كُنَّاشة من دروس السيد المددي
رفتن به کانال در Telegram
قناة تُعنى بجمع الفوائد العلمية، والترجمات المختارة من دروس الأستاذ آية الله السيد أحمد المددي الموسوي/ جمعها مصطفى زهير السوداني
نمایش بیشترکشور مشخص نشده استدسته بندی مشخص نشده است
682
مشترکین
+224 ساعت
+57 روز
+530 روز
آرشیو پست ها
🔵 لماذا دخلت بعض القواعد في علم الأصول؟
عندما بدأ التفكير في علم الأصول، في أواخر القرن الثاني للهجرة تقريبا، جمع العلماء مجموعة من القواعد التي تجري في أبواب فقهية متعددة، وفصلوها عن مسائل الفقه، وسموا هذا العلم: «الأصول».
أما الأمور التي تقع في مورد خاص، فلم يفصلوها، وبقيت ضمن الفقه.
فمثلا: الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده؟
هذه قاعدة عامة، ولذلك أدخلوها في علم الأصول.
أما إذا قيل مثلا: إذا غلي عصير العنب وذهب ثلثاه، فإنه يطهر، فهل يقال إن الإناء أيضا يطهر؟
فإذا كان العصير يغلي في القدر، فمن الطبيعي أن يتصاعد ويصيب أطراف القدر.
وكان القدر متنجسا، فكان العصير يلامس أطرافه.
فهل يجب أن نقول: يجب عليك غسل القدر أيضا؟
إذا لم يذكر الشارع ذلك، مع أن هذا الأمر في معرض الابتلاء وعادة ما يحصل، فهذا يدل على طهارة القدر أيضا.
فالملازمة بين طهارة العصير وطهارة القدر موجودة.
وهذه نسميها ملازمة جزئية.
فهناك ملازمة بين الأمرين، لكنها ملازمة في مورد خاص.
وهذه الملازمات الجزئية تبحث في الفقه، أما الملازمات الكلية فتبحث في علم الأصول.
فأنا في مباحث الأصول عند الأعلام لا أدخل عادة في بحث الإطلاق.
لا في بحث #المطلق_والمقيد، ولا في بحث الدوران بين الإطلاق والعموم، أو الإطلاق والشمول.
لماذا؟
لأننا قلنا إن بحث الإطلاق بحث موردي.
ويجب في كل مورد فقهي أن نحرز مقدمات الحكمة.
فالأبحاث التي تختلف باختلاف الموارد لا ينبغي أن تدخل في علم الأصول.
وهذه نقطة أساسية.
🔴 الأصول العملية ليست محصورة في عدد معين
فالأصول العملية ليست كما ذكر المرحوم النائيني من أنها ثلاثة أقسام أو عشرة أقسام أو مئة قسم.
النكتة الأساسية في الأصول العملية هي أن تلاحظ الجهات المختلفة، وأن تلاحظ الصور العلمية، ثم تجعل الحكم طبقا لتلك الصور العلمية.
وهذه هي النقطة الأساسية.
🔵 تعدد الأصول العملية بحسب الصور العلمية
فمثلا، لو قيل لك: هل كنت حاضرا عندما اشترى هذا الرجل الشاة؟
فهذا يمكن أن يؤدي إلى أصالة عدم الملك.
فلا تتصوروا أن الأصول العملية تنحصر في أصلين أو ثلاثة أصول فقط.
طبيعة الأصول العملية تقتضي التعدد؛ لأنها تتعامل مع الصور العلمية التي لديكم.
فالشارع يتصرف في الصور العلمية.
ولأن فرض المسألة هو الجهل، فإنه يستطيع أن يجعل حكما يتناسب مع المقدار الذي تعلمه.
ومثل ذلك #قاعدة_التجاوز.
فقد ورد:
«بلى قد ركعت».
يقال للمصلي: إذا كنت قائما وشككت في الركوع، فاذهب واركع.
أما إذا كنت في السجود وشككت في الركوع، فلا ترجع، بل تقول: «بلى قد ركعت».
لماذا؟
لأن للصلاة حالة وترتيبا معينا.
