كُنَّاشة من دروس السيد المددي
رفتن به کانال در Telegram
قناة تُعنى بجمع الفوائد العلمية، والترجمات المختارة من دروس الأستاذ آية الله السيد أحمد المددي الموسوي/ جمعها مصطفى زهير السوداني
نمایش بیشترکشور مشخص نشده استدسته بندی مشخص نشده است
713
مشترکین
اطلاعاتی وجود ندارد24 ساعت
+357 روز
+4030 روز
آرشیو پست ها
منهج التلقّي بالقبول لدى فقهاء الإماميّة ورفض حجّيّة خبر الواحد قبل عصر العلّامة
«إنّ أبا الفتوح الرازي، صاحب "مجمع البيان"، ومؤلّف كتاب "الاحتجاج" (المرحوم الطبرسيّ الثاني)، وقُطب الدين الراونديّ، وصاحب الكتاب الكلاميّ "النقض" (عبد الجليل القزويني)، هم جميعاً من المتكلّمين والمفسّرين الذين عاشوا تقريباً في الفترة ما بعد الشيخ الطوسي وحتّى زمن المحقّق الحلّي والعلّامة الحلّي (أواخر القرن السابع). وتقريباً، فإنّ معظم الذين توسّطوا هذه الفترة، حتّى فقهاؤهم ـ مثل ابن إدريس الحلّي ـ كانوا لا يقولون بحجّيّة خبر الواحد. ولم تستقرّ حجّيّة الخبر وترسخ إلّا بعد العلّامة الحلّي، وإلّا فإنّ فقهاءنا المتوسّطين ـ والذين هم عادةً من طبقة المفسّرين والمتكلّمين أيضاً ـ كانوا غالباً على خطّ كلاميّ ولا يرون حجّيّة الخبر.
فيقول في مقدّمة "الاحتجاج" : إنّي أنقل الأحاديث التي تكون مجمعاً عليها (وليس تبرّكاً، بل كانوا يعتقدون أنّ هذه الأحاديث قد تُلقّيت بالقبول). فهؤلاء لم يكونوا يركضون وراء السند (فالسند وعدمه كان عندهم سواء)، بل كان مدار بحثهم على أنّ هذا الحديث تلقّته الطائفة بالقبول فقبلوه، ولذا كانوا أحياناً لا يذكرون السند في الأحاديث من أساسه. ففي كتاب "الأمالي" للشريف المرتضى (حسب ما قيل وكتب عنه) تراه مثلاً إذا أراد نقل مطلب لغويّ أو شعريّ يورده بالسند (حدّثني فلان عن فلان)، ولكنّه حين ينقل أحاديث الإمام الصادق (عليه السلام) أو رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينقلها بدون سند (وقال رسول الله (ص))، أو ينقل المطالب التاريخيّة بأسانيدها؛ ذلك لأنّهم لم يكونوا يتبعون هذه الطريقة في أحكام الشريعة. فمعتقدهم كان أنّ أحكام الشريعة سبيل تلقّيها هو التلقّي بالقبول (فحكم أهل البيت ـ عليهم السلام ـ هو ما قبلته الشيعة). فإن كان الحكم مقبولاً بين الشيعة، أخذوا به، سواء كانت هناك رواية أو لم تكن. وعليه، فهذا المبنى في حجّيّة الخبر لا يرى الخبر حجّة مطلقاً. وإذا وُجدت فتوى في مورد ما مطابقة لخبر، فإنّما هو من باب التلقّي بالقبول لا من باب حجّيّة الخبر. ولذا قد يرد خبرٌ قبل الأصحاب نصفه ولم يقبلوا نصفه الآخر، فيرون بكلّ سهولة أنّ نصفه صحيح لعمل الأصحاب به، ويعتقدون أنّ النصف الآخر غير صحيح لأنّه خبر واحد لم يُتلقَّ بالقبول.
#فريق_من_الفقهاء_لم_يكن_همّهم_السند_وإنّما_يقبلون_الأخبار_إذا_تُلقّيت_بالقبول
--
تطوّر علم الأصول من مقدّمة للفقه إلى علم مستقل ودور المدرسة الشيعيّة في تعميقه
«يبدو أنّ الشافعيّ قد ألّف كتابه "الرسالة" حوالي سنة 195هـ (وعلى كلّ حال فهو قبل سنة 200هـ). فمن ذلك العام وحتّى الآن ـ ونحن في سنة 1400هـ وما بعدها ـ تكون المدّة قد بلغت 1200 سنة. و مباحث علم الأصول كانت حاضرة طوال هذه المدّة في ساحات حوزاتنا العلميّة،
3. أمّا الخوارج فبحكم طبيعتهم التي كانت تقضي بـ تكفير جميع المسلمين، وكان سائر المسلمين يكفّرونهم هم أيضاً، فقد كانوا شاؤوا أم أبوا منقطعين عن المجتمع الإسلاميّ، ولأنّهم كانوا يقولون بتشكيل الحكومة والقيام المسلّح وغير ذلك، فقد ظلّوا على طول التاريخ، ومنذ زمن أمير المؤمنين (عليه السلام) حين تشكّلوا وإلى زمننا هذا، يعيشون على هوامش البلاد الإسلاميّة وفي الطرق النائية حيث تضعف السلطة المركزيّة ويستطيعون مواصلة حياتهم. ولذلك فنحن لا نملك معلومات كثيرة عن كتبهم، لكن يبدو ـ وفق ما يُطبع الآن من جملة مصادرهم ـ أنّ لهم أبحاثاً أصوليّة. وعلى كلّ حال، وحسب اطّلاعنا، يبدو أنّ للخوارج شيئاً من الأصول والقواعد الفقهيّة، لكنّهم لكونهم غير منخرطين في العالم الإسلاميّ، فحتّى لو ذكروا شيئاً لا نعرفه.
4. الزيديّة لديهم مصادر، بل وكان كبار المعتزلة معهم لمدّة. و الزيديّة، رغم أنّهم فرقة قليلة قياساً بالإماميّة، كان لهم قبل آل بويه دور كبير في الحديث في الكوفة. أمّا بعد مجيء آل بويه فقد جاءوا إلى بغداد وتألّقوا فيها كثيراً في علم الكلام. وبعد انقراض بني العبّاس، توجّه الزيديّة إلى اليمن وانقطعت أخبارهم عنّا تقريباً (أي: لهم في اليمن آثار علميّة، لكن لا اطّلاع لنا عليها كثيراً)، ومع ذلك فلديهم مصنّفات؛ من جملتها كتاب باسم "غاية المبادي"، وهو كتاب يقع في مجلّدين كبيرين، وهو بالفعل مفصّل جدّاً وكُتب بإتقان حقيقيّ.
5. أمّا الشيعة الإماميّة فكان لديهم في البداية قلّة من المؤلّفات ـ وقد شرحنا تفاصيل ذلك ـ ثمّ صارت لدينا لاحقاً ـ خصوصاً بعد المرحوم الوحيد البهبهاني وبعد الحملات التي شنّها الإخباريّون ـ كتب مفصّلة جدّاً. فبعد المرحوم الوحيد البهبهاني، صارت كتبنا ـ مثل "مفاتيح الأصول" و"الإشارات" و"الضوابط" نفسها ـ كتباً مفصّلة للغاية، لا يملك أهل السنّة نظيراً لها بهذه الدرجة من التفصيل (أي أنّهم من القرن العاشر والحادي عشر لم يعودوا يكتبون بتفصيلنا).
وعلى أيّة حال، فنحن في هذه الأقسام، وبعد الوحيد البهبهاني، ومن القرن الثاني عشر تقريباً فصاعداً، لدينا كتب مفصّلة جدّاً تنقل آراء العامّة أيضاً. ولو طُبع "مفاتيح الأصول" لربّما وقع في 10 - 12 مجلّداً. ونفس كتاب "هداية المسترشدين" الذي هو شرح "المعالم" هو غاية في التفصيل، وكثير من مباحثه ربّما لا تحوي نكات فنّيّة. وأوّل مرّة بدأنا فيها الاختصار كانت تقريباً مع "الكفاية" (أي بعد أن انتشرت المطوّلات وعمّت، جاؤوا وجمعوها وهذّبوها).
#نظرة_على_مجمل_ما_لدينا_في_التراث_الأصولي
لذا، وبكلّ إنصاف، ينبغي حصر مسألة إدراج القواعد الفقهيّة في الأصول في تلك القواعد المؤثّرة، والتي لها دوران، والتي تكون الأدلّة المثبتة لها واضحة. مثلاً، كتب المرحوم شيخ الشريعة قائلاً: أنا متعجّب، مع وجود "القرعة لكلّ أمر مشكل" لماذا لم يرجع الفقهاء إلى القرعة؟ والسرّ في ذلك هو أنّه لا توجد عندنا "القرعة لكلّ أمر مشكل"، بل إنّ هذا مجرّد اشتهار، ولذا نجد المرحوم صاحب "الجواهر" يكرّر مراراً في "الجواهر" أنّه لا يُعمل بقاعدة القرعة، إلّا في الموارد التي قام إجماع الأصحاب عليها. 1️⃣ وهذا الكلام مؤثّر جدّاً في الفقه.
حتّى في قاعدة التجاوز، من النكات البالغة الأهمّيّة فيها: هل الفراغ والتجاوز هما في الواقع شيء واحد أم شيئان اثنان؟ فأنتم تعلمون أنّ الفراغ هو بعد العمل، والتجاوز هو حين العمل؛ فمثلاً: لو شكّ المصلي وهو في السجود هل أتى بالركوع أم لا، فهذا مورد قاعدة التجاوز. أمّا إذا شكّ بعد الفراغ من الصلاة في أنّه ركع أم لا، فهذا مورد قاعدة الفراغ. فإذا قيل بوحدتهما، صار كلاهما تجاوزاً أو كلاهما فراغاً ـ وهو ما ذهب إليه معاصرونا (المرحوم السيّد الخوئي وغيره). مضافاً إلى أنّ لهذين أصلًا عقلائيّاً، حيث يقول السيّد الخوئي : إنّه عقلائيّ أصلاً، وقد عَدَّهُ من الأمارات، وجعلهما شيئاً واحداً والتزم بوحدة القاعدتين. 👇👇👇
👆👆👆أضف إلى ذلك، ورغم أنّ هذا أمر جزئيّ، أحد الأُمور المهمّة جدّاً في باب التجاوز والتي يذكرها المرحوم النائيني هو: أنّ قاعدة التجاوز خاصّة بالصلاة (وطبعاً من مُتّفق فقهائنا أنّها ـ بمقتضى الرواية ـ لا تجري قاعدة التجاوز في الوضوء)، فأنت مشغول بغسل يدك اليسرى وتشكّ في أنّك غسلت وجهك أم لا، فيقولون: ارجع واغسله من أوّله (فعدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء منصوص، وكلامنا في غير الوضوء). أمّا في بقيّة الأعمال فـ قاعدة التجاوز جارية (وفي الصلاة أيضاً عندنا رواية وهي منصوصة كذلك). وهنا يقول المرحوم النائيني : قاعدة التجاوز خاصّة بالصلاة، بينما السيّد الخوئي يقول: تجري في جميع الأبواب. وهذا الرأي مؤثّر واقعاً؛ لأنّ المنصوص منه لا يجري في الوضوء ويجري في الصلاة. ويبقى الإشكال في بقيّة الأعمال.
#ينبغي_إدراج_القواعد_الفقهيّة_ذات_الأثر_البالغ_في_الفقه_ضمن_خاتمة_الأصول
1️⃣ وممّا ينبغي ألّا يُغفل أنّ هناك تعبيرين نُقلا في القرعة (القرعة لكلّ أمر مشكل، أو: لكلّ أمر مجهول)، وليس الأمر على الإطلاق، لكنّه نُقل. وكان المرحوم الآقا ضياء يقول: إنّ "القرعة لكلّ أمر مجهول" تختلف عن "القرعة لكلّ أمر مشكل". فـ "كلّ أمر مجهول" هو كلّ أمرٍ له واقعيّة، لكنّا لا نعلم بها (كأن يكون هذا الشيء نجساً واقعاً أو لا؛ فقد نُقل عن السيّد بن طاووس أنّه قال: إذا وقع الاشتباه في القبلة فلتُجرَ القرعة، والحال أنّه لا يوجد فقيه من فقهائنا قال بالرجوع إلى القرعة في اشتباه القبلة. فالمرحوم السيّد ابن طاووس قال في باب اشتباه القبلة بالرجوع إلى القرعة؛ لأنّ القبلة أمر واقعيّ واتّجاه واقعيّ هو مجهول عندنا. حتّى في أحكام الحيض قال: في موارد كثيرة الدم والمستحاضة تُرجَع القرعة، مع أنّه لا يوجد فقيه من فقهائنا قال بهذا).
فتارةً يكون الشيء له واقع مجهول عندنا، فهذا هو المجهول. وأُخرى تكون نفس الواقع غير واضح (مثل الخنثى التي لا يتّضح واقعها هل هي رجل حقيقة أم امرأة حقيقة، فلا واقع محدّد لها، ويُحتمل كونها حقيقة ثالثة. وهنا تُجرى القرعة لتُلحق بالرجل أو المرأة. واليوم في الدراسات العلميّة لم يعودوا يقولون: لا نعلم، بل يقولون: هذه حالة خاصّة، ليست من هنا ولا من هناك. لكن حتّى لو كانت هذه حقيقة ثالثة، فإنّهم بالقرعة ينقلونها إلى إحدى الحقيقتين، فتُلحق إمّا بالرجل أو بالمرأة).
فالمقصود إذن: "القرعة لكلّ أمر مشكل" أي: في كلّ أمرٍ لا واقعيّة محدّدة له نلجأ إلى القرعة، أمّا إذا كانت له واقعيّة ولكنّها مجهولة لدينا فلا. وقد فرّق المرحوم الآقا ضياء بين هذين، وتعرّض له في مبحث القرعة، وقلنا: موارد هذا قليلة جدّاً، والحقّ معه؛ لأنّ مثل هذا الإطلاق لا نملكه. وقد ظنّوا وجود الإطلاق فتعجّبوا من عدم العمل به! وهذا مطلب لطيف، وبكلّ إنصاف، مسألة الرجوع إلى القرعة من عدمه مؤثّرة في أبواب الفقه.
وإذا كان لا بدّ أن نجد تنظيماً لأبحاث الأصول ـ وبمناسبة أنّني ذكرت اسم القواعد الفقهيّة ـ فإنّ مجموع ما لدينا في التراث الأصوليّ هو:
1. لنحسب من أهل السنّة، ومثلاً من "الرسالة" للشافعي، وصولاً لما بعدها.
2. وفي أوساط علمائنا في الفِرَق الإسلاميّة، فإنّني لم أرَ ـ وفق ما لدينا الآن ـ كتاباً في الأصول للإسماعيليّة.
ثمّ عادت كتب تالية وحذفت أيضاً... .
والمتعارف عليه الآن في الفقه هو:
1. في الشبهات الحكميّة (حين نريد أن نبيّن حكماً): نبدأ بـ القطع، ثمّ الظنّ المعتبر، ثمّ إن وُجد أصل تنزيليّ ـ وهو في الأحكام ينحصر في الاستصحاب ـ، فإن لم يكن ذلك، فالأُصول غير التنزيليّة (مثل البراءة والاشتغال والتخيير). نعم، قاعدة الطهارة في الشبهات الحكميّة هي أصل تنزيليّ لكنّها في مورد واحد، لذا لم نذكرها. وقلنا: لأنّهم اعتبروا القياس أمارة غير معتبرة (وهو بنظرنا أيضاً أصل تنزيليّ)، صارت الأُصول التنزيليّة في الأحكام اثنتين فقط: الطهارة والاستصحاب.
2. أمّا في الشبهات الموضوعيّة فلها نكتة أُخرى؛ فهناك القطع، والظنّ المعتبر، والأصل التنزيليّ، إلّا أنّ الأُصول التنزيليّة فيها يقع التعارض بينها، وهذا ما لا نجده في الشبهات الحكميّة. ففي الشبهات الحكميّة الأصل التنزيليّ واحد ولا يقع فيه التعارض، أمّا في الشبهات الموضوعيّة فالأصل التنزيليّ متعارض. وما تصوّره السيّد الخوئي من التعارض كان يقصد به التعارض بين استصحابين (استصحاب عدم الجعل مع استصحاب بقاء المجعول)، لا التعارض بين الاستصحاب وشيء آخر. بينما في الموضوعات، الاستصحاب يقول: هذا اللحم نجس وحرام (لأصالة عدم التذكية)، بينما قاعدة سوق المسلم تقول: هو حلال (فالاستصحاب يتعارض مع قاعدة سوق المسلم. طبعاً لا أريد القول إنّ التعارض ثابت).
#أحد_الفروق_بين_الشبهات_الحكميّة_والموضوعيّة (في الموضوعيّة الأصل التنزيليّ له معارض)
هناك قاعدة مثل "من ملك شيئاً ملك الإقرار به" (فمن يملك عباءة ويقول: "عباءتي نجسة"، يُقبل قوله، وإن قال: "عباءتي طاهرة" يُقبل قوله أيضاً)، لكنّ تأثير هذه القاعدة قليل (فهي ليست مثل حرمة الإعانة على الإثم ولا مثل "لا ضرر"، وأنتم لم تجدوا قاعدة "من ملك" في الرسائل والمكاسب، بل كتبها الأصحاب في كتاب الطهارة: أنّ "من ملك شيئاً ملك الإقرار به"). لذلك، لا تظنّوا أنّني أعني أن نأتي بكلّ قواعد الفقه، ليس هذا مرادي، بل جملة من قواعد الفقه هي المؤثّرة جدّاً في عمل الفقيه، والتي أدلّتها وحالاتها مختلفة. ومثل هذه الجملة من القواعد ـ كقاعدة "من ملك شيئاً ملك الإقرار به" أو "العقود تابعة للقصود" ـ لا قيمة وجوديّة لطرحها هنا، بل ينبغي أن تُوضع في نفس المكاسب (في بحث العقود والقرارات).
مع الانتباه طبعاً إلى أنّ ظهور الأمر في الغسل (اغسل ثوبك من بول ما لا يؤكل) في الإرشاد إلى النجاسة ـ رغم أنّ البعض عدّه من القواعد الفقهيّة ـ هو استظهار فقهيّ، لا هو قاعدة فقهيّة ولا قاعدة أصوليّة. نعم، هو مؤثّر في الاستنباط، ولكن كلّ الفقه مؤثّر في الاستنباط، ولا يصحّ بهذه الذريعة أن نأتي بكلّ الفقه في الأصول.
وتفصيل أصل المسألة هو: أنّ "اغسل ثوبك من بول ما لا يؤكل" له إطلاق، فلو أصاب البول ثوباً ثمّ بعد 10 أيّام لم يبقَ للبول أيّ أثر (لا رائحة ولا لون) على هذا الثوب، لا يمكن أن يقال: بما أنّ الطهارة تعني النظافة، فهذا الثوب الآن طاهر، بل يقولون: لا، إطلاق "اغسل" باقٍ حتّى الآن، وهذا الثوب ـ وإن جفّ تماماً وزال كلّ أثر ـ يجب غسله. نعم، في باب الحيوان والأشياء الطبيعيّة كذلك الحال. ففي مثل الصحراء، إذا سقط الدم ثمّ زال، حُكم بالطهارة. وفي باب الحيوان أيضاً كذلك. لذا يُسأل: لو أنّ أحد الحيوانات آكلة اللحوم ـ كالصقر والعقاب ـ وضع منقاره في الماء، يقول الإمام (عليه السلام) : رأيت في منقاره دماً (سئل عمّا تشرب منه الحمامة فقال... إلّا أن ترى في منقاره دمًا، فإن رأيت في منقاره دمًا فلا توضّأ منه ولا تشرب [الكافي، ج 3، ص 10، ح 5 (باب الوضوء من سؤر الدواب والسباع والطير)]). فبما أنّ هذا العقاب يأكل الجيف، فمنقاره يتنجّس قطعاً، فيقولون: إذا رأيت الدم فذلك الماء نجس، أمّا إذا لم تره فهو طاهر (أي أنّ زوال النجاسة في الحيوان كافٍ). وبناءً على هذا: لو افترضنا أنّك بنيتَ جداراً وأصابته نجاسة، فإنّ زوال النجاسة وحده لا يكفي (بل يجب غسله)، أمّا إذا كانت أرض الصحراء وزالت عنها النجاسة فيكفي.
