشر. وانتقد بلباقة من يجعل الرزق مقصورًا على المال والوظائف، وأوضح أن الرزق أوسع فعلم نافع، وخلق حسن، وقناعة، وتوكل صادق، وتقوى تجلب المخرج من حيث لا يحتسب. ساق مثال طالب العلم الذي يُرزق بسبب تفرغه للعلم، ودافع عن أهل المجالس العلمية من تهمة من أين يأكلون؟، مبينًا أن الشيطان يزين الشك في رزق من يسلك طريق السنة. ثم ختم بدعاء بالبركة لأهل البلد وللمجلس، تاركًا في النفوس طمأنينة بأن الرزق آت لا محالة، وأن التوكل على الرزاق أجلُّ الأسباب. كانت كلمة مُطمئنة، تجمع بين الدليل والمثال والنصح الرفيق، كأنها نسيم يبرد لهيب الهموم. ثم قام شيخنا أبو حمزة -حفظه الله-، فألقى كلمة جامعة مانعة، تفيض حكمة وفقهًا بالواقع والدين معًا بعنوان "فقه الثبات في زمن المتغيرات" بدأها بشكر أهل شرج حاح على حفاوتهم وطيب معدنهم، وشهد لهم بحبهم للسنة واستقبالهم لأهلها، معتبرا ذلك دليلاً على صلاح القلوب وصدق الاعتقاد، إذ ما في القلب يظهر على الوجه والجوارح. وأطال في بيان علامات الخير في البلد من استقدام لطلبة العلم ومشايخ السنة واستقبالهم بفرح شديد، وهو ما يدل على رغبة صادقة في الخير لا تُغرى بالعرض الفاني. وأشاد بفضل السنة في تربية الرجولة والشجاعة والثبات، مقابل التذبذب والخنوع في غيرها. ثم ربط كلامه بموضوع الرزق، فبيَّن ضعف حسن الظن بالله عند بعض الناس، وأن الفقر قد يكون خيرًا من الغنى بحكمة الله، وساق قصص النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الغنى بالتوحيد والصبر والعفاف، حتى قال: "أغناهم الله بهذا المنهج"، فالتوحيد والسنة هما الكنز الحقيقي. وكانت الأسئلة جوهرة الجلسة، تدل على وعي قبائل حضرموت بقضايا الدعوة والواقع، وعلى انطلاقة الشيخ وارتياحه لهذه المجالس النصحية التي تبصر الإنسان بفحول الرجال وبين أهل الأهواء. وأجاب الشيخ بفقه واضح، يجمع بين العلم الشرعي والفطنة بالواقع، ففي زواج البنت من أهل الأهواء نصح بعدم التزويج، محذرًا من خطر ذلك على الدين والرحم، مؤكداً أن أهل السنة وجه واحد لا يتلون. وفي السجود عند القيام للصلاة حكم بأنه بدعة، وبيَّن السجدات المشروعة (سجود الصلاة، السهو، التلاوة، والشكر)، مستندًا إلى أصل التوقيف في العبادات. وفي تصديق الساحر فرَّق بين الاعتقاد بأنه يعلم الغيب (كفر أكبر مخرج من الملة) وبين الذهاب إليه للعلاج (كبيرة من الكبائر إن لم يعتقد علمه للغيب). وفي التمردات على الدولة حذر من الركون إلى الفتن والثورات، مبينًا وجوب السمع والطاعة في المعروف، وأن الأمن والاستقرار شرط لكل خير وعمران. كما أجاب بسرعة بديهة، مع أسئلة تفاعلية تجذب الانتباه، وختم بدعاء ونصح بالقناعة والتمسك بالسنة. فخرج المجلس بعلم غزير وفقه وخشية، بارك الله في الشيخ وحفظه.

