fa
Feedback
Hussein.A.Salim

Hussein.A.Salim

رفتن به کانال در Telegram

وَنَحنُ نُرَجّي الخُلدَ إِنْ فازَ قِدحُنا.. وَنَرهَبُ قِدحَ المَوتِ إِنْ جاءَ قامِرا..

نمایش بیشتر
کشور مشخص نشده استدسته بندی مشخص نشده است
261
مشترکین
اطلاعاتی وجود ندارد24 ساعت
اطلاعاتی وجود ندارد7 روز
-630 روز
آرشیو پست ها
«إنّني لأرى في مكان ذاك الاختلاق لتاريخ واحد ضيق كالخط؛ تاريخ من غير المستطاع الحفاظ عليه، إلّا إذا ما أغمض المرء عينه عن جمهرة هائلة من الحقائق، أقول: إنّني لأرى بدلًا من ذاك الاختلاق؛ تراجيديا تتألَّف من عدد حضارات جبّارة، تنبجس كلّ حضارة منها بقوَّة بدائيّة من تربة الإقليم الأمّ، حيث تبقى مشدودة إليه برسوخ وثبات طيلة دورة حياتها. وتطبع كلّ واحدة منها مادَّتها، وجنسها البشريّ، وصورتها الخاصة بطابعها. ولكلّ واحدة من هذه الحضارات: فكرتها، وعواطفها، وانفعالاتها الخاصة، وإرادتها، وموتها الخاص بها. وهنا يوجد حقًا ألوان وأضواء وحركات لم تكتشفها أيّة عين فكريّة بعد، وهنا تزدهر الحضارات والشعوب واللُّغات والحقائق والآلهة والأصقاع، وتهرم وتشيخ، شأنها في ذلك شأن أشجار البلوط والصنوبر والزَهر».
– اسوالد شبنغلر| تدهور الحضارة الغربيةج١-ص٦٨

هذه الصورة تفوق في جمالها جميع لوحات كارافاجيو، وتتعدى بدلالاتها البهيّة رمزية غوستاف مورو وكلّ مبدعي العالم!
هذه الصورة تفوق في جمالها جميع لوحات كارافاجيو، وتتعدى بدلالاتها البهيّة رمزية غوستاف مورو وكلّ مبدعي العالم!

في الوقت الراهن، يبذل المأخوذون بالأمة المُتخيّلة جهودًا خطابيّة للاستنقاص من مظاهر الاحتفاء بتلك الأصول، وهي تبدو ضالتهم الوحيدة بعدما تداعت مشاريعهم تحت وطأة القمع والمصادرة، إذ لم تتوانَ الأيدي النبيلة عن تصفيتهم معنويًا وماديًا، لتبقى بعض مخلفاتهم تسعرُ لاهثةً للتعويض عمّا فقدتهُ في طلب المُحال.

تعلق المرء بماضيه الوثنيّ لا يستلزم تطابقًا هُوياتيًا بذلك الماضي، فكلّ حضارة آفلة تفرض قطيعة مع ما يعقبها بالضرورة، بما فيها الحضارات القريبة زمنيًا، والتي تودع بحكم قربها تركة ثقافيّة يُعرف الشعوب أنفسهم عبرها. فالوثنيّة بصفتها الجذر الأعمق للأمم؛ تُشكل رمزًا لا مناص من الرجوع إليه في إيعاب مفهوم القوميّة واستبطان وجودها الطبيعيّ. لأنّ كلّ ما يأتي بعدها لا يعدو من كونه تمظهرات وتكيفات للأصول الأولى، والتي تأخذُ صيغًا أنثربولوجيّة مُختلفة على مسار التاريخ، وما التعويل عليها دونًا عن الجوهر الوثنيّ؛ إلّا انحطاط لا يُمكن مداهنته. إنّ روح القوميّة تتجاوز جزئيات الزمن التي تخلق مُجتمعةً مسارها، لأنّها ترتبط بما هو أكثر رسوخًا، ونعني الأرض، الإقليم الجيوفيزيقيّ، والذي يبدو ثابتًا أمام كلّ الدورات الحضاريّة البازغة بين شعابه.