وخلاصة كلامهم هي: أنّه لمّا قال: اغسل، فمعناه: أنّه نجس مطلقاً (سواء بقيت آثاره أم لم تبقَ). فالآن لو فرضنا أن لا أثر للدم أو البول على الثوب (لا رائحة ولا لون) وقد مضت 10 أيّام أو 20 يوماً، أو شهر، أو سنة، فإنّ الإطلاق يشمله: اغسل ثوبك من بول ما لا يؤكل لحمه. لكنّ هذا ليس بقاعدة فقهيّة، بل هو استظهار فقهيّ.
حتّى "العقود تابعة للقصود" التي كتبها البعض ضمن القواعد الفقهيّة، وهي من قبيل الصدف مؤثّرة جدّاً في أبواب المعاملات، لكنّ تأثيرها ليس كتأثير "حرمة الإعانة على الإثم".
تسمية القواعد الفقهيّة بـ "الأشباه والنظائر" وضرورة إفراد المؤثّر منها في خاتمة الأصول
«لقد اتّضح أنّ القواعد الفقهيّة كانت مؤثّرة حقّاً، إلّا أنّهم رأوا أنّ سنخ هذه القواعد يختلف عن سنخ مسائل علم الأصول، ولذا بدل أن يُطلقوا عليها اسم "قواعد الفقه" ـ بما أنّه عنوان معروف (فـ الفقه له عنوانه) وله عموميّة، وكان من الطبيعيّ أن يُسمّوها "القاعدة الفقهيّة" ـ لمّا كانت هذه القواعد ذات عموميّة وشمول، أطلق عليها أهل السنّة اسم "الأشباه والنظائر" (فالكتب المؤلّفة باسم "الأشباه والنظائر" يُقصد بها القواعد الفقهيّة)؛ ذلك أنّ "الأشباه" تعني وجود أشباه ونظائر وتطبيقات أُخرى (فـ الإعانة على الإثم لا تقتصر على بيع العنب لمصنع الخمر فقط). وقد استطاعوا بهذه المجموعة من القواعد، وبكلّ إنصاف، أن يُنزلوا الفقه بالكامل إلى ساحة الحياة الاجتماعيّة الواقعيّة، وألّا يتقاعسوا ويتنحّوا جانباً لمجرّد أن تواجههم حادثة جديدة (بل أن يتقدّموا إلى الميدان، وطبقاً لعقيدتهم بأنّ هذه الشريعة مكمّلة وأنّها خاتمة الشرائع، يستنبطوا هذه الأحكام من القرآن والسنّة الموجودَين). وقد صارت هذه ممهّدات للفقاهة، والفقاهةُ صارت ممهّدات لعلم الأصول ـ بطبيعة الحال مع تدوين الأصول ـ ومن قبيل الصدف، أنّه لمّا حصل بُعد زمنيّ، انضمّ إلى ذلك علم الحديث؛ فالحديث الذي كان يتمتّع في البداية بنوع من القدسيّة الخاصّة، بدأ تدريجيّاً ـ بمرور الزمن ووجود بعض الأشخاص الكذّابين، وبعض من اشتبه عليهم الأمر أو من فسد ضبطهم أو من أصابهم الاختلاط في أواخر أعمارهم ـ يضاف إلى ذلك كلّه مهمّة معرفة الحديث وتمييزه. 1️⃣
هذا فيما يخصّ الطرح الكلّيّ. وبكلّ إنصاف، هناك جملة من القواعد الفقهيّة تنطوي على 2 - 3 نقاط تقتضي أن نأتي بها ونبحثها في خاتمة علم الأصول:
1. أوّلاً: لأنّها كثيرة الدوران حقّاً؛ من قبيل "لا ضرر" نفسها، حيث يذكر جلال الدين السيوطي في مقدّمة كتابه "الأشباه والنظائر" أنّ فلاناً جمع الفقه كلّه في 5 مسائل، وجمعه فلانٌ في 17 مسألة. (حكى القاضي أبو سعيد الهرويّ: أنّ بعض أئمّة الحنفيّة بهراة بلغه أنّ... إمام الحنفيّة بما وراء النهر ردّ جميع مذهب أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدةً، فسافر إليه...، فلمّا بلغ... ذلك ردّ جميع مذهب الشافعيّ إلى أربع قواعد [الأشباه والنظائر (جلال الدين السيوطيّ)، ص 7]). وقد أخذ حينها الأصول الخمسة التي هي بالغة الأهمّيّة في الفقه (التي مدار الفقه عليها)، ومن جملتها "لا ضرر" (والثانية: المشقّة تجلب التيسير)، ومن جملتها أيضاً مسألة الاستصحاب (الأُولى: اليقين لا يزال بالشكّ). إذاً، فأوّل ما يهمّ هو الدوران والتطبيق الذي لهذه القواعد ـ حتّى في الموارد الجزئيّة ـ مثل الإعانة على الإثم.
2. ثانياً: إنّ بعض هذه القواعد ـ مثل قاعدة الفراغ، قاعدة التجاوز، قاعدة سوق المسلم، قاعدة القرعة (على المشهور) ـ هي موضوعات فقط، إلّا أنّ لها أدلّة مختلفة، وهذه الأدلّة بحاجة إلى بحث وتحقيق.
3. ثالثاً: في داخل هذه القواعد توجد بعض النكات التي تغلب عليها الجنبة الأصوليّة؛ مثل تعارض الأصول بعضها مع بعض، ومثلاً: لماذا لا نرجع إلى الاستصحاب في موارد قاعدة سوق المسلم؟ هذه نكات في غاية الجمال واللطف تكمن في باب هذه القواعد وتُعنى بـ قياس النسبة بينها.
حسناً، هذه نكتة لطيفة تقتضي أن يأتي الإنسان إلى هذه القواعد الفقهيّة وينقّحها، وبدلاً من أن يقرأ مثلاً "لا ضرر" في موضع من "الرسائل"، و قاعدة اليد وسوق المسلم والقرعة وقاعدة التجاوز وقاعدة الفراغ في نهاية الاستصحاب، وأن تُقرأ هكذا مبعثرة نصفها هنا ونصفها هناك، أن يُعيّن لها مكان معيّن، وهو مبحث الخاتمة.
#من_الجدير_أن_توضع_جملة_من_القواعد_الفقهيّة_كخاتمة_في_علم_الأصول (2)
1️⃣ لقد بدأ علم الرجال وعلم الأصول تقريباً من منتصف القرن الثاني، واستقرّ بناؤهم على أن يتكفّل علم الرجال بتشخيص الصغرى، ويتكفّل علم الأصول ببيان حكم الكبرى. فعلم الرجال يقول: "هذا الشخص عدل، وهو ضابط، وكذا، ولم يشتبه"، وعلم الأصول يقول: "خبر الواحد حجّة". فصار أحدهما صغرى، والآخر كبرى. وتدريجيّاً استقرّ البناء على أنّ علم الأصول ـ كما يقول المرحوم النائيني ـ مُتولّي الكبريات. وهذا أيضاً يرجع إلى أواخر القرن الثاني، ومن الطبيعيّ أنّ أوّل كتاب في هذا هو كتاب الشافعي. على أنّ كيفيّة البحث في كتاب الشافعي لم تكن بالوضوح الذي نطرحه به الآن (وعلى العموم، فإنّ كتب الأوائل وكتب المؤسّسين فيها شيء من النقص والزيادة)، إلّا أنّه تدريجيّاً ومن سنوات 300هـ وما بعدها، أخذت كتب الأصول شكلها النهائيّ (بهذه الهيئة التي كانت عليها لاحقاً)، وقد طرأت عليها تغييرات بعدئذٍ بالطبع؛ لأنّ طبيعة العلوم الاعتباريّة أنّها في انقباض وانبساط دائمين؛ بمعنى: لنفترض أنّ في كتاب الشافعي قدراً من الأبحاث، ثمّ صارت الكتب اللاحقة أكثر تفصيلاً. ثمّ حذفت الكتب اللاحقة قسماً منه وأضافت شيئاً آخر.
وحدة السلطة التنفيذية والفقاهة في الصدر الأوّل ونشأة التفريع الأصولي من رحم الفتاوى
«قلنا إنّه: مثلاً في أوّل عهد الصحابة في القرن الأوّل (أي: بعد سنة 41 هـ) ـ وعلى حدّ تعبيرهم: زمن الخلفاء الراشدين أو من يُلحق بالخلفاء الراشدين (مثل عمر بن عبد العزيز) ـ كانت السلطة التنفيذيّة والسياسيّة متّحدةً مع السلطة الفقاهتيّة أساساً؛ أي إنّ معنى الخليفة الراشد كان: هو الحاكم والفقيه معاً (فقد كان يُصدر الحكم ويُشرف على تنفيذه). ومنذ زمن معاوية ومَن تلاه، انفصلت هاتان السلطتان، إلّا أنّ الجهاز الإداريّ والسياسيّ ظلّ في الفروع الفقهيّة يرجع إلى جهاز الفقهاء، وسرّ تشكّل ما يُعرف بـ الفقهاء السبعة في الفقه هو أنّ المسائل السياسيّة المستجدّة كانت تُحال إلى الفقهاء، ومن الطبيعيّ أنّهم كانوا يفحصونها وفقاً لآرائهم الفقهيّة.
ثمّ في القرن الثاني شرعوا تدريجيّاً في فصل قواعد عامّة ووضعها للفقاهة والاستنباط. ومن أواخر القرن الثاني، بدأ علم الأصول يتبلور، ولأنّ الأصول لم يكن موجوداً قبل ذلك، فإنّك إذا أردتَ أن تتبيّن المسائل الأصوليّة في القرن الأوّل أو في زمن الصحابة، فإنّك تجدها في الفقه؛ فمثلاً لو سألناه: إنّي صلّيتُ في لباس مغصوب، فقال: صلاتك صحيحة، فهذا هو معنى اجتماع الأمر والنهي (لكن لا بعنوان "اجتماع الأمر والنهي")؛ أي إنّه لا يوجد عندنا بحث باسم "اجتماع الأمر والنهي" في القرن الأوّل، ولكنّ الفتوى به موجودة. فقد نُقل مثلاً عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: لا، انظر في أيّ شيء تصلّي وعلى أيّ شيء تصلّي، (يا كميل...، وانظر فيما تصلّي وعلى ما تصلّي، إن لم يكن من وجهه وحلّه فلا قبول [تحف العقول، ص 174]). ونُقل عن الصحابة أنّهم قالوا: لا إشكال، فلو كان اللباس أو المكان مغصوباً فصلاتك صحيحة. ويقول الفخر الرازي : إنّ القاعدة تقتضي الامتناع (بمعنى أنّه إذا صلّى في لباس مغصوب، بطلت صلاته)، ولكنّ الصحابة صلّوا في أماكن مغصوبة خلْف الخلفاء الغاصبين والذين لا مشروعيّة لهم ممّن كانوا يرتكبون ما يخالف الشرع. ولمّا كانوا قد حكموا بصحّة الصلاة (استناداً إلى فتوى الصحابة الذين صلّوا في الأماكن المغصوبة وكانوا يرون صحّة الصلاة)، نقول بجواز الاجتماع، وإلّا لكان مقتضى القاعدة أن نذهب إلى الامتناع ونقول ببطلان الصلاة.