وأفاضت الكلمة في ذكر شرف العلم الذي يرفع العبيد والموالي إلى منازل الملوك، وضربت الأمثلة التاريخية بعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن المبارك، وسالم مولى أبي حذيفة، مؤكدة أن القرآن يرفع الله به أقواماً ويضع به آخرين. وحثت الكلمة الآباء على دفع أبنائهم لحفظ القرآن، مبينة الجزاء العظيم بتتويج الوالدين يوم القيامة بتيجان النور، فمنزلة العبد عند آخر آية يقرؤها. خُتمت الكلمة بفتح باب الأمل، فمهما تلطخ العبد بالسيئات فإن يد الله مبسوطة بالليل والنهار للتائبين، فلا قنوط من رحمة الله الذي يغفر الذنوب جميعاً. وكانت جلسة صباحية جميلة تناقشنا فيها في مسألة الترحيب بكلمة (ألو) بالجوال وهل فيها شيء محظور، وكانت جلسة مع أخينا نصيب الغتنيني الرجل الوقور مرافقنا في الرحلة حفظه الله، إذ أتحفنا بأن الشيخ الإمام الألباني يرى عدم التحريم لكونها أعجمية ولكن الأفضل تركها، وكان نقاشنا مع أخينا سالم بن علوي المقدي حفظه الله، وخلصنا إلى أنها غير شرعية والأفضل القول: "مرحباً" أو "السلام عليكم" كما هي عادة أهل العلم، ثم أتى الصبوح كالعادة مع الحلاوة والخبز والشاي الحضرمي مع ضيافة كريمة مباركة حفظهم الله. مما أخّرنا تعطل أحد إطارات الباص مما اضطررنا معه إلى بعض التأخير وزيارة بعض الورش برفقة قائدنا السائق عبد القادر الدموني حفظه الله، ولله الحمد.. ثم انطلقت القافلة مستأنفة مسيرها نحو "شرج حاح" و"الحجيرة" و"رأس محل"، محملةً بآمال التغيير وعزائم الاستقامة.

تنبيه: أراني أحد الإخوة منشوراً هو قصيدة جميلة لأبي عمر محمد الباص، نظمها يوم الاثنين الثالث من ذي القعدة 1447، أثناء تواجدنا عند بني كليب بـ "منوب"، ولم تُقرأ حينها، أسماها: (ترحيب أهل منوب المعرَّب بوفد الديس الشرقية المقرَّب)، يقول في مقدمتها: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه قصيدة ترحيبية بالوفد الكريم من الديس الشرقية لزيارتهم لوادي منوب ظهر هذا اليوم الاثنين، وقد عزمت على قراءتها بواسطة أحد الإخوة قبل كلمة الشيخ، لكن لضيق الوقت آثرنا سماع كلمة ضيفنا العزيز المبارك الشيخ حسن باشعيب حفظه الله وسدده...". ويا لها من لفتة كريمة من أبي عمر، ومشاعر جياشة ترجمتها حروفه فهذه القصيدة ليست مجرد أبيات، بل هي وثيقة حب وإخاء تربط بين الديس الشرقية ووادي منوب ودار آل كليب الكرام، وتؤكد أن الدعوة إلى الله والمنهج السلفي الصافي هما أقوى الروابط التي تجمع القلوب. لقد أحسن الشاعر بوصف الوفد بـ "المقرَّب"، ووصف الشيخ حسن باشعيب بـ "واحد الأعلام"، وجسد كرم آل كليب الذين هم أهل القِرى والنصرة. وهذا المنشور أراه هو خير افتتاح لتوثيق يومنا الرابع، الذي يبدو حافلاً بالبذل والعطاء في شعاب وأودية مباركة. وننبه ثانيا إلى ما ذكره الأخ الناصح بأن اسم المنطقة هو "العقوبية" (بالواو دون ياء)، وهو الصواب. *المحطة العاشرة: ميزان الرفعة وتباشير الفجر في وادي العين* بعد تلك الليلة المفعمة بالترحيب والكلمات العلمية في "البويرقات"، انطلقت القافلة في يومها الرابع لتنشر عبير السنة في محطات متتالية، بدأت بتباشير الفجر واستمرت حتى سكون المغرب. كان مبيتنا في منطقة العقوبية في مسجدها المتواضع الذي تميزه السنة والهدي السلفي، إذ استقبلنا مشايخ المنطقة بالترحاب والابتسام، وما إن وضعتُ جنبي حتى استيقظتُ على حال رجال ثلث الليل الركع السجد.. اللهم لك الحمد. فأخذنا من الزاد ما نطيق، وانتظرنا ليرفع أخونا الحبيب القريب سالم النموري -حفظه الله- بصوته الندي أذان الفجر في أجواء قرية العقوبية ومسجدها العامر برجال البلاد والضيوف الكرام. وافتتحنا يومنا هذا بمحاضرة الفجر لشيخنا الكريم أبي حمزة -حفظه الله وأعانه- في العقوبية؛ التي سميت نسبة إلى "العقبة" وهي الطريق الوعر المرتفع في الجبل، وهي منطقة تقع ضمن النسيج الاجتماعي والعمراني لوادي العين، وتمتاز ببيئتها الريفية الأصيلة التي تحيط بها الجبال وتنتشر فيها المساحات الزراعية التي تعتمد على مياه الوادي والسيول، واختيار هذا الوقت والمكان يعكس أهمية القرية كمركز سكاني يحرص أهله على الاستفادة من مجالس العلم والذكر في أبكر أوقات اليوم. ويمتاز أهل العقوبية، كشأن بقية أهالي وادي العين، بالكرم والبساطة والتمسك بالقيم الإسلامية والاجتماعية، والقرية رغم هدوئها، تعد جزءاً من تاريخ الوادي الذي كان قديماً ممراً للقوافل التجارية ومركزاً من مراكز العلم. وحيث القلوب في أصفى حالاتها، تستقبل مواعظ الهدى مع أنفاس الصباح الأولى، ليكون العلم خير زاد لبداية يوم جديد. وإذ بمقدم الكلمة كان أخونا عبد الله النهدي -حفظه الله- يرحب بالشيخ والوفد المرافق له ثم كانت كلمة الشيخ الصباحية " ميزان الرفعة ومعالم الاستقامة" هذه الكلمة الصباحية في العقوبية هي فيضٌ من الحكمة والوعظ المؤثر، وقد جاءت كأنها سحابة غيثٍ بكر في أول اليوم الرابع من رحلتنا، لقد لخصت هذه الكلمة معالم رفعة المؤمن وحقيقة الميزان الشرعي الذي يقيس به الإنسان فلاح نفسه. فبعد حمد الله والثناء عليه بما هو أهله، انطلقت الكلمة لتضع الحاضرين أمام مرآة أنفسهم، مؤكدة أن أعظم النعم بعد الإسلام هي هذه الاجتماعات المباركة في بيوت الله، حيث السكينة والرحمة وحفّ الملائكة. وأبرزت الكلمة ميزاناً دقيقاً لكل مسلم؛ فمن انشرح صدره لمجالس العلم وأنس بالذكر فذلك علامة صدق إيمانه، أما من شعر بالنفور والضيق فليفتش عن علله وليعالج قلبه قبل فوات الأوان، فالمؤمن هو من تسره حسنته وتسوؤه سيئته. وبينت أن الحرمان الحقيقي مَن يسكن بجوار المسجد ثم يتخلف عن صلاة الجماعة، أو يرى مجلس العلم يُعقد لتعلم التوحيد والصلاة فيعرض عنه منشغلاً بلهو الدنيا، مؤكدة أن الدنيا زائلة وما عند الله باقٍ. وانطلاقاً من حديث «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»، قدمت الكلمة شكراً حاراً لشيخ العقوبية وأهلها على حسن الاستقبال والبشاشة، معتبرة أن هذا الاحتفاء بالدعاة هو حسنة تُسطر وبشرى معجلة للمؤمن في الدنيا، مستدلة بحديث الجنازة «أنتم شهداء الله في أرضه». وردت الكلمة بقوة على دعاة العلمانية الذين يريدون حصر الدين في المسجد فقط، مؤكدة أن الإسلام منهج حياة شامل؛ في المسجد، والبيت، والسوق، ومع الجار، عملاً بقوله تعالى: (قل أن صلاتي ونسكي ومحبتي ومماتي لله رب العالمين).

بهذه الأجواء الإيمانية الجميلة، انتهت محطتنا في وادي العين، لتنطلق قافلتنا بعد ذلك متجهة إلى اليعقوبية، حاملين معنا ذكريات طيبة، ودروساً نافعة، وقلوباً مشحونة بأفراح الإيمان وأسماء الرحمن.

