fa
Feedback

فریب کلاهبرداران را نخورید! تل‌متریو این کانال‌ها را شناسایی و برچسب‌گذاری می‌کند 👉 برای مشاهده برچسب، اشتراک تهیه کنید

زاد الخطيب والواعظ

زاد الخطيب والواعظ

رفتن به کانال در Telegram
1 962
مشترکین
-124 ساعت
-57 روز
-530 روز

در حال بارگذاری داده‌ها

ابر برچسب‌ها
هیچ داده‌ای
مشکلی وجود دارد؟ لطفاً صفحه را تازه کنید یا با مدیر پشتیبانی ما تماس بگیرید.
اشارات ورودی و خروجی
---
---
---
---
---
---
جذب مشترکین
اکتبر '26
اکتبر '26
+8
در 0 کانال‌ها
سپتامبر '260
در 0 کانال‌ها
Get PRO
اوت '260
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژوئیه '260
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژوئن '260
در 0 کانال‌ها
Get PRO
مه '260
در 0 کانال‌ها
Get PRO
آوریل '260
در 0 کانال‌ها
Get PRO
مارس '260
در 0 کانال‌ها
Get PRO
فوریه '260
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژانویه '260
در 0 کانال‌ها
Get PRO
دسامبر '250
در 0 کانال‌ها
Get PRO
نوامبر '250
در 0 کانال‌ها
Get PRO
اکتبر '250
در 0 کانال‌ها
Get PRO
سپتامبر '250
در 0 کانال‌ها
Get PRO
اوت '250
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژوئیه '250
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژوئن '250
در 0 کانال‌ها
Get PRO
مه '250
در 0 کانال‌ها
Get PRO
آوریل '250
در 0 کانال‌ها
Get PRO
مارس '250
در 0 کانال‌ها
Get PRO
فوریه '25
+33
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژانویه '25
+54
در 0 کانال‌ها
Get PRO
دسامبر '24
+63
در 0 کانال‌ها
Get PRO
نوامبر '24
+55
در 0 کانال‌ها
Get PRO
اکتبر '24
+39
در 0 کانال‌ها
Get PRO
سپتامبر '24
+49
در 0 کانال‌ها
Get PRO
اوت '24
+64
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژوئیه '24
+72
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژوئن '24
+98
در 0 کانال‌ها
Get PRO
مه '24
+103
در 0 کانال‌ها
Get PRO
آوریل '24
+127
در 0 کانال‌ها
Get PRO
مارس '24
+154
در 0 کانال‌ها
Get PRO
فوریه '24
+128
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژانویه '24
+100
در 0 کانال‌ها
Get PRO
دسامبر '23
+111
در 0 کانال‌ها
Get PRO
نوامبر '23
+156
در 0 کانال‌ها
Get PRO
اکتبر '23
+85
در 0 کانال‌ها
Get PRO
سپتامبر '23
+46
در 0 کانال‌ها
Get PRO
اوت '23
+55
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژوئیه '23
+46
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژوئن '23
+61
در 0 کانال‌ها
Get PRO
مه '23
+52
در 0 کانال‌ها
Get PRO
آوریل '23
+58
در 0 کانال‌ها
Get PRO
مارس '23
+43
در 0 کانال‌ها
Get PRO
فوریه '23
+37
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژانویه '23
+33
در 0 کانال‌ها
Get PRO
دسامبر '22
+37
در 0 کانال‌ها
Get PRO
نوامبر '22
+50
در 0 کانال‌ها
Get PRO
اکتبر '22
+48
در 0 کانال‌ها
Get PRO
سپتامبر '22
+32
در 0 کانال‌ها
Get PRO
اوت '22
+45
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژوئیه '22
+73
در 0 کانال‌ها
Get PRO
ژوئن '22
+1 061
در 0 کانال‌ها
تاریخ
رشد مشترکین
اشارات
کانال‌ها
17 اکتبر+1
16 اکتبر+1
15 اکتبر+3
14 اکتبر0
13 اکتبر0
12 اکتبر+3
پست‌های کانال
​وهكذا كان السلف الصالح يرقبون تصرفات أبنائهم بدقة: ​فهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله، خامس الخلفاء الراشدين، دخل عليه أحد أبنائه يلبس ثياباً فاخرة يختال فيها، فنظر إليه عمر شزراً ولم يمدحه بماله وجاهه، بل أمره أن يخلعها ويلبس ثياب عامة الناس، وعلمه أن القيمة بالتقوى لا بالمظاهر الخادعة. ​وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو خليفة المسلمين، لم يترك لأهله مجالاً للتعالي بجاه الخلافة، بل ظلوا على حالهم من التواضع الشديد وخدمة ضعفاء المسلمين ورعايتهم. ​لقد فقه هؤلاء الأعلام أن "ابن الأكرمين" الحقيقي هو من يكرم نفسه بالطاعة والتواضع، وأن من يرفع رأسه بالكبر وضعه الله، ومن تطأطأ لله رفعه. وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله: "أرفع الناس قدراً من لا يرى قدره، وأكثر الناس فضلاً من لا يرى فضله". ​أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. ​الخطبة الثانية: العلاج والمنهج العملي للتربية ​الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ​أما بعد، أيها المسلمون: بعد أن رأينا خطورة هذه الظاهرة وكيف تعامل معها سلفنا الصالح كعمر بن الخطاب والأحنف بن قيس، يطرح السؤال نفسه: ما هو العلاج العملي لتربية أبنائنا على الآداب وحمايتهم من داء الكبر والتعالي؟ ​إن العلاج يكمن في خطوات عملية ينبغي على كل أب وأم تطبيقها في بيوتهم: ​القدوة الصالحة من الوالدين: الأبناء يرقبون تصرفات الآباء. إذا رأى الابن أباه يحترم الضعيف، ويكرم الخادم، ويتحدث مع العامل بأدب وتواضع، سيتشرب الابن هذه الأخلاق تلقائياً. أما إذا كان الأب يتكبر على الناس، فلا يلومنّ إلا نفسه إذا رأى ابنه يضرب الآخرين ويقول "أنا ابن فلان". ​غرس معيار التفاضل الحقيقي: علموا أبناءكم منذ الصغر الآية المحكمة: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}. دربوهم على أن ميزان المرء هو علمه، وأدبه، وعطاؤه، وليس مال أبيه أو منصبه. ​الحزم في معالجة بوادر الكبر: إذا أخطأ ابنك في حق زميل له، أو تطاول على خادم أو عامل، فلا تأخذك الحَمية الجاهلية وتدافع عنه وهو ظالم، بل ألزمه بالاعتذار الفوري، وطلب العفو، ورد الحق لصاحبه، تماماً كما فعل عمر بن الخطاب. هذا الحزم يبني في نفس الطفل ضميراً حياً. ​دمج الأبناء في أعمال الخدمة والتواضع: عوّد ابنك أن يخدم نفسه، واصطحبه معك لتوزيع الصدقات بيده على الفقراء، ليلامس بؤر الحاجة في المجتمع، فيرق قلبه ويذهب كبره. ​عباد الله، إن تربية الأبناء على الآداب هي أفضل إرث تتركونه لهم؛ ففي الحديث: «مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ». لنصنع منهم رجالاً يحملون لواء العدل والتواضع، لا سياط الكبر والتعالي. ​اللهم أصلح لنا في ذرياتنا، اللهم حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، واجعلهم من الراشدين. اللهم طهر نفوسهم من الكبر، وألسنتهم من الفخر، واجعلهم هداة مهتدين. ​عباد الله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