#مسائل_أصوليّة في القرن الأوّل أو زمن #الصحابة كانت تُطرح في #الفقه على هيئة #فرع_فقهي
#اجتماع_الأمر_والنهي #الخلفاء_الراشدين
#أمير_المؤمنين #الفخر_الرازي #الفقهاء_السبعة
قواعد الفقه بين الأصول والاستقلال: ضرورة وضع خاتمة في علم الأصول
(كما ذكرنا سابقاً، ظهرت المسائل عبر الزمن؛ بمعنى أن تدوين علم الأصول لم يُنجز بهذه الصورة منذ البداية. وبالنظر في كتب الأصول يتّضح جلياً أن كيفية البحث وطريقة طرحه تتغير بمرور الزمن. حتى أن التفاصيل (بعض الأمور الجزئية) كانت تُذكر أحياناً ضمن مسائل الأصول الأولى. ومن المباحث التي انفصلت لاحقاً مبحث القواعد، وأما سرّ هذا الانفصال ـ رغم أن بعض علماء السنّة وغيرهم ذكروا ما يصل إلى أحد عشر فرقاً بين المسائل الأصولية والقواعد الفقهية، وقد تعرّضنا لذلك في بعض البحوث السابقة في الاستصحاب ـ إلا أن ما ذكره #المحقق_النائيني لا يبدو لنا واضحاً جداً، ونعتقد أن النكتة الأساسية هي: أنه في القواعد الفقهية، حتى وإن استُنتج منها حكم كلي أحياناً (فليس من الضروري أن يُستنتج حكم جزئي)، يُطرح فيها عنوان فقهي ـ كعنوان الإعانة على الإثم ـ وهي ليست استنباطاً (أي هي في الحقيقة نوع من الانطباق على المورد). نعم، يعتمد الأمر على ما يُستظهر من الدليل المُقام. فإن حصل الاستظهار، يُحسب على ذلك الأساس؛ فمثلاً في قاعدة "لا ضرر" إن كان المراد النفي فقط فلها أثر، وإن كان المراد الإثبات فلها أثر آخر، وبالفعل يجري الأمر على هذا النحو (فقد أثبت جمع من العلماء أحكاماً بقاعدة "لا ضرر" أو بالاستصحاب وأمثالهما، مع أنهم يعدّون هذه من القواعد الفقهية).
لكن من وجهة نظرنا، يجدر بنا إنصافاً ألا نذكر عدداً من القواعد الفقهية الآن في علم الأصول، بل أن تُجعل خاتمة في علم الأصول خاصة بهذه القواعد الفقهية المهمة:
1. إما لكثرة دورانها في الفقه (مثل قاعدة "لا ضرر") وتأثيرها في جملة من الأحكام (كمبحث الإعانة على الإثم)،
2. وإما لأن بعضها، وإن كان مختصاً بالموضوعات فقط، إلا أن له فروعاً وآثاراً كثيرة وتُبحث أدلّتها المختلفة (مثل قاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز).
وتوضيحاً لذلك: فإن كتبنا الأصولية ـ خصوصاً الأصولية منها ككتاب "الرسائل" والكتب التي تلته والمتداولة بيننا اليوم ـ وإن لم تُخصص قسماً للقواعد الفقهية، إلا أنها دخلت فيها عملياً؛ فمثلاً #الشيخ_الأنصاري تعرّض في ذيل الاشتغال والبراءة لقاعدة "لا ضرر" وشرحها، أو وضع في ذيل قاعدة الاستصحاب "خاتمة في تعارض الأصول" وتعرّض لتعارض الأصول، وبمناسبة تعارض الأصول بحث تعارض هذه القواعد أيضاً. (آخر دورة خارج أصول فقه/ الجلسة الثامنة/ 2022.12.13)
#يجدر_أن_توضع_جملة_من_القواعد_الفقهية_كخاتمة_في_علم_الأصول (1))
(تقسيم الصور الذهنية وابتكارات النفس في عملية الاستنباط)
(نرى أن القياس ـ شأنه شأن الاستصحاب ـ يُعدّ من الأصول المُحرِزة، ولا فرق بينهما من هذه الجهة، بخلاف خبر الثقة؛ فإنّه كاشف عن الواقع، ويُقبل بدليلٍ خارجي، سواء كان ذلك آية النبأ، أو سيرة العقلاء، أو الروايات من قبيل: «أفيونس بن عبد الرحمن ثقة؟»، فهو ليس من قبيل ابتكار النفس وإنشائها.
وبصورة عامة، تنقسم الصور الذهنية في المجال القانوني إلى قسمين:
1. قسم تكون وظيفته الطريقية والكشف عن الواقع، وهذا هو الذي يُصطلح عليه في علم الأصول بـ الحجج والأمارات.
2. وقسم آخر يكون من ابتكارات النفس وإنشائها.
وهذا القسم الثاني ينقسم بدوره إلى قسمين رئيسين:
أ- تارةً يكون الإنشاء متعلّقًا بالحكم الشرعي نفسه، كما في الاستصحاب؛ إذ يقال: كان هذا الفعل حرامًا فهو الآن أيضًا حرام، وكان واجبًا فهو الآن أيضًا واجب، وكان مستحبًا فهو الآن أيضًا مستحب.
ب- وتارةً يكون الإنشاء متعلّقًا بعنوانٍ انتزاعي؛ كأن يقال: هذا الأمر مجهول، ولأجل جهالته فأنت في سعة، وهذا هو البراءة، أو يقال: احتمال الانطباق هنا متساوٍ (50% مقابل 50%)، فلابد من الاحتياط. ففي كلتا الصورتين تقوم النفس بإنشاء الحكم، ولا يكون لها طريقية إلى الواقع. ومن هنا، ففي باب الاحتياط، إذا علمنا بسقوط قطرة دم في أحد الإناءين، مع كون أحدهما نجسًا واقعًا، فإننا نتعامل مع الإناءين معاملة النجس؛ فيكون نجاسة الإناءين إنشاءً تعبديًا، بينما النجاسة الواقعية ثابتة لأحدهما فقط.
وبذلك يتّضح أيضًا البحث المعروف في عدم تنجّس ملاقي أحد أطراف العلم الإجمالي؛ فإذا لاقى ثوبك أحد الإناءين، فإنّ الحكم التعبدي هو: «كلّ إناءٍ نجس»، بينما الحكم الواقعي هو: «أحدهما نجس». نعم، يرى #آقا_ضياء_العراقي أنّه لا فرق بين هذا وبين العلم التفصيلي، إلا أنّ البحث في الفارق بين العلم الإجمالي والتفصيلي موكول إلى محلّه؛ إذ الفارق الحقيقي أنّ أحدهما من إنشاء النفس وابتكارها.
وكذلك إذا قيل: كانت هذه المرأة محرّمة حال الحيض، وبعد انقطاع الدم نستمرّ في الحكم بحرمتها، فإنّ هذا ابتكار من النفس؛ لأنّ الدليل الذي كان بأيدينا هو قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]، وهو يدلّ على الاعتزال ما دام الحيض موجودًا. أمّا بعد انقطاع الدم فقد انتهى موضوع الحكم، غير أنّك تُنشئ استمرار الحكم تعبّدًا، وتقول: ما زال الاعتزال ثابتًا، وهذا هو الاستصحاب.
وقد ذهب المتقدّمون إلى أنّهم بعد ملاحظة موارد كثيرة وجدوا أنّ الأشياء تبقى على حالها غالبًا؛ فالبناء الذي كان موجودًا بقي موجودًا بعد سنوات، والمالك بقي مالكًا، فقالوا: نُلحق سائر الموارد بالأغلب والأعمّ، استنادًا إلى القاعدة: «الظن يُلحق الشيء بالأعمّ الأغلب».
ومن هنا، يرى #السيد_أبو_القاسم_الخوئي أنّ الاستصحاب أمارة، ولكن ليست حجّيته من جهة كاشفيته عن الواقع، ولذلك لا يلتزم بحجّية لوازمه.
بل إنّ الاستصحاب في الفكر الأصولي القديم ـ قبل ظهور المدرسة الأخبارية ـ كان يُعامل معاملة القياس، ويُعدّ من الأمارات، إلا أنّ الفرق بينهما أنّ القياس لم يكن حجّة، بينما كان الاستصحاب حجّة. وقد تقدّم أنّ #الشيخ_الطوسي صرّح في كتاب «العدة» بحجّية الاستصحاب، وذكر أنّ الشيء إذا كان ثابتًا سابقًا ثم شككنا في طروّ ما يزيله، فالأصل عدم المزيل، فيُحكم ببقاء الحالة السابقة.
مع أنّكم تعلمون اليوم أنّ أصل عدم المزيل من الأصول غير المُحرِزة، ولا يمكن إثبات الاستصحاب ـ وهو من الأصول المُحرِزة ـ بأصل غير مُحرِز.
ولهذا، فإنّ إثبات الاستصحاب بهذا الوجه يواجه إشكالًا في علم الأصول الشيعي المتأخر، الذي تبلورت معالمه بعد #الوحيد_البهبهاني، ثم نُقّحت على يد #الشيخ_الأنصاري واستمرّت إلى عصرنا.
إلا أنّه منذ ظهور المدرسة الأخبارية، وبعد أن استندت إلى حديث «لا تنقض» وقصرت تطبيقه على الشبهات الموضوعية، جاء #الوحيد_البهبهاني ووسّع دائرة الاستدلال به إلى الشبهات الحكمية.
