- أُوَام .
رفتن به کانال در Telegram
لا ماءَ يُنقذُ هذه الحُنجرة.
نمایش بیشترکشور مشخص نشده استدسته بندی مشخص نشده است
220
مشترکین
+124 ساعت
-57 روز
-1430 روز
آرشیو پست ها
220
أنا الأن في وسط غرفةٍ مظلمة
لا شيء واضحٌ هُنا سوى خيالي
خيالي الذي يرسمُ عينيكِ
بدقةٍ مذهلة
يرسمُ ذاك الغروب الماكث فيهما
أحيانًا
تظهرانِ بلونِ البُنّ اليماني
في عِزِّ نضجه
وأحيانًا كأنهما عسلٌ جبلي
صَفَتْهُ الشمس
وأحيانًا أشعر
أنني أقفُ على ساحلٍ بعيد
أتأمل انعكاس عينيكِ لحظة الغروب.
وأُفكر
ماذا لو كنتِ هنا الآن؟
في وسط هذه الغرفة!
أُراهنُ بروحي
أنني سأرى عينيكِ بوضوحٍ تام.
ومن تلك العيون الآسرة
ومن الضياء الواهجِ منهما
سأستطيع أن أميز الأشياء المتناثرة بالغرفة
بل وقد أتمكن من إحصاء رموشك
واحدًا تلو الآخر.
لكن صدقيني
لو كنتِ فعلًا في هذه الغرفة
لن أتحرك شبرًا واحدًا.
سأظل متسمّرًا في مكاني
أتامل عينيكِ فقط
سأتعمق في ذلك اللون العسلي
وأحللُ تفاصيله
بقلبي وعقلي.
وسأتمنى
سأتمنى من كل قلبي
أن تظل هذه الغرفة مظلمة
ألا يقتحمها أي ضوءٍ غريب
ألا يكون فيها شيءٌ واضح
أو مرئي
سوى عينيكِ.
220
عندما أسهر..
تتسربُ مني الحروفُ
شوقًا إليكِ،
تخرجُ عن نطاقي..
إلى المدى،
إلى الضياع،
إلى السماءِ الواسعة،
باحثةً عنكِ بِلهفة الأبناءِ لأمهاتهم.
وصدقيني أنني رجلٌ
يفتخرُ عندما ينادونهُ بـ "ابن أمّه"،
لذا.. لا تستغربي دَسّي لرائحةِ الأمهاتِ في كل نصٍّ،
كما أنا لا أستغربُ لهفةَ حروفي عليكِ،
رغم حتميةِ الفشل في الوصولِ إليكِ.. أو معرفتِكِ!
220
أحبكِ..
أربعةُ حروفٍ أتخبطُ بها تحت سمائكِ،
وكسرةٌ ودَدْتُها بعظامي على أن تصيبكِ.
أحبكِ بلا ألفٍ، كي يصبحَ حبُّكِ متنفسي الوحيد،
بلا كافٍ، ليصبحَ معنى الحبِّ أنتِ.
أحبكِ بثلاثةِ حروفٍ..
أو حرفينِ، فأصبحُ بكِ أنتِ سعيدًا.
أحبكِ بمقدارِ حزني،
أحبكِ أنا والياءُ بمقدارِ حزنِ العالم،
أحبكِ بقدرِ سوئي المظلم،
أحبكِ ليكون الواوُ ميمًا وألفًا..
ليصبحَ حبكِ بمقدارِ سمائي المظلمة.
أحبكِ.. بعددِ عثراتي،
وأيامِ أرقي،
وساعاتِ غضبي.
أحبكِ عندما أكونُ بعيدًا..
بعددِ مكالماتِ أمي،
وعددِ ساعاتِ قلقِها حتى أعود.
أحبكِ عندما أكونُ قريبًا..
بمقدارِ طمأنينةِ أمي،
وأوامرِ أبي.
أحبكِ طولًا وعرضًا،
وبارتفاعِ السماء أحبكِ..