في معرضِ حديثنا عن فلسفة اللغة لدى فتغنشتاين، وأزمات الكِتابة التي تعترك مدونات الشَّباب؛ قلتُ لصديقي ذات مرة: أتعلم أكثر ما يلفتني حينما أقرأ مقالاتي القديمة، وتحديدًا تلك المكتوبة منذُ ما يزيد عن النصف عقد؟ عادةً معظمنا يستهجن الأفكار التي تُدون سابقًا، وهذا معلوم، غير أنّ الفكرة الواردة ليست تثير حفيظتي، لأنّها كثيرًا ما تصدرُ من مبدأ متعالي عن التغيُّرات التي أمر بها. رمقني مستفهمًا بعدما شهق سيجارتهُ: إنّه الأسلوب اللغويّ إذن، جميعنا نمر بهذهِ الحالة تقريبًا، ماذا عساهُ أنْ يكون سوى ذلك؟ رددتُ بنبرةٍ جهورة: لا، بل ما يجعلني أسخر مما كتبتهُ؛ تساؤلٌ أطرحهُ على نفسي دائمًا، ألا وهو: ما الداعي من كتابة المقال الفُلاني أساسًا؟ لأنّ الفكرة والأسلوب ليسا الوحيدينِ اللذينِ يمنحانِ غاية معتبرة للكتابة، إنّما نوعية الموضوع المُختار، وغائيتهُ لدى الكاتب يسبق بالضرورة ما يتولدُ أثناء الكِتابة ذاتها، فاستفهامي عن "الداعي" قبل كلّ شيء؛ هو سؤال يحاول استنباط غائية الموضوع واستحقاقه الفعلي لأن يكون في مدونة المقال أو النص أو سمه ما شئت. وهذا الأخير بالحقيقة ينطوي على العديد من الأوهام التي تكالبت على ألباب الأجيال الحديثة وحتّى المعاصرة، وأبرزها طبعًا ما يتشدقونَ بهِ بـ"الفكر الحر"، الذي يمنحُ أهمية مضخمة لإرهاصات الذهن وتصوراته. حيث يبدو على ضوءه أنّ مردّ معظم الاندفاعات الشبابيّة في الكتابة إلى ما تصنعه هذه الأوهام على ذهنِ صاحبها-المِندفِع-فهي كفيلة بأنْ تُرديهِ منبهرًا بأناهُ وبعقله المحدود، للحد الذي تُنسيه عجزه بل وتُخدره تحت شعارات العقلانيّة العلميّة وما شابهها من فقاعات التنوير، ليظن جراءها بأهمية نتاجه المعرفيّ، ورؤاه "المبتكرة" فيما يروم ويقصد. وأزمة هذا النوع من التشبع الإيهامي للذات، هو في مآلاتهِ لا في التصور نفسه، إذ يقود بشكل أو بآخر إلى الإغراق بالآنية، والقطيعة النسبيّة مع الميراث الفكريّ البشريّ، كونهُ يُقدم الأصالة للأنا المفكرة على أي شيء آخر، وبالتالي يُعدُ المعنيّ بهِ في هذا المقام: كائنًا ثرثارًا أكثر من كونه محصلًا للمعرفة ومُدرك لمواطنِ نقصه، ذلك أنّ الفرد المُتخَم بمفاهيم التنوير قلّما بالحقيقة يُسائل ذاته أو يُقارنها بالمعرفة البشريّة أو الإلهيّة التي تفوقه.

