وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يرحم الله زكريا وما كان عليه من وراثة ماله, ويرحم الله لوطاً إن كان ليأوي إلى ركن شديد». وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب, حدثنا جابر بن نوح عن مبارك هو ابن فضالة, عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رحم الله أخي زكريا ما كان عليه من وراثة ماله حين قال: هب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب» وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح, والله أعلم. وقوله {واجعله رب رضي} أي مرضياً عندك وعند خلقك, تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه.
** يَزَكَرِيّآ إِنّا نُبَشّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَىَ لَمْ نَجْعَل لّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً
هذا الكلام يتضمن محذوفاً وهو أنه أجيب إلى ما سأل في دعائه, فقيل له: {يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى} كما قال تعالى: {هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء * فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين} وقوله {لم نجعل له من قبل سمي} قال قتادة وابن جريج وابن زيد: أي لم يسم أحد قبله بهذا الاسم, واختاره ابن جرير رحمه الله.
قال مجاهد {لم نجعل له من قبل سمي} أي شبيهاً, وأخذه من معنى قوله {فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمي} أي شبيهاً, وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي لم تلد العواقر قبله مثله, وهذا دليل على أن زكريا عليه السلام كان لا يولد له, وكذلك امرأته كانت عاقراً من أول عمرها, بخلاف إبراهيم, وسارة عليهما السلام, فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق لكبرهما لا لعقرهما, ولهذا قال {أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون} مع أنه كان قد ولد له قبله إسماعيل بثلاث عشرة سنة, وقالت امرأته {يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا يعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب * قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد}.
** قَالَ رَبّ أَنّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبّكَ هُوَ عَلَيّ هَيّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
هذا تعجب من زكريا عليه السلام حين أجيب إلى ما سأل وبشر بالولد, ففرح فرحاً شديداً, وسأل عن كيفية ما يولد له والوجه الذي يأتيه منه الولد, مع أن امرأته كانت عاقراً لم تلد من أول عمرها مع كبرها, ومع أنه قد كبر وعتا, أي: عسا عظمه ونحل, ولم يبق فيه لقاح ولا جماع, والعرب تقول للعود إذا يبس: عتا يعتو عتياً وعتواً, وعسا يعسو عسواً وعسياً, وقال مجاهد: عتيا يعني نحول العظم, وقال ابن عباس وغيره: عتيا, يعني الكبر, والظاهر أنه أخص من الكبر.
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب, حدثنا هشيم, أخبرنا حصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: لقد علمت السنة كلها غير أني لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر أم لا, ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف {وقد بلغت من الكبر عتي} أو عسيا, ورواه الإمام أحمد عن سُريج بن النعمان وأبو داود عن زياد بن أيوب كلاهما عن هشيم به, {قال} أي الملك مجيباً لزكريا عما استعجب منه {كذلك قال ربك هو علي هين} أي إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها, {هين} أي يسير سهل على الله, ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه, فقال {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئ} كما قال تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكور}.
** قَالَ رَبّ اجْعَل لِيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلّمَ النّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً * فَخَرَجَ عَلَىَ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً
يقول تعالى مخبراً عن زكريا عليه السلام أنه {قال رب اجعل لي آية} أي علامة ودليلاً على وجود ما وعدتني, لتستقر نفسي ويطمئن قلبي بما وعدتني, كما قال إبراهيم عليه السلام {رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} الاَية {قال آيتك} أي علامتك {أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سوي} أي أن تحبس لسانك عن الكلام ثلاث ليال, وأنت صحيح سوي من غير مرض ولا علة, قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتادة وغير واحد: اعتقل لسانه من غير مرض ولا علة. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان يقرأ ويسبح ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة.
وقال العوفي عن ابن عباس {ثلاث ليالٍ سوي} أي متتابعات, والقول الأول عنه وعن الجمهور أصح, كما قال تعالى في آل عمران {قال رب اجعل لي آية قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار} وقال مالك عن زيد بن أسلم {ثلاث ليال سوي} من غير خرس, وهذا دليل على أنه لم يكن يكلم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها {إلا رمز} أي إشارة, ولهذا قال في هذه الاَية الكريمة {فخرج على قومه من المحراب} أي الذي بشر فيه بالولد {فأوحى إليهم} أي أشار إشارة خفية سريعة