2
الخطبة الأولى: الموعظة والتفكر وقصة "اضرب ابن الأكرمين" وسير السلف ​الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه المبين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أعز العباد بالتقوى، وحرّم الكبر والخيلاء والعدوان، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، والمربي الأول للأمة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليماً كثيراً. ​أما بعد: عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل؛ فبالتقوى تُشرح الصدور، وتُغفر الذنوب، وتُصلح الأحوال والذريات. ​أيها المسلمون، قفوا مع أنفسكم وقفة تأمل ومحاسبة؛ فإن الأيام تُطوى، والأعمار تُقضى، والأنفاس معدودة، وكلنا قادمون على ربٍّ كريم لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. إن السعيد من أصلح سريرته، وكسر غرور نفسه، وتواضع لربه ولخلقه، وعلم أن مرده إلى التراب، وأن الدنيا ظل زائل، وعارية مستردة. ​وإن من أعظم النعم التي يمنّ الله بها على العبد أن يرزقه ذرية صالحة تقر بها عينه في الدنيا والآخرة، ولكن هذه النعمة مرهونة بأمانة التربية والرعاية؛ قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}. وإن من كبرى الآفات التي قد تبتلى بها بيوت المسلمين، أن ينشأ الناشئ وهو يرى نفسه فوق الآخرين، إما لمالٍ ناله والده، أو لمنصب تبوأه أبوه، أو لنسب يفخر به؛ فتراه يتعالى بلسان حاله أو مقاله قائلاً للناس: "أنا ابن الأكرمين!". ​وهذه الكلمة ليست وليدة العصر، بل هي خصلة جاهلية قديمة وقف لها الإسلام بالمرصاد. ولنا في تاريخنا المجيد درسٌ خالدٌ يجسد ذلك؛ حين فتح الله مصر على يد الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه، وكان والياً عليها في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ​أقيم سباقٌ للخيل في مصر، وتسابق رجلٌ من عامة أهل مصر (من القبط) مع ابن عمرو بن العاص، فأسرع المصري بفرسه وسبق ابن الوالي أمام الناس، فما كان من ابن الوالي إلا أن تملّكه الغضب والكبر، فأخذ الدرة (السوط) وجعل يضرب المصري ويقول بصلف وتكبر: "أنـا ابن الأكرمين! أتسبقني وأنا ابن الأكرمين؟!". ​فما كان من هذا الرجل المصري المظلوم إلا أن يمم وجهه شطر المدينة المنورة، وقطع الفيافي والقفار يبتغي العدل والإنصاف من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فلما وصل، دخل على عمر وشكا إليه ما صنعه به ابن الوالي. ​فلم يتهاون الفاروق، ولم يغلق الباب، ولم يقل: هذا ابن والي مصر وابن صحابي جليل! بل كتب توّاً إلى عمرو بن العاص أمره فيه قاهراً: "إذا جاءك كتابي هذا فاحضر واحضر معك ابنك". ​أقبل عمرو بن العاص وابنه إلى المدينة المنورة، فلما حضرا بين يدي الفاروق وفي مجلس الصحابة، دعا عمرُ الرجلَ المصري، وأعطاه الدرة (السوط)، وقال له أمام الجمع: "اضرب ابن الأكرمين!". فجعل المصري يضربه بالدرة حتى أخذ حقه كاملاً وفاض وشفي غليله، وعمر يقول: "اضرب ابن الأكرمين!". ​ثم التفت عمر إلى المصري وقال له: "ضع الدرة على صلعة عمرو! فوالله ما ضربك إلا بسلطانه". فقال المصري: "يا أمير المؤمنين، قد ضربت من ضربني وشُفيت". ثم التفت الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الوالي عمرو بن العاص بكلمة هزت أركان التاريخ وتناقلتها الأجيال: "يا عمرو، متى استعبدتُم الناسَ وقد ولدتهم أمهاتُهم أحراراً؟!". ​أيها الإخوة الأفاضل، لم يكن الفاروق عمر بدعاً في هذا الفهم، بل كان يسير على خطى المنهج النبوي الذي يربي على التواضع. وعلى هذا النهج سار السلف الصالح وتابعوهم بإحسان، ففقهوا أن التربية الحقيقية هي كسر كبرياء النفس في أبنائهم وبناتهم قبل أن يفسدوا ويفسدوا المجتمع معهم. ​ولنا في سيرة سيد التابعين وعالمهم الحليم، الأحنف بن قيس رحمه الله، مدرسة كبرى في التواضع وحسن السياسة. والأحنف هو الذي ضربت به العرب الأمثال في الحلم والتواضع، حتى قيل: "أحلم من الأحنف". سُئل الأحنف يوماً: "يا أبا بحر، بمَ سُدْتَ قومك؟" (أي كيف أصبحت سيداً مطاعاً في بني تميم وأنت لست بأجملهم ولا أغناهم؟)، فقال كلمات تكتب بماء الذهب تبيّن منهج حياته وتواضعه: "لو بغى عليّ رجل لَحَلُمْتُ عنه، ولو أساء لإِلَيَّ لَعَفَوْتُ، ولو ركِبني لَصَبَرْتُ، وما تكبّرتُ على أحدٍ قط، وإنما يُدْرِكُ الرّجلُ الشّرفَ بالتّواضعِ لا بالتعالي". ​لقد كان الأحنف يرى أن السياسة الحقيقية والوجاهة لا تنال بضرب الناس أو إهانتهم، بل بحمل أثقالهم والتواضع لهم. وفي ذات يوم، رأى الأحنف ابناً له يمشى مشية فيها خيلاء وتكبر، فدعاه وزجره زجراً بليغاً، وقرع سمعه بما يكسر هذا الصلف، وعلمه أن الإنسان أوله نطفة، وآخره جيفة، وهو بين ذلك يحمل العذرة، فكيف يتكبر؟!
255
3
sticker.webp
182
4
وأخيرًا، فإن اغتنام العمر لا يكون إلا بتوفيق من الله، فاسألوا الله أن يعينكم على اغتنام أعماركم، وأن يجعلها عامرة بطاعته. من الأدعية المأثورة: · «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» [رواه أبو داود والنسائي]. · «اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك، فإنه لا يملكها إلا أنت» [رواه الترمذي]. · «اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه». · «اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا». · «اللهم اجعل أعمارنا شاهدة لنا لا علينا». خاتمة الخطبة الثانية فيا عباد الله: إن العمر سيمضي، وكل يوم يمضي هو صفحة تطوى من كتاب حياتك، فاجعل كل صفحة تحمل خيرًا، وكل يوم يحمل عملًا صالحًا. تذكروا: · أن القبر أول منازل الآخرة. · أن الحساب واقع لا محالة. · أن الجنة والنار موجودتان. · أن كل دقيقة من عمرك هي فرصة لا تُعوض. فاغتنموا أعماركم قبل أن تفوت: · بطلب العلم النافع. · بحفظ القرآن وتدبره. · ببر الوالدين وصلة الأرحام. · بالصدقة وخدمة الناس. · بالتوبة الصادقة والعمل الصالح. · بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. · بإصلاح النفس والمجتمع. اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اغفر لنا ما مضى من أعمارنا، وبارك لنا في ما بقي منها، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، وصلّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. --- اللهم اجعل أعمارنا عامرة بطاعتك، وأعمالنا خالصة لوجهك الكريم، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، آمين يا رب العالمين.