وأنت الآن تعلم أنك في الصلاة، وتعلم أنك الآن في السجود.
والسجود بحسب ترتيب الشريعة يأتي بعد الركوع.
فبحسب هذه الصور العلمية الموجودة عندك، يأتي الشارع ويقول:
«بلى قد ركعت».
ولو لم يكن الأمر كذلك، فأنت في الحقيقة تشك في الركوع.
فماذا تعني عبارة «بلى قد ركعت»؟
إنها جعل تنزيلي واعتباري.
فالشك في الركوع موجود حقيقة، ولكن الشارع اعتبره بمنزلة الإتيان بالركوع.
وهذا الجعل، أي «بلى قد ركعت»، متناسب مع تلك الصورة العلمية.
وقد يقول قائل: ماذا لو كنت قد قرأت الحمد والسورة، ثم غفلت ولم تلتفت؟
لاحظوا!
إذا أردنا أن نلحظ حالة ما قبل الركوع، فقد يجري أصل عدم الركوع.
إذن الأمر بيد الجاعل وبيد كيفية الاعتبار.
🔴 أصالة التذكية وسوق المسلمين
ذكرت لكم بالأمس هذا المثال:
إذا شككنا في أن هذا اللحم مذكى أم لا، فإذا قال لك الشارع:
هل كنت حاضرا وقت الذبح؟
فهنا يجري أصالة عدم التذكية.
أما إذا قلت: أخذت اللحم من قصاب مسلم.
فيقول لك: هل كنت حاضرا وقت الذبح؟
انتبهوا!
بمجرد أن يقول لك: «وقت الذبح»، فهو لا يريد أن يجعل يد المسلم هي الملاك، بل يجري أصالة عدم التذكية.
أما إذا قال لك: «أخذته من يد مسلم؟»، فهذا يعني أصالة التذكية، وهي ما يعبر عنه بـ#قاعدة_سوق_المسلمين.
ولذلك، فإن اللحم نفسه إذا وجدته في الصحراء، ولم تأخذه من يد مسلم، فإنه لا تجري فيه قاعدة سوق المسلمين، بل تجري أصالة عدم التذكية.
لاحظتم؟
أي إن المهم هو الجهة التي يمكن أن يصورها الشارع ويجعل الحكم على أساسها.
وهؤلاء يتصورون أن قاعدة سوق المسلمين إذا ثبتت فلا يمكن أن تتغير صورتها.
لكن الأمر ليس كذلك.
يمكن أن تتعدد صور الجعل بحسب اختلاف الحالات.
🔵 النكتة الأساسية في الأصول العملية
وكذلك المرحوم النائيني عندما قسم الأصول العملية إلى ثلاثة أقسام، فإن الأصول العملية في الحقيقة أكثر من ثلاثة.
لأن مواردها مختلفة، ويمكن افتراض حالات أكثر بكثير.
فالجلوس وتعداد هذه الفروض: هذا الفرض اثنان، وهذا ثلاثة، وهذا أربعة، لا يعطي نتيجة علمية حقيقية.
والأولى أن نبحث عن النكتة الأساسية.
لماذا؟
لأننا قلنا إن النقطة الأساسية في باب الأصول العملية هي:
أولا: أنكم جاهلون.
ثانيا: أن لديكم صورة علمية معينة.
ثالثا: أن الحكم الذي يريد الشارع جعله يمكن أن يختلف بحسب هذه الصورة العلمية، وليس بالضرورة أن يكون الحكم واحدا في جميع الحالات، بل قد يختلف حتى في المورد الواحد.
رابعا: إذا أردنا أن نعرف كيف جعله الشارع، فإن لسان الدليل نفسه يكفينا.
فلسان الجعل هو الذي يبين لنا ذلك.
ولا نحتاج إلى شيء آخر.
🔴 الأصول العملية وأنواعها
فانتبهوا جيدا، هذه مسألة أساسية في التفريق بين #الأصول_العملية و#الأصول_اللفظية.
المرحوم النائيني بعد هذا الموضع يدخل في بحث الأصول العملية.