المحطة التاسعة: وادي العين.. أفراح الإيمان وأسماء الرحمن ها نحن قد وصلنا إلى وادي العين، الذي يتميز بوفرة العيون الجارية، حيث كان الوادي يشتهر قديماً بوفرة مياهه السطحية والجوفية التي تنبع من باطن الأرض، مما جعله واحداً من أخصب أودية حضرموت وأكثرها ملاءمة للزراعة والاستقرار البشري، ذلك الوادي الجنوبي الجميل الذي يحتضن قرىً خصبة وطبيعة ساحرة. نزلنا في منطقة البويرقات، فحطت رواحلنا في جامع البويرقات، مسجدٌ جميل مبارك تتوسط سقفه نجفية خضراء جميلة تضفي عليه نوراً وهدوءاً خاصاً، تعطي ساحته وميضا يلمع كالبرق بين الرمل والحجارة.. قبل الدخول إلى المسجد، اتجه بعض اخواننا إلى مزرعة قريبة إذ أخذوا يطعمون الدوم، وتبادلنا الحديث عن بعض النباتات التي صادفناها: شجرة البنج السمية، ونبات الفسفس ذي الرائحة القوية، والنفلة مرعى الغنم والإبل، والسعدة وعروقها العطرية، ونبات السيسبان ذي الأوراق الريشية. كانت لحظات تأمل في بديع صنع الله ودقة خلقه. ثم سنحت لي الفرصة داخل المسجد في جلسة دافئة مع أخينا الكبير أبي صالح علي بن صالح السباعي حفظه الله، الذي ألقى كلمات مؤثرة بأسلوب شعبي صادق فيما بيني وبينه قال فيها: كفى بس يكفي من الهم والأحزان ايش السبب في هذا الغلاء هذا الزمان خليك دوب سلفي مع السنة والقرآن لا تتبع البرمكي ولا تتبع حزب الأخوان ولا تتبع الصوفي ولا رافضي من ارض إيران كانت جلسة بويرقية قصيرة لكنها مليئة بالفضول من هذا الشعر الشعبي في محاربة البدع والكفران، وعلى ضوء هذه النجفة الكبيرة الجميلة .. بعد صلاة المغرب التي أُقيمت بقراءة ممتعة جميلة، بدأ البرنامج العلمي بمقدمة نافعة من اخينا الفاضل أبي عمار حسن بن زيلع حفظه الله بعنوان: نعمة زيارة أهل العلم لبلادنا، أكد فيها على عظم نعم الله، وخاصة نعمة الإسلام والسنة، ثم نعمة محبة مجالس العلم والذكر. وبيَّن أن زيارة أهل العلم والدعاة الصادقين إلى القرى والمساجد نعمة كبرى، لا سيما في زمننا هذا الذي يسر الله فيه وصول الخير إلى الناس في أماكنهم، بخلاف عهد السلف الذين كانوا يرحلون مسافات طويلة على الأقدام أو الدواب لاكتساب حديث أو علم وحث على شكر هذه النعمة وعدم كفرانها، ووصف زيارتنا بأنها نعمة ورفعة للبلد وأهله. ورحب بالشيخ أبي حمزة ومن معه من الديس الشرقية، ودعا إلى الاستفادة من محاضرة هذه الليلة المباركة... ثم ألقى اخونا أبو الحسن معتز باغويطة حفظه الله كلمة علمية مؤثرة بعنوان: اسم الله القدير، جمع فيها مادة علمية غزيرة من الكتاب والسنة بأسلوب جميل ومؤثر. بيَّن أن الله هو القدير ذو القدرة المطلقة التي لا حدود لها، وأن هذه القدرة تتجلى في خلق الكون بإتقان، وفي تسيير الشمس والقمر، وفي تقليب أحوال العباد من عز إلى ذل ومن غنى إلى فقر. واستشهد بقصة زكريا ومريم عليهما السلام، وبشق البحر لموسى، وإبراهيم في النار، ونجاة نوح في السفينة. وأكد أن استشعار قدرة الله يبعث على الطمأنينة، وعظيم التوكل، وعدم اليأس، لأن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء سبحانه... ثم كانت المحاضرة الرئيسية لشيخنا الجليل أبي حمزة حسن باشعيب حفظه الله بعنوان: وجوب التفقه في دين الله ومعرفة أسماء الله وصفاته. ربط الشيخ ببراعة بين كلمات الإخوة السابقين وبين موضوعه، مبيناً أن