182
5
3. السنن والنوافل: من صلاة الضحى، وقيام الليل، والصيام، والصدقة. 4. المباحات التي تعين على الطاعة: من أكل وشرب ونوم وراحة، فإنها إذا نُويت فيها النية الصالحة صارت عبادة. 5. ما لا ينفع: من فضول الكلام والاجتماعات والترفيه الزائد، فينبغي تقليله ما أمكن. 6. ما يضر: من المعاصي والآثام والصحبة السيئة، فيجب تركه فورًا. قال ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ» [متفق عليه]. رابعًا: استثمار الأوقات الضائعة أيها المسلمون: إن كثيرًا من الناس يضيعون أوقاتًا طويلة في الانتظار والتنقل والجلوس، وهذه الأوقات لو استثمرت لكانت كنزًا عظيمًا. فماذا يمكن أن تفعل في أوقات الانتظار؟ · الذكر والاستغفار: قال ﷺ: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» [متفق عليه]. · قراءة القرآن: ولو صفحة واحدة في كل مرة. · حفظ الأحاديث: أو مراجعة ما حفظته. · الدعاء: فإنه عبادة عظيمة، قال ﷺ: «الدعاء هو العبادة» [رواه الترمذي]. · التفكر والتدبر: في خلق الله وآياته. وهكذا يمكن أن يتحول الوقت الضائع إلى وقت مثمر إذا أحسن المسلم استغلاله. خامسًا: صحبة الصالحين عباد الله: إن الصحبة الصالحة من أعظم ما يعين على اغتنام العمر، فالصاحب الصالح: · يذكّرك بالله إذا نسيت. · يعينك على الطاعة إذا ضعفت. · يشجعك على العمل إذا كسلت. · ينبهك على الخطأ إذا أخطأت. · يدعو لك في ظهر الغيب. قال ﷺ: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» [رواه أبو داود والترمذي]. وقال ﷺ: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد منه ريحًا طيبة، وكير الحداد إما يحرق بدنك أو تجد منه ريحًا منتنة» [متفق عليه]. سادسًا: المداومة على العمل وإن قلّ أيها المسلمون: إن من أهم أسس اغتنام العمر المداومة على العمل الصالح وإن كان قليلًا، فإن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع. قال ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ» [متفق عليه]. وكان ﷺ إذا عمل عملًا أثبته، وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: «كان عمل رسول الله ﷺ ديمة» [متفق عليه]. فاجعل لك وردًا يوميًا من: · القرآن: ولو صفحة واحدة. · الذكر: ولو مئة استغفار. · الصدقة: ولو درهمًا. · الصلاة: ولو ركعتين. · الدعاء: ولو دعوة. فإن هذه الأعمال القليلة إذا داومت عليها، تراكمت وصارت جبلًا من الحسنات. سابعًا: محاسبة النفس عباد الله: إن محاسبة النفس من أعظم الوسائل التي تعين على اغتنام العمر، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم». فينبغي للمسلم أن يخصص وقتًا كل يوم لمحاسبة نفسه: · ماذا قدمت في يومي؟ · كم صليت؟ · كم قرأت من القرآن؟ · كم ذكرت الله؟ · هل بررت والديّ؟ · هل وصلت رحمي؟ · هل تصدقت؟ · هل تركت معصية؟ · هل فعلت خيرًا؟ فإذا وجد خيرًا حمد الله واستزاد، وإذا وجد تقصيرًا تاب واستغفر وعزم على عدم العودة. ثامنًا: المبادرة إلى الأعمال الصالحة أيها المسلمون: إن من أهم ما يعين على اغتنام العمر المبادرة إلى الأعمال الصالحة وعدم التسويف، فإن التسويف من أكبر أعداء الوقت. قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: 133]. وقال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148]. وقال ﷺ: «بادروا بالأعمال سبعًا...» [رواه الترمذي]. فيا عبد الله: · لا تقل: سأتصدق غدًا، بل تصدق الآن. · لا تقل: سأحفظ القرآن غدًا، بل ابدأ الآن. · لا تقل: سأتوب غدًا، بل تب الآن. · لا تقل: سأزور والديّ غدًا، بل زرهما الآن. · لا تقل: سأصل رحمي غدًا، بل صله الآن. فإنك لا تضمن أن تعيش إلى الغد، قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: 34]. تاسعًا: الاستفادة من التجارب والدروس عباد الله: إن من أهم ما يعين على اغتنام العمر الاستفادة من تجارب السابقين، فكم من الناس ضيعوا أعمارهم ثم ندموا حيث لا ينفع الندم، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ • لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: 99-100]. وقال: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: 24]. فخذ العبرة من: · قصة رجل كان عنده مال كثير، فلما حضرته الوفاة تمنى لو أنه تصدق ببعضه، فلم ينفعه التمني. · قصة شاب ضيع شبابه في اللهو واللعب، فلما كبر تمنى لو أنه كان من العابدين. · قصة عالم كان يستطيع أن ينشر علمه، لكنه كتمه، فلما مات تمنى لو أنه كان قد علم الناس. فاعتبروا يا أولي الأبصار، وتذكروا أنكم ستحاسبون على كل دقيقة من أعماركم. عاشرًا: الدعاء والتوفيق من الله عباد الله:
178
6
فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي»، وكان يقول: «لا تكرهوا الموت في سبيل الله، فإنما هو موت في سبيل الله»، ويقول: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم». وهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول: «ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي»، وكان يقول: «إن الرجل ليُحرم برزقه بذنب يُصيبه». وهذا الحسن البصري رحمه الله كان يقول: «أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد حرصًا منكم على دراهمكم ودنانيركم»، ويقول: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك». وهذا ابن الجوزي رحمه الله يقول في كتابه "صيد الخاطر": «رأيت عموم الناس يضيعون أوقاتهم في غير فائدة، وأعظم ما رأيت من يضيع وقتًا في غير طاعة، ولو أنهم عرفوا قيمة الوقت لما فرطوا فيه». وهذا الإمام النووي رحمه الله كان لا يضيع له وقت، حتى في الطريق كان يقرأ أو يذكر الله، وكان يقرأ كل يوم اثنتي عشرة مجلدًا أو نحو ذلك. وهذا ابن القيم رحمه الله يقول: «إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها». خامسًا: مظاهر إضاعة العمر في زماننا عباد الله: إننا في زمان كثرت فيه المشغلات، وتنوعت فيه الملهيات، وتعددت فيه الصوارف عن الطاعة، فترى كثيرًا من الناس يضيعون أعمارهم في: · الجلوس أمام الشاشات: من مسلسلات وأفلام وألعاب لا تنفع ولا تفيد، بل تضر ولا تفيد. · الفضول من الكلام: من الجدال والمراء والغيبة والنميمة والقيل والقال. · الصحبة السيئة: التي تضيع الوقت وتُفسد القلب وتُبعد عن الله. · التسويف: فيقول الإنسان: سأفعل غدًا، وسأبدأ بعد غد، حتى يمضي العمر وهو يقول: سوف، سوف. · الانشغال بالتوافه: من متابعة أخبار لا تهم، وتفاصيل لا تنفع، وأمور لا تقدم ولا تؤخر. فيا عبد الله: احذر أن تكون من الذين قال الله فيهم: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]، أو من الذين قال فيهم: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104]. خاتمة الخطبة الأولى فيا عباد الله: إن العمر سيمضي، والأيام ستطوى، والصحائف ستُطوى، والقبر سيُفتح، والحساب سيُقام، فإما إلى جنة وإما إلى نار. قال تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185]. اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، اللهم اجعل أعمارنا عامرة بطاعتك، وأعمالنا خالصة لوجهك، وصلّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. --- الخطبة الثانية: كيف يغتنم الإنسان عمره؟.. خطة عملية المقدمة الحمد لله الذي جعل لكل أجل كتابًا، ولكل عمر نهاية، والصلاة والسلام على من كان أحرص الناس على وقته، وأكثرهم عملًا لآخرته، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل عاقل على نفسه: كيف أغتنم عمري؟ وكيف أجعل كل دقيقة من حياتي شهادة لي لا عليّ؟ والجواب على ذلك يكون باتباع خطة عملية شاملة، تتناول جميع جوانب الحياة. أولًا: الإيمان بأن العمر أمانة عباد الله: إن أول خطوة في اغتنام العمر أن يعلم المسلم علم اليقين أن عمره أمانة استودعه الله إياها، وسيسأله عنها يوم القيامة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 93]. فكما أن المال أمانة، والصحة أمانة، والأولاد أمانة، فكذلك العمر أمانة، بل هو أعظم الأمانات لأنه الوعاء الذي يحمل جميع الأمانات. فإذا استشعر المسلم أن كل لحظة تمر هي من عمره الذي سيُسأل عنه، حرص عليها أشد الحرص، ولم يضيعها في غير ما ينفع. ثانيًا: وضع هدف واضح للحياة أيها المسلمون: إن المسلم الذي يعرف غايته في الحياة يستطيع أن يغتنم عمره، وغايته هي عبادة الله وعمارة الأرض، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، وقال: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]. فالمسلم يعيش في هذه الدنيا لهدفين: 1. عبادة الله: بكل ما شرعه من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة. 2. عمارة الأرض: بالبناء والتعمير والإصلاح ونشر الخير. فإذا حدد المسلم هدفه، استطاع أن يوظف كل طاقاته وإمكاناته لتحقيق هذا الهدف. ثالثًا: ترتيب الأولويات عباد الله: إن الحياة مليئة بالمشاغل والمهام، والإنسان لا يستطيع أن يفعل كل شيء، لذلك لا بد من ترتيب الأولويات: 1. الفرائض: وهي أول ما يجب العناية به، من صلاة وزكاة وصوم وحج وبر والدين وصلة أرحام. 2. الواجبات: من طلب علم واجب، وكسب حلال، ورعاية أهل، وأداء أمانات.