وبذلك، اتجهت المدرسة الإمامية إلى اعتبار الاستصحاب أصلًا عمليًا، بخلاف أهل السنّة الذين لم يعدّوه أصلًا تعبديًا، بل اعتبروه قاعدة عقلائية، سواء بُنيت على أنّ العلة المُحدِثة هي نفسها العلة المُبقِية، أو على الوجه الذي ذكره #الشيخ_الطوسي، ولذلك لم يُدرجوه ضمن الأصول العملية.)
#أقسام_الصور_الذهنية #ابتكارات_النفس #الاستصحاب #القياس #خبر_الثقة #الوحيد_البهبهاني #الشيخ_الأنصاري #الشيخ_الطوسي #السيد_أبو_القاسم_الخوئي #آقا_ضياء_العراقي
(الأصول العملية في «الرسائل» وبيان الصيغة الصحيحة لعبارة الشيخ الأنصاري)
(يظهر من كتاب «الرسائل» أنّ العبارة التي كتبها #الشيخ_الأنصاري في البداية كانت: «الأصول العملية»، إلا أنّه ذُكر أنّ بعض النسخ ورد فيها: «وبعض الأصول»، كما في قوله: «ثمّ من خواصّ القطع الذي هو طريق إلى الواقع: قيام الأمارات الشرعيّة وبعض الأُصول العمليّة مقامه في العمل».
وقد سمعنا من #السيد_حسن_البجنوردي ـ مع أنّه لم يذكر ذلك في كتابه «منتهى الأصول» ـ أنّ #الميرزا_النائيني نقل عن #الميرزا_الشيرازي_الكبير (صاحب فتوى التنباك، السيد محمد حسن الشيرازي) أنّ النسخة الصحيحة من كتاب الشيخ تتضمن كلمة «بعض».
إلا أنّ النسخة التي أملكها أنا هي بخطّ #الشيخ_محمد_حسن_الآشتياني، وقد استنسخها بيده قبل وفاة الشيخ الأنصاري بثمانية عشر عاماً؛ إذ كانت وفاة الشيخ سنة 1281هـ، بينما فرغ الآشتياني من نسخها سنة 1263هـ. وفي هذه النسخة يظهر أنّ الخطّ الأصلي من نمط واحد، بينما أُضيفت بعض التعليقات في الهوامش بخطّ آخر أحدث، ويبدو بوضوح أنّه خطّ الآشتياني نفسه، ومن هنا نشأت اختلافات النسخ، ولا سيّما في أوائل كتاب «الرسائل».
وفي تلك النسخة أثبت الآشتياني عبارة «الأصول العملية»، كما أنّه في كتابه «بحر الفوائد» ـ وهو شرح لعبارة الشيخ ـ شرح عبارة «الأصول العملية» نفسها، ولم يشرح عبارة «بعض الأصول العملية». غير أنّه كتب بعد ذلك، وبالخطّ الأحدث نفسه، كلمة «بعض» فوق كلمة «الأصول»، مما يكشف أنّ #الشيخ_الأنصاري أجرى هذا التصحيح في مرحلة لاحقة من تأليف الكتاب.
وهذه النسخة كُتبت قبل وفاة الشيخ بثمانية عشر عاماً، بل إنّ الشيخ أجرى فيها في بعض المواضع تصحيحات جوهرية، حتى إنّه شطب صفحة كاملة تقريباً، وكتب في الهامش أنّ هذا الشطب هو الصحيح.
ولا توجد مثل هذه التصحيحات في سائر أجزاء «الرسائل»، وإنما تتركز في أوائل النسخة، ويبدو أنّ الآشتياني حين ألّف شرحه لم يكن قد التفت إلى أنّ الشيخ أضاف كلمة «بعض» في مرحلة لاحقة.
وكان #الشيخ_محمد_حسن_الآشتياني يُلقّب في النجف بـ «لسان الشيخ»، وكان من كبار العلماء وأبرزهم في طهران في عهد ناصر الدين شاه، وله مكانة علمية واجتماعية رفيعة وتأثير بالغ، حتى إنّ بعضهم ذهب إلى أنّ فتوى التنباك صدرت في الأصل عنه، لا عن سامراء، بدعوى أنّ المدة الزمنية لا تنسجم مع وصول الفتوى منها.
وله كتاب «بحر الفوائد»، وهو شرح موسّع على «الرسائل». أمّا النسخة التي صوّرتها فهي محفوظة لدى حفيده #السيد_ميرزا_باقر_الآشتياني، وهي بخطّ الشيخ الآشتياني نفسه، وقد أثبت في خاتمتها تاريخ الفراغ من نسخها سنة 1263هـ.)
#بيان_العبارة_الصحيحة_في_كتاب_الرسائل #الأصول_العملية #الشيخ_الأنصاري #الميرزا_النائيني #الميرزا_الشيرازي_الكبير #الشيخ_محمد_حسن_الآشتياني #السيد_حسن_البجنوردي #بحر_الفوائد #رسائل_الشيخ
هل الاستصحاب مسألة أصولية أم قاعدة فقهية؟
(**إذا فُسِّر قوله: «لا تنقض اليقين بالشك» بأنّ الموضوع هو عنوان اليقين نفسه، كان الاستصحاب قاعدةً فقهية. أمّا إذا قيل: إنّ اليقين ليس موضوعًا للحكم، وإنّما أُخذ على نحو الطريقية المحضة؛ أي إنّ النظر متوجّه إلى الواقع نفسه لا إلى عنوان اليقين، كما لو كان الشخص متطهّرًا سابقًا فنحكم ببقاء طهارته، فحينئذٍ يكون الاستصحاب من المسائل الأصولية.
وهذه نكتة دقيقة؛ فإنّ جماعةً من علماء أهل السنّة ألحقوا الاستصحاب بالقياس؛ لأنّه عندهم يدور حول نفس العمل، فهو ـ على اختلاف مبانيهم ـ إمّا من مصادر التشريع أو من الحجج الشرعية.
وفي المقابل، نجدهم في كتب القواعد الفقهية يذكرون قاعدة: «اليقين لا يزول بالشك»، فلمّا أصبح الحكم دائرًا حول عنوان اليقين، عدّوها قاعدةً فقهية. ومن هذه القاعدة استنبطوا ـ على اختلاف بينهم ـ تسعًا أو عشرًا أو إحدى عشرة قاعدة وفرعًا، وجعلوا الاستصحاب أحد أفرادها.
بل إنّهم أثبتوا حتى أصالة الحقيقة بهذه القاعدة، مع أنّها عندنا من الأصول اللفظية؛ إذ قالوا: المعنى الحقيقي متيقَّن، وأمّا المعنى المجازي فمشكوك فيه، فإذا شككنا في أنّ المراد هو المعنى الحقيقي أو المجازي، جرت قاعدة «اليقين لا يزول بالشك». ومن هنا أدرجوها في باب أصالة الحقيقة وجعلوها قاعدةً فقهية، بينما لا يسلك الأصوليون الإمامية هذا المسلك في علم الأصول.
ثم إنّ البحث عن الاستصحاب في علم الأصول لا يستلزم الالتزام بجريانه في الشبهات الحكمية؛ لأنّ كثيرًا من علماء المسلمين ـ من السنّة والشيعة وغيرهم ـ اختلفوا في حجيته، مع اختلاف مذاهبهم ومبانيهم، فمنهم من قبله ومنهم من رفضه.
وما نقوله هو أنّه يمكن وضع ضابطةٍ للتمييز:
فإن كان الملاك في الاستصحاب هو الواقع، وكان اليقين مأخوذًا على نحو الطريقية ـ كما عبّر #الشيخ_الأنصاري في «الرسائل» ـ بحيث لا يكون لعنوان اليقين أيّ مدخلية في الحكم، فالاستصحاب مسألة أصولية.
أمّا إذا قيل: إنّ اليقين مأخوذ على نحو الموضوعية، وأنّ الحكم تعلّق بعنوان اليقين نفسه، كما في عنوان الإعانة على الإثم، وأنّ قوله: «لا تنقض اليقين بالشك» يدور مدار عنوان اليقين وحالة اليقين، فالاستصحاب يكون قاعدةً فقهية.
(آخر دورة في البحث الخارج في أصول الفقه/ الجلسة السابعة/ 21 ذو القعدة 1444هـ الموافق 15 كانون الأول/ديسمبر 2022م).
#الاستصحاب #المسألة_الأصولية #القاعدة_الفقهية
معنى كون قاعدة «لا ضرر» قاعدةً فقهية (2)
(**هناك اتجاهان مختلفان في فهم حديث «لا ضرر»: فهل مفاده نفي الحكم، أم إثبات حكم جديد؟
فإذا قيل بأنّ مفاده الإثبات، لم يكن من اللازم أن يكون الضرر شخصيًا. وقد نقلنا عن #الميرزا_النائيني أنّه يرى أنّ «لا ضرر» يدور مدار الضرر الشخصي، بينما «لا حرج» يدور مدار الحرج النوعي؛ فلو كان الوضوء في أيام الشتاء شاقًّا على غالب الناس ـ كأن يكون عسيرًا على (99%) منهم ـ بينما كان سهلًا على شخصين، فلا يجوز لهذين الشخصين ترك الوضوء بحجة أنّه شاق على غيرهما؛ بل يجب عليهما الوضوء، بينما ينتقل غيرهما إلى التيمم.
غير أنّ المسار التاريخي للفقه الإسلامي يكشف عن فهمٍ آخر، وهو أنّ «لا ضرر» يفيد الإثبات لا النفي؛ فقد استُدلّ به لإثبات أكثر خيارات الفقه، كما استُدلّ به في بعض موارد حق الشفعة، وهذه كلّها أحكام إثباتية لا أحكام نفي.
فمثلًا، لا يقال: «هذا ضرري»، بل يقال: إذا كان القيام يوقعك في الضرر، انتقلت وظيفتك إلى الإيماء.
وكذلك الحال في «لا حرج»؛ فإنّا لو اقتصرنا على ظاهر قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، لكان ظاهره نفي الحكم. لكن ورد في رواية عبد الأعلى أنّ الإمام (عليه السلام) قال: «هذا وأشباهه يُعرف من كتاب الله... امسح على المرارة»، وهي رواية ذات دلالة دقيقة؛ إذ استفاد منها حكمًا إثباتيًا، ومن اللافت أنّها وردت في باب العبادات.