«كثر بينكم يحبون التحدث عن الحرية والتحرر، لكن من يتحرر عندكم؟ وعن حرية من تتحدثون؟» – نيكولاي بيردياييف| فلسفة اللامساواة

photo content

فالديمقراطيّة بحكم طبيعتها، تخلق عقليّة النهب قصير الأمد، لأنّها تفصل بين الملكيّة والمسؤوليّة. وهي تتماثل بهذا مع ناخبيها الذين ترزح أقصى آمالهم تحت المنافع المُباشرة. ولذلك نرى أنّ هنالك هوس من قبل المسؤولين بشأن الوعود المُتعلقة بالخدمات، فهي أكثر ما ينتظره عامّة الشعب من حاكميهم، لأنّ شرعية الحكم من الأصل منزوعة الوقار، وليست لها قيمة مستقلة عن الرعية، فالهيراركيّة النبيلة التي شيدت الدول لم تعد موجودة! في الحالة العراقيّة نجدُ شواهدًا شاخصة على ما قلناه، بلحاظ أنّ سقف التفضيل الزمنيّ يتضح مرتفعًا للغاية بيننا، خصوصًا وأنّ ديمقراطيتنا لم تتولد بعد مخاض طبيعيّ، بل هي تُعدُ منعطفًا طارئًا داخل مسار أوتقراطيّ منذُ أواخر الخمسينيات. في العراق، يحظى عدد من أرباب السلطة بمناصرة جماهيريّة، مردّها بشكل أساسي إلى تعيينات الوظائف التي يمنحوها، بالإضافة إلى بعض إسهامات البُنى التحتيّة، مثل تبليط الشوارع وبناء الجسور وغيرها، دون العبأ بما ينطوي عليه أمر هذا السياسيّ ومآلات حكمه الإجماليّ على مستوى الدولة. فمثلًا: شخص مثل نوري المالكي، يقارب بمستواه السياسيّ الحثالة أو يكاد، ما زال يتمتع إلى الآن ببعض التأييد الشعبيّ، رغم ما حصل في فترة حكمه كرئيس للوزراء من كوارث اقتصاديّة وأمنيّة، بمقدمتها فقدان مناطق واسعة من العِراق على يد العصابات الإسلاميّة، علاوةً على تبدد مخصصات الاستثمار مرات عديدة، سيما في موازنة ٢٠٠٨. والمُفارقة أنّ مبررات تأييده معظمها ترتبط بالتفضيل الزمنيّ، كتعيينات الوظائف، وبعض محاولات بسط الأمن فترة الحرب الطائفيّة، وما إلى ذلك من الفوائد الوقتيّة. مع تناسي ما ارتبط به ومنه طيلة المدة التي حكم فيها، وهو وباقي أفراد حزب الدعوة ( سيء السمعة).