وهناك نقطة أخرى بقيت في بحث الإطلاق في الأصول اللفظية، ولكن لضيق الوقت سأذكرها غدا.
ثم إنه في الأصول العملية افترض ثلاثة أقسام.
فمثلا، مرة يشك الإنسان: هل الوضوء واجب نفسي أم لا، ولكن بعد دخول الوقت.
ومرة يكون الفرض قبل دخول الوقت.
وكما تذكرون، فقد ذكر صاحب «الكفاية» في بحث #الإجزاء أنه إذا أتى المكلف بالعمل الاضطراري، أو أتى بالحكم الظاهري، فهل يجزي ذلك أم لا؟
وقال إن هناك مقام ثبوت ومقام إثبات.
وفي مقام الثبوت ذكر أربعة احتمالات.
وقد قلنا إن مقام الإثبات أيضا يمكن أن يقال فيه كذا.
لكننا قلنا إن أمثال هذه الأبحاث في الأصول العملية ليست بحثا علميا بالمعنى الدقيق.
بل في مثل بحث الإجزاء، لا يصح أصلا أن نتحدث عن «مقام الثبوت» في الاعتبارات القانونية.
فالاعتبار أمر إنشائي، ولا معنى لأن نقول له مقام ثبوت.
ما معنى مقام الثبوت في أمر اعتباري؟
وإذا قيل: في مقام الثبوت أربعة احتمالات، فالمراد ـ على الظاهر ـ أنه يمكن افتراض أربعة احتمالات.
وإذا كان المقصود الاحتمال والفرض، فيمكن أن تقول ألف احتمال أيضا، ولا مشكلة؛ لأنه مجرد فرض.
المهم أن نعرف ماذا اعتبر الشارع وجعل؟
أما مجرد تعداد الاحتمالات فلا ينتج علما.
🔵 موارد حجية الظن في الروايات
أما في مجموع رواياتنا، فإن الموارد التي جعل فيها الظن حجة هي في الموضوعات الخارجية.
والظن هنا أيضا بالمعنى نفسه، أي مجرد ترجيح أحد الطرفين ولو بترجيح يسير.
وقد ورد ذلك ـ على نحو التقريب ـ في ثلاثة موارد:
أحدها في باب #الوقت، بل ورد فيه موردان.
والثاني في الشك في #الركعات، حيث ورد التعبير بـ«التحري» و«يتحرى»، أي يأخذ بالأحرى.
فهذان موردان في الموضوعات الخارجية جعلت فيهما الروايات الظن حجة.
وهناك مورد ثالث نسيته الآن، ويحتاج إلى أن أتذكره.
قال أحد الحاضرين:
كيف يكون ذلك في الوقت؟
آية الله المددي:
يعني مثلا إذا ظننت أن وقت صلاة الظهر قد دخل، وأن الأذان قد أذن، فيكفي ذلك.
لكنني شخصيا ناقشت حجية الظن في باب الوقت، ولم أقبلها.
إلا إذا كان تأخير الصلاة إلى حين حصول القطع بدخول الوقت يؤدي إلى احتمال خروج الوقت.
فمثلا في الصباح، إذا شك الإنسان في دخول وقت الفجر، وأراد أن ينتظر حتى يحصل له اليقين، فقد يحتمل أن يؤخر ذلك إلى أن تطلع الشمس.
فهنا يدخل الأمر في باب آخر، وهو احتمال فوات الوقت.
أما إذا شك في دخول الوقت، فينبغي أن ينتظر حتى يحصل له اليقين بدخوله.
فالظن في باب الوقت لم نقبله.
أما الظن في باب الركعات، فنعم، نقبله؛ لأن دليله قوي، وقد وردت فيه الرواية.
🔴 من حجية الظن إلى حجية القطع
وبطبيعة الحال، من قال بحجية المظنة، فإذا حصل العلم والقطع، يكون حجة بطريق أولى.
ومن هنا انتقل الأمر تدريجيا إلى القول بأن العلم حجة.
ثم وصل الأمر عند بعضهم إلى ما نجده في كتبنا، كـ«#الرسائل»، من القول بأن حجية القطع ذاتية.