166
7
خطبة بعنوان " أهمية العمر واغتنامه" --- الخطبة الأولى: العمر.. رأس مال الإنسان ونعمة الله الغالية المقدمة الحمد لله الذي خلق الزمان والمكان، وأدار الليل والنهار بحكمته وإتقانه، والصلاة والسلام على خير من استثمر عمره في طاعة ربه، وبلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه واقتفى أثره إلى يوم الدين. أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله عز وجل، فإن التقوى زاد المؤمن، وسبيل الفلاح في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. أما بعد: فإن الحديث عن العمر حديث عن أغلى ما يملكه الإنسان، وأثمن ما وهبه الله له بعد الإيمان، بل هو الوعاء الذي تُوضع فيه جميع الأعمال، والخزانة التي تُدَّخر فيها كل الحسنات أو السيئات. والعمر هو رأس مال الإنسان الحقيقي، فبه يُشترى الجنة أو تُشترى النار، وبه يُبنى المجد أو يُبنى الخسران، وبه يُصنع التاريخ أو يُصنع الندم. أولاً: العمر في ميزان القرآن الكريم عباد الله: لقد أولى القرآن الكريم الزمان والعمر عناية فائقة، وأقسم الله سبحانه وتعالى بمواضع من الزمان لعظيم شأنها، فقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ • إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 1-2]، وقال: ﴿وَالْفَجْرِ • وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2]، وقال: ﴿وَالضُّحَى • وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: 1-2]، وقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى • وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: 1-2]. وكل هذا القسم العظيم تنبيهٌ للأمة على أن الزمن هو وعاء الأعمال، وأن العمر هو الميدان الذي يتسابق فيه المتسابقون، ويتنافس فيه المتنافسون. وقال تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: 62]، أي يخلف أحدهما الآخر ليعمل الإنسان ويتذكر ويشكر. وقال سبحانه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [إبراهيم: 33]، فالشمس والقمر يجريان بحساب دقيق، والليل والنهار يتعاقبان بانتظام عجيب، وكل ذلك لأجل أن يعمل الإنسان ويغتنم. ثانيًا: العمر في السنة النبوية المطهرة أيها المسلمون: لقد حذّر النبي ﷺ من إضاعة العمر، وبين أن الإنسان مسؤول عن عمره يوم القيامة. فعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما فعل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه» [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح]. فتأملوا معي هذه المسؤولية العظيمة: العمر أول ما يُسأل عنه الإنسان، قبل العلم والمال والجسد، لأنه الوعاء الذي يحملها جميعًا. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال لرجل وهو يعظه: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» [رواه الحاكم والبيهقي]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائب يُنتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر» [رواه الترمذي]. وعن عمرو بن ميمون قال: قال النبي ﷺ لرجل وهو يعظه: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك» [رواه البخاري]. ثالثًا: العمر نعمة لا تُقدّر بثمن عباد الله: إن نعمة العمر من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان، ولكن أكثر الناس لا يعرفون قدرها إلا حين يفقدونها. فالعمر هو الشيء الوحيد في هذه الدنيا الذي: · لا يُشترى بالمال: فلو أن رجلاً عنده كنوز الأرض كلها وأراد أن يشتري يومًا واحدًا من عمره أو يمدّ في أجله، لما استطاع، قال تعالى: ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: 11]. · لا يُسترد إذا ذهب: فالثانية التي تمضي لن تعود أبدًا، واليوم الذي ينتهي لن يرجع مرة أخرى، والشهر الذي يطوى لن يُفتح، والسنة التي تنقضي لن تُستعاد. · لا يُعار ولا يُستبدل: فلا يمكنك أن تستعير عمر غيرك، ولا أن تستبدل عمرك بعمر آخر. · لا يُعوَّض: فإذا ضاع منك مال يمكن أن تُعوّضه، وإذا فاتك ربح يمكن أن تستدركه، أما العمر فإذا ذهب لا يُعوَّض أبدًا. ولهذا كان السلف الصالح أحرص الناس على أوقاتهم، وأشدهم محاسبة لأنفسهم على أنفاسهم. رابعًا: مواقف السلف في حرصهم على العمر أيها المسلمون: كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم يعدّون الأنفاس، ويحاسبون أنفسهم على اللحظات، ويكرهون أن يمضي عليهم وقت دون عمل صالح.
229
8
بدون متن...
223
9
​أما بعد: أيها المسلمون، إذا كان العمر هو أنفس ما يملكه الإنسان، وهو رأس ماله للآخرة، فإن أعظم الفجائع والخسارات أن تُسرق أعمار أبنائنا وبناتنا وأوقاتهم أمام أعيننا ونحن ننظر ولا نتحرك! ​عباد الله: ارتباطاً بما ذكرناه في الخطبة الأولى عن خطر ضياع العمر، فإننا نعيش اليوم فتنةً كبرى استهدفت فلذات أكبادنا في أوقاتهم وسلوكهم وأخلاقهم، ألا وهي: "وسائل التواصل الاجتماعي والشاشات الذكية". لقد أصبحت هذه الأجهزة الصغيرة سرّاقةً للأعمار، ومفسدةً للأخلاق؛ يجلس الشاب أو الطفل الساعات الطوال يقلّب المقاطع، فتركت في حياته وسلوكه آثاراً في غاية الخطورة. ​مخاطر الشاشات على سلوك الأبناء وأعمارهم: ​سرقة العمر وضياع الأوقات والفرائض: ضياع للصلوات في أوقاتها، وتأخير للفرائض، وإهمال للدراسة، وجفاء لبر الوالدين، وقضاء للأوقات بالساعات فيما لا ينفع دينياً ولا دنيوياً! ​إفساد السلوك والفطرة الإيمانية: بث الشبهات والشكوك، وتهوين النظر المحرم، ونشر التبرج والعلاقات المحرمة، وتضخيم القدوة السيئة من التافهين والمشاهير في عقول الصغار. ​العزلة النفسية والتفكك الأسري: أصبحت البيوت يضمها سقف واحد، ولكن قلوب أهلها شتى! كل فردٍ غارقٌ في عالم شاشته، مما أورث الأبناء هشاشةً نفسية، وجفافاً عاطفياً، وتمشّياً مع قيمٍ غربية غريبة عن ديننا ومجتمعنا. ​الواجب على الآباء والأولياء لحماية الأبناء: ​قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ... وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ". ​تذكيرهم بمراقبة الله في السر والعلن: غرس تقوى الله في نفوسهم: {أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: 14]. ​القدوة الحسنة: أن يبدأ الأب والأم بأنفسهم في تنظيم أوقاتهم مع الهاتف ليقتدي بهم الأبناء. ​ملء أوقاتهم بالنافع: النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل؛ اشرك أبناءك في حلقات تحفيظ القرآن، والرياضة، والأنشطة النافعة. ​الدعاء لهم: ألا تغفل عن الدعاء بذريتك في سجودك: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]. ​الدعاء: ​صلوا وسلّموا على الهادي البشير، فقد أمركم الله بذلك فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسليمًا} [الأحزاب: 56]. ​اللهم بارك لنا في أعمارنا وأوقاتنا، واستعملنا في طاعتك ومرضاتك. ​اللهم احفظ أبناءنا وبناتنا من مضلات الفتن، وحصّن فروجهم، واحفظ جوارحهم وأعمارهم من الضياع. ​اللهم اجعل هذه الشاشات والتقنيات حجة لنا لا علينا، واستعملنا واستعمل ذرارينا فيها فيما يرضيك. ​اللهم أصلح بيوت المسلمين، واجمع قلوبهم على التقوى والهدى، واجعل بلادنا آمنة مطمئنة سخاءً رخاءً. ​عباد الله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نِعَمِهِ يزدكم، ولَذِكْرُ اللهِ أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
548
10