فالإمام (عليه السلام) لم يقل: لا تغسل هذا الموضع، أو لا تمسح عليه، وإنّما قال: «هذا وأشباهه تُعرف من كتاب الله... امسح على المرارة»، أي إنّ الحكم لا يختص بهذه الواقعة، بل يشمل نظائرها أيضًا.
ثم إنّ الرواية لا تصرّح بأنّ الظفر الذي سقط كان من القدم ـ حيث تكون الوظيفة في مذهبنا المسح ـ أو من اليد التي وظيفتها الغسل، وإن كان من المحتمل أن تكون الواقعة قد حدثت في بيئة أهل السنّة، حيث يغسلون القدم أيضًا.
وعلى أيّ حال، لم يرد في الرواية أمرٌ بترك الغسل أو ترك المسح، وإنّما جاء فيها: «هذا وأشباهه تُعرف من كتاب الله... امسح على المرارة»، وهذا هو محلّ البحث؛ لأنّ الإمام استخرج من الآية حكمًا إثباتيًا.
أمّا ما يُثار حول سند الرواية أو انفرادها أو عدم ورود هذا التطبيق في غيرها، فذلك بحث آخر؛ إذ إنّ ظاهر الآية ـ في نفسه ـ واضح. ولو كان المقصود منها مجرد النفي، لكان المناسب أن يقول: لا تغسل هذا الموضع، أو لا تمسح عليه.
ومن جهة التطبيق الفقهي، نجد أنّ #الشيخ_الطوسي قد استدلّ بحديث «لا ضرر» في بعض مسائل الشفعة في كتاب «الخلاف»، كما أنّ خيار الغبن لا توجد فيه رواية خاصة، وإنّما أُثبت اعتمادًا على قاعدة «لا ضرر».
نعم، قد يقال بعدم قبول هذا الاستدلال، لكن ذلك رأيٌ اجتهادي خاص، ولا يصح أن تُبنى تعريفات العلوم على الآراء الخاصة. فمثلًا، قيّد #الآخوند_الخراساني في تعريف علم الأصول بقوله: «أو التي ينتهي إليها المجتهد في مقام العمل»، مع أنّ بعض الأعلام، كـ#السيد_الخوئي، وكذلك الأخباريين، يرون أنّ الاستصحاب هو الأصل الوحيد الجاري في الشبهات الحكمية، ثم لا يقولون بحجيته. ومع ذلك، لا يقتضي هذا حذف ذلك القيد من تعريف علم الأصول؛ لأنّ التعريف ينبغي أن يعبّر عن الصورة العامة للعلم، لا عن مبنى خاص.
والنتيجة: أنّه بحسب القاعدة الأولية، فإنّ حديث «لا ضرر» صالح لإثبات حكم شرعي كلي، إلا أنّ النكتة الفنية في كونه قاعدةً فقهية ليست هي ما ذكره #الميرزا_النائيني، ولا سيّما إذا بُني على أنّ مفاده الإثبات.
وعلى هذا المبنى أيضًا، لا يشترط أن يكون الضرر شخصيًا، بل يكفي الضرر النوعي؛ فلو اشترى شخص كتابًا قيمته ألف دينار بعشرة آلاف، فإنّ العرف يعدّه مغبونًا، وإن كان هذا الشخص ثريًا جدًّا ولا يتأثر بذلك ماليًا. فإذا أمضى العقد صحّ، ولكن هذا التصور يريد أن يقول: حتى لو لم يتحقق ضرر شخصي، فإنّ الضرر النوعي وحده يكفي لإثبات الخيار؛ لأنّ عامة الناس يتضررون من مثل هذا التعامل، وبذلك يُثبت خيار الغبن اعتمادًا على الضرر النوعي.
(آخر دورة في البحث الخارج في أصول الفقه/ الجلسة السابعة/ 21 ذو القعدة 1444هـ الموافق 15 كانون الأول/ديسمبر 2022م).
#معنى_كون_«لا_ضرر»_قاعدة_فقهية #لا_ضرر #الضرر_النوعي #خيار_الغبن
معنى كون قاعدة «لا ضرر» قاعدةً فقهية (1)
(**نرى أنّ النكتة الأساسية في القاعدة الفقهية هي أنّ الحكم فيها يدور مدار عنوانٍ خاص؛ أي إنّ الحرمة تثبت باعتبار ذلك العنوان، لا باعتبار نفس الفعل في ذاته. فمثلًا، ليست حرمة بيع العنب ناشئةً من نفس البيع، وإنّما من عنوان آخر ينطبق عليه.
ولهذا فإنّ مسألة بيع العنب لمن يتّخذه خمرًا، وهي من المسائل المطروحة منذ القرنين الأول والثاني الهجريين، اختلف فيها الفقهاء؛ فغالب أهل السنّة استدلّوا على حرمتها بقاعدة الإعانة على الإثم، بينما لم يرد هذا العنوان في رواياتنا ولا في كلمات قدماء أصحابنا، وإنّما دخل إلى الفقه الإمامي تدريجيًا ابتداءً من عصر #العلامة_الحلي، متأثرًا باستدلالات أهل السنّة.
ثم تعرّض هذا المبنى للنقد، ولا سيّما في كتاب «جامع المقاصد»، وكان أشدّ من ناقشه #المقدس_الأردبيلي. وبعد ذلك مرّت المسألة بمرحلتين: مرحلة قبول عند عددٍ من فقهاء الإمامية، ثم مرحلة مناقشة ونقد، إلى أن انتهى الأمر بـ#صاحب_الجواهر ومن جاء بعده إلى القول: إنّ الذي ثبت في النصوص ليس عنوان «الإعانة على الإثم»، وإنّما عنوان «التعاون على الإثم»؛ لأنّ الآية الكريمة تقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
وعليه، فإنّ التعاون على الإثم يعني اشتراك مجموعة من الأشخاص في إيجاد الفعل المحرّم، كما لو تعاون عدّة أشخاص على قتل إنسان، أمّا الإعانة على الإثم فهي أن يكون الشخص واسطةً في المقدمات الطولية المؤدية إلى ارتكاب الحرام، ومن ثمّ فهما عنوانان مختلفان.
نعم، استثنى أكثر المتأخرين من علمائنا عنوان أعوان الظلمة؛ لأنّه ورد بهذا العنوان في الروايات، فلو عُدّ الإنسان من أعوان الظلمة، كأن يُقوّي سلطانهم أو يدعم شوكتهم، كان ذلك محرّمًا بنفسه، وإن لم يصدر منه فعلٌ محرّم آخر.
وقد ذكرنا هذا المثال لبيان سبب تسمية هذا النوع من الأحكام بـالقاعدة الفقهية، لا لأنّها تؤدي إلى استنباط أحكام فرعية جزئية.
ففي قاعدة «لا ضرر» مثلًا، الحكم متعلّق بعنوان «لا ضرر»؛ أي إنّ الحكم يدور مدار وجود الضرر وعدمه. والجدير بالذكر أنّ غالب فقهائنا المتأخرين فسّروا مفاد «لا ضرر» بأنّه نفيٌ للحكم، بينما كان المشهور في تاريخ الفقه الإسلامي منذ القرن الثاني الهجري أنّه يفيد إثبات الحكم.
وعلى هذا، قد يُقال: إنّ قاعدة «لا ضرر» وإن كانت تنتج حكمًا كليًا، إلّا أنّها تبقى قاعدةً فقهية؛ لأنّ الحكم فيها تعلّق بعنوانٍ خاص، تمامًا كما هو الحال في عنوان الإعانة على الإثم، وقاعدة الفراغ، وقاعدة التجاوز؛ فهي قواعد تشمل موارد كثيرة، لكنّها تبقى قواعد فقهية؛ لأنّها قائمة على عنوانٍ معيّن.
وبهذا يتّضح أنّ التفريق بين القاعدة الفقهية والمسألة الأصولية ليس أمرًا تعبديًا أو اصطلاحيًا محضًا، بل له ملاك علمي واضح.)**
#معنى_كون_«لا_ضرر»_قاعدة_فقهية #القاعدة_الفقهية #لا_ضرر
ملاك التمييز بين المسألة الأصولية والقاعدة الفقهية
(**من الناحية التاريخية، لم يكن هذا التفريق بين المسألة الأصولية والقاعدة الفقهية موجودًا في الكتب الأولى للأصول عند الإمامية؛ أي منذ بدايات تدوين علم الأصول، ولا سيّما منذ القرن الثاني الهجري. وإنما نشأ البحث في القواعد الفقهية تدريجيًا.
وقد سبق أن بيّنا أنّ طبيعة مسائل العلوم الاعتبارية تقتضي الانقباض والانبساط مع مرور الزمن؛ فتُستبعد بعض المسائل لكونها خارجة عن الموضوع أو عن الغرض المقصود، وتُضاف مسائل أخرى، فلا تبقى هذه العلوم على صورةٍ ثابتة منذ نشأتها، بل تُنظَّم مسائلها تبعًا لغرضٍ جامع، وموضوعٍ جامع، وهدفٍ جامع.
وأمّا في الفقه، فقد كان بناؤهم على أنّ كلّ مسألة تتناول حكم عنوانٍ معيّن تُعدّ مسألةً فقهية، ولذلك يكون البحث فيها منصبًّا على مصاديق ذلك العنوان؛ كقولهم: «الخمر حرام» أو «الخمر نجس»، فهذه مسائل فقهية؛ لأنّ الحكم تعلّق بعنوان الخمر.
أمّا المسائل الأصولية، فالبحث فيها يدور حول القواعد الكلية التي تؤثّر في أبواب فقهية متعددة، ولذلك لا تدور حول عنوانٍ واحدٍ معيّن، وإن وُضع لها عنوان، كـ«مقدمة الواجب»، فإنّه عنوان انتزاعي.
ففي بحث مقدمة الواجب، أو الظهورات، أو حجية ظواهر الكتاب، لا يكون الكلام في عنوانٍ خاص، بل في مسائل من قبيل: هل يجوز التمسك بالآية أو لا؟ وهل يحتجّ بظواهر الكتاب؟ وهل يعمل بأصالة العموم وأصالة الإطلاق؟ وما حدود الاحتجاج بالكتاب والسنة وأقسامها؟ وكذلك في حجية خبر الواحد، فإنّ البحث لا يدور حول عنوانٍ واحد، بل حول الأخبار والروايات المختلفة في أبواب وأحكام متعددة.