لكن هذه الحجية لم تكن ذاتية بهذا المعنى من البداية.
أصل الفكرة جاء من هنا.
فإذا كان الظن حجة ولو بنسبة اثنين أو ثلاثة بالمئة، فإن الظن الأقوى، كالتسعين بالمئة، ثم القطع بنسبة مئة بالمئة، يكون حجة بطريق أولى.
فهذه الأولوية أصبحت منشأ لما قرروه بعد ذلك من أن حجية القطع ذاتية.
نعم، أصبحت حجية القطع عندهم ذاتية بهذا الاعتبار، بمعنى أنها أصبحت أمرا مسلما لا مجال للنقاش فيه
🔵 البعد التاريخي لنشوء حجية الظن
ينبغي أن تكون هذه الخلفية من التاريخ الإسلامي واضحة في أذهانكم.
فالذي بدأ في القرن الأول، في زمن الصحابة، ثم تطور تدريجيا ـ ولا أقول إن جميع الصحابة قالوا به، ولا جميع التابعين ولا جميع الفقهاء ـ هو أن هذا الاتجاه بدأ يظهر.
ولهذا ذكرت لكم أنني أحصيت مرة، إذا لم أكن مخطئا، ما ورد في كتاب #آمدي.
فهو في كل موضع يقول: «وعلى هذا الفرض»، ويفترض تقديرات وصورا مختلفة.
وقد ذكر في باب تعارض الخبرين مئة وخمسة وثلاثين وجها للترجيح!
نحن عندما نذكر أربعة أو خمسة وجوه للترجيح نناقشها، بينما هو ذكر مئة وخمسة وثلاثين وجها.
والتفسير لذلك هو أن أهل السنة لا يملكون أصلا رواية واحدة عن رسول الله صلى الله عليه وآله في باب الترجيح بين الأخبار المتعارضة.
فلا توجد عندهم رواية تقول: يا رسول الله، إذا جاءنا خبران متعارضان، فماذا نفعل؟ هل نأخذ الأول؟ أم الثاني؟ هل ننظر إلى السند؟ هل ننظر إلى موافقة الكتاب؟
لا توجد هذه الروايات عندهم بهذا النحو.
فمن أين جاءت كل هذه الوجوه للترجيح؟
من المظنة.
يقولون: إذا وجدنا خبرين متعارضين، وكان أحدهما أرجح من الآخر بنسبة اثنين وخمسين بالمئة مثلا، فهذا يكفي.
فإذا زاد أحدهما على الآخر ولو بنسبة قليلة، سمي ذلك مظنة.
🔴 الاجتهاد والتحري والمظنة عند أهل السنة
وهذا هو الذي كان موجودا عند أهل السنة.
وفي بعض رواياتنا أيضا كان يطلق عليه اسم #الاجتهاد.
فالاجتهاد من «الجهد» أو «الجُهد» بمعنى السعي وبذل الوسع.
وكانوا يسمونه أيضا #التحري، أي «الأخذ بالأحرى».
فالتحري اسم له، والاجتهاد اسم له، والقياس اسم له، والمظنة اسم له.
وهذه المصطلحات التي كانت عند أهل السنة، نجد بعض نظائرها في رواياتنا أيضا.
ففي إحدى الروايات أن شخصا قال للإمام ـ وكان من أهل الكوفة ـ إنهم يقولون: إذا لم تر الشمس وكان الجو غائما، «كنا نحن وأنتم سواء في الاجتهاد».
انتبهوا.
هذا الاجتهاد هنا بمعنى الظن.
أي إذا كانت الشمس قد غابت وكان هناك غيم، فإنكم تعملون بالظن، ونحن أيضا نجتهد.
لكن هذا الشخص لم يلتفت إلى أن هذا اجتهاد في الموضوعات، وليس اجتهادا في الأحكام الشرعية.
فهو يقول: إذا غابت الشمس وكان الجو غائما، «كنا نحن وأنتم سواء في الاجتهاد».
أي إنه أخذ الاجتهاد الذي كان في موضوع وقت الصلاة، وجعله اجتهادا في الأحكام الشرعية، ثم جعله حجة.