في كلّ دورة انتخابيّة تمر على نظامنا الراهن، يهمني دائمًا بجانبِ المستجدات السياسيّة، متابعة حركة الجماهير وتوجهاتها مع قرب الانتخابات. فعبرها يُمكن تقصي الكثير من الوقائع الجارية، بما فيها ميول الأحزاب الحاكمة ومقدار نفوذها داخل السلطة، باعتبار أنّ الشعب في العملية الديمقراطيّة يمثلُ وقودًا للكُتل المنخرطة ضمن الترشيح الانتخابيّ، ولذلك لا بدّ من فهم مزاجه العام عن كثب ومقاربته مع الدعاية الانتخابيّة. من المُلاحظ في جميع الدورات أنّ هناك ردود فعل متكررة عبر الزمن، تكشف في أعماقها عن نفورٍ شعبيّ من فكرة الانتخابات نفسها، وموجة رفض عام لقوائم المرشحين وبرامجهم المزعومة، وهي لا تُعبر كما يُظنُ عن مُشكلات تتعلق بنوعية الدعاية المُقدمة، بل للأمر صلة بالعملية الديمقراطيّة التي تقفُ طرفًا مضادًا لطبيعة العراقيين واحتياجاتهم. فالنظام الذي منحه إيانا بول بريمر لم يكن غير تأسيس لحكومة وظيفيّة، مفرغة من مفهوم السيادة، حيث لا تمتلك أدنى المقومات في إدارة مقدراتها، ولعلّ في عائدات النفط مثالًا شاخصًا على تردي هذه الدولة، إذ تُودع كلّ هذي العائدات الاقتصاديّة في البنك الاحتياطي الفيدرالي، تحت وصاية أمريكيّة صرفة، في حالة قلّ مثيلها بالسياسة الدوليّة! وبالتالي، فإنّ القطيعة التي يبنيها الفرد مع السلطة، بناءً على ما سبق؛ تبدو معقولةً جدًا، سواءً من حيث الثقة بمؤسساتها، أو الانتماء الفعليّ لنظامها الحاكم. كونها لم تستطع إلى حد اللحظة أنْ تستميل الشرعيّة في نفوس مواطنيها-وإنْ أقروا بشرعيتها الشكليّة-فالعراقيّ ما زال ينظر لها بازدراء حينًا، وانتهازيّة في أحيان أخرى، رغم مضي أكثر من عشرين عام على قيام أوَّل مجلس انتخابيّ لها. ذلك أنّ حتّى الأصوات الانتخابيّة التي تضفي طابعًا مقبولًا عليها؛ لا تُعطى معظمها كنتيجة للإيمان بمشروع الدولة، أو تأييد لسياسات معينة تتبناها الأحزاب، إنّما تُدلى في العادة لتحقيق مصالح الناخب الخاصة، والتي وعده بها السياسيّ المُرشَح، وأكثرها يرتبط في الواقع باحتياجات آنية، قد تصل بعض المرات إلى لذات يوميّة عابرة! ربّما يبدو أنّ الإشكال كامن في الجماهير العراقيّة وسوء خياراتها، عن طريق صناديق الاقتراع التي تُحدد مصائرهم، بينما الواقع السياسيّ له قولٌ آخر، فالخلل الأكبر يقع على عاتق الديمقراطيّة بوصفها نظامًا سياسيًا، وكذلك على الإرادة الخارجيّة التي فرضت هذه الصيغة الهجينة، والمُتماهية مع المآرب الشخصيّة للمواطنين على حساب مصلحة الدولة. يذكرني ذلك بما طرحه هانز هوبه في مؤلفهِ «الديمقراطيّة: الإله الذي فشل» حيث تطرق لميل الفرد تحت وطئة الديمقراطيّة إلى التفضيلات اللحظيّة مُقابل الخيارات بعيدة الأمد، الشيء الذي يتناغم مع طبيعة السياسيّ البرلمانيّ والمنافع القريبة التي يوهبها. يستعير هوبه في هذا السياق مفهوم "تفضيل الزمن" (Time Preference) من المدرسة النمساويّة للاقتصاد، ومن ثم يطبقه على السياسة، ويعني به تفضيل المنفعة الحالية على المستقبليّ منها، إذ كلّما زاد تفضيل الزمن، ارتفع الميل إلى الاستهلاك الفوريّ على حساب الادخار أو الاستثمار طويل الأجل. نفس الأمر ينطبق على السياسيّ المُنتخَب ديمقراطيًا، والذي يمتلك الحق في استغلال موارد الدولة تبعًا لمدة تبوأه للمقعد الحكوميّ، ممّا يدفعه إلى زيادة معدل تفضيل الزمن السياسيّ، أي التركيز على الأرباح القصيرة المدى حتّى لو أضرّ ذلك بمستقبل البلاد.