​الخطبة الأولى: اغتنام العمر والحذر من ضياع الأوقات ​الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذّكّر أو أراد شكوراً، يقلّب الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعلم متقلّب العباد ومثواهم، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، كان أحرص الناس على أنفاسه وأوقاته، وأعظمهم قياماً بحق ربه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ​أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن تقوى الله خير زاد، وحصن حصين من الأهوال والشدائد، بها تُستجلب البركات، وتُكشف الكربات، ويُصلح الله بها الأحوال: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197]. ​معاشر المسلمين: إن العمر هو أنفس ما يملكه الإنسان في هذه الحياة، وهو رأس مال المسلم الذي يشتري به الجنة والرضوان؛ وكل يومٍ يمضي من حياتك إنما هو جزءٌ منك ينقضي، وبابٌ من أسباب عملك يُغلق إلى غير رجعة! قال الحسن البصري رحمه الله: "يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يومٌ ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل". ​إن أوقاتنا هي أسرع الأشياء انقضاءً، وهي أنفس ما يُصان، وأرخص ما يُهان عند أهل الغفلة والضياع! ولأهمية الزمان وعظم قيمته في الإسلام، أقسم الله جل وعلا به في غير موضعٍ من كتابه تنبيهاً للعباد، فقال سبحانه: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1-3]. وقال سبحانه: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ}، وما أقسم الله بشيء من خلقه إلا لدلالة قاطعة على شرفه وأهميته. ​عباد الله: اعلموا أننا سنسأل غداً بين يدي الله عز وجل عن هذه الأوقات التي فرطنا فيها، والأعمار التي أفنيناها في غير طاعة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ". ​صور مشرقة من حرص السلف الصالح على الأوقات وحرمة الفرائض: ​حزم أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز مع ولده: لما كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله والياً على المدينة المنورة، تأخر ولده يوماً عن حضور صلاة الجمعة مع المسلمين، فلما انقضت الصلاة سأله والده بحرص ومسؤولية: "ما الذي شغلك حتى تأخرت عن الجمعة؟"، فقال الولد: "ترجَّلتُ" (أي: شغلني تسريح شعري وتزيينه). فما كان من الأب العادل إلا أن درس لولده وليُعلّم الأمة عظم شأن الوقت والفرائض، فقال له: "بلغ من ترجيلك شعرك أن تؤثر ذلك على صلاة الجمعة؟!"، ثم أمر بقصّ شعره حزماً وتأديباً، حتى لا يقدّم شيئاً من المظاهر على واجبه ووقته مع الله! ​ابن عقيل الحنبلي رحمه الله: كان من أحرص الناس على وقته، حتى إنه كان يختار الكعك المبلول بالماء على الخبز الشديد؛ فقيل له في ذلك، فقال: "بين مضغ الخبز وسف الكعك قراءةُ خمسين آية!". ​عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كان يقول: "ما ندمت على شيء ندمي على يومٍ غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي". ​الإمام الحافظ ابن الجوزي رحمه الله: كان يقول: "ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يذهب منه لحظة في غير قربة". وكان يبري الأقلام في أوقات مجادلة الناس ومحادثتهم حتى لا يضيع وقته بغير فائدة! ​يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها. والدنيا من أولها إلى آخرها لا تساوي غم ساعة، فكيف بغم العمر فيه؟". ​فيا عبد الله، استدرك ما بقي من عمرك بتوبة صادقة، واغتنم صحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وتزود لآخرتك قبل أن تلتف الساق بالساق، وتقول نفس: {يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ} [الزمر: 56]. ​بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. ​الخطبة الثانية: خطر وسائل التواصل في إضاعة أعمار الأبناء وإفساد سلوكهم ​الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، النصح لأمته، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
414
11
بدون متن...
335
12
اللهم دمر أمريكا وولاياتها واساطيلها يارب العالمين... اللهم إنصر من نصر غزةَ وفلسطين ،واهلك من خذل غزة وفلسطين يارب العالمين.. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَحوالنا وردنا إلى دينك رداً جميلاً... اللهم احفظ بلادنا اليمن وسائر بلدان المسلمين يارب العالمين اللهم إحفظ وحدته وأمنه واستقراره وعقيدته إجعله بلاد سخاء رخاء وسائر بلدان المسلمين اللهم مكن لدينك وكتابك وعبادك الصالحين ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْمَعْ عَلَى الْحَقِّ كَلِمَتَهُمْ... اللهم كما أغثت بلادنا بالأمطار فأغث قلوبنا بالإيمان واليقين وأقر أعيننا بنصر الإسلام والمسلمين، اللهم اجعله صيباً نافعاً هنيئاً اللهم أنزل علينا من بركات السماء واعمر قلوبنا بطاعتك يا أرحم الرحمين، اللهم أصلح أولادنا واجعلهم قرة أعين لنا في الدنيا والآخرة .. اللهم اغفر لأمواتنا وجميع موتى المسلمين ربنا اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا وارحمهما كما ربونا صغاراً ... اللهم إغفر للمسلمين والمسلمات ،المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك قريب مجيب الدعوات وقاضي الحاجات يارب العالمين... رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا وَوَالِدِينَا عَذَابَ الْقَبْرِ وَالنَّارِ... عباد الله: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ؛ فاذكروا اللهَ يذكُرْكم، واشكُروه على نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون.... وأقم الصلاة
380
13
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ... *الخطبة الثانية* الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: 72]. أَيُّهَا النَّاسُ: الْمُحَافِظُونَ عَلَى الْجَمَاعَةِ فِي الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ تَتَعَّدَى بَرَكَتُهُمْ إِلَى النَّاسِ، فَيُرْجَى بِحُضُورِهِمْ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْمَسَاجِدِ حِفْظُ النَّاسِ مِنَ الْعَذَابِ؛ كَمَا قَالَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ مِنَ الَّذِينَ يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِمُ الْعَذَابَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْجَمَاعَةِ: صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ». لَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَحْرِصُونَ عَلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا سِيَّمَا صَلَاتَيِ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ؛ لِمَا فِيهِمَا مِنَ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ؛ وَلِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ يَثْقُلُونَ عَنْهُمَا. يُصَوِّرُ حَالَهُمْ فِي الْحِرْصِ عَلَى الْجَمَاعَةِ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَيَقُولُ: «وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَذَاتَ لَيْلَةٍ هَاجَتِ السَّمَاءُ «فَلَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، بَرَقَتْ بَرْقَةٌ، فَرَأَى قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ فَقَالَ: مَا السُّرَى يَا قَتَادَةُ؟ قَالَ: عَلِمْتُ -يَا رَسُولَ اللَّهِ- أَنَّ شَاهِدَ الصَّلَاةِ قَلِيلٌ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَشْهَدَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ. فَلِلَّهِ دَرُّهُمْ، مَا أَشَدَّ حِرْصَهُمْ عَلَى الْمَسْجِدِ وَالْجَمَاعَةِ مَهْمَا كَانَتِ الْأَحْوَالُ وَالْعَوَائِقُ. وَمَنْ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ اتَّخَذَ الْأَسْبَابَ اللَّازِمَةَ لِحُضُورِهَا، وَتَرَكَ كُلَّ مَا يُؤَدِّي إِلَى التَّخَلُّفِ عَنْهَا مِنَ الْمَعَاصِي وَالْقِيلِ وَالْقَالِ وَالسَّهَرِ الَّذِي لَا حَاجَةَ لَهُ، وَبَادَرَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَا يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ إِلَّا وَقَدْ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ؛ تَبْكِيرًا إِلَيْهَا، وَحِرْصًا عَلَيْهَا. وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَعَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَهْمَا كَثُرَتْ مَشَاغِلُهُ، وَتَعَدَّدَتْ صَوَارِفُهُ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: 69]. هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة؛ نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله،ﷺ فقد أمرنا الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: *(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)* [الأحزاب: 56]، ﺍﻟﻠﻬﻢ ﺻﻞِّ ﻭﺳﻠﻢ ﻭﺑﺎﺭﻙ ﻋﻠﻰ ﻧﺒﻴﻨﺎ ﻣﺤﻤﺪ، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، ﻭﺍﺭﺽَ ﺍﻟﻠﻬﻢ ﻋﻦ ﺧﻠﻔﺎﺋﻪ ﺍﻟﺮﺍﺷﺪﻳﻦ، أبي بكر و عمر و عثمان و علي ، ﻭﻋﻦ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺃﺟﻤﻌﻴﻦ، ﻭﻋﻦ ﺍﻟﺘﺎﺑﻌﻴﻦ، ﻭﻣﻦ ﺗﺒﻌﻬﻢ ﺑﺈﺣﺴﺎﻥ ﺇﻟﻰ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﺪﻳﻦ، ﻭﻋﻨﺎ ﻣﻌﻬﻢ ﺑﻤﻨﻚ ﻭﺭﺣﻤﺘﻚ ﻳﺎ ﺃﺭﺣﻢ الراحمين .. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، واخْذُلْ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ. .. اللهم اجعل لإخواننا في غزة وفلسطين من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجا ومن كل عسر يسرا ومن كل بلاء عافية .. اللهم اجعل لأهل فلسطين النصرة والعزة والغلبة والقوة والهيبة ،والتمكين اللهم انصر أهل فلسطين وثبت أقدامهم وسدد رميتهم واربط على قلوبهم وأمدهم بجنود من عندك، اللهم أنزل عليهم من الصبر والنصر والثبات واليقين أضعاف ما نزل بهم من البلاء ، اللهم مكن لدينك وكتابك وعبادك الصالحين ، اللهم عليك باليهود الغاصبين، اللهم لا ترفع لهم راية ولا تحقق لهم غاية واجعلهم لمن خلفهم من المجرمين والمنافقين والمطبعين عبرة وآية ، ، ،
325
14
عَلَى الْمُنَافِقِينَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَشْهَدُهُمَا مُنَافِقٌ». يَعْنِي: لَا يُوَاظِبُ عَلَيْهِمَا مُنَافِقٌ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ تَعْصِمُ مِنَ النِّفَاقِ. وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مُرْسَلًا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ شُهُودُ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ، لَا يَسْتَطِيعُونَهُمَا». وَإِنَّمَا ثَقُلَتْ هَاتَانِ الصَّلَاتَانِ فِي الْمَسَاجِدِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمَا مِنَ الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ كُسَالَى فِي الصَّلَاةِ؛ كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النِّسَاءِ: 142] وَالْمُرَائِي إِنَّمَا يَنْشَطُ لِلْعَمَلِ إِذَا رَآهُ النَّاسُ، فَإِذَا لَمْ يُشَاهِدُوهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فِي الظَّلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي مَسْجِدِهِ حِينَئِذٍ مِصْبَاحٌ، فَلَمْ يَكُنْ يَحْضُرُ مَعَهُ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ إِلَّا مُؤْمِنٌ يَحْتَسِبُ الْأَجْرَ فِي شُهُودِهِمَا، فَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يَتَخَلَّفُونَ عَنْهُمَا، وَيَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ يَخْفَى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَلِذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «كُنَّا إِذَا فَقَدْنَا الْإِنْسَانَ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَالصُّبْحِ أَسَأْنَا بِهِ الظَّنَّ» صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. وَأَيْضًا فَالْمَشْيُ إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ أَشَقُّ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشْيِ فِي الظُّلَمِ؛ وَلِهَذَا وَرَدَ التَّبْشِيرُ عَلَى ذَلِكَ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «مَنْ شَهِدَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْجَمَاعَةِ فَأَحْرَى أَنْ يُوَاظِبَ عَلَى غَيْرِهِمَا. وَفِي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ فِي شُهُودِ الْجَمَاعَةِ، وَأَعْلَامٌ مِنْ عَلَامَاتِ أَهْلِ الْفِسْقِ وَالنِّفَاقِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى التَّخَلُّفِ عَنْهُمَا فِي الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ». وَأَمَّا الْفَضِيلَةُ الثَّانِيَةُ لِلْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ: فَمَا فِيهِمَا مِنَ الْأَجْرِ الْعَظِيمِ الَّذِي أَبْهَمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ: «وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا...» وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَيْتُمُوهُمَا وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الرُّكَبِ» أَيْ: مَا فِيهِمَا مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ. وَجَاءَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَأَنْ أَشْهَدَ الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُحْيِيَ مَا بَيْنَهُمَا». وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «أَلَا احْمِلُونِي، فَحَمَلُوهُ، فَأَخْرَجُوهُ، فَقَالَ: اسْمَعُوا وَبَلِّغُوا مَنْ خَلْفَكَمْ، حَافِظُوا عَلَى هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَيْتُمُوهُمَا وَلَوْ حَبْوًا عَلَى مَرَافِقِكُمْ وَرُكَبِكُمْ». وَمِنَ الْفَضْلِ الْوَارِدِ فِي الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ: أَنَّ شُهُودَهُمَا فِي الْمَسَاجِدِ مَعَ الْجَمَاعَةِ يَعْدِلُ قِيَامَ لَيْلَةٍ كَامِلَةٍ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: «... وَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ». فَحَرِيٌّ بِأَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ أَنْ يُوَاظِبُوا عَلَى الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ وَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ جَمَاعَةً فِي الْمَسَاجِدِ؛ لِيَتَطَهَّرُوا مِنَ النِّفَاقِ، وَيَنَالُوا عَظِيمَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَيُبَارَكَ لَهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ وَأَوْقَاتِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [الْمَعَارِجِ: 34- 35].
290
15