ومن هنا تتضح المسألة.
🔵 معنى «الظن» عند أهل السنة
أما بحث دليل الانسداد نفسه، فليس واضحا عندنا بهذه الصورة.
وعلى كل حال، لا تفترضوا أن هذه الأبحاث كلها من المسلمات.
فأهل السنة، من الناحية التاريخية، بنوا الأمر على أن الظن في الأحكام الشرعية ـ أو بتعبيرهم الأكثر استعمالا: «المظنة» في الأحكام الشرعية ـ حجة.
لكن انتبهوا جيدا:
مرادهم من «المظنة» ليس المصطلح الذي نستخدمه نحن اليوم.
بل مرادهم أن ترجح جهة على جهة أخرى، ولو بترجيح يسير.
إذا رجحت عندك نقطة على أخرى، ولو قليلا، سموها «مظنة».
قال أحد الحاضرين:
يعني أن تتجاوز الخمسين بالمئة؟
آية الله المددي:
نعم، ولكن ولو بنسبة قليلة؛ خمسين واثنين، أو خمسين وخمسة مثلا.
أما الخمسون فهي مساواة.
🔵 القياس ليس أمارة ظنية
قال أحد الحاضرين:
إلا إذا كانت العلة منصوصة.
آية الله المددي:
إذا كانت العلة منصوصة، فالنص موجود وقد صرح بها، فهذا شيء آخر.
لاحظتم؟
أما إذا قلنا إن القياس باطل، فنحن نقول: لأنه نوع من الأصل العملي، وإثبات الحكم الشرعي بالأصل العملي لا يصح.
وهذا، في نظرنا، أصل عقلائي أيضا، ولا نحتاج حتى إلى التمسك بالروايات لإثباته.
فالطريق الذي سلكته روايات أهل البيت عليهم السلام هو الطريق العقلائي.
ولأن الأعلام جعلوا القياس أمارة ظنية، وخصوصا الذين قالوا بـ #دليل_الانسداد، دخلوا في بحث آخر.
ففي تنبيهات دليل الانسداد بحثوا: إذا كان الشيء مفيدا للظن، فهل يستطيع الشارع أن ينهى عنه؟
وعلى فرض تمامية دليل الانسداد، هل يستطيع الشارع أن ينهى عن الظن؟
ثم قالوا: ماذا نفعل بالقياس؟
إذا قبلنا دليل الانسداد وقلنا إن الظن حجة، فكيف نتعامل مع القياس؟
ونحن قلنا إن هذا أيضا خطأ.
🔴 القياس والتمسك بالصور العلمية
وفي ذهني أن القياس أيضا من هذا القبيل.
فهؤلاء أخطؤوا في هذه المسألة.
القياس هو أيضا تمسك بإدراكات النفس، أي بالصور العلمية الموجودة عندكم.
فأنت ترى أن الخمر المصنوع من العنب قد حرمه الشارع، ثم يأتي البحث عن الخمر المصنوع من غير العنب، كالخمر المستخرج من النشويات مثلا.
فيقولون: الخمر العنبي حرم لأنه سائل.
فيقال لهم: هناك سوائل كثيرة محرمة.
فيقولون: لأنه ذو لون معين.
فيقال: هناك أشياء كثيرة لها اللون نفسه.
وهكذا يستمر البحث حتى يصلوا إلى أن العلة هي الإسكار.
ثم يقولون: بما أن الإسكار موجود في هذا النوع الآخر من الشراب، فهو حرام أيضا.
لاحظوا.
إذا دققتم في الأمر، فإن الإشكال الأساسي في #القياس هو أنه نوع من الأصل العملي.
🔵 الأصول العملية والسيرة العقلائية
لأنك عندما تريد أن تجعل حكما، انتبهوا جيدا، فحتى السيرة العقلائية لا تجعل الحكم الاعتباري بهذه الطريقة.
وهذه ليست مسألة خاصة.
وإنما الكلام الذي بيننا وبين الأعلام في السيرة العقلائية هو أن العقلاء لا يبنون القوانين بالأصول العملية.
في الموضوعات الخارجية نعم، أما في القوانين فلا.