لتصبحَ أبعادي كلها مجردَ حجمٍ يحاولُ تلافي حبكِ.
أحبكِ..
بتعبِ سنيني،
بهفواتِ مراهقتي،
بمستوى نضجي،
بعددِ مراتِ تهوري.
أحبكِ بمقدارِ كرهي لغيابكِ،
بمقدارِ كرهي لبرشلونة.. وحبي لريال مدريد.
أحبكِ..
ليتحولَ الألفُ إلى منجنيقٍ
ويقذفُ بي بعيدًا نحو الهيامِ بكِ،
لأتركَ كلَّ حروفِ الهيام..
وأرتمي في حضنكِ أنتِ.
أحبكِ.. فحبُّكِ يصنعُ المعجزات .
220
لطالما كنتُ مؤمنًا بحياةٍ رماديةٍ عادية،
لا مثير فيها سوى مشاكلي المتجددة
وضغوطاتي السرطانية، التي ما أنفكُّ أستأصلها
حتى تعود من جديد.
حتى أتيْتِ..
فغدتْ ورديةً، مليئةً بالشغفِ والحبِّ والجمال.
ولكنَّهُ ذنبي..
فقد قمتُ بتبديلِ إيماني،
حتى غدتْ سوداءَ باهتةً،
لا مثير فيها سوى حزني
واكتئابي،
ولا يتجددُ فيها سوى وحدتي،
ومدينةٍ كاملةٍ قابعةٍ داخلي..
يملؤها الخرابُ والمجاعةُ والأمراض.
وهذه نتائجُ ذنبي،
ولا علاقةَ لكِ بما يحصل،
ولن أنتحرَ بسببِ ذلك،
ولا علاقةَ لذلك بلوني المفضل،
ولن أشكوَ بذلك..
فهو صعبٌ كتخصُّصي تمامًا.
أنا سأمضي..
نحو هذا السوادِ،
راجيًا أن أرى الأزرقَ في رحلتي،
لأموتَ هناك..
عند لوني المفضل.. وإيماني الوحيد.
220
مجردُ رجلٍ..
فُكِّكَ إلى أجزاءٍ متطايرةٍ،
وبينه وبين كلِّ جزءٍ..
ألفُ وجعٍ،
وألفُ نكسةٍ،
وألفُ انهيارٍ.
وليعيشَ بين الأحياءِ،
جمعَ شتاتَهُ
من الوهمِ،
راجيًا أن يروه،
أن يسمعوه،
أن يفهموه،
ويعتبروه منهم.
ولكنه رجلٌ مفكَّكٌ،
بلا هويةٍ تُعرّفهم عليه،
أو روحٍ تتواصلُ بهم،
بلا صوتٍ يسمعونه،
أو شكلٍ يرونه.
لذا..
ترَكَ محاولةَ أن يروه،
أو أن يقطعَ آلافَ الأوجاعِ ليجمعَ نفسه،
وقبلَ بذلك؛
بكونهِ رجلًا مفكَّكًا.. ووحيدًا.
وهم أيضًا قبلوا بذلك،
كونهم لا يرونه، لا يسمعونه،
ولا يهتمُّون لوجوده.
وهكذا انتهت القصة..
بصمتٍ شديدٍ، يشبهُ صمتَ جريمةِ التفكيك.
220
مرحبًا ..
ها أنا ذا،
ابنُ الاثنينِ والعشرين ربيعًا
منذ أتيتِ أنتِ
وابنُ الشمسِ
منذ أشرقتِ أنتِ.
جميلتي البهيّةُ،
ذات الملامح التراجيديةِ
والطلةِ الرائعة،
يا موسوعةَ الجمال،
ومرجعَ الطفولة.
يا براءةَ الأطفال،
يافرحة اليتامى،
ويا غصنَ البان!
أتعلمين؟
عندما أستيقظُ صباحًا
ذاهبًا نحو الجامعة
وأُفكر..
في مفرداتٍ هندسيةٍ
أحشيها في نصوصي الغزليةِ
بكِ،
أُفكر..
