fa
Feedback

فریب کلاهبرداران را نخورید! تل‌متریو این کانال‌ها را شناسایی و برچسب‌گذاری می‌کند 👉 برای مشاهده برچسب، اشتراک تهیه کنید

فريق صُنَّاع الوعي | الرسمية.

فريق صُنَّاع الوعي | الرسمية.

رفتن به کانال در Telegram

فريق صُنَّاع الوعي.. يهدف إلى بناء الشخصية المُسلمة الواعية، وإعداد كوادر قيادية قادرة على حمل رسالة الدين وتبليغها ببصيرة وحكمة. سوريا | إدلب.

نمایش بیشتر
کشور مشخص نشده استدسته بندی مشخص نشده است
217
مشترکین
اطلاعاتی وجود ندارد24 ساعت
-17 روز
-630 روز
آرشیو پست ها
ـ أخلاق النَّبي ﷺ في التَّعامُل مع النَّاس. ـ كان رسول الله ﷺ مدرسةً متكاملة في حسن التعامل، ومثالًا سامقًا في الرحمة والرفق والتواضع، فلم تكن أخلاقه موقفًا عابرًا، بل كانت سيرةً راسخةً ومنهجًا ثابتًا في تعامله مع كل من حوله. كان ﷺ طيّب الحديث، كريم المعاملة، واسع الصدر، لا يقابل الإساءة بالإساءة، ولا يجعل الغضب حجابًا يحول بينه وبين العفو. وكان يراعي مشاعر الناس، ويعرف كيف يخاطب القلوب قبل الآذان، ويعامل كل إنسان بما يناسب حاله، دون تكبّر أو جفاء. وقد أثنى الله تعالى على عظيم شمائله فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:4] وقال سبحانه في بيان أثر لين الجانب: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾[آل عمران: 159] وكان ﷺ يحث على مكارم الأخلاق، فقال: «إنَّ من خياركم أحسنكم أخلاقًا» فليست محبة النبي ﷺ أن نكثر من الحديث عنه فحسب، وإنما أن تظهر محبته في سلوكنا، في طريقة كلامنا، وفي تعاملنا مع أهلنا، وفي صبرنا على من يخالفنا، وفي عفونا عمّن أخطأ في حقنا، وفي رحمتنا بالضعفاء. فاجعل أخلاق النبي ﷺ ميزانًا لأخلاقك، وسيرته نورًا لطريقك؛ فإن حسن الخلق ليس زينةً للإنسان فحسب، بل عبادةٌ ترفع قدره، وتقرّبه من القلوب، وتكون له ذخراً يوم يلقى الله. _____ صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، ٤/١٨٩، ح: ٣٥٥٩

ـ الإحسان إلى الجار. ـ لقد حثَّ الإسلام على الإحسان إلى الجَّار، وأمرنا بالتَّعامُل معهُ بلينٍ ولُطف؛ لأن ديننا دين عظيم، جاء ليقوّي أواصر الأخوة بين الناس، ويزرع في النفوس حس المسؤولية تجاه بعضها.. فالمسلم ينبغي أن يكون عونًا لجاره المسلم، يحفظ أهله وولده وماله، ويسأل عنه إن غاب أو مرض، ويطمئن عليه إن تعرض لسوء، ويقف معه في شدته، ويشاركه أفراحه وأتراحه. وإن أول صور الإحسان إلى الجار أن تلقاه بابتسامة صادقة، ووجه طلق، فتبادله تحية الإسلام، فيشعر منك بالتودد والأخوة، ثم يتلو ذلك تفقد أحواله، والسؤال عنه دون أن يطلب، فإن علمت به في ضيق سارعت إلى تفريجه، وإن رأيته في عسر بذلت له ما استطعت، وخففت عنه أعباءه، وكذلك يكفّ المسلم الأذى عن جاره، فلا يزعجه بضجيج، ولا يضايقه بصوت عال، ولا يتعدى على حرمة داره، ويحفظ له سره، ولا يخونه، ولا ينقض عهده معه، بل إن من تمام الإحسان أن يظل المسلم حسن الخلق مع جاره حتى وإن أساء إليه، ابتغاء للأجر ونيل رضا الله سبحانه. ولأن رسول الله ﷺ قال: «وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ» فلا بد أن نعي أن إكرام الجار ليس تفضلًا نمنّ به، بل هو واجب شرعي، يظهر في المواقف الصغيرة: مواساته عند حزنه، مشاركته في فرحه، السؤال عنه عند غيابهِ، والمُساندة عند ضعفه.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صحيح ابن خزيمة، كتاب المناسك، باب حسن المصاحبة في السفر، ٤/٢٣٩، ح: ٢٥٣٩

ـ قيام الليل.. ـ حين يسكن الليل، وتخلد العيون إلى الراحة، ويصمت ضجيج الحياة، ينهض المؤمن من فراشه، فيتوضأ في هدوء، ثم يقف بين يدي ربه، لا يراه أحد، ولا يسمعه أحد، فيناجيه بما يختلج في صدره. هناك، في تلك السويعات المباركة، تبدأ خلوة من أصدق الخلوات، خلوة لا تحتاج فيها إلى واسطة، ولا إلى كلام مصطنع، لأنك تقف بين يدي من بيده مفاتيح كل شيء. قيام الليل هو مقام تتربى فيه النفس على الإخلاص، ويصفو فيه القلب من أدران الدنيا، ويجد فيه العبد ملاذًا من ثقل الحياة وضجيجها، إنه لحظة استعادة للذات، وعودة إلى الفطرة النقية التي أرهقتها المشاغل. وقد أثنى الله على أهل الليل بقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79] وقال النبي ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ قِيَامُ اللَّيْلِ» فجعلها الله خالصة من الأعمال، وأفضل التطوع بعد الفرائض. وما أعظم ما يحدث في جوف الليل من تحولات خفية! حين يبث العبد ربه شكواه، ويبسط بين يديه حاجته، تسري الطمأنينة في قلبه، وينفرج ما كان يظنه مستعصيًا، كم من هم زال بدعوة في ظلمة الليل، وكم من باب انفتح بعد سجدة صادقة، وكم من ضيق تبدد بدمعة خفية، إنها ساعات النزول الإلهي، التي ينادي فيها الرب: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟. فإذا ضاقت بك السبل، وتكاثرت عليك الهموم، فلا تبحث عن الراحة في غير موضعها، بل اطرق باب ربك في ساعات السكون، واجعل لك خبيئة لا يعلمها إلا الله، ركعات في جوف الليل، ودعوات تصعد بها الملائكة، وإن لم تسمعها أذن بشر. ولا تستصغر القليل من القيام، فربما ركعات يسيرة بقلب صادق خير من ساعات بنية غافلة، وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سنن النسائي الصغرى، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب فضل صلاة الليل، ٣/٢٠٧، ح: ١٦١٣