ثم تبيّن لهم أنّ هناك طائفةً من المسائل تجتمع فيها جهتان: فمن جهةٍ لها عنوان معيّن فتشبه المسألة الفقهية، ومن جهةٍ أخرى لا تنحصر في أفراد محدّدة، بل تشمل مجموعات متعدّدة، فتشبه المسألة الأصولية. ومن هنا أُفردت تدريجيًا تحت عنوان «الأشباه والنظائر» أو «القواعد الفقهية»، كـقاعدة الإعانة على الإثم.
وقد كان الدافع الأساس إلى تدوين هذه القواعد هو مواجهة الموضوعات المستحدثة واستخراج حكمها.
فالمسألة الفقهية مثلًا هي: «الخمر حرام»، وأمّا في مورد بيع العنب لمن يتّخذه خمرًا، فإنّ الحرمة ليست ناشئة من عنوان بيع العنب نفسه، بل من عنوان الإعانة على الإثم.
وأمّا في بحث مقدمة الواجب، فلا يوجد عنوان حقيقي من هذا القبيل، بل هو عنوان انتزاعي.
ولمّا أصبح عنوان الإعانة على الإثم هو المناط، شمل الحكم كلّ عمل يصدق عليه هذا العنوان؛ كبيع العنب لمن يصنع الخمر، أو تأجير سيارة لنقل الميتة أو لحم الخنزير أو الخمر، أو تأجير دار لمن يمارس فيها عملًا محرّمًا.
وخلاصة الأمر أنّ هذه المسائل اكتسبت من جهةٍ عنوانًا خاصًا فأشبهت المسائل الفقهية، ومن جهةٍ أخرى كانت أحكامًا كلية تشمل صورًا متعددة، لا أفرادًا مخصوصة، فأشبهت المسائل الأصولية. إلا أنّ كليتها ليست من سنخ الكلية الموجودة في علم الأصول، ولذلك أُطلق عليها اسم «القاعدة»؛ لأنّ القاعدة هي حكم كلي ينطبق على موارد متعددة.
ومن هنا لم تُعدّ هذه المسائل مسائل فقهية بالمعنى الدقيق، ولا مسائل أصولية، بل أصبحت مع مرور الزمن بمنزلة البرزخ بينهما، ثم استقلّت تحت عنوان القواعد الفقهية.
(آخر دورة في البحث الخارج في أصول الفقه/ الجلسة السابعة/ 21 ذو القعدة 1444هـ الموافق 15 كانون الأول/ديسمبر 2022م).
#ملاك_التمييز_بين_المسألة_الأصولية_والقاعدة_الفقهية
الفرق بين تطبيق الأصول في الأحكام الكلية والموضوعات الخارجية
(**في الأصول الإمامي المتأخّر، رُتّبت عملية استنباط الأحكام الكلية على أربع مراحل:
1. العلم، فإن حصل كان هو المرجع.
2. فإن لم يحصل، يُرجع إلى الظنّ المعتبر.
3. فإن لم يوجد أيضًا، يُرجع إلى الأصل المُحرِز، وهو منحصر في الاستصحاب.
4. فإن لم يجرِ الاستصحاب، يُصار إلى الأصول غير المُحرِزة، وهي إمّا ترخيصية كـالبراءة، أو إلزامية.
أمّا في الموضوعات الخارجية، فالأمر يختلف؛ إذ إنّ المرجع فيها أيضًا قد يكون العلم، أو الظنّ المعتبر كالبينة، أو الاستصحاب بوصفه أصلًا مُحرِزًا، غير أنّ الأصول المُحرِزة في الموضوعات الخارجية قد يقع بينها التعارض.
بينما لا يوجد مثل هذا التعارض في الأحكام الكلية؛ فإذا لم يجرِ الأصل المُحرِز فيها، يُرجع إلى الأصل غير المُحرِز، كـأصالة الإباحة.
أمّا في الموضوعات الخارجية، فقد يقتضي الاستصحاب ـ كـاستصحاب عدم التذكية ـ الحكم بحرمة هذا اللحم، في حين أنّ قاعدة سوق المسلمين، وهي أيضًا من الأصول المُحرِزة، تقتضي الحكم بطهارته وحليّته. 1️⃣
(آخر دورة في البحث الخارج في أصول الفقه/ الجلسة السادسة/ 20 ذو القعدة 1444هـ الموافق 14 كانون الأول/ديسمبر 2022م).
#الفرق_بين_إجراء_الأصول_في_الأحكام_الكلية_والموضوعات_الخارجية
1️⃣ (ومن البحوث الدقيقة والعميقة التي برزت في الأصول الإمامي المتأخّر، ولا نظير لها في المدرسة الأصولية عند أهل السنّة، البحثُ في كيفية رفع التعارض بين الاستصحاب وقاعدة سوق المسلمين. وقد تعدّدت المباني والاتجاهات الأصولية في معالجة هذا التعارض.)**
الفرق بين المسألة الأصولية والقاعدة الفقهية عند #الميرزا_النائيني
(**ثم يقول #الميرزا_النائيني: «ثمّ إنّ المائز بين المسألة الأصولية والقاعدة الفقهية بعد اشتراكهما في أنّ كلًّا منهما يقع كبرى لقياس الاستنباط...».
إلّا أنّه ليس من الواضح أنّ القواعد الفقهية تؤثّر في عملية الاستنباط؛ بل الظاهر أنّ وظيفتها هي التأثير في مرحلة انطباق الحكم على مورده، لا في أصل استنباط الحكم.
ثم قال: «هو أنّ المستنتج من المسألة الأصولية لا يكون إلّا حكمًا كلّيًا، بخلاف المستنتج من القاعدة الفقهية».
وقد تكرّر عن #الميرزا_النائيني هذا التعريف، كما أورده أيضًا #السيد_البجنوردي في كتابه في القواعد الفقهية، ولأنّه من تلامذة #الميرزا_النائيني، فإنّي أنقل عبارته عنه، وهي:
«كلّ مسألة تقع نتيجتها كبرى لقياس استنباط حكمٍ شرعي فرعي جزئي» فهي قاعدة فقهية.
و«كلّ مسألة تقع نتيجتها كبرى لقياس استنباط حكمٍ شرعي فرعي كلّي» فهي مسألة أصولية.
ثم قال: «فإنّه يكون حكمًا جزئيًا ـ وإن صلحت في بعض الموارد لاستنتاج الحكم الكلّي أيضًا ـ».
والظاهر أنّ مراده هنا هو الاستصحاب. ولا أدري هل كان المقرّر يقصد هذا المعنى أم لا، إلّا أنّ ظاهر العبارة يدلّ على أنّ #الميرزا_النائيني قد عدّ الاستصحاب من القواعد الفقهية. 1️⃣
(آخر دورة في البحث الخارج في أصول الفقه/ الجلسة السادسة/ 20 ذو القعدة 1444هـ الموافق 14 كانون الأول/ديسمبر 2022م).
#الفرق_بين_المسألة_الأصولية_والقاعدة_الفقهية
1️⃣ (**وسيأتي ـ إن شاء الله ـ البحث في أنّ الاستصحاب هل هو من المسائل الأصولية أم من القواعد الفقهية؟ وما هي النكتة الفنية في حقيقته؟ وهل الملاك هو ما ذكره #الميرزا_النائيني من كونه ينتج حكمًا فرعيًا؟
ذلك أنّ #الميرزا_النائيني نفسه ـ موافقةً لـ#الشيخ_الأنصاري ولغيره من الأصوليين ـ يقول بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية؛ فمثلًا في مسألة المرأة بعد انقطاع دم الحيض، يستصحب حرمة الوطء، وهذه من الشبهات الحكمية الكلية. نعم، لا يلتزم بالحرمة في مقام الفتوى؛ لورود الرواية الدالّة على الجواز، لكنّه يرى أنّ الاستصحاب في نفسه جارٍ، مع قطع النظر عن الروايات، ومع ذلك يعدّه قاعدة فقهية.
وظاهر هذه العبارة أنّه يعتبر الاستصحاب قاعدةً فقهية، بينما صرّح في مبحث الاستصحاب بأنّه إذا نُظر إليه من حيث جريانه في الشبهات الحكمية الكلية فهو مسألة أصولية، أمّا إذا لوحظ من جهة نتائجه وتطبيقاته في الموارد الجزئية، كـاستصحاب الطهارة، والنجاسة، والوضوء، ونحوها، فهو قاعدة فقهية.
وظاهر كلامه أنّه ينظر إلى الاستصحاب من جهتين مختلفتين، فيجعله تارةً مسألةً أصولية، وأخرى قاعدةً فقهية.)**
المراد من مسمّيات العلوم: العلم أم نفس المسائل؟
(**ومن البحوث الأخرى ـ والحمد لله ـ التي لم تعد تُطرح في كتب الأصول المتداولة اليوم، وإن كانت قد نوقشت بتفصيلٍ في بعض كتب الأصول القديمة، البحثُ في ما هو المراد من مسمّيات العلوم؛ كعلم النحو، وعلم الصرف، ونحوهما.
فقد ذهب كثير من الأعلام ـ ومنهم #الميرزا_النائيني في هذا الموضع ـ إلى أنّ مسمّى العلم هو نفس العلم؛ أي: العلم بالكبريات. غير أنّ فريقًا آخر يرى أنّ مسمّى علم الأصول هو نفس الكبريات، لا العلم بها. 1️⃣
(آخر دورة في البحث الخارج في أصول الفقه/ الجلسة السادسة/ 20 ذو القعدة 1444هـ الموافق 14 كانون الأول/ديسمبر 2022م).
#المراد_من_مسمّيات_العلوم
1️⃣ (**إنّ المراد من مسمّى العلم هو نفس المسائل، لا العلم بالمسائل. وقد بحث العلماء في هذا الإطار: ما هو مسمّى علم الفيزياء؟ وما هو مسمّى علم النحو؟ وما هو مسمّى علم الصرف؟ فهل هو العلم بقواعد الإعراب والبناء، أم نفس قواعد الإعراب والبناء؟
وكذلك في علم الأصول: هل مسمّاه هو العلم بالكبريات، أم نفس الكبريات؟ وقد أكّد عددٌ من قدماء أصحابنا على هذا الاتجاه، وكانوا يريدون بيان أنّ المسائل في حدّ ذاتها ليست علمًا.