في كيفية دسِّ الـ Foundation في النص
لأخبرَ العالمَ أنكِ أساسُ هذا الرجل،
وفي كيفية جعلِ رسوماتِ الـ (F.D.M)
و(F.E.M) و(F.D.S)
تُضاهي رسمةَ عينيكِ،
وفي كيفية إخبار العالم
أنكِ وزعتِ حنانكِ عليَّ كـ (Distributed Loads)،
وكيف أنني أقاومكِ كـ (Concrete Resistance)،
فتهزمينني بضغطِ جمالِكِ!
جميلتي..
أنا مهندسٌ،
أقرأُ العديدَ من المُخططات،
لكنني أتوهُ
عندما أرى ملامحكِ،
وأبتسمُ..
أبتسمُ كلَّ صباحٍ،
أبتسمُ حين أُنظفُ أسناني،
حين أتناولُ فطوري،
وحين أركبُ مواصلاتي.
أبتسمُ لأنني أمتلكُ فتاةً من نورٍ،
فتاةً من زهورٍ،
فتاةً تبعثُ الحياةَ
لما حولها
ولي،
فتاةً
خُلقت
ليُعرفَ معنى الجمال،
فتاةً تحبُني
وأحبُها..
وهذا كافٍ جدًا.
220
عودي..
عودي محمَّلةً بالشتائم الكثيرة،
عودي بكلِّ غضبكِ وحزنكِ،
عودي وأخبريني كم كنتِ تحبينني
وكم تكرهينني الآن،
عودي وأبلغيني أن هذا الوداع
وأنكِ لن تعودي مرةً أخرى،
عودي لأرى الشوقَ بعينيكِ،
عودي بما أُوتيتِ من عزمٍ،
وسيكون ردي
حضنًا طويلًا
وأحبكِ.. الكثير منها،
واشتقت لرؤيتكِ كباحثٍ عن الماء في صحراء،
وصوتكِ أريده لي.. فمريضٌ أنا منذ غيابِهِ،
لن أبكي، فدمعي جفَّ يا قمري،
سأرتجفُ فقط من الشوقِ؛
فتعالي
أنتِ وكُلُّكِ،
ابعثي فيني الحياة،
أشرقي داخلي من جديد،
املئي المكان بالضجيج والضحكات،
انفضي الغبار عن المكان،
نظّفي الأماكن الرثَّة،
افتحي النوافذ ودعي المكان يتنفسُكِ،
دُسّي رائحةَ شعركِ في كلِّ زاويةٍ،
قومي بتخييطِ الشقوقِ الموجودةِ،
مارسي جنونكِ في كل مكانٍ،
وتجولي فأنتِ وحدكِ فقط
من يُسمحُ له بالمكوثِ داخلي،
أطلقي النكات السخيفة والتافهة،
واضحكي.. اضحكي ضحكةً عاليةً،
ضحكةً يصلُ صداها للأرجاءِ كلِّها،
هل هذا صعبٌ يا جميلتي؟
220
مرحبًا..
ها أنا ذا،
ابنُ الاثنينِ والعشرينَ.. حيرة،
تعرضتُ فيها لشتى المواقف
والمشاعر
والانتكاسات،
تعرضتُ فيها للظلمِ
من نفسي،
وعشتُها
بما فيها..
وكدتُ أموتُ عدة مراتٍ
وأنجو،
حاسبًا ذلك لفطنتي،
ومتناسيًا أن هناك امرأةً
حملتني تسعةَ أشهرٍ،
ثم حملتني اثنين وعشرين عامًا
بالدعواتِ والمحبة.
أنا..
خطَّاءٌ
كأيِّ بشريٍّ هنا،
أمتلكُ مزاجًا متقلبًا؛
عصبيٌ جدًا،
هادئٌ جدًا،
باردٌ جدًا،
حارٌ جدًا،
حنونٌ جدًا،
وقاسٍ جدًا..
على الأقل،
هذا ما علمتهُ عن نفسي
خلال مواقف حياتي.