اجتماعنا في المساجد للتفقه في الدين هو من توفيق الله وأشار إلى أن كثيراً من الناس محرومون من هذا الخير رغم قربهم منه، بينما آخرون يتحملون المشاق من أجله. وحث على شكر الله الحقيقي بالطاعة والتقرب إليه، وأكد أن التفقه في أسماء الله وصفاته من أشرف العلوم، لأنه يرسخ توحيد الألوهية على أساس معرفة الربوبية والأسماء والصفات. واستشهد بآيات كثيرة تذكر الخلق ثم تلزم بالعبادة، وبقصص الأنبياء مثل يعقوب عليه السلام الذي لم ييأس من روح الله. وبيَّن أن ضعف الإيمان بقدرة الله هو سبب اليأس والقلق، وأن معرفة هذه الصفات تبعث على الطمأنينة والسكينة. ولم يتوقف فيض العلم عند هذا الحد، بل امتد ليشمل أسئلة الناس التي أجاب عليها الشيخ ببصيرة وتيسير؛ فأوضح أن التقييد في الحسابات البنكية يقوم مقام القبض يداً بيد في صرف العملات، وحذر بشدة من الكسب الحرام عبر تزوير الرواتب أو الغش في الوظائف، كما شدد على صيانة الوقف ونقله لمساجد أخرى عند الاستغناء عنه ليبقى أثره. وأنكر الشيخ بوضوح بدع الولائم والذبائح التي تُقام في العزاء مبيناً أنها تُثقل كاهل الناس وتخالف هدي النبوة، ثم بصّر الحاضرين بصفة الصلاة الصحيحة على الكرسي بالإيماء بالرأس والظهر معاً، وختم ببيان أحكام طهارة المياه بيسر وسهولة. ثم كانت العشوية في تلك الصالة الكبيرة المتميزة، عشاءً لا يُنسى ولله الحمد، وبعد طول غياب عن مثل هذه الموائد الثمدية، اذ طعمنا الصيد الثمد، في وادي العين ، ذلك الطبق الحضرمي الأصيل الشهي. كانت العشوية دافئة ولذيذة، مليئة بالبركة والألفة، تجسد الكرم الحضرمي النبيل في أبهى صوره.

المحطة الثامنة: ترياق النحل وعزائم الصبر: رحلة الوفاء في مرابع "مَنوب" وظلال "شبام" في ضحى يوم الإثنين، الثالث من ذي القعدة لعام ١٤٤٧هـ، طوينا بساط الأنس في "خلع راشد" بعد ليلةٍ ضمختها السكينة، لنشدّ الرحال نحو وادي منوب؛ ذلك الوادي الذي يسكن التاريخ في عروقه كما يسكن النحل في خلاياه. ثمانية عشر كيلومتراً من الخصوبة والعراقة في أرض "بني كليب"، حيث ينطق الاسم بلسان الشاعر قديماً "منوب" اشتقاقاً من "النُّوب" وهو النحل. وادي النحل هذا، بعاصمته "فضاة آل كليب" وقراه الوارفة، لا يفيض بالعسل فحسب، بل يفيض بمآثر الكرم الحضرمي الذي لا يصدأ. استقبلتنا بشاشة الشيخ أبي عبد الخالق أحمد بن كليب النهدي حفظه الله، صاحب الايدي البيضاء في نصرة الدعوة، الذي أقلّنا إلى مسجد بني كليب. دخلنا ذلك الرحاب الطاهر، فوجدنا صورةً إيمانيةً تأخذ بمجامع القلوب: أخٌ يتلو القرآن، وآخرون في حلقة أنسٍ يتبادلون النصح، وثالثٌ أغمض جفنيه يستريح من وعثاء السفر.. كانت جدران المسجد تحتضن دفء الصحبة وبركة الرحلة. قرب آذان الظهر كانت "قيلولةٍ" جاد بها أهل "منوب" الكرام من التمر السُّكري والطحينية والقهوة التي تعدل المزاج، صلينا الظهر، ليرحب بنا الشيخ أبو أسيد بكلماته الرقيقة المألوفة، ممهداً الطريق لدرة المحطة؛ موعظة شيخنا أبي حمزة حسن باشعيب حفظه الله الموسومة بـ: تاج الوقار في لزوم آثار المصطفى المختار. انثال حديث الشيخ عذباً، فأثنى على الشيخ أبي أسيد واصفاً إياه بمعدن التواضع الذي هو باب الرفعة، مشيداً بقبيلة بني كليب وأهل "منوب" الذين فتحوا قلوبهم وبيوتهم للمنهج السلفي ودعاة السنة، في زمنٍ قد يضل فيه البعض