واحدة من الاهتمامات التي اكتشفتها منذُ أعوامٍ قريبة، هي المزج الفنيّ، الذي يُعرف موسيقيًا بـ(sound collage). فعبر استخدامي المتكرر للساوند كلاود-برنامج الصوتيات المعروف-وجدتُ العديد من الأعمال المُبهرة في داخله، والتي قد عمل عليها رواد الذائقة الغنائيّة وأجادوا صنيع الكثير منها. فُتنت حينذاك بفكرة المزج-سيما وإني ممّن يمتلكون خزينًا سمعيًا لا بأس بهِ-ولذا، لم أتوانَ عن الشروع بها في أيّامِ فراغي، حيث أتممتُ الكثير من القِطع الفنيّة، تجميعًا وصُنعًا. بعضها كان يروق لي تمامًا، والبعض الآخر لم يرضني بعض الشيء، لتلكؤات وعيوب لم أعي تجنبها وقتئذٍ، معظمها كانت تقنيّة. بالعموم، المقطع المُرفق أعلاه قد نشرتهُ قبل أشهر في قناتي الأخرى، وهو باعتقادي من أجود أعمال المزج التي قمتُ بها، سواءً من جهة التناسق الجماليّ ما بين عناصر العمل، أو باختيار الموضوعات الخاصة بها، والتي استلهمتُ أغلب مضامينها من غاستون باشلار، بما فيها العنوان الذي يحمل اسم إحدى مؤلفاتهِ.

ينبغي لنا انطلاقًا ممّا أوردناه: أنْ نميز ما بين التغير بوصفهِ مسارًا ضمن الصيرورة الطبيعيّة، وما بين ذاك التهافت الذي يُنوط بالثناء، فشتان بينهما.

إنّ ثبات القول لدى الأشداء مَردُّه لا لصدق مُتبنّاهم فحسب، فهذا قد يتأتّى في ذُروةِ تبدُّلاتِ المرء وتَقلُّباته، أي من جهة التسليم بصدق التبنّي. إنّما الأمر يبدو أقرب للتعبير عمّا يتَّصِف به الإنسان من اعتدادٍ بالنفس واستغناء عن سواها! لأنّ مُتَبَنّياتنا-كما جرت العادة-تجتاز التجريد التأمُّليّ، كونها تشمل ما نكتنفه من حاجات تقبع خلف الاعتقاد. غير أنّ معنى الحاجة هنا يمتنعُ تطابقهِ على حدٍ سواء بيننا، فبالنسبة لمن تتوسمُ سحنتهُ بالثبات؛ تتماشى الحاجة لديهِ مرفقةً بعوالي غايات النفس، مِمّا تُذكي شُعلةَ تمسكهِ بها، فتغدو حاجتهُ بَعيدة الأمدِ بُعدَ اِنقضاءها، ولذلك يتراءى قوله صلبًا لا تُميّعهُ الحادثات أو يُلوثهُ ما هو خارج عنه، باعتباره-أي القول-يحكي عن نفس الثابت قبل أي اعتباراتٍ أخرى. وليس مُراد هذا؛ الإشارة إلى رفضهِ كلّ صيرورة واردة، بل العكس: إنّ التماهي معها مفروغٌ منه، إذ تُعدُّ طريقًا لتذليل عوائق السعي، لكنّها بحقيقة الحال لا تناهز غاية السعي ذاته! وعلى خلافهِ: يتوطنُ هزيل النفسِ الصيرورات بصفتها وجودًا له، فحاجة هذا الأخير سريعة التبدُّد، لأنّها منزوعة الصلة الحقّة بالنفس، وبالتالي قليلة الأهميّة، لا لأنّ صاحبها غير صادق في مبناه وقوله، لكنّها تتعلّقُ بما هو ظرفيّ أكثر.