أمتلك طبعًا
ليس بالجميل،
وهو التصنُّعُ
وقت حزني؛
أستطيعُ أن أضحك
في حزني
أكثر من أن أضحك
في فرحي!
في حزني،
أنا شخصٌ مرحٌ جدًا؛
يضحك هنا، ويمرح هناك،
تارةً يلقي بجملةٍ تحفيزيةٍ،
وتارةً يبتسم في وجهِ الأطفال،
حتى أنزوي وحدي..
لا أنحب، لا أبكي،
فقط صمتٌ مزعجٌ جدًا،
صمتٌ يخيفني بشدة،
صمتٌ لدرجةِ التبلُّد.
وهكذا أصمتُ
حتى يشقُّ صمتي تنهيدة..
تنهيدةٌ تخرجُ الهواء من داخلي،
ليتسع المكان لما أحمله.
وعلى سيرةِ الأحمال؛
كلُّ عاملٍ
يعملُ على التحميل
فوق ظهره،
عندما يتعب
يستريح..
فلمَ لا أستريحُ؟!
منذ بلغتُ سنَّ الرشدِ
وأنا أحملُ الكثير؛
أفرغُ
وأحملُ، ولا أستريحُ،
فلا أملكُ رفاهيةَ أخذِ نفسٍ أملأُ رئتيّ به،
فهي ممتلئةٌ بالفعل
بالنيكوتينِ
والأحمال.
ولا أحبُّ الشكوى؛
لأنني أخذتُ درسًا قاسيًا قليلًا
بها،
لذا لا أخبر أحدًا
أنني أحملُ فوق جهدي،
فيفضحني جسدي المتهالك،
ويسألني هذا وذاك: «لما أنت نحيفٌ هكذا؟»
فأردَّها على تخصصي،
والليل الذي أسهرُ فيه.
ولدتُ في يونيو..
أقسمت أمي أن السماء حينها
كانت تُمطر
غريبٌ! أو لربما أمطرت حزنًا
على هذا المولودِ البائس،
كثير الشقاءِ، كثير الكتمان.
ولأنني البكرُ،
كنتُ أحيانًا
حقلَ التجاربِ،
فتُخذت بحياتي قراراتٌ طائشةٌ
تحت بندِ «نعرفُ مصلحتك».
وعلى سيرةِ مصلحتي؛
فبتُّ أعلمُ وأخيرًا أين تقع،
صحيحٌ أنني لن أصل لها،
لكنني على الأقلِ
أعرفُ مكانها.
لم أزعجْ أبي يومًا في الليل،
فأنا شخصٌ يتحاملُ على مرضه
حتى الصباح،
ولم أخبر أمي يومًا أنني حزين..
ولا أفعلُ ذلك لانعدامِ جدارتهم،
بل لأنَّ هذا طبعي
متأصلٌ بي،
طبعٌ مستفزٌ جدًا!
وعندما تنتهي علاقاتي،
أكون الطرفَ المخطئ،
ولا أُدافعُ عن نفسي،
فبتُّ أكرهني جدًا؛
فهي تثبتُ لهم أنهم على حقٍّ،
عندما تصبحُ باردة
لا مبالية، وضاحكة
ثم تختلي بي
لتعذبني!
أصرخ: «هم من جرحوني لستُ أنا!»
فتضحكُ عاليًا وتقول: «لذلك أنت لا تُبرر!»
فأسكتُ،
كاتمًا غيضي كالعادة.
مرحبًا مجددًا..
ولكن لي؛
فهذا حديثٌ
بيني وبينِي،
أقدمُ فيه امتناني
وأسفي
وعتبي.. لي وحدي،
وأتمنى
لو أن نتغير
ولو قليلًا
كأيِّ بشريٍّ،
فما زلتُ أنا،
رغم ما لي
وما كان عليَّ،
لا أتغير؛
لا للأفضل،
ولا للأسوأ.
ولا أعلم،
هل هذه صفةٌ حسنة؟
أم صفةٌ تدعو للسخريةِ؟
ولا أهتم..