ويظهر من عبارة #الميرزا_النائيني ـ وإن كان من المحتمل أن تكون من صياغة المقرّر، ولا يُعلم أنّه اطّلع عليها بهذه الصيغة ـ أنّه يقصد نفس الكبريات.
ثم إنّه حتى لو قلنا بأنّ المراد هو العلم، يبقى سؤال آخر، وهو: هل المقصود بالعلم هو التصديق؟ أم الملكة؟ أم مطلق الإدراك الشامل للتصوّر والتصديق؟ أم المراد مرتبةٌ أسمى، وهي نوعٌ من النورانية والحالة العلمية الخاصة التي تعلو على مجرّد الملكة؟
وتفصيل هذه المباحث موكولٌ إلى محلّه.)**
أمّا إذا كان المقصود إنشاء علاقة وتعليق بين جملة الشرط وجملة الجزاء، بحيث يكون وجوب الإكرام معلَّقًا على مجيء زيد، فحينئذٍ يثبت المفهوم.)**
#ضابطة_ثبوت_المفهوم #مفهوم_الشرط #مفهوم_الوصف
ضابطة ثبوت المفهوم: بين التحليل الثنائي والتحليل الثلاثي للقضية
(**الضابطة في ثبوت المفهوم هي أنّ كلّ قضية إذا أمكن تحليلها تحليلًا ثنائيًا فلا مفهوم لها، وإذا كان تحليلها ثلاثيًا ثبت لها المفهوم. والمقصود بالتحليل الثنائي أن تكون القضية مشتملة على حكم وموضوع فقط، أمّا التحليل الثلاثي فيتكوّن من حكم، وموضوع، وقيد.
فلو قيل: «أكرم عالمًا عادلًا»، فإن فُهم منه أنّ المتكلّم قيّد موضوع الحكم، أي: «أكرم العالم العادل»، فلا مفهوم له؛ لأنّ الوصف لا مفهوم له. أمّا إذا كان التعبير: «أكرم العالم إن كان عادلًا»، بحيث يقع القيد في الوسط، ثبت له المفهوم.
ولهذا ذهب بعضهم ـ وهو رأي وجيه ـ إلى أنّه إذا قيل: «إذا زارك زيد فأكرمه»، فإنّ أداة «إذا» لا تدلّ على المفهوم؛ لأنّها ـ كما ذكر في كتاب «مغني اللبيب» ـ تدلّ على الشرطية، والظرفية، والاستقبال، والظرفية تجعل القضية بمنزلة الوصف، ولذلك لا يثبت لها مفهوم.
أمّا في الاعتبارات القانونية، فإنّ أداة «إن» تجعل القضية ذات بنية ثنائية، بخلاف القضايا الواقعية؛ لأنّ القضايا الواقعية إنّما تحكي عن الواقع، والواقع محفوظ على ما هو عليه، فسواء جعلت شيئًا شرطًا أم لا، فإن كان في الواقع علّة فهو علّة، وإن كان معلولًا فهو معلول، ولا يتغيّر ذلك باستعمال «إن». ومن هنا جاء إشكال #السيد_الخوئي، إذ لم يستفد المفهوم من جهة الوضع اللغوي.
غير أنّ الأمر يختلف في القوانين والاعتبارات التشريعية؛ فلو قيل: «إن جاء الضيف فاشترِ خبزًا»، فإنّ العرف يفهم أنّ مجيء الضيف هو علّة الأمر بشراء الخبز. ولو قيل: «إن كان اليوم يوم الجمعة فاشترِ خبزًا»، فهم أنّ دخول يوم الجمعة هو سبب هذا الحكم.
وكذلك في الوصف؛ لأنّهم يقولون: إنّ القانون يقوم على الدقة، فلا يُذكر القيد فيه عبثًا. فإذا قال: «أكرم عالمًا عادلًا»، كان ظاهر ذلك أنّ للقيد نكتة، وهي أنّ غير العادل لا يجب إكرامه.
وخلاصة الضابطة أنّ كلّ قضية كانت ثلاثية ثبت لها المفهوم، وكلّ قضية كانت ثنائية فلا مفهوم لها.
فجملة «أكرم عالمًا عادلًا» تحليلها ثنائي؛ إذ عندنا حكم، وهو وجوب الإكرام المستفاد من هيئة الأمر، وموضوع، وهو العالم، ولا يوجد قيد مستقلّ بين الحكم والموضوع، كما لو قيل: «أكرم عالمًا إن كان عادلًا».
فإن قيل: إنّ اللغة العربية لا تفهم هذا المعنى، فهذا أمر، وإن قيل: إنّ القوانين أيضًا لا تفهمه، فذلك أمر آخر. أمّا القائلون بثبوت المفهوم فقد يقولون: إنّ القانون بما يمتاز به من الدقة يجعل ذكر القيد ذا دلالة خاصّة؛ فإذا قال: «أكرم عالمًا عادلًا»، فكأنّه يقول: إذا كان عادلًا. وعليه، فوجوب الإكرام لم يتعلّق مباشرةً بالعالم العادل بما هو مركّب وصفي، وإنّما تعلّق بالعالم مع لحاظ هذا القيد؛ لأنّ طبيعة التقنين تقتضي ذلك.
ومع ذلك، فالمشهور بين علمائنا أنّ الوصف لا مفهوم له؛ لأنّهم يرون أنّ البنية الثلاثية والقيد المستقلّ غير موجودين فيه، وإنّما غاية ما فيه أنّ الموضوع قد قُيّد، فيقال: «العالم العادل يجب إكرامه»، لا: «العالم إن كان عادلًا».
وكذلك الأمر في الاعتبارات القانونية؛ فإذا اعتُبرت بمنزلة الكلام العرفي، فلا يثبت فيها المفهوم أيضًا. بل إنّ الجملة الشرطية في الاستعمالات العرفية كثيرًا ما لا تدلّ على المفهوم؛ لأنّ ما بعد «إن» ليس دائمًا علّة للحكم.
ومن هنا فرّق #المحقق_الإصفهاني ـ ونسب هذا التفصيل إلى أهل المعقول وأهل الأدب ـ بين احتمالين في معنى «إن» في اللغة العربية: هل هي موضوعة للفرض والتقدير، أم للتعليق؟ والفرق بينهما دقيق ولطيف جدًّا.
ومن حيث الدقة الأدبية، فإنّ #الشيخ_محمد_حسين_الإصفهاني يتقدّم على كلٍّ من #آقا_ضياء_العراقي و#الميرزا_النائيني.
فجملة «إن جاءك زيد فأكرمه» يمكن تفسيرها بطريقتين:
1. «أكرم زيدًا عند مجيئه»؛ أي: في فرض مجيئه أو وقت مجيئه. فإذا فُهمت بهذا المعنى، فلا مفهوم لها.
2. أمّا إذا كان معناها التعليق، أي إنّ وجوب الإكرام معلَّق على مجيء زيد ومقيّد به، ثبت لها المفهوم.
وقد أحسنوا في التفريق بين هذين المعنيين؛ لأنّه إذا كان المراد الفرض والتقدير، فكأنّه قال: «أكرم زيدًا في فرض مجيئه»، فتكون القضية بمنزلة الوصف، ويكون الموضوع مقيّدًا، لا الحكم.
وعليه، أصبح البحث بحثًا لغويًا: هل تدلّ «إن» في اللغة على الفرض والتقدير، أم على التعليق؟
فإن دلّت على التعليق، أصبحت القضية ثلاثية وثبت المفهوم، وإن دلّت على الفرض والتقدير، أصبحت ثنائية ولم يثبت المفهوم.
وبعبارة أخرى: النكتة الأساسية ترجع إلى الجزاء؛ فإذا قيل: «أكرم زيدًا إن جاءك»، وكان التركيز على حال مجيء زيد، فكأنّ المتكلّم يقول: «عند مجيئه يجب إكرامه»، فيكون نظره إلى زمان المجيء لا إلى إنشاء رابطة بين الشرط والجزاء، وهذا هو معنى الفرض والتقدير، فيشبه استعمال «إذا»؛ لأنّها تتضمّن معنى الزمان، فيغدو الشرط بمنزلة الوصف، ولا يثبت المفهوم.
ضابطة ثبوت المفهوم في الدلالات الأصولية
(**لقد انطلقنا ابتداءً من معنىً عرفي، ثم حاولنا أن نُسقطه على الجهة الشرعية أو الاصطلاح الفقهي، وقلنا: إنّ هذا المعنى العرفي إذا دخل في إطار النظام القانوني اكتسب دلالةً خاصة.
غير أنّ هذا المعنى العرفي لم يكتسب في النظام القانوني دلالةً جديدة أو خاصة، ولذلك قلنا: إنّ هذه المسألة تشبه المفهوم العرفي، وتشبه أيضًا مفهوم اللقب.
ففي مفهوم اللقب ذهب بعضهم إلى أنّ القضية يمكن أن تُصاغ على نحوٍ ثلاثي، وبذلك يثبت لها مفهوم. فلو قال المولى: «أكرم زيدًا»، كان مفهومه ـ على هذا المبنى ـ: «لا تُكرم غير زيد»؛ أي كأنّه قال: «أكرم شخصًا إذا كان زيدًا». فإذا صحّ هذا التحليل، ثبت للمفهوم دلالة، وإلّا فلا يكون في الكلام سوى موضوعٍ وحكم.
والمعروف في الاصطلاح أنّهم يجعلون «أكرم» حكمًا، و«زيدًا» موضوعًا، غير أنّ التحليل الأدقّ هو أن يقال: إنّ في الجملة هيئةً، ومادّةً، ومتعلَّقًا.
فـالوجوب يُستفاد من هيئة الأمر، وهو الحكم، وأمّا الإكرام فهو الموضوع الذي تعلّق به الوجوب، بينما زيد هو متعلَّق الإكرام، أو ـ بتعبيرٍ آخر ـ متعلَّق المتعلَّق؛ لأنّ الوجوب تعلّق بالإكرام، والإكرام تعلّق بزيد.
(آخر دورة في البحث الخارج في أصول الفقه/ الجلسة السادسة/ 20 ذو القعدة 1444هـ الموافق 14 كانون الأول/ديسمبر 2022م).
#ضابطة_ثبوت_المفهوم