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته القناة فتحت المراسلة للأخوات أي استشارة أي سؤال أي مساعدة نحن هنا بالخدمة إن شاء الله

ـ حقوق المسلم على المسلم. ـ لا بد أن ندرك أن لأخينا المسلم علينا حقًا، وأن هذا الحق ليس كلمات عابرة نقولها، بل هو واجبات ينبغي أن تؤدى، ومسؤوليات يتحملها المرء أمام الله قبل أن يتحملها أمام الناس. إذا تأملنا في حديث النبي ﷺ، وجدنا أن حق المسلم على المسلم خمس: «رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيض، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ» لكنها ليست محصورة في هذه الخمسة فحسب، بل هي مدخل إلى معانٍ أوسع، ونموذج عملي لمنهج كامل في التعامل بين المسلمين فمن حق المسلم عليك أن تحفظ عرضه في غيبته، فلا تذكره بسوء، ولا تسمح لغيبة أن تمزق كرامته، ومن حقه عليك أن تستره إذا تعثر، وألا تشيع عثرته بين الناس، ومن حقه عليك أن تنصحه إذا استنصحك، ولا تخونه إذا ائتمنك، ولا تخذله إذا احتاجك، ومن حقه عليك أن تحب له الخير كما تحبه لنفسك، وأن تكره أن يصيبه من السوء ما تكره أن يصيبك. وحينها يتحقق وصف المؤمنين بأنهم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، وبأنهم كالجسد الواحد، يتداعى سائره بالسهر والحمى. ولنتذكر دائمًا قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [ الحجرات: 10] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب الأمر باتباع الجنائز، ٢/٧١ ح: ١٢٤٠

ـ الاستعداد للقاء الله.. ـ إنَّ من أيقن أنه ملاقٍ ربه لا محالة، تغيرت نظرته إلى كل شيء، وإن من من صور الاستعداد للقاءِ الله أن يكون للمرء رصيد من الأعمال لا يفتقر بعدها إلى أحد، عمل ينفعه إذا وُضع في قبره، وقد انقطعت به الأسباب، ركعات في جوف الليل، أثرًا نافعًا، علمًا علمه، صدقة خفية، دعوة صالحة، ولدًا يدعو له، هذه الأشياء التي كان يراها صغيرة في الدنيا، هي التي تثبت المؤمن يوم لا ثبات إلا لمن ثبّته الله. والاستعداد كذلك أن يصلح المرء ما بينه وبين الناس، فمن أراد لقاء الله بقلب سليم، فليطهّر قلبه من الغل، وليبرئ ذمته من المظالم، وليعد الحقوق إلى أصحابها، وليستسمح من ظلمه، وليتسامح مع من ظلمه، فالقلب السليم هو وعاء العمل المتقبل، فإذا امتلأ بالحقد والضغينة؛ صار كالوعاء المشقوق، لا يحفظ خيرًا. ولا يغيب عن هذا كله التوبة الصادقة، فالإنسان خطّاء، ولن يلقى الله بكمال العمل، لكنه يستطيع أن يلقاه بصدق التوبة، ولين القلب، ودمعة خشية، ورجاء صادق في رحمة الله، فليس المطلوب منك أن تكون بلا ذنب، بل المطلوب أن تكون دائم العودة، سريع الإنابة، لا تملّ من طرق باب ربك، ولا تقنط من عفوه. وهكذا، ينبغي للمسلم أن يعيش بين رجاء وخوف، وتخف منه الدنيا كلما اكتمل يقينه بالآخرة، فإذا أتى الأجل على هذه الحال، جاء وأنت مشتاق للقاءِ اللَّه، وترجو رحمته التي وسعت كل شيء.

ـ كيف تستثمر وقتك فيما ينفعك؟. ـ اِعلم أن الوقت هو رأس مالك الحقيقي في هذه الدنيا، وأن كل دقيقة تمضي من عمرك لن تعود أبدًا، فلا تعامل وقتك على أنه شيء فائض، ولا تعش بلا خطة ولا هدف، بل اجعل لكل ساعة من يومك قيمة، ولكل يوم من حياتك أثرًا. واسأل نفسك كل صباح: ماذا سأقدم اليوم؟ وما الذي سأضيفه إلى رصيدي عند الله؟ ابدأ يومك بالقرآن، اِجعل لك وردًا ثابتًا تحافظ عليه مهما كانت الظروف، لا تقل: مشغول، ولا تؤجل: سأقرأ لاحقًا، فالقرآن هو زادك وأُنسك وصاحبك وخليلك، وكلما ازداد قلبك اتصالًا به، ازددت بركة في وقتك وعملك وأهلك. ثم خصص وقتًا لطلب العلم الشرعي ويكفيك أن تتعلم كل يوم مسألة، أو تحفظ حديثًا، أو تقرأ شرحًا يسيرًا لآية، فالعلم يعصمك من التخبط ويجعلك تميز الحق من الباطل في زمن كثرت فيه الشبهات. ولا تنس حق أهلك وأرحامك، اِجعل في أسبوعك وقتًا لزيارة أقاربك، أو الاتصال بهم، والسؤال عن أحوالهم، اجلس مع زوجك وأبنائك، وشاركهم أحاديثهم، واربطهم بمعاني الخير.. ثم احذر، أشد الحذر، من إضاعة عمرك فيما لا نفع فيه. ابتعد عن جلسات اللغو، وسهرات لا طائل منها، وأحاديث لا تقدم ولا تؤخر، ولا تجعل لمواقع التواصل سلطانًا على وقتك، فتفتح صفحة ثم صفحة، وتنتقل من مقطع إلى مقطع، حتى تنظر إلى الساعة فإذا يومك قد انتهى وأنت لم تحصد شيئًا. أتظن أن هذه الدقائق هينة؟ إنها من عمرك، وعمرك أثمن من أن يصرف في الترفيه عن النفس بما لا ينفع. واعلم أن تضييع الوقت لا يمر بلا ثمن، فالغافل الذي يعيش بلا هدف، يتحول عقله إلى أرض خربة لا تنبت خيرًا، فإذا امتلأت نفسك بالتفاهات، واعتادت عيناك على التوافه، صار قلبك قاسيًا، وعقلك سطحيًّا، وصارت نفسك ضعيفة أمام كل عادة سيئة، لذلك، كن صارمًا مع نفسك: حدد أوقاتًا للترفيه المباح، لكن لا تجعله الأصل، اِجعل الأصل في يومك لله، وللعلم، وللعمل الصالح، وللنفع المتعدي. وأخيرًا، حاسب نفسك كل ليلة: فيما أنفقت يومي؟ فإن وجدت خيرًا، فاحمد الله واسأله الثبات، وإن وجدت تقصيرًا، فاستغفر وعاهد نفسك أن يكون غدك أفضل، فالموفق من جعل وقته مطية لآخرته، وجعل الدنيا كلها مزرعة للجنة، ولا تنس أن أعظم استثمار للوقت هو ما تقصد به وجه الله، فيبارك الله لك في ساعاتك، ويفتح لك أبواب الخير من حيث لا تحتسب.