فعلًا أنا لا أهتم،
ولأنني أصبحتُ لا أهتم،
مازلتُ أتنفسُ، وأثقلُ كاهلي،
وأضحكُ، وأحفزُ..
حتى لو لم أهتم،
ما زلتُ هنا،
ما زلتُ حيًا.
220
عزيزتي..
لا أدري حقًا متى غفت عيناي لآخر مرة
أنا أغمضهما! مثلما يفعلُ كل البشر
أتظاهر بأنني هناك.. في الضفة الأخرى من العالم
بينما داخلي غابةٌ تشتعل
ومعركةٌ لا تهدأ.
أخافُ إغماضهما
صدقيني.. أخافُ أن تنفرد بي الكوابيس
أحيانًا أسألُ نفسي
وأنا أراقب الوجوه
هل الجميعُ يمثلون مثلي؟ هل يطحنهم الليلُ في صمتٍ ثم يبتسمون في الصباح؟
لا عليكِ.. النوم مجرد أستراحة
لمن يملكُ أحلامًا
وأنا لا أملك سوى وجعٍ ينمو في رأسي
لكنَّ عيناي تحرقانني بشدة
وتسكبانِ دمعًا سخيفًا يذكرني كل لحظة بأنني إنسان.. إنسانٌ يحتاجُ فقط لأن ينام.
أمي.. وحدها من تعرف.
تتصلُ بي كل ليلة
توصيني بالنوم وتعدّد لي أضرار السهر.
هي لا تسمع صوتي، بل التعب الجاثم فوق حنجرتي.
لذلك أنا حزين
لأنني بعيدٌ عنها..
أجلسُ الآن في أعمقِ زاويةٍ لهذا المكان
الظلمةُ تلفُّني وأصدقائي حولي.. لكنهم بطريقةٍ ما غرباء.
أشعرُ كأنني طفلٌ زار مكانًا لا يعرفه
لا تبهره الأضواء ولا الألعاب
كل مايريده هو أن يمسك طرف ثوبِ أمه
ويختبئ.
أنا في الواحدة والعشرين.. أعلم
قد يضحك الكثيرون
رجل بهذا الطول ويبكي في حضنَ أمه؟
سحقًا فليضحكوا.. لا تهمُّني قهقهاتهم
فخلف هذا الطول والسنوات هشاشةٌ لا يراها أحد.
أنا متعبٌ جدًا.. منكِ، ومنهم، ومن نفسي.
أقسمُ لكِ.. أنا إنسان
لستُ جبهة قتالٍ مفتوحة
ولستُ بطلاً في روايةٍ حزينة
لا أريدُ استراحة محارب
ليعود للطعنِ مرةً أخرى..
أريدُ فقط أن أترك أسلحتي
وأرحل
أعلم جيدًا أنكِ لن تصبحي أمي
ولن تصلي أبدًا لِما هيّ عليه
ولكن رفقًا بي..
فأنا لستُ قلعةً من حديد
أنا طفلٌ ضلّ طريق البيت
وأضاع في الزحام يدَ أمه
لا أريد نصرًا في حروبي
ولا أريدُ أوسمةً تُعلقُ على صدري المطعون
كل ما أريده..
أن تضع الحربُ أوزارها
وأغمض عيناي
لأستيقظ وأنا أسمع صوتها
وهي تقول..
نم ياصغيري.. فكلُّ مامرَّ كان حُلمًا.
220
حسنًا
أنا هُنا
في غرفتي ذات الأربعة حيطان
كل حائطٍ بها لديه شيء يعرضهُ ليّ
لا أعلم ماذا دهى خيالي اليوم ليضعني حكمًا لهذه الليلة!
دعونا من الحوائط
والاضواء المطفئة في الغرفة
دعونا من نافذتي التي تعرض كل شيء
إلا الصورة الحقيقة
عندما أكون في مزاجًا صافٍ
يُسلطن ذلك خيالي فيجعلني حاكمًا بلعبته
والليلة
كنت حكمًا
لعروضٍ ستُقدم لي
فالحائط الأول عرض لي أبراجًا كبيرة
كأنه يعرض أهدافي وما أطمح له
أما الثاني
كان طريقٌ ترابي يشبهه نوعًا ما الطُرقات في الراليّ الرملي
وصدقًا لا أعلم ما المغزى منه!