فلو شككت في أن قانونا كان سابقا على نحو معين، فهل تقول: بما أن القانون كان هكذا سابقا، إذن هو باق الآن؟
هذا ليس بناء عقلائيا في باب القوانين.
أي إن الواقع هو المطروح في القوانين، ولا يعتمدون فيها على الصور العلمية بهذه الطريقة.
قال أحد الحاضرين:
أليس عندهم البراءة في القوانين؟
آية الله المددي:
انظروا، البراءة عندهم ناظرة إلى ذلك المقام، أي إنها نكتة ثانوية، ولا إشكال فيها.
أما النكتة الأولية، كأن نقول: هذا واجب، أو بهذا الأصل العملي نقول إنه واجب، أو نقول إنه مستحب، أو نقول إنه حرام، فهنا الإشكال.
أما أن يقال: احتط، أو أجر البراءة، أو كن على حذر، فلا إشكال فيه.
فهذه أحكام ثانوية، وهي ناظرة إلى الحكم الأولي.
أما الحكم الأولي فلا يثبت بها.
فلا مانع من البراءة أو الاحتياط باعتبارهما حكما ثانويا، لكن لا يصح أن نقول إننا أثبتنا بهما الحرمة الواقعية مثلا.
🔴 الصورة العلمية لا تثبت جميع لوازمها
انتبهوا جيدا إلى هذه النقطة.
يجب أن يكون الأصل العملي الذي تريد جعله متناسبا مع الصورة العلمية الموجودة لديك.
فإذا ذهبت إلى السوق، ورأيت اللحم مأخوذا من #قصاب_مسلم، وقيل لك: هذا اللحم مذكى، فهذا مناسب للصورة العلمية التي لديك؛ لأن أخذ اللحم من يد المسلم يناسب الحكم بالتذكية.
لكن لو قلت مثلا: هذا الرجل من قزوين، فهذا لا يثبت أن هذه الشاة من قزوين.
قاعدة سوق المسلمين لا تثبت ذلك.
ولا تثبت أن هذا اللحم من مدينة معينة، ولا تثبت أنه ذبح في الصباح مثلا.
فهذه اللوازم لا تثبتها قاعدة السوق.
فمن الطبيعي أن هذه الشاة المذكى لحمها قد ذبحت في وقت ما، ولكن أصالة سوق المسلمين لا تقول لك متى ذبحت هذه الشاة.
إنها لا تتعرض لهذا الأمر أصلا.
وهذا هو المقصود.
🔵 لماذا تكون مثبتات الأصول اللفظية حجة ؟
المهم الآن هو هذه النقطة:
في باب #الأصول_اللفظية، بما أن الأصول اللفظية أمارات، فلماذا؟
لأن الأصل اللفظي يقول لك: إن هذا الإطلاق هو المراد، فهو يكشف لك عن مراد المتكلم.
فمثلا، #أصالة_الحقيقة تقول: عندما يقول لك: «ائتني بالماء»، فالمراد هو الماء.
ليس المراد أنه يريد منك أن تأتي بشخص وجيه مثلا على سبيل المجاز.
فأصالة الحقيقة تكشف لك أن مراد المتكلم هو الماء.
ومن هذه الجهة تكون الأصول اللفظية في شأنها كشأن الأمارات؛ لأنها تكشف لك عن الواقع.
وعندما ينكشف الواقع، فإن الواقع يأتي دائما مع لوازمه، ولا يأتي وحده.
أما في الصور العلمية، فالأمر مختلف.
لديك صورة علمية معينة، وليس من الضروري أن تأتي جميع لوازم هذه الصورة معها.
🔵 تعارض أصالة عدم الجعل وأصالة بقاء المجعول
فلو فرضنا أن الحرمة كانت ثابتة للمرأة، ثم انقطع الدم، فهناك أصلان ـ بحسب رأي السيد الخوئي ـ متعارضان:
الأول: أصالة عدم الجعل.
فالشارع لم يكن قد جعل الحرمة في البداية، ثم حصل جعل بالحرمة، ونحن لا نعلم: هل يستمر هذا الجعل إلى زمان الغسل، أو يرتفع بمجرد انقطاع الدم؟
فنستصحب عدم الجعل.