ـ التَّواضع. ـ إنّ التواضع ليس ضعفًا ولا انكسارًا، وليس أن يقلّل الإنسان من شأن نفسه، بل هو قوةٌ أخلاقية، ونبلٌ في النفس، وسموٌّ في الروح، ذلك أن المتواضع يعرف قدره دون أن يستعلي على غيره، ويدرك أن ما يملكه من علمٍ أو مالٍ أو جاهٍ أو قدرةٍ إنما هو فضلٌ من الله تعالى، وأن الفضل الحقيقي لا يُقاس بما في اليد، بل بما في القلب من تقوى، وبما في السلوك من أخلاق، ومن هنا كان التواضع عبادة قبل أن يكون سلوكًا، ومنزلة قبل أن يكون مظهرًا. وقد رسم القرآن الكريم صورة مشرقة للمتواضعين، حين قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63] فجعلهم الله من خواص عباده، ووصفهم بالمشي الهين، وبالسلام عند الجهل، حتى المشي كان هونًا، وهو مجرد هيئة في السير، صار علامة على سكينة النفس، وعدم التكبر، والاتزان في الحركة، فما بالك بما هو أعمق من المشي من أخلاق التعامل مع الناس؟ وكان رسول الله ﷺ نموذجًا خالدًا في التواضع؛ فقد كان يجلس مع أصحابه كواحدٍ منهم، ولا يتميز عنهم بموضع، ويواسي الضعيف، ويكرم الفقير، ويخدم أهله، ولا يرى لنفسه فضلًا يتعالى به على الناس. ومع عظيم منزلته عند الله، لم يكن في قلبه كِبرٌ ولا استعلاء، وقد تواضع لله، فرفعه الله، وصار اسمه مقرونًا باسم الله في الأذان والتشهد، وهذا هو جزاء التواضع: رفعة لا يصنعها المال ولا المنصب ولا الشهرة. وقد حذّر الإسلام من الكِبر؛ لأن المتكبر يرى نفسه فوق الناس، وينسى أن الإنسان مهما بلغ من القوة والجاه والعلم، فإنه عبدٌ ضعيفٌ لله، ومصيره إلى التراب. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] فالأكرمية عند الله ليست بالحسب ولا بالمظهر، بل بالتقوى التي من أبرز علاماتها التواضع، ومن هنا، فإن التواضع الحقيقي يظهر حين تملك القدرة فلا تتكبر، وحين تكون في موضع القوة فتختار الرحمة، وحين يمدحك الناس فلا تغتر، وحين تخطئ فتملك شجاعة الاعتراف بخطئك، فليس العظيم من يطلب أن ينحني له الناس، وإنما العظيم من يستطيع أن يرفع من حوله دون أن يشعرهم بصِغَرهم. وقد قال النبي ﷺ: «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ» فكلما تواضع العبد لله، رفع الله شأنه، وألقى محبته في قلوب الناس، وجعل له قبولًا وهيبةً لا يصنعها المال ولا المنصب ولا الشهرة، ذلك أن الله إذا أحب عبدًا، حببه إلى خلقه، وجعل له لسان صدق فيهم، وأي رفعة أعظم من أن يحبك الله ثم يحبك الناس من أجله؟ فلنحذر من آفة الكِبر، ولنجاهد أنفسنا على التواضع، ولنتذكر أن الأيام دول، وأن الدنيا زائلة، وأن ما يبقى للإنسان ليس ما جمعه من متاع، ولا ما ناله من مكانة، وإنما أثرٌ طيب، وقلبٌ سليم، وعملٌ صالح، وأخلاقٌ تشهد له بين الناس وبين يدي الله، فالتواضع لا ينقص من قدر الإنسان، بل يكشف عظمةَ أخلاقه، ومن تواضع لله؛ رفعه الله في الدنيا والآخرة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ صحيح مسلم، كتاب البر، والصلة، والآداب، باب استحباب العفو والتواضع، ٨/٢١، ح: ٢٥٨٨