وأما الثالث حاول تعكير مزاجي
كأن يقدم لي ذكرياتٍ مريرة
أما الأخير..
عرضّ ليّ الصورة الحقيقية
كان فارغًا
لا شيء يعرضه
فقط بلُك، مونة أسمنتيه، ورنجٌ أبيض مُهترئ
ثمَّ غطتَّني الوحشة
كأنها لحاف
أُزيل عن عينّاي
ليُغطي جسدي
أصابتني رعشة طفيفة
كانت لحظة الأدارك
أنّي هُنا
معَ أربعة حوائط
ونافذة تطلُ على الوهم
ولا شيء، ولا شيء .
220
مرحباً
جئتُ كي أكتب
ولا أعرفُ عن ماذا
كلمات تتناثرُ في صدري
تتسابقُ من فيها سَيخرجُ أوّلاً
وكأنها في سِجن
حروفٌ لا تعرفُ النّور منذُ فترة
جملٌ لا تعرفُ الحُب
وأخرى تودّ لو تكتب عنه
أفكارٌ مشوّشة
مشاعرٌ مضطربة
عقلٌ شارد
قلبٌ بارد
وجسدٌ بلا روح
وكلّ هذا أنا
نعم أنا!
جئتُ كي أخبركِ
بأنّي وبطريقةٍ ما لستُ بخير
وما من أحدٍ هنا لأخبرهُ بهذا
وأشعرُ أن كلّ الأبواب التي فُتحت لي
قد أغلقِت على أصابعي وأنا أخرج
كي أخبركِ أيضاً
أنّني رغمَ حزني
لستُ أحتاج لأحد بجانبي
لأنّني لا أستطيع أن أبوحَ بحزني
فَحزني غالٍ
والأشياء الغالية لا نخبر أحداً عنها!
وكلّ شيء حولي غريب
لم آلف المكان بعد
ولا الأشخاص
ولا الزمان
ولا حتى نفسي
كلّ شيء حولي يقودني نحوَ الجُنون
وأنا هنا أتساءل
ماذا لو انتهى مقدار الصّبر الخاص بي؟
ماهي النتائج التي قد تخرج من رجل مثلي؟
لا أنتظرُ إجابات
ولا لقاءات
ولا أنتظر حناناً من أحد
ولا حبّ أو أيّ اهتمام
لا أنتظرُ شيئاً
ولا أنتظركِ أيضاً.
انتهت مفردات اللّيلة.
وداعاً.
220
ليتني أنسى حزني هذا!
ليتني أستطيعُ تركَ نفسي هنا،
تركَ روحي،
وملامحي،
وصوتي،
وضحكتي،
وكلماتي..
هنا والهربَ بعيدًا.
ليتني أنسى بلادي،
واسمي
وكيف أشعرُ.
فأنا حزينٌ جدًا،
أنا حزينٌ اليومَ، والبارحةَ، والغدَ،
وهذا الشهرَ، والشهرَ التالي،
وهذه السنةَ، والسنةَ التالية.
أنا حزينٌ
هنا وهناك،
حزينٌ وأنا قاعدٌ، وأنا أمشي،
وأنا أتكلمُ، وأنا أضحكُ.
حزينٌ على نفسي،
وعليكِ،
وعلى بلادي ومجتمعي وشعبي،
وعلى تاريخٍ لن يكتبَ جمعنا.
أنا حزينٌ وأنا واعٍ..
حتى عندما أردتُ أن أسكرَ،
سكرتُ بملامحكِ فحزنتُ أكثر!
أنا..
وكلُّ خليةٍ في جسمي،
وكلُّ عظمةٍ في جسمي،
ننوحُ حزانى،
حتى أُقيمَ في داخلي عزاءً
لا حاضرين سوى موتى،
وندوةٌ أدبيةٌ يتحدثون فيها عن رثاءِ حالي.