هناك أنواع شتى لهذا الإسقاط النفسيّ، أكثرها نزقًا وعنفًا هو ما يتصل بهوس الأمان، وما ينتج عنه من تنامي شعور الرهاب المتواصل؛ الشيء الذي يُحيل المُصاب بهِ إلى كائن يهجس التآمر ضده في أبسط تفاصيل الحياة، ليستهل على إثره الاتهامات المُختلفة، الواحدة تلو الأخرى. وهذا بالحقيقة إسقاط عصابيّ، نلحظه عند مرضى البارانويا، وكذلك على مستوى جماعيّ لدى الجماعات المهمشة تاريخيًا، مثل الأقليات العِرقيّة والإثنيّة التي لم تحظَ بفرصٍ تُناهز مراكز القوى، ولذلك نراها تجنح إلى إسقاطاتٍ عصابيّة تحاكي مستوى الضعف المتلبس بها، والذي مردّه أغلب الظن إلى بساطة هُويتها ووجودها، وما يترتب عليه من ضيق الخيارات المتكافئة مع المُقابِل. ثمّة صنف آخر من الإسقاطات، يُدعى الإسقاط التكميليّ (Complementary) يقوم على المماثلة والبحث عن التكامل، فمن يمارسه يفترض دائمًا تطابقًا ينسجمُ مع توقعاته الخاصة، بحيث يبدو قرينه مرآةً عاكسةً له. وذلك يمكن التماسه بصورة واضحة في العلاقات الحميميّة، إذ يميل الفرد في هذهِ الحالة إلى تخيُّل الآخر كتوأمٍ له، يشعر بما يشعر، ويفكر حسبما يفكر، فهو ينتشي بالتشابه، ويتهاوى عند أي مفترق اختلافٍ أو رفض طبيعيّ، لأنّه يستمد شرعية وجوده عبر التماثل المُتخيَّل! ذلك أنّ الإخلال بهذا الأخير يعني استدعاءً صريحًا للتُهم الجاهزة، التُهم التي يُسقِط خلالها الأصحاب والعشاق أهواءهم الوهميّة. أما الإسقاط الثالث، ربّما يختلف بعض الشيء عن الأنواع المذكورة، كونه أكثر الإسقاطات شيوعًا، إذ يتعلق بشكل جوهريّ بالنفوس المفتونة بالأنانيّة، تلك التي يصعب عليها الصلح مع ذاتها، ولهذا تشرع دومًا إلى رمي ما تعاني منهُ على الآخر، بغية تجنب مواجهة واقع أمرها. ينتشر هذا الإسقاط لدى النساء بشكل أكثر من غيره، وكذلك عند الرجال الذين يتسمون ببعض الطباع الأنثويّة، فميكانيزم الإسقاط المعنيّ يعمل على إزاحة الإقرار بالنقص قدر ما يستطيع. فالإناث اللواتي لم ينلن الاهتمام المطلوب من رجلٍ رغبنَ بهِ؛ نجد فيهن نزعةً هائلةً لاتهامهِ بخلاف حقيقتهِ الموجودة، وهذهِ هي طبيعة الإسقاط! فعوضًا من أنْ تقول المرأة المُهمَلة: أنا هُملت لأنّني لستُ مرغوبةً منه، ولا أتسقُ مع إرادته الوجدانيّة والحسيّة، نجدها تبدي عكس ذلك، لتعزو الأمر مثلًا إلى خلل في طبيعتهِ، كأن يكون برودًا غرائزيًا أو قلة تفهمٍ لمحاولاتها الدؤوبة في استمالتهِ وغير ذلك من الإسقاطات التي تخفي في أعماقها دافعًا لمداواة الأنا وتجميلها.

قلّما يتفطن المرء بالعموم إلى دوافع التُهم التي تُوجه إليه، لأنّ المردود الانفعاليّ الذي تخلفه التُهمة أو الإساءة غالبًا ما يحوز القسط الأكبر في صدارة المواقف، ولذلك نرى الكثير منّا قد يخوض سجالاتًا لا تليقُ بمنزلتهِ، لا لقبحِ السجال ونوعه، أو تدني مقام الند في الخصومة-رغم ورود هذه الأسباب في حالات أخرى-إنّما الدوافع نفسها ليست محلًا مُعتبرًا. فهي لا تُعبر عن صدق التهمة من جهة تصادق نفس المُتهِم بها، بل هي أقرب ما تكون للتعويض عن شيء ما؛ لم يلقَ سُبلَ تحققه. هذا ما يُسمى وفقًا للمدرسة الفرويديّة بالإسقاط (Projection) والذي يُعدُ آلية دفاعيّة تمارسها الأنا بعد استشعارها لخدشٍ معين في كبرياءها، ممّا يدفعها للجوء إلى فرضيات تُسقطها على الآخر المُخيب لتمنياتها المرجوة.