ـ الشُّكر وأثره في دوام النِّعَم. ـ قال الله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:7] هذه الآية جامِعة، تختصر علاقة العبد بربّه في قضيَّة النِّعَم، وتحمل وعدًا ربانيًّا صريحًا أن العبد إذا شكر من أنعم عليه، أتم الله عليه نعمته، بل وزادها.. فالزيادة معلقة بالشُّكر، والبركة مشروطة بالاِعتراف بالفضل، ودوام النِّعم مرهون بحُسن الاستقبال. ومن هنا، كان الشكر عبادة عظيمة، وخلقًا يفتح على العبد أبواب الخير، ويضمن له استمرار العطاء. وحقيقة الشكر لا تقتصر على كلمة "الحمد لله" يرددها اللسان، بل هي أعمق من ذلك بكثير، الشكر في جوهره اعتراف بالقلب بأن النِّعمة من الله وحده، ثم ثناء على الله بها باللسان، ثم عمل بالجوارح في طاعة المنعم. فمن جمع هذه الأمور الثلاثة، فقد قام بحق النعمة. أما من شكر بلسانه، وقلبه غافل، أو شكر بقلبه، ولسانه صامت، أو شكر بلسانه وقلبه، وجوارحه عاصية، فقد نقص من شكره بقدر ما فرط فيه. وإذا نظرت إلى أثر الشكر في دوام النعم، وجدت أن النعمة حين تُشكر، فإنها تستقر وتُبارَك، فالزوجة الصالحة نعمة، فإذا شكرت زوجك لها، أحبها وازداد لها عطاء. والمال نعمة، فإذا شكرته بالصدقة، بارك الله فيه وزاده. والصحة نعمة، فإذا شكرتها بالطاعة، حفظها الله عليك. حتى العلاقات والمحبة، إذا قوبلت بالشكر، دامت وقويت. وفي المُقابل، يكون حال من يكفر النعم ويجحدها، يسلها الله منه، أو ينزع بركتها، فيصبح غناه فقرًا، وصحته مرضًا، وسعادته شقاء. فلا تنظر إلى نعم الله بعين العادة، بل انظر إليها بعين المنة. وكلما امتلأ قلبك بالشكر، ازددت إحساسًا بالنعم، وازددت بها سعادة. الشكر يجعل القليل كثيرًا، والكثير مباركًا، وبه يحفظ الله على العبد دينه ودنياه.

ـ التَّوكُّل والتَّوَاكُل. ـ قد يخلط كثير من الناس بين التوكل على الله والتواكل، فيظنون أن الاعتماد على الله يعني ترك الأسباب وتعطيل السعي، والرضا بما يجري دون عمل أو بذل، وهذا الفهم منقوص، ذلك أن التوكل عبادة قلبية عظيمة، تجمع بين الأخذ بالأسباب والاعتماد على مسببها. أما التواكل، فهو عجز مقنّع برداء القدر، وقعود عن العمل تبرره النفس بسوء فهم التوكل. فالمتوكل الحق هو من يبذل ما في وسعه، ثم يعلق قلبه بالله، عالمًا أن النتائج بيده وحده، يزرع الأرض ويحرثها، ثم يتوكل على الله في الإنبات. يطلب الرزق ويسعى في مناكبه، ثم يتوكل على الله في البركة. يعدّ العدة ويأخذ بأسباب القوة، ثم يتوكل على الله في النصر. وأما المتواكل، فهو الذي يترك الأسباب بحجة الاتكال على الله، ويرضى بالعجز والكسل، ويظن أن القدر سيأتيه برزقه ونجاحه وهو نائم، وهذا ظن لا يليق بشرع يأمر بالسعي، ويثني على الكادحين، ويذم البطالة والقعود. يقول تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [ الجمعة: 10]فجعل السعي بعد الصلاة عبادة. ويقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ [ التوبة: 105] فالعمل عبادة. فالتوكل إذن قوة تدفعك إلى الحركة، لا عذرًا يثبطك عن العمل... تجتهد بجوارحك وتتوكل بقلبك، تأخذ بالأسباب، وتطيع أمر الله.. فتوكّل ولا تتواكل، واعمل ولا تعجز، وكن عبدًا لله لا لهواك والكسل.

ـ حسن الظن بالله. ـ حين تضيق بك الأيام، وتتكاثر عليك الهموم، وترى الأبواب كلها مغلقة في وجهك، فاعلم أن الله لا يغلق بابًا أمامك إلا ليفتح لك غيره، ولا يمنعك شيئًا إلا ليعطيك خيرًا منه، ولا يبتليك إلا ليسمع صوتك وأنت تناديه، أنت يا انسان أمام اختبارين: إما أن تسيء الظن؛ فتعيش في ضيق وقلق وسخط، وإما أن تحسن الظن به؛ فترى حكمته في كل شيء وتذوق حلاوة الرضا والطمأنينة. يا صاحبي إن البلاء قد يكون نعمة في ثياب محنة... فكم من باب أُغلِق في وجهك، ولو فُتح لكان فيه هلاكك. وكم من أمنية تمنيتها ولم تتحقق، فتبين بعد حين أنها كانت ستشقيك. وكم من ألم ذقته، فطهرك من غفلة وأعادك إلى ربك، وكشف لك عن نفسك. إن سوء الظن بالله يجعلك تعيش في سجن من الهم، لا ترى إلا الجرح، ولا تشعر إلا بالحرمان. أما إن أحسنت الظن به سُبحانه، فسيفتح لك نافذة ترى بها أن ما فاتك لم يكن ليصلحك، وأن ما أصابك لم يكن ليضيعك. يا صاحبي تعامل مع أقدارك بإيجابية، وغيّر نظرتك لكل شيء، فلا تقف عند الألم، بل اسأل: ماذا يريد الله مني؟ كيف أخرج من هذا البلاء أقوى مما دخلت؟ حوِّل جُرحك إلى درس، وخسارتك إلى مكسب، والمحنة إلى منحة. وأُذكِّرك بقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ» الظن اختيار، والاختيار بين يديك. فإن ظننت الخير، أتاك الخير، وإن ظننت الشر، حُرِمتَ الخير، فأحسن ظنك بالله لترى من لطفه ما لم يكن في حسبانك، وتذكّر أن أمر المؤمن كله خير، إن إصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، والسّلام لقلبك.. ــــــــــــــــــــــــــــــــ صحيح ابن حبان، كتاب الرقائق، ذكر الإخبار عما يجب على المرء من الثقة بالله جل وعلا بحسن الظن في أحواله به، ٢/٤٠١، ح: ٦٣٣