أنا حزينٌ..
وأريدُ نسيانَ حزني،
ونسيانَكِ.. يا جميلتي.
220
أيتّها الشاغلةُ تفكيري،
والساكنةُ في رأسي الكبير
وعقلي الدَّاهية!
أنتِ هنا..
تُزاحمين أفكاري الكثيرة
ومشاعري المتضاربة،
تُزاحمين كلَّ خليةٍ في جسدي،
تُزاحمين الدماءَ المتدفقةَ في قلبي.
لا زلتِ هنا..
بين أوراقي المتبعثرة،
في المطرِ خارجَ نافذتي،
حولي في المكان،
في علبةِ سجائري
وشعلةِ قداحتي،
في تكاليفي وامتحاناتي،
في همومي ومشاغلي،
في فرحتي
وحزني،
في صمتي
وكلامي.
لا تنفكّينَ تذهبين
إلا وتعودين،
وأراكِ..
في الطرقات،
والحَيَّ،
والسوق،
والبِقالة،
في الوجوهِ والسماء،
في الرواياتِ والأفلام.
أقسمُ لكِ..
أنني أراهنُ لو أنَّ يظهرَ قوسُ قزحٍ في سمائنا،
لرأيتُكِ فيهِ!
فأنتِ تشغلين كلَّ حيّزٍ حولي:
في ملابسي
ومأكلي،
في الدُّخانِ المنبعثِ من سيجارتي وقلبي،
في دعواتِ أمي
وغضبِ أبي،
في الترهاتِ التي يُلقيها مديري،
والمديحِ الذي يقوله دكتورُ مادتي،
في قوانينِ تخصصي
ومخططاتي،
في تهجّئي للكلمات
واتقاني للكتابة،
في كلِّ علامةِ ترقيمٍ صحيحةٍ
وكلِّ حركةٍ توزنُ الكلمةَ،
في وجوهِ المجانينِ
وتعبِ الموظفين،
في نداءِ سائقِ الباص
وأبواقِ السيارات،
في كل موضوعٍ مُهمٍّ
وعابرٍ،
في مناظرِ بلادي الجميلةِ
وحزنِ شعبها.
وعيناكِ..
لا تُنسى،
وإن نُسيتْ فرائيها غالبًا مات!
أراها عند نومي
فيذهبُ..
راجيًا عودتَكِ ليعودَ،
وأراها عند استيقاظي
فيذهبُ النعاس..
راجيًا أن أراكِ في يومي.
عند أحزنُ أراها،
عندما أفرحُ أرها،
وكلما خالجني شعورٌ
رأيتُها..
كأنها جماركُ مشاعر!
فأنتِ..
وحنيّةُ أمي،
ثابتتانِ في قلبي
بيقينٍ تامٍّ،
وحيرةٍ
بين وجودكِ فيَّ..
وحنيّةِ هذه المرأة رغم تقصيري.
220
أنا لا أعرف إن كنت نمت اليوم،
لكنني استيقظتُ في رأس سمكة،
وكان الحبر يتدلّى من جفني كأنه نافذةٌ على عصرٍ لم يحدث.
في الزاوية وقف ضوءٌ أصفر، كان يضحك،
أعتقد أنه شرب كثيرًا من المطر.
الشارع كان مصنوعًا من أوراق فلسفية،
والعابرون.. كلهم رؤوسهم معكوسة
عيونهم في مؤخرة الجماجم،
وكانوا يتبادلون النسيان كما يتبادل العشّاق رسائل العتاب.
أنا لستُ متأكدًا من اسمي
كل مرّة أكتبه، يتغيّر.
أحيانًا يخرج منه ذيلُ عنكبوت،
أحيانًا أخرى.. أسمع ضحكة أمي تخرج من الحروف،
فأحرق الورقة.
المرآة الوحيدة التي لا تكذب..
هي تلك التي في قلب العدو.