«إنّ فوكوياما منخرط في خدمة بلده والدفاع عن مصالحه وقضاياه، ولكنّ خطابه ليس مجرد خطاب دفاعي تبجيلي، وإنّما هو قراءة للعالم تعامل فيها فوكوياما مع خصوصيته ومواقفه أو مواقعه بصورة عالميّة، بقدر ما أثار الجدل حول مفهومنا للتاريخ وعلاقتنا بالمستقبل، نحن إذن إزاء قراءة عالميّة للعالم. كلنا في النهاية منخرطون ومتحيزون، والفرق بين واحد وآخر، هو أنّ هناك من يتعامل مع خصوصيته، في ميدان اختصاصه بصورة خلاقة وفعالة تقفز به إلى مرتبة العالميّة، فما العالميّة سوى خصوصية منتجة على نحو مبدع وخارق».
– أ. علي حرب، الأختام الأصولية والشعائر التقدمية، ص ٢١٦
«مقولته حول [نهاية التاريخ] تخفي بقدر ما تبدي، فهي تعلن بلوغ النهاية لكي تتستر على البداية، وهي تحدثنا عن نهاية التاريخ فيما هي تخفي تاريخيتها ومحايثتها، أي ارتباطها بالحدث وصيرورتها الدلاليّة. بهذا المعنى أنا أنتقد فوكوياما بقدر ما أنتقد أصحاب المذهب التاريخيّ، ممّن يدعون العلم بقوانين التاريخ ورصد حركته، كما نجد عند هيغل وماركس وفلاسفة التاريخ الذين وضعوا سيناريوهات تقدميّة تنبئنا بحتمية انتصار العقل وبلوغ الفردوس الاشتراكيّ أو الليبراليّ، هي أقرب إلى الرجم بالغيب، فضلًا عن طوباويتها الساذجة والمفرطة. إنّ الذين يتكلمون عن التاريخ بصورة حتميّة وعلى نحو نهائي، هم الأبعد ما يكون عن الفكر التاريخيّ. ذلك أنّ البشريّة بالرغم من كلّ هذا التقدم العلميّ والتقنيّ، تبدو اليوم أعجز من أي يوم مضى عن إدارة شؤونها والسيطرة على مصيرها وفقًا لقيم العقل والحرية».
– أ. علي حرب، الأختام الأصولية والشعائر التقدمية، ص ٢١٨

«سيطرت مقولة التقدم على مرحلة بكاملها من التنظير الفكريّ والنضال السياسيّ، بل هي استحالت أسطورة ذات مفعول هائل على التعبئة والتنظيم، خصوصًا بين صفوف الطلبة والمتعلمين. إنّها أسطورة «الإنسان التقدميّ» التي هيمنت على الوعي لدى شرائح ونُخب توهمت أنّها تمتلك مفاتيح الحقيقة والحرية والسعادة، وأنّها ستقود المجتمع والأمة وربّما البشريّة نحو الخلاص، وبقدر ما استوطن هذا الوهم في عقول المثقفين التقدميين، مارسوا ديكتاتوريتهم الفكريّة ونفيهم الرمزيّ أو إرهابهم اللفظيّ ضد من كان يخالفهم في أفكارهم وأذواقهم وأساليبهم وسائر ممارساتهم من طرق المأكل والملبس إلى طرق التصرف بالكلام. ولكنّ الأمر لم يطل كثيرًا، فأسطورة الإنسان التقدميّ كانت قصيرة النفس والأجل، لأنّها ظلت مقتصرة على النخب، ولم تتحول إلى ديانة شعبيّة أو إلى عقيدة جماهيريّة، فقد احترق المشروع التقدميّ بسرعة، خصوصًا بعد انفجار الحرب اللبنانيّة وقيام الثورة الإيرانيّة».
– أ. علي حرب، أوهام النخبة، ص ١٢٤