بوصلة الطريق. بصوتٍ يملؤه اليقين، أكد الشيخ أن العزة لا تُشترى بالجاه ولا تُجمع بالمال، بل تُنال بالتوحيد. وذكّر ببلال بن رباح الذي رفعته السنّة حتى صار فوق سادات قريش قدراً، موضحاً أن صاحب السنّة يرتدي تاج الوقار؛ طهارةً في الباطن واستقامةً في الظاهر. واختتم وصيته بالحثّ على العضّ بالنواجذ على هذا الحق، وبذل الغالي والنفيس لنصرة الدين، داعياً لأهل هذه البلاد بالثبات وحسن الختام. انتقلنا بعدها إلى دار الشيخ أبي عبد الخالق، حيث تجلت أبهى صور الكرم الحضرمي. مائة وعشرون نفساً اجتمعت على موائد الكرم القطني، طعامٌ "تأكل أصابعك وراءه" من الأرز الحضرمي مخلوطا بالزبيب واللوز واللحم البلدي والليم والبسباب، يغلفه ابتسامةٌ لا تفارق المحيّا، والاستعداد التام للحفاوة بالأخوة لتمتليء المعدة والخاطر بشكر ربنا الخالق المعطي سبحانه.. ثم كانت أكواب الشايٍ من كل لونٍ تلاها أنسٌ لا يُنسى. ودعنا الشيخ ابو عبد الخالق باكأف ملاؤها الشكر والامتنان وابتسامة لا تفارق المحيا ، لنتجه نحو وادي العين، بينما يمّم شيخنا حفظه الله واعزه وجهه شطر مدينة شبام التاريخية؛ تلك الناطحات الطينية التي تعانق السماء وتتحدى الزمان. وفي جامع الرحمن بسحيل شبام، بعد صلاة العصر، كان الموعد مع فيضٍ جديد من العلم تحت عنوان: التواصي بالصبر لمن أراد الرجوع إلى الدار الأولى وهي الجنة بكلماتٍ مؤثرة، طاف الشيخ في رحلة الإنسان من الجنة إلى الأرض، حيث دار الابتلاء. أوضح أن رجوعنا إلى وطننا الأول الجنة مرهونٌ بالطاعة والصبر. تحدث عن: الصبر على التوحيد في وجه الخرافة والقبورية، والصبر على الطاعة رغم فتن العصر، والصبر على الأذى متمثلاً في ثبات بلال وسمية. ثم ختم الشيخ كلمته بأن الجنة حُفّت بالمكاره، وأن أعظم عطاءٍ للعبد هو الصبر، فبه تُوفى الأجور بغير حساب، وبه تستقبل الملائكة الداخلين للجنة بسلامٍ آمنين. ثم أفاض في الإجابة على أسئلة الحاضرين في فقه الصيام والاعتكاف والغيبيات، بلسانٍ مبين ومنهجٍ رصين. مضت محطة منوب وشبام، مخلفةً وراءها عطر النصح وذكرى الكرم، سائلين الله أن يبارك في هذه الوجوه، ويجزي الشيخين أبا عبد الخالق وأبا أسيد خير الجزاء، ويجعل هذه الرحلة لبنةً في صرح العلم والخير.

إليك." بعد الكلمتين الجميلتين من شيخيين محاهدين ذوي خبرة وحكمة، قرب لنا الشيخ باجمال التمر مع القهوة في لمة طيبة وصحبة جميلة، وهذه عادته حفظه الله تعالى بعد الفجر؛ كرم التمر والقهوة. ثم كان معنا الصبوح المتواضع مع الشاي الحار، في لمة أخوية دافئة من الإخوة حفظهم الله. بعضنا نام بعدها، وبعضنا ذهب إلى السوق. ذهبنا إلى السوق في رفقة شيخنا الكريم أبي حذيفة محمد هبير المفسر ذي الاستنباطات العميقة الجليلة، والكتابات والكلمات التي تعالج شبهات العصر وتلم الشتات. هنا رأينا رخصاً ملحوظاً في الأسعار، إذ تجد الجونية من البصل بسعر 2000 ريال يمني ، وكذلك رخص في الثوم والقضب وأشياء كثيرة. السوق شعبي والحمد لله، أخذنا بعض الحاجيات ثم رجعنا إلى المسجد. فإذا بالإخوة على أهبة الاستعداد للانطلاق إلى وادي منوب (بلاد بني كليب)، والتي ستكون لها محطة أخرى بإذن الله. كانت ليلة خلع راشد وليلة فجرها انتقالاً مباركاً من بركة شحوح إلى بركة جديدة، مليئة بالترحاب والنصيحة والكرم الحضرمي الأصيل.