ـ لماذا خلقنا الله عز وجل؟ ـ حين تسأل نفسك هذا السؤال، فاعلم أنك لم تكن أول من سأله، ولن تكون آخرهم. هذا سؤال البشرية منذ أن وجدت على هذه الأرض: لماذا نحن هنا؟ وإلى أين نمضي؟ وما الذي ينتظرنا بعد ذلك؟ وقد تكفل الله بالإجابة عن هذا السؤال في محكم تنزيله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [ الذاريات: 56] هذه هي الحقيقة الأولى: خلقنا الله لنعبده، ليس لأنه محتاج إلى عبادتنا؛ فالله غني عن العالمين، بل لأنه أراد لنا أن نصل إلى ما لا يصلح حالنا إلا به، وإلى ما لا تكتمل سعادتنا إلا بالوصول إليه. ثم فكّر في نهاية هذا الطريق، إن الله لم يخلقنا للعبادة فقط، بل جعل للعبادة ثمرة، وللطريق غاية، تلك الغاية هي الجنة، وفي الجنة من النعيم ما لا يخطر على قلب بشر، لكن ليس هذا هو أعظم ما فيها.. أعظم ما في الجنة أنك سترى ربك سترى الذي خلقك، وسترك، ورزقك، وعفا عنك، ستراه، فيتجلى لك، ويكلمك، ويرضى عنك، لحظة واحدة من هذا الرضا، تنسيك كل تعب الدنيا، كل دموعها، كل خيباتها، لأجل هذه اللحظة، خلقنا الله. فعِش من أجل هذه الغاية، حين تثقل عليك الطاعة، تذكر أنك تمشي إلى الجنة حين تغريك المعصية، تذكر أنك تخسر لقاء الله حين تتعب، حين تمرض، حين تبكي، تذكر أن كل هذا طريق، وأن المحطة الأخيرة تستحق. والله ما خلقنا عبثًا، وما تركنا سدى، لقد خلقنا لأمر عظيم، يستحق أن نحيا من أجله، ونموت من أجله، خلقنا لنعبده، ونصل إلى جنته، ونرى وجهه الكريم، فاجعل هذه الغاية بوصلتك، تعش أغنى الناس، وتسعد في الدنيا قبل الآخرة.

ـ خطر الفِكر النَّسَوي على كيان المرأة المُسلِمة. ـ حين نتأمَّل في مقاصد الشَّريعة السَّمحة، نجد أنَّها جاءت لِتصون كرامة المرأة، وتحفظ حُقوقها، وترفع من شأنها بعد أن كانت في الجَّاهليَّات القديمة والحديثة مهدرة الكرامة، مسلوبة الحُقوق، ولم يكن الإسلام بحاجة إلى حركات خارجيَّة تُذكِّره بقيمة المرأة، فقد أنصفها ربّها، وأكرمها نبيّها، وحدَّد الشَّرع لها حُقوقها وواجِباتها بما يُوازن بين فِطرتها ودورها في الحياة. ومع ذلك، ظهرت في العصر الحديث تيَّارات فِكريَّة غربيَّة تُقدِّم نفسها تحت شِعارات برَّاقة كالتَّحرُّر والمُساواة والتَّمكين، بينما حقيقتها اِنتزاع المرأة من أصلها واجتثاثها من دينها، وتجريدها من قِيمها، لتكون أداة طيعة في مشروع لا يخدمها، بل يبتلع كيانها. إذ أنَّ الخطر الحقيقي للفِكر النَّسَوي لا يكمُن في كونه يُنادي بحقوق المرأة، فالإسلام سبقه إلى ذلك، بل يكمُن في أنَّه ينطلق من مرجعيَّة غربيَّة تُخاصِم الفِطرة، وتعادئ الدِّين، وتُصوِّر الأُسرة قيدًا، والأُمومة عِبئًا، والحِجاب تخلُّفًا، والعلاقة الزَّوجيَّة ساحة صِراع لا سكنًا ومودَّة. لا يُريد أن يُحرِّر المرأة، بل يُريد أن يُحرِّرها من دينها أوَّلًا، ثُمَّ من أُسرتها ثانيًا، ثُمَّ من أنوثتها ثالثًا، لتغدو في النِّهاية كائنًا مُستلبًا، يظن أنَّه يعيش حُرِّيته، بينما هو في الحقيقة يسير وفق ما يُملى عليه من قوى لا تؤمن بهُويَّته ولا بقِيمه. فتسلَّلت هذه الأفكار إلى عُقول النِّساء باسم الدِّفاع عن حقوقهنّ؛ فإذا بِها تُحوِّل المرأة إلى سِلعة، وإذا بِها تهدم الأُسرة، وتوقع العداوة بين الزَّوجين، وتجعل من الأُمومة عائِقًا عن تحقيق الذَّات، كأنَّ تربية الأجيال ليست أعظم إنجاز يُمكن أن تُحقِّقه اِمرأة. وهكذا، تُصبح المرأة ضحيَّة الفِكر الذي اِدَّعى حمايتها، فتخسر دينها، وتفقد استقرارها، وتذوق مرارة التَّيه بين هُويَّة تخلَّت عنها، وأُخرى لا تنتمي إليها. ولعلَّ من أظهر الأدلَّة على فشل هذا الفِكر في تحقيق ما يعد به، هو انخفاض نسب السَّعادة بين النِّساء في المُجتمعات التي تبنَّت هذه الشِّعارات، ذلك أنّهن يعشن حياة تُعاكس فِطرتهن التي جُبِلن عليها.. فالمرأة التي خُلِقت لتكون سكنًا؛ صارت في صِراع. والتي خُلِقت لتكون أمًّا مُربِّية؛ صارت تبحث عن ذاتها في مكاتب العمل. والتي خُلِقت لتجد راحتها في بيتها وأُسرتها؛ صارت تجري خلف وهم الحُريَّة المزعومة. فمن أين تأتيها السَّعادة وهي تُحارب نفسها كل يوم؟ ومن أين يأتيها الأمان وهي تقتطع من رُوحها لتُلبِّي مطالب تتعارض مع جوهرها؟ إنَّ الإحصائيات التي ترصد تزايد الاِكتئاب والقلق والفراغ العاطفي عند المرأة الغربيَّة، لتؤكِّد أنَّ الطَّريق الذي سلكته هذه التَّيارات ليس طريق تحرُّر، بل طريق اِستعباد من نوع جديد، تستعبد فيه المرأة لسوق العمل، ولشركات التَّجميل، وللإعلام الذي يفرض عليها صورة لا تُشبهها. وقد جاء الإسلام بميزان دقيق، يجعل بين الرَّجل والمرأة تكامُلًا، فقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228] فالمرأة في الإسلام شريكة الرَّجل، ومشاركة له في المسؤوليَّة، ومُكمِلة له في أدوار الحياة، وهذا المِيزان هو ما يغيب تمامًا في الخِطاب النَّسَوي، الذي لا يرى في المرأة إلا جسدًا يجب أن يتحرَّر من كل قيد، أو عاملة يجب أن تخرج من بيتها لتشارك في السُّوق، بغض النَّظر عن مصلحتها الحقيقيَّة. ولا يكون الحل إلا بالعودة الصَّادقة إلى الفِطرة التي جُبِلت عليها المرأة؛ فاللَّه الذي خلقها، هو الذي حدَّد لها طريق سعادتها، وحين تعود المرأة إلى دينها، وإلى دورها الذي كرَّمها اللَّه به، وإلى أنوثتها التي أرادها اللَّه لها، فإنَّها ستجد الرَّاحة التي طالما بحثت عنها في كل مكان، وستكتشف أن السَّعادة لم تكن في تقليد غيرها، ولا في الرَّكض وراء السَّراب، بل كانت هُنا، في الفِطرة النَّقيَّة، وفي الدِّين القوِيم، وفي الحياة البسيطة المتوازِنة التي أرادها اللَّه لها.