بناءً على ما سبق: إنّ أيديولوجيا التقدم ليست خاصة بتوجه حداثيّ دون آخر، بل هي الجذر الذي صيغ نسيجه في عمق الحضارة الغربيّة، وتكونت ألباب نخبه استلهامًا وإذعانًا منه وإليه، سواء كانت هذه النخب تعرف نفسها كيمين أو يسار، قومية أو وطنية، جمهورية أو ملكية، إلخ.. تبقى روح التقدم هي المعبود الأوحد في جميع هذه المسميات، ولا مناص منها دونما الإقرار بفلسفة تاريخيّة مضادة، فلسفة تستقرّي الماضي ووقائعه بعيدًا عن غاية خطية، وهدف نهائيّ، وإنّما وقبل كلّ شيء: الإيمان بالدورة الحضارية، والاعتقاد بأنّ كلّ حضارة هي عبارة عن مراحل ارتقاء وأفول، تتمايز فيما بينها وتتباين كينونتها داخل مسار التاريخ البشريّ.

فحتّى التيارات السياسيّة والسوسيولوجيٍة التي شرعت بنقد الكثير من مخرجات تلك الحضارة، كبعض جماعات اليسار الجديد-سيما مدرسة فرانكفورت-أو تيارات اليمين الليبرتاري؛ لم ينفكوا هم كذلك عن الصلة الفكريّة تجاه النظام الحضاريّ الحديث. ذلك أنّ رواد النظرية النقديّة من اليسار لا يخفى تأثرهم بالنزعة الاشتراكيّة لحد كبير، فضلًا عن تسليمهم بتصورات حداثية كثيرة لدى هيغل، وماكس فيبر، وجورج لوكاش وآخرين. وأما تيار الليبرتاريّة (اليمين الجديد) فعلى الرغم من انتسابه لليمين، إلا أنّه غير متصل واقعًا مع اليمين المحافظ-التقليدي، كون مريديه يُعتبرون أبناء مخلصين للرأسماليّة، علاوةً على ريادتهم لمفاهيم الدولة الحديثة-الوستفاليّة، وارتباطاتها بالنظام الصناعيّ، إذ أنّ مفاهيم مثل الأمة أو الوطن أو القومية، مع ترددها كثيرًا على ملافظهم؛ فهي ليست غير تدجينات تقدمية تقع على خلاف معانيها الأصيلة، ووظيفتها بطبيعة الحتم: يتمثل في إضعاف مركزية التدين والانتماء الموضوعيّ للأرض، مقابل تدعيم الاقتصاد والقطاع الخاص، كما قال كلاوس ليجفي ذات مرة بكتابه "العولمة ومناهضوها": «على الرغم من أنّ المحافظين الجدد يتشدقون من حين لآخر بعبارات تتغنى بالأوطان، ولكنك تجدهم إذا جد في الأمور جديد ينقلبون إلى مناصرين للرأسماليّة!».

فالمسألة إذن تتخذ مناحي أعقد عمّا هو ظاهر سياسيًا، كونها كما أشرنا مرتبطة بفلسفة التاريخ ذات المنظور التقدميّ، والتي مفادها يتلخص في الملازمة بين تحسن قيم الإنسان ومبادئه تزامنًا مع الصيرورة الزمنيّة، بنسق تعاقبي لا يُبدي مغايرة حضاريّة عمّا سواه داخل نطاق الصيرورة ذاتها، ممّا يُبرر النظر إلى الماضي بعين متجاوزة للأصول والتقاليد التي يمنحها، على اعتبارِه-بنظرهم-شيئًا قليل القيمة قياسًا بجودة قيم اليوم، ولذا فإن التقدميين ينظرون للحضارة الغربيّة الحالية بكلّ محاسنها ومساوئها على أنّها تتويج للمعرفة الإنسانيّة وختام لها، وهذه النظرة-وفقًا لهم-ليست من قبيل الرؤية التي تحتمل نقضًا ديالكتيكيًا كما سائر التصورات النظرية، إنما هي الوثن الأعلى الذي رزحت تحت وطأته جميع أساطير الحداثة وما بعدها.