ومن جهة أخرى، هناك استصحاب بقاء المجعول، والمراد بالمجعول هنا هو الحرمة.
فنستصحب بقاء الحرمة، ونقول: إن الحرمة لا تزال باقية.
فهذان الاستصحابان متعارضان.
وأذكر لكم هذا حتى تتضح الصورة في أذهانكم؛ لأنني بطبيعة الحال، خلال هذه الأبحاث، أحاول أن أجمع المسائل بحيث تتشكل لديكم صورة متكاملة عن علم الأصول.
وقد قال غالب تلامذة السيد الخوئي ـ وإن كان بعضهم قد خالفه ـ إن استصحاب بقاء المجعول يجري، ولم يقبلوا استصحاب عدم الجعل.
ولا أريد الدخول في هذا البحث الآن.
وقد ذكرنا هناك أن الإنصاف عندي أن كلا الاستصحابين لا يجري: لا استصحاب بقاء المجعول ولا استصحاب عدم الجعل.
فلا يصل الأمر أساسا إلى التعارض، وتفصيل ذلك في محله.
🔵 القياس: أمارة ظنية أم أصل عملي؟
ومن هنا قلنا بالأمس، بمناسبة معينة، إن ما هو موجود في بعض تعابيرنا من أن #القياس عند أهل السنة من الأمارات، وأنه أمارة ظنية، ليس صحيحا في نظرنا.
لأنهم في القياس يتمسكون أيضا بالصورة العلمية التي لديهم.
فكلما كان تمسكك بصورة علمية موجودة في ذهنك، فهذا في الحقيقة من قبيل الأصل العملي.
ولهذا يقول السيد الخوئي إن هناك حكما ظاهريا في هذا المجال.
لماذا؟
لأن المفروض أنك جاهل، وهذا الجهل مفروض في نفس المسألة.
والشارع يقول لك: افعل كذا.
فإذا جرى الاستصحاب مثلا...
وطبعا السيد الخوئي لا يجري الاستصحاب في الشبهات الحكمية، بسبب التعارض بين أصالة عدم الجعل وأصالة بقاء المجعول.
التعامل مع الواقع والتعامل مع الصورة العلمية
لماذا؟
لأن الأصل اللفظي والأصل العملي بينهما فرق أساسي.
الأصل العملي لا يتعامل مع الواقع.
انتبهوا جيدا.
هناك تعامل مع الواقع، وهناك تعامل مع الصور العلمية.
وهذه هي النقطة الأساسية.
وقد بحث الأعلام المسألة بطرق مختلفة، وأنا أعرض عليكم الطريق الذي أصل إليه بنفسي، وقد تتصورون المطلب بطريقة أخرى وتصلون إلى نتيجة أخرى، وهذا أمر ممكن.
لكن الذي يظهر لي شخصيا هو أن النقطة الأساسية في باب الأصول العملية هي أنكم تتعاملون مع حد العلم، لا مع حد الواقع.
لماذا؟
لأن أساس الأصول العملية هو أنكم لم تصلوا إلى الواقع.
وهذا هو المفروض فيها.
فمثلا، السيد #الخوئي لا يقول بالحكم الظاهري في باب الأمارات.
فإذا قيل: إن زرارة نقل هذا الكلام عن الإمام، فليس عنده حكم ظاهري بالمعنى الذي يجعل نفس هذا النقل حكما ظاهريا.
أما في باب الأصول العملية، فهو يقول بالجعل؛ لأن الأصل يحتاج إلى جعل.
وفي باب الأمارات، الأمارة تريد أن توصلك إلى الحكم الواقعي.
إما أن تصل إليه، وإما ألا تصل إليه.
فإذا قيل: إن الإمام الصادق قال هذا الكلام، فإما أن يكون قد قاله واقعا، وإما ألا يكون قد قاله.
فالأمارة تحاول أن توصلك إلى الحكم الواقعي.
أما في باب الأصول، فلا تتعامل مع الواقع؛ لأن المفروض أنك لم تصل إلى الواقع.