ترقبوا إعلان إصدار كتاب مشروع أنثى مسلمة

ـ الجِّهاد الأكبر: جِهاد النَّفْس. ـ ثمَّة جهادًا يدور رحاه في داخل الإنسان كُلّ يوم، في خفايا نفسه، وفي خواطر قلبه، وفي نزوات شهواته، إنَّه الجِهاد الأكبر، كما سمَّاه العُلماء، حين رجع الصَّحابة من إحدى الغَزَوات، فقالوا: "رجعنا من الجِّهاد الأصغر إلى الجِّهاد الأكبر" قالوا: وما الجَّهاد الأكبر يا رسول اللَّه؟ قال: "جِهاد النَّفس" جيش عائد من مواجهة العدو، مُنهك البدن، منهُوك القوى، ومع ذلك يذكِّرهم النَّبي ﷺ أنَّ المعركة الحقيقيَّة لم تنتهِ بعد، بل هي مُستمِرة، وهي أشدّ وأعظم، لماذا؟ لأنَّ عدو الخارج تعرفه، تراه، تستعد له، أمَّا عدو الدَّاخل فمُستتِر، خفيّ، يتسلَّل إلى المرء من حيث لا يشعر، نفسه التي بين جنبيه، وشهواته التي تجري منه مجرى الدَّم، وضعفه البشري الذي لا ينفك عنه؛ فالجِّهاد الأكبر صراع دائِم لا يضع أوزاره حتَّى يلقى العبد ربَّه. وحقيقة هذا الجِّهاد أن تقف في وجه نفسك حين تأمرك بالسُّوء، أن تُخالف هواك حين يميل بك إلى الحرام، أن تصبر على الطَّاعة حين تشقّ عليك، أن تكف لسانك حين تشتهي الكلام، أن تغض بصرك حين يتطلَّع إلى ما لا يحل، أن تمنع يدك حين تمتد إلى ما ليس لها. كلّ هذه المعارك الصَّامِتة التي لا يراها أحد، هي الجِّهاد الأكبر، ولهذا كان المُجاهد الحقيقيّ هو من جاهد نفسه على طاعة اللَّه، وجاهدها عن معصية اللَّه، وجاهدها على الصَّبر على أقدار اللَّه. وقد كان السَّلف على وعي تام بهذا الجِّهاد، فكان أحدهم يحاسب نفسه على الوسوسة، ويحاسبها على الخاطِرة، ويحاسبها على النَّظرة، قال الحسن البصري رحمه اللَّه: "إنَّ المُؤمن قوَّام على نفسه، يُحاسب نفسه للَّه، وإنَّما خفّ الحِساب يوم القِيامة على قومٍ حاسبوا أنفسهم في الدُّنيا" فجِهاد النَّفس عندهم برنامجًا يوميًّا، وسلوكًا عمليًّا، وتربية مُستمِرة. كانوا يعلمون أنَّ من ترك نفسه بلا مُجاهدة، قادته إلى الهِلكة، وأنَّ من حاسبها في الدُّنيا، خف حسابه في الآخِرة، وإنَّ من أعظم ما يُعين على جِهاد النَّفس: العِلم بمكايدها، ومعرفة مداخل الشَّيطان منها، ثُمَّ اللُّجوء إلى اللَّه أن يعينك عليها، فإنَّك لا تستطيع أن تُجاهد نفسك وحدك، بل لا بُدّ أن تستمد القُوَّة من اللَّه، وتسأله أن يصرف عنك السُّوء والفحشاء. ومن أعظم ما يُثبِّتُك في هذا الجِّهاد: أن تتذكر دائمًا أن المُجاهد في سبيل اللَّه هو من جاهد نفسه أولًا، وأنَّ النَّصر على عدوِّك الخارجي مرهون بنصرك على عدوِّك الدَّاخلي، فمن انهزم أمام نفسه كيف ينتصر على غيره؟ ومن لم يضبط شهواته كيف يضبط زِمام الأُمور من حوله؟ فجِهاد المُسلم لنفسه ليس أمرًا هيِّنًا، ولا ينتهي في يوم، بل هو عُمر كامل من المُجاهدة والصَّبر والمُصابرة. لكن ثمرته عظيمة، وغايته شريفة، وعاقبته محمُودة؛ فمن جاهد نفسه في الدُّنيا، استراح في البرزخ، وأمن يوم القِيامة، ومن ترك نفسه وشهواتها، عاش في الدُّنيا عبدًا لهواه، ومات أسيرًا لذنبه، وندم حين لا ينفع النَّدم. فإمَّا جِهادًا في الدُّنيا ينتهي براحة الأبد، وإمَّا راحة في الدُّنيا تنتهي بِشقاء الأبد.