لهذا أحببت أعدائي القدامى
إنهم يشبهونني عندما كنت أحبني قليلًا.
كل شيء يتحلل بسرعة،
إلا الوحدة..
فهي كالعظم، تظلُ تحت التراب،
ولا تبلى.
وصوتٌ في داخلي يقول:
"إذا أردت أن تُفهم، فلا تكتب."
نِيتشه، الذي قالوا إنه مجنون، بينما كان ينظر للعالم بعيون مفتوحة أكثر من اللازم.
220
أنا مهندس
أعرف كيف أرفع الأحمال،
كيف أوزّع الضغط على جسورٍ لا تنهار،
كيف أحسب زاوية الميل
لكي لا تسقط ناطحة شوقٍ.. من نظرة.
أُتقن شدّ الخرسانة،
أُتقن حساب المسافات بين الأعمدة
لكنّي لم أُتقن بعد
كيف أترك مسافة أمان بيني… وبين قلبكِ.
كل المخططات أراها بوضوح،
إلا هذا الذي في صدري..
كل الزوايا أعرفها،
إلا تلك التي انكسرت عند عينيكِ.
لو كنتِ جسرًا،
لعلّقتكِ على ضفّتين من الدعاء
ولو كنتِ طينًا..
لخلطتُكِ بالماء والحنين،
وسكبتكِ في قالب عمري،
وتركتكِ تجفّين على مهل.
لكني،
أمامكِ فقط..
أصبحُ جدارًا لم يُصبّ جيدًا،
وأعمدةً لم تُزرع في العمق،
ومشروعًا دون دراسة جدوى.
أنا مهندس..
لكن ما من آلة تقيس ارتجاف قلبي
حين تبتسمين،
وما من كودٍ إنشائي
يضمن لي نجاتي.. منكِ.
أنا مهندس..
لكن هذه العضلة في صدري الأيسر،
تُصرّ على أن تنهار بلا سابق إنذار،
ولا كودٍ، ولا حديد.
تُصمم هدمها بنفسها،
وتنجو دائمًا.. بشق نُبضة.
وقد قال أبو العلاء المعري...
إنني وإن كنتُ في الأرضِ راقدًا، فأنا في رأسي سماواتُ فِكر.
اتهموه بالجنون.. وأنا أفهمه تمامًا.
220
أنا ذاك الذي لمّا قرأ عن سيزيف، لم يشفق عليه.. بل حسده.
كنت أفتش في مذكرات نيتشه، لم أبحث عن فلسفة.. بل عن نوبة الجنون الأولى
متى كانت؟
كيف شعر؟
هل بكى؟
هل جرّب أن يشرح لنفسه، نفسه؟
أجالس كافكا، في مخيلتي، لانتحدث، فقط ننظر للأرض
هو يرى حشرة،
وأنا أرى وجهي فيها.
كل مرة أنجو.. أرسم دائرة بطباشير طبّي
حول قدميّ
وأقول.. هنا.. انهار قلبي وهنا أيضًا.. لم يلحظ أحد.
أنا الذي ظنّ أن نابليون سقط في واترلو لأنه تخلّى عن خوذته الأخيرة،
وأن دوستويفسكي كتب "الأبله" ليصرخ بأسمٍ لم ينطقه قط.
أنا الذي لا يؤمن بالخسارة الصغيرة، فكل تفصيل داخلي يرتطم بأكمله.
أصرخ كما يصرخ الجنود المجهولون في دفاتر الحرب..
"لم نُخلق لنسرد النهايات… بل لنُدفن تحتها. "
وهكذا..
أبدو واقفًا
منتظمًا
مهندسًا
منضبطًا كبرجٍ مقاومٍ للزلازل،
لكن داخلي.. كل حديده مفكوك، وكل خرسانته تُبكيها الرطوبة.
وأعلم جيدًا أنني، في نهاية المطاف..
رجلٌ يتقن فن الانهيار، ويُجبر نفسه أن يظل صامدًا،
كي لا ينهار الذي اتكأوا عليه.