🎤 *خطبة.جمعة.بعنوان:* *صلاة الفجر والعشاء في الجماعة* *للشيخ/ إبراهيم بن محمد الحقيل* 🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌 *الخطبـة.الاولــى.cc* الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَرِيمِ الْمَنَّانِ، الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ؛ وَهَبَ الْإِسْلَامَ لَنَا فَهَدَانَا إِلَيْهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ فَدَلَّنَا عَلَيْهِ، وَشَرَّفَنَا بِعُبُودِيَّتِهِ فَوَفَّقَنَا لَهَا، وَأَعَانَنَا عَلَيْهَا، نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ جَعَلَ الصَّلَاةَ شَعِيرَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَبُرْهَانَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقُرَّةَ أَعْيُنِ الْمُحْسِنِينَ ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الْفَتْحِ: 29] وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِهِ، وَحُجَّتُهُ عَلَى خَلْقِهِ، وَهِدَايَتُهُ لِعِبَادِهِ؛ فَمَنْ تَبِعَهُ رَشَدَ وَاهْتَدَى، وَمَنْ عَصَاهُ ضَلَّ وَغَوَى، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَاحْفَظُوا صَلَاتَكُمْ؛ فَإِنَّهَا نَجَاتُكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النُّورِ: 56] وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ أَتَمَّهَا كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَتَمَّهَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَتُكْمِلُوا بِهَا فَرِيضَتَهُ...» رَوَاهُ أَحْمَدُ. أَيُّهَا النَّاسُ: حِينَ يَطُولُ النَّهَارُ وَيَقْصُرُ اللَّيْلُ تَثْقُلُ صَلَاةُ الْفَجْرِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَيَزِيدُ الرُّؤُوسَ ثِقَلًا عَنْهَا مَا يَرْتَكِبُونَهُ مِنْ سَهَرٍ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ أَوْ آخِرِهِ، وَمَا يَجِدُونَهُ مِنْ نِعْمَةِ الْفُرُشِ الْوَثِيرَةِ، وَأَجْهِزَةِ التَّبْرِيدِ الْمُرِيحَةِ، فَيَسْتَغْرِقُونَ فِي النَّوْمِ، وَلَا يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ لِلصَّلَاةِ. فَإِنْ أَوْقَظَهُمْ أَحَدٌ، أَوْ نَبَّهَهُمْ مُنَبِّهٌ؛ سَوَّفُوا فِي النُّهُوضِ، وَتَبَاطَئُوا فِي مُفَارَقَةِ الْفُرُشِ، يَنْتَظِرُونَ الْإِقَامَةَ، وَيَتَعَلَّلُونَ بِالِاسْتِرَاحَةِ، فَيَغْلِبُهُمُ النَّوْمُ وَتَفُوتُهُمْ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ، وَلَرُبَّمَا خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُمْ نِيَامٌ، فَيُصْبِحُونَ كُسَالَى مُتَثَاقِلِينَ، قَدْ فَاتَهُمْ مِنَ الْخَيْرِ أَكْثَرُهُ، وَأَصَابَهُمْ مِنَ الشَّرِّ أَخْبَثُهُ، وَأَوْقَعَهُمُ الشَّيْطَانُ فِي حَبَائِلِهِ. وَصَلَاةُ الْفَجْرِ يَفْتَتِحُ بِهَا الْمُؤْمِنُ يَوْمَهُ، وَصَلَاةُ الْعِشَاءِ آخِرُ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ يَخْتَتِمُ بِهَا الْمُؤْمِنُ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ، فَإِذَا أَدَّى الْمُؤْمِنُ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِهِمَا مَعَ الْجَمَاعَةِ؛ بُورِكَ لَهُ فِي نَفْسِهِ وَفِي يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ. فَإِنَّ الطَّاعَاتِ تُحِلُّ الْبَرَكَةَ فِيمَنْ يُؤَدِّيهَا. وَلِأَنَّ الْبِدَايَةَ بِصَلَاةِ الْفَجْرِ وَالنِّهَايَةَ بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ فَإِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ اشْتَرَكَتَا فِي جُمْلَةٍ مِنَ الْفَضَائِلِ دُونَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ: فَمِنْ فَضَائِلِ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ أَنَّ شُهُودَهُمَا فِي الْجَمَاعَةِ يَقِي مِنَ النِّفَاقِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا...» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. فَتَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ فَضِيلَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ لِشُهُودِ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ مَعَ الْجَمَاعَةِ: فَأَمَّا الْفَضِيلَةُ الْأُولَى: فَالْوِقَايَةُ مِنَ النِّفَاقِ؛ لِأَنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ ثَقِيلَتَانِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَالْمُرَادُ بِثِقَلِهِمَا عَلَيْهِمْ: ثِقَلُ شُهُودِهِمَا فِي الْمَسَاجِدِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. وَدَلَّ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ أُخْرَى مِنْهَا: حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا الصُّبْحَ، فَقَالَ: أَشَاهِدٌ فُلَانٌ، قَالُوا: لَا، قَالَ: أَشَاهِدٌ فُلَانٌ، قَالُوا: لَا، قَالَ: إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ
340
16
بدون متن...
347
17
فلما ركض رأى بنته الصغيرة، فنادته وأخذت بيده، ودفت الثعبان وقرأت: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16]. فقام فزعاً يبكي ويقول: "بلى يا رب قد آن!"، ورجع إلى الله بصدق، ففتح الله عليه وصار من زُهّاد الأمة وأعلامها. ​قصة الفضيل بن عياض.. آية أوقفت المسار: وهذا الفضيل بن عياض كان شقياً يقطع الطريق، وفي ليلة من الليالي، وهو يتسور جداراً لمعصية، سمع قارئاً في السحر يقرأ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ}. فوقعت الآية في قلبه كالصاعقة، وانكسر قلبه لله، فقال وهو يبكي: "بلى يا رب، قد آن!". فآوى إلى خرابة ليبيت فيها، فإذا فيها رفقة من المسافرين يقول بعضهم لبعض: نرحل؟ فيقول الآخرون: لا حتى نصبح، فإن فضيلاً يقطع علينا الطريق! فبكى الفضيل وقال: "واخجلتاه! أنا أقطع الطريق بالليل، وأهل الإسلام يخافونني، وما سوقني الله إليكم إلا لأتوب، اللهم إني تبت إليك وجعلت توبتي مجاورة بيتك الحرام". فصار عابد الحرمين وإماماً يُقتدى به. ​مواعظ عظيمة يسطرها لنا هذا الرجوع الصادق؛ يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "إن للذنوب شؤماً على العبد في رزقه، ونفسه، ووالديه، وولديه؛ وإن العبد ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه. وما نزل بلاءٌ إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة". ​بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. ​الخطبة الثانية ​الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلماً على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ​أما بعد: أيها المسلمون، إن الرجوع إلى الله تعالى ليس ببعيد، ولا يحتاج إلى شُفعاء ولا وسائط؛ بل هو قرارٌ يتخذ العبد في لحظة صدق بينه وبين ربه، يقف فيها بين يدي مولاه، ويبسط كفيه بالندم والاستغفار. ​من ثمار الرجوع الصادق إلى الله: ​تبديل السيئات إلى حسنات: قال سبحانه: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفرقان: 70]. ​سعة الأرزاق وانشراح الصدور: قال تعالى على لسان هود عليه السلام: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ} [هود: 52]. ​محبة الله تعالى للتائب: قال جل وعلا: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]. ​فيا عبد الله، لا تستعظم ذنباً اقترفته، ولا تستبعد فرجاً أبطأ عليك؛ فإن ربك ينادي بالليل والنهار: "يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم". ​صلوا وسلّموا على الهادي البشير، والسراج المنير، فقد أمركم الله بذلك فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]. ​اللهم إنا نسألك توبة نصوحاً تطهر بها قلوبنا، وتغفر بها ذنوبنا، وتفرج بها همومنا. اللهم اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية. اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، واشفِ مرضانا، وارحم موتانا، واقضِ الدين عن مدينينا، واجعل بلادنا وبلاد المسلمين آمنة مطمئنة سخاءً رخاءً. ​عباد الله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نِعَمِهِ يزدكم، ولَذِكْرُ اللهِ أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
784
18