ـ الصَّدقة(ليس مالًا فقط). ـ إن الشرع الحكيم لم يحصر الصدقة في المال فقط، بل وسع دائرتها حتى شملت كل معروف، وكل بذل، وكل إحسان، ولو كان يسيرًا في أعين الناس، وقد بين النبي ﷺ هذا المعنى بأوضح بيان، حين قال: « كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» فتنوعت أبواب الصدقة في هذا الحديث، فشملت الإصلاح بين الناس، وإعانة المحتاج ببدنه، والكلمة الطيبة، والمشي إلى الصلاة، وإماطة الأذى عن الطريق، كل هذه الأعمال لا تحتاج إلى مال، بل تحتاج إلى قلب رحيم، ونفس معطاءة، وهمة عالية. ثمّ أن الكلمة الطيبة صارت صدقة.. إنها كلمة لا تكلفك شيئًا؛ لكنها قد ترفع مكسورًا، أو تفرج مهمومًا، أو تهدي حيرانًا، أو تؤلف قلبًا نافرًا. وكذلك إماطة الأذى عن الطريق، عمل قد يراه الناس بسيطًا، لكنه في ميزان الله عظيم؛ لأنه يجسد معنى المسؤولية تجاه الآخرين، ويجعل المسلم مصدر خير حيثما حل. وكذلك المشي إلى الصلاة، الذي هو قربة إلى الله، جعله النبي ﷺ صدقة، ليؤكد أن كل عمل صالح، مهما كان صغيرًا، هو في حقيقته صدقة تؤجر عليها. بل إن الصدقة تتسع حتى تشمل ما هو دون ذلك، ففي الحديث: «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ» الابتسامة وحدها صدقة، إنها أبسط ما يمكن أن تقدمه، لكنها في الوقت نفسه من أعظم ما يؤثر في النفوس؛ تمسح تعبًا، وتزيل وحشة، وتبعث طمأنينة في قلب من يلقاك، فالصدقة إذن ليست محصورة في الدرهم والدينار، بل هي مفهوم شامل لكل معروف، تجعل من حياتك كلها ميدانًا للصدقة: بلسانك، ويدك، ووجهك، وخطواتك، وسعيك على أهلك، ونفعك لجارك، وإصلاحك بين الناس. فلا تقل: لا أملك مالًا فأتصدق، بل انظر كم معروفًا تستطيع أن تصنعه في يومك، عندها ستعلم أن أبواب الصدقة مفتوحة على مصراعيها لكل أحد، وأن الفقير والمحتاج بماله، قد يكون أغنى الأغنياء بقلبه وعمله وخلقه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من أخذ بالركاب ونحوه، ٤/٥٦، ح: ٢٩٨٩ ـ صحيح ابن حبان كتاب البر والإحسان، ذكر كتبة الله جل وعلا الصدقة للمسلم بتبسمه في وجه أخيه المسلم ٢/٢٢١، ح: ٤٧٤

ـ أهميَّة التَّفكُّر في خلقِ اللَّه. ـ حين ينظر الإنسان إلى السَّماء المرفوعة بغيرِ عمد، وإلى الأرض المبسُوطة المُمهَّدة، وإلى اللَّيل والنَّهار يتعاقبان بنظام دقيق لا يختلّ ولا يتوقَّف، وحين يتأمَّل في نفسه هُو، في دقَّات قلبه، وفي نبض عروقه، وفي عمل أجهزته التي لا تنام، يجد نفسه أمام حقيقة واحدة لا مفرّ منها: أنَّ لهذا الكون خالقًا عظيمًا، حكيمًا، قادرًا. وهذا هو الطَّريق الذي سلكه إبراهيم عليه السَّلام، حين لم يركن إلى ما عليه قومه، بل استخدم فطرته وعقله، وتأمَّل في ملكوت السَّماوات والأرض؛ فاهتدى بهذا التأمُّل إلى الإيمان باللَّه الواحد الأحد، وترك ما كان عليه قومه من عبادة الكواكب والأصنام، وما زال هذا الباب مفتوحًا لكل إنسان؛ فكم من أُناس عاشوا في بيئات لا تعرف اللَّه، أو نشأوا على الإلحاد، فلما تأمَّلوا في هذا الكون، ورأوا دِقَّة الصُّنع، وإحكام النِّظام، وبديع الخلق، أدركت عُقولهم أنَّ هذا كُلَّه لا يمكن أن يكون صدفة، ولا يمكن أن يكون بلا مُوجد؛ فعادوا إلى فطرتهم، وأسلموا للَّه، بعد أن أزاح التَّفكُّر عن قلوبهم غبار الغفلة، وصدأ التَّقليد. وهذا هو معنى قوله تعالى:﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53] فالتَّفكُّر إذن منهج عقلي يقود إلى اليقين. وحين يتحول التَّفكُّر إلى عادة دائِمة في حياة المُسلم، يصبح أكثر تعظيمًا للَّه، وأكثر خشية منه؛ لأنَّه يرى آثار قدرته في كل شيء حوله. في السَّماء، في الطَّير، في الجِبال، في النَّبات، في الماء، في نفسه هو، وكُلَّما ازداد تفكُّرًا، ازداد يقينًا، وازداد قربًا؛ فتتحوَّل عبادته إلى حالة قلبيَّة دائِمة، يبقى فيها قلبه معلَّقًا باللَّه، يذكره في كل مشهد، ويُسبِّحه عند كل آية من آياته في الكون.

الغِيبةُ والنَّمِيمة.. ذنوبٌ تُفسِدُ القلوبَ قبلَ المجالس. كم من علاقةٍ هدمتها كلمة، وكم من قلبٍ أُوجِع بسبب حديثٍ قيل في غياب صاحبه!. فالغيبة والنميمة ليستا مجرد كلماتٍ تُقال، بل ذنوبٌ تُثقِل الميزان، وتزرع البغضاء، وتُطفئ نور الإيمان من القلب إن لم يتب صاحبها. فالغيبة هي أن تذكر أخاك بما يكره في غيبته، وقد بيَّنها النبي ﷺ بقوله:《 أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ ، قِيلَ : أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ ؟ قَالَ : " إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ 》 وأما النميمة فهي نقل الكلام بين الناس على وجه الإفساد وإشعال العداوة، وقد قال النبي ﷺ: 《لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ》 ولشدة قبح الغِيبة، شبَّهها الله تعالى بأبشع صورة، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة الحجرات: 12]. وقال تعالى في ذم النميمة والطعن في الناس: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [سورة القلم: 11]. فلنحفظ ألسنتنا، فإن الكلمة قد تُقال في لحظة؛ لكنها تبقى أثرًا في القلوب، ويُسأل عنها العبد يوم القيام، ومن أراد سلامة قلبه، فليشتغل بعيوب نفسه، وليدع أعراض الناس مصونةً كما يحب أن يُصان عرضه. اللهم طهِّر ألسنتنا من الغيبة والنميمة، وقلوبنا من الحقد، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. ____ صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الغيبة، ٨ /٢١، ح: ٢٥٨٩ صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم النميمة، ج١/٧٠، ح: ١٠٥

ـ أثر المعاصي على القلب. ـ إن القلب هو محل نظر الله من العبد، وموطن الإيمان والتقوى، ومستقر الخشية والإنابة، ولهذا كانت عناية الشريعة به بالغة، تحذره مما يفسده، وترشده إلى ما يصلحه، وتنبهه إلى أن صلاح الجسد كله مرتبط بصلاح هذه المضغة الصغيرة، فقال النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» فإذا كان هذا شأن القلب، فإن كل ما يطرأ عليه من أثر، سواء أكان خيرًا أم شرًا، ينعكس على المرء في سلوكه ومشاعره وعلاقته بربه. وإن من أعظم ما يفسد القلب ويمرضه: المعاصي. ذلك أن المعصية لا تمر على القلب مرورًا عابرًا، بل تترك فيه أثرًا باقيًا، يتراكم مع مرور الأيام حتى يطمس نوره، ويُذهِب صفاءه، ويُثقله عن الطاعة. وقد صور النبي ﷺ هذا الأثر تصويرًا دقيقًا، فقال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةً سَوْدَاءَ فِي قَلْبِهِ ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ سُقِلَ مِنْهَا قَلْبُهُ ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى يَعْلَقَ بِهَا قَلْبُهُ فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» فتأمل كيف تبدأ المعصية بنقطة سوداء صغيرة، لا تكاد ترى، ثم إذا تكرر الذنب دون توبة، زادت هذه النقطة وامتدت، حتى تصبح غلافًا يغطي القلب كله، فلا يعود يبصر الحق، ولا يتأثر بالموعظة، ولا ينتفع بآيات الله، وهذا هو الران، وهذا هو الخطر الحقيقي للمعاصي. وأول ما يصيب القلب بسبب الذنوب: قسوة لا يشعر معها صاحبها بلذة الطاعة، ولا يجد في نفسه تأنيبًا على معصية. فالمعصية تجر أختها، والقسوة تلد غفلة، والغفلة تنتج إعراضًا، حتى يصبح المرء لا يبالي: أصلى أم لم يصل؟ أذكر الله أم غفل عنه؟ أطاع أم عصى؟ وحينها، يفقد القلب وظيفته التي خُلق من أجلها، وهي معرفة الله ومحبته والأنس بقربه. ثم إن المعاصي تميت في القلب خاصية الاتعاظ؛ فتمر بالمرء المواعظ، ويسمع الآيات، ويحضر مجالس الذكر، ولكن قلبه لا يتحرك، وعينه لا تدمع، وجوارحه لا تنقاد. لماذا؟ لأن الذنوب تراكمت فصنعت حاجزًا سميكًا بينه وبين الفهم عن الله. قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: 13] فالقسوة لم تكن عقوبة أولية، بل كانت نتيجة طبيعية لنقض الميثاق والإعراض المتكرر. وهكذا شأن كل مذنب مصرّ: يبتعد قليلًا قليلًا عن الله، حتى يجد نفسه في ظلمة لا يهتدي فيها. ولا يقف أثر المعاصي عند هذا الحد، بل يتعداه إلى إذلال صاحبه في الدنيا قبل الآخرة. فالطاعة تورث العز، والمعصية تورث الذل، ليس ذل الفقر أو ضعف الجاه، بل ذل النفس، ذل الشعور بالهوان، ذل فقدان الكرامة الداخلية التي يمنحها الله لأهل طاعته، تجد المذنب مكسور الجناح، لا يشعر بقيمته، ولا يثق في نفسه، ولا يمشي بين الناس إلا وعليه غبرة الذنب. وقد أحسن من قال: "من عصى الله وهو يعرفه، سلبه الله نور المعرفة، وجعله أسير ذل المعصية" ثم إن من أشد آثار الذنوب على القلب: حرمان لذة المناجاة، وفقدان الأنس بالطاعة؛ فالمصلي الذي امتلأ قلبه بالذنوب، يقوم إلى صلاته ببدن ثقيل وروح غافلة، لا يجد فيها راحة ولا سكينة. والتالي للقرآن إن كان مصرًا على ذنب، يقرأ الحروف ولا يتجاوز لسانه، ولا تنفذ معانيها إلى قلبه، ذلك أن الذنوب تسد على العبد أبواب الفهم عن الله، وتحرمه أعظم لذة في الدنيا، وهي لذة القرب من الله، ولهذا كان السلف يقولون: "إن كنت تجد من صلاتك راحة، ومن قرآنك أنسًا، فاعلم أن قلبك سليم. وإن كنت لا تجد ذلك، ففتش في عملك، فإن في قلبك داء" وإذا أدركت هذا كله، علمت أن المعصية سهم يصيب القلب، يضعفه، ثم يمرضه، ثم يميته. وأن التوبة هي دواء لا بد منه لصقل القلب من نكت الذنوب، وإعادته إلى نقائه الأول، فكلما أذنبت، فبادر بمسح تلك النكتة السوداء بالتوبة الصادقة، والاستغفار الصادق، والعمل الصالح الذي يمحو الأثر. ولا تؤجل، ولا تسوف، فإن النكتة الصغيرة إن لم تُمح، كبرت، وإن كبرت، غطت القلب كله، فاختر لنفسك: إما قلب صقيل بالتوبة، وإما قلب مطموس بالذنوب، ولكل وجهة هو موليها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه ١/٢٠، ح: ٥٢ ـ المستدرك على الصحيحين، كتاب التفسير، المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه ٢/٥١٦، ح: ٣٩٣٠