خطبة بعنوان من أسباب الفرج صدق الرجوع إلى الله ​محاور الخطبة للارتجال (رؤوس الأقلام) ​المقدمة: الثناء على الله بصفات الفرج والإجابة + الصلاة على النبي ﷺ + الوصية بالتقوى. ​المحور الأول (المدخل والتشخيص): واقع الناس مع الهموم وتأخير الفرج بسبب الذنوب والإعراض. ​المحور الثاني (حقيقة الرجوع): الرجوع إلى الله قوة وانكسار عزيز، وفرح الله بتوبة عبده. ​المحور الثالث (قصص العائدين والفرج): ​قصة حاتم الأصم: صدق التفويض والتوكل وبركة الرجوع. ​قصة مالك بن دينار: النداء الإلهي والرؤيا التي غيرت المسار. ​قصة الفضيل بن عياض: آية أوقفت المعصية وصنعت العابد. ​المحور الرابع (ثمار الإنابة): موعظة ابن القيم + ثمار التوبة (تبديل السيئات، سعة الرزق، محبة الله). ​الخاتمة: الدعاء الخاشع والانكسار بين يدي الله. ​نص الخطبة الكاملة ​الخطبة الأولى ​الحمد لله الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء ويقيل العثرات لمن رجاه، سبحانه وبحمده، فتح لأهل الإنابة باباً لا يُغلق، وبسط لعباده يداً بالخير لا تُمسَك، جعل الرجوع إليه مفتاح كل فرج، والالتجاء إلى جنابه مخرجاً من كل حرج. ​وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأنيس المستوحشين، وملاذ الخائفين. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صفوة خلقه وخليله، كان أصلح الناس قلباً، وأكثرهم لربه إنابةً ورجوعاً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. ​أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن تقوى الله هي الحصن المنيع، والدرع الحصين، بها تُكشف الكربات، وتُستجلب البركات: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2-3]. ​معاشر المسلمين والمسلمات: تأملوا في أحوال الناس اليوم؛ كم من قلبٍ أرهقته الهموم! وكم من بيتٍ ضاقت فيه الأسباب! وكم من إنسانٍ يطوف بين الناس يبحث عن مخرجٍ لكربه، أو شفاءٍ لمرضه، أو سدادٍ لدينه، أو انشراحٍ لصدِره! ونسي كثيرٌ منا أن المفتاح الأول والأعظم، والذي لا يغلق أبداً، هو الرجوع إلى الله سبحانه والفيئة إليه. ​عباد الله، إن للذنوب والمعاصي غِشاوةً تُغطي القلوب، وظلمةً تُكسى بها الأرواح، وقيداً يقيد الجوارح عن الخير. وما تعسّر على عبدٍ أمر، ولا أُغلق في وجهه باب، ولا نُزعت البركة من رزقه وعمره، إلا بسبب الذنوب والإعراض عن رب الأرباب. قال الله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه: 124]. ​إن الرجوع إلى الله ليس عجزاً، بل هو عين القوة؛ وليس انكساراً مذلاً، بل هو أعزّ انكسار يُرفع به العبد عند مالك الملك. فالله يفرح بتوبة عبده حين يرجع إليه، أشد من فرح رجلٍ أضل راحلته في أرضٍ فلاة، عليها طعامه وشرابه، حتى أيس منها، فبينما هو كذلك إذ هي قائمةٌ عنده! ​إن الشدائد والأزمات والهموم التي تنزل بالعبد لم تأتِ لتهلكه، بل جاءت لتردّه إلى بابه، وتوقظه من رقدة الغفلة، ولتُسمعه نداء ربه: {وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} [الزمر: 54]. فإذا عرف العبد الطريق، وألقى بأهماله على باب ربه، وسكب دموع الندم، تفتحت له أبواب السماء بالفرج، وانقلبت العسرة يسرة. ​قصص العائدين.. من الظلمات إلى النور: ​قصة حاتم الأصم وتوكله بالرجوع إلى الله: تأملوا في قصة حاتم الأصم رحمه الله، لما أراد الخروج إلى الحج، ولم يكن يملك شيئاً، فقالت له زوجته وأولاده: كيف تتركنا بلا نفقة؟ فقالت بنته الصغير المؤمنة: دعوه يذهب؛ فإنه ليس برزاق بل هو أكلٌ للرزق، والرزاق هو الله. فخرج حاتم متوكلاً راجعاً إلى ربه، ومرت الأيام ونفد الطعام من بيته، فجاعوا وجعلوا يلومون البنت الصغرى، فرفعت يدها إلى السماء وقالت: "إلهي وسيدي ومولاي، عوّدتني فضلَك فلا تحرمني". فبينما هم كذلك إذ مرّ أمير البلدة بالحي، وكان يعطش، فنزل واستسقى من بيت حاتم الأصم، فخرجوا له بماءٍ عذب في إناءٍ نظيف، فشرب وقال: "بيتُ مَنْ هذا؟" قالوا: حاتم الأصم. فرمى الأمير بمنطقته (حزامه المليء بالذهب) وقال: "من أحبني فليقُ بالمرء مثل ما ألقيت!"، فألقى كبار قواده حُزم الذهـب عندهم. فنظرت البنت الصغرى وبكت! فقالت أمها: ما يبكيكِ وقد وسّع الله علينا؟ فقالت البنت: "مخلوقٌ نظر إلينا نظرةً فاستغنينا، فكيف لو نظر الخالق إلينا؟!". هذا هو صدق التفويض والرجوع إلى الله، يفتح أبواب الفرج من حيث لا يُحتسب. ​قصة التائب مالك بن دينار: وهذا مالك بن دينار رحمه الله، كان في بداية أمره شرطياً لاهياً غارقاً في الآثام، فلما رزقه الله ببنتٍ أحبها حبّاً شديداً، وتوفيت وهي في سنتها الثانية، أظلمت الدنيا في عينيه وزاد غفلة. فلما نام في ليلة رأى القيامة قد قامت، ورأى ثعباناً عظيماً يلاحقه وهو يهرب مذعوراً، حتى وصل إلى شيخٍ ضعيف فقال له: أجرني! فقال: أنا ضعيف، اذهب نحو الجبل.
595
19
بدون متن...
452
20
*خطبة جمعة: "تفاعل الكون بميلاد الحبيب ﷺ"* *الخطبة الأولى* الحمد لله الذي زين الوجود بميلاد سيد الوجود، وأشرق بنوره الظلمات، وأحيا به القلوب بعد الممات. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمداً رسول الله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة. اللهم صلِّ وسلم وبارك على من بكى له الجذع، وسبح في يده الحصى، وسلم عليه الحجر والشجر. *أما بعد* الوصية بالتقوى فيا أحباب رسول الله: عندما نتكلم عن المولد النبوي لا نتكلم عن حدث عادي. هذا ميلاد غيّر وجه التاريخ، فكيف لا يتفاعل معه الكون كله؟ قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ رحمة للإنس والجن والملائكة والجماد والحيوان... للعالمين كلهم. *أولاً: تفاعل السماء* 1. *الملائكة*: نزلت أفواجاً تبشر وتحتفل. تقول السيدة آمنة: "رأيت الملائكة قد ملأت السماء". 2. *رجم الشياطين*: حُجبت الشياطين عن استراق السمع، ورُميت بالشهب. إعلان أن عهداً جديداً من النور قد بدأ. 3. *نور أضاء المشرق والمغرب*: خرج معه ﷺ نور أضاءت له قصور بصرى بالشام. *ثانياً: تفاعل الأرض والجماد* 1. *ارتج إيوان كسرى وسقطت 14 شرفة*: إيذاناً بسقوط ملك الأكاسرة، وزوال الظلم. 2. *خمود نار فارس*: التي لم تخمد منذ ألف سنة. 3. *جفاف بحيرة ساوة*: آية أن زمان الباطل انتهى. 4. *تساقطت الأصنام* في الكعبة على وجوهها ليلة مولده. الكون كله اهتز فرحاً واستبشاراً. *ثالثاً: تفاعل الحيوان* أما بعد مبعثه ﷺ فاسمعوا: - *الجذع* الذي كان يخطب عليه بكى شوقاً إليه حتى سمعه الصحابة، فنزل وعانقه فسكت. - *البعير* اشتكى إليه من صاحبه. - *الذئب* كلم راعي الغنم وشهد له بالنبوة. كل هذا لأن الكون عرف قدره صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه . قال الإمام البوصيري: > *والآيُ تترى والخوارقُ جمةٌ* > *جبريلُ رواحٌ بها غدَّاءُ* > *نعم سرى طيفٌ منَ المحبوبِ في* > *وسنى فحدثتُ النجومَ كما جرى* أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. --- *الخطبة الثانية* الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله .. الوصية بالتقوى عباد الله: *إذا كان الكون كله تفاعل بميلاده، فأين تفاعلنا نحن؟* الكون الأصم تفاعل... أفلا نتفاعل نحن أصحاب القلوب والعقول؟ *كيف يكون تفاعلنا مع ميلاده ﷺ؟* 1. *تفاعل القلوب بالمحبة*: قال ﷺ: *"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"*. اسأل نفسك: أين مكانه في قلبك؟ 2. *تفاعل الجوارح بالاتباع*: ليس الاحتفال بالشعارات والكلمات فقط بدون اتباع واقتداء فهذا إحتفال صوري ناقص لابد معه من متابعة لسنة وهدي النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فالإحتفال الحقي باتباع سنته. قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي 3. *تفاعل اللسان بالصلاة عليه*: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ فالله بدأ بنفسه. 4. *تفاعل البيت بالسيرة*: اجمع أولادك وعلمهم من هو محمد ﷺ. احك لهم عن رحمته، عن عدله، عن خلقه. *بشارة*: من فرح بمولد النبي ﷺ فقد فرح برحمة الله. ومن عظّم أمره عظّمه الله. اللهم اجعلنا من المحبين الصادقين، ومن المتبعين لسنته، ومن الواردين على حوضه. اللهم كما تفاعل الكون بميلاده، فاجعل قلوبنا تتفاعل بمحبته وطاعته. > *تفاعلت الأكوانُ طرباً بمقدمهِ* > *وبشرت كلُّ الدنيا بطلعتهِ* > *فكيفَ يبخلُ قلبٌ بالنورِ قد مُلئا* > *عن الصلاةِ عليهِ والسلامِ عليهِ* إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
990