es
Feedback
مقالات د. ليلى حمدان مفرّغة

مقالات د. ليلى حمدان مفرّغة

Ir al canal en Telegram

قناة خاصة بمقالات المرأة و التَّربية ( مفرَّغة ) القناة تحت إشراف طالبات الدكتورة.

Mostrar más
550
Suscriptores
+224 horas
+237 días
+13630 días
Archivo de publicaciones
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ في هدي سورة الإسراء خريطة ربانية لبناء الإنسان الرباني الذي يحمل الحق في نفسه وفي العالم من حوله. تبدأ بتنظيم علاقة العبد بربه عبر الصلاة، وتنتقل إلى تزكية الروح بقيام الليل، ثم إلى تصحيح المسار بالدعاء والصدق في المداخل والمخارج، ثم إلى إعلان الصراع بين الحق والباطل، وتختم ببيان مصدر الشفاء والرحمة: القرآن العظيم. وكأن الآيات ترسم منهجاً متكاملاً لصناعة الإنسان المؤمن: بعبادة تضبط الوقت، وقيام يزكي القلب، ودعاء يصحح الاتجاه، ويقين بالحق يبدد الباطل، واعتصام بالقرآن العظيم يشفي القلوب. فمن أراد الثبات في زمن الفتن، ومن أراد أن يكون من أهل الحق في عالم يموج بالباطل، فهذه الآيات تقدم له الأسس التي لا غنى عنها. تبدأ الآيات بقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ (الإسراء: 78) أول ما يُبنى عليه صلاح الإنسان هو الصلاة؛ فهي التي تربط القلب بالله تعالى في حركة الزمن كله. فالنهار يبدأ بصلاة وينتهي بصلاة، وبينهما صلوات متتابعة، وكأن حياة المؤمن كلها محروسة بالوقوف بين يدي الله عز وجل. وهذا يدل على أن من ضيع الصلاة ضيّع ميزان حياته، ومن أقامها أقام بنيان دينه كله. ثم يخص الله صلاة الفجر بقوله: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ إنها الصلاة التي يشهدها الله وملائكة الليل وملائكة النهار، وكأنها لحظة اجتماع السماء بالأرض. وفي هذا إشارة إلى أن من أراد نور القلب وقوة الإيمان فليحافظ على فجره؛ لأن بداية اليوم مع القرآن هي بداية يوم مبارك. ثم تنتقل الآيات إلى مرتبة أعلى من العبودية: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ فإذا كانت الصلوات الخمس تبني أساس الإيمان، فإن قيام الليل يبني علو الإيمان. فالناس ينامون، وأهل القرب يقومون. وهكذا حين يسكن الضجيج، تناجي القلوب الصادقة ربها، لتصبح هذه العبادة الجليلة المهيبة، مصدر قوتها كله، ومصدر الهداية والتوفيق والمعية والفتوحات الأرجى، ولذلك موجبات وفضائل يعيى القلم بوصف عظمتها، فقيام الليل شرف المؤمن ويا له من شرف! ولهذا كان قيام الليل طريقاً إلى أعظم مقام في الآخرة: ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ فمن أراد المقامات العالية عند الله عز وجل فعليه بالخلوة مع الله تعالى في الليل؛ فـالمقامات العظيمة لا تُنال إلا بالعبادات العظيمة. ثم يعلم الله نبيه دعاءً عظيماً جامعاً: ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ إنها دعوة لأن تكون حياة المؤمن كلها صدقاً: صدق في النية، وصدق في العمل، وصدق في الطريق. فالإنسان قد يدخل أموراً كثيرة في حياته، ويخرج من مواقف عديدة، لكن العبرة أن تكون كل مداخله ومخارجه في طاعة الله عز وجل. ثم يأتي الطلب الأعظم: ﴿وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾ فالحق لا يكفي أن يُعرف، بل يحتاج إلى قوة تنصره. وسلطان الله يشمل الحجة والبرهان، ويشمل كذلك التمكين والنصر. فالعبد الصادق يجمع بين أمرين: وضوح الحق، وقوة الثبات عليه. ثم يأتي الإعلان العظيم الذي يلخص معركة التاريخ كله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ فالحق حين يأتي بقوته ونوره لا يستطيع الباطل أن يقف أمامه. قد يبدو الباطل قوياً في بعض الأزمنة، وقد يعلو صوته ويكثر أتباعه، لكن حقيقته أنه هش ضعيف. ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ أي سريع الزوال بطبيعته. وإنما يعيش الباطل عندما يغيب الحق أو يضعف أهله. فإذا ظهر الحق بوضوحه وقوته، فإن الباطل يتلاشى كما يتلاشى الظلام عند طلوع الشمس. ثم تختم الآيات ببيان المصدر الحقيقي للقوة والهداية: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ فالقرآن ليس كتاب معلومات فقط، بل هو دواء القلوب. يشفي القلوب من الشبهات، ويطهرها من الشهوات، ويقيم فيها نور اليقين. فهو شفاء من: الجهل والشك والانحراف والقلق والضياع وكل مرض وضعف. لكن هذا الشفاء ليس لكل أحد؛ لذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ فالقرآن نفسه قد يكون هداية للبعض، وحجة على البعض الآخر. فالفرق ليس في القرآن، بل في القلوب التي تستقبله. هذه الآيات ترسم طريق القوة الإيمانية الحقيقية: بصلاة تضبط الحياة. وقيام ليل يزكي القلب. وصدق في المسير إلى الله ويقين بأن الحق غالب لا محالة واعتصام بالقرآن الذي يشفي القلوب. فمن جمع هذه المعاني، أصبح من أهل الحق الذين يبددون ظلمات الباطل بنور الإيمان. ويذهلك في هذا الترابط، جوهر العبودية الذي يبقى حاضرا في عمق المعاني، فسبحان ربي العظيم.

(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ*فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) وما أعجب خاتمة سورة التوبة! تبدأ بالبراءة من المشركين بخطاب شديد وواضح المفاصلة! وتنتهي بالمحبة! لسيد الخلق أجمعين، بخطاب رقيق، شديد الرفق والمواساة! وفي طياتها معالم الحق وأسباب الثبات للمجاهدين! وكأنها تقول، عز هذه الأمة، يبدأ من محبة النبي صلى الله عليه وسلم واتباع منهجه تمام الاتباع ..! ولا تبال بعدها بشيء! اللهم اجعلنا من أهل الصدق والعلم، والجهاد والشهادة!

كل آية هي دعوة للارتقاء، وللصعود في سلم الإيمان، لتكون حياتنا ملأى بالصدق، والثبات، والخوف من الله تعالى، والرجاء فيه جل جلاله. ثم تأتي آيات يهتز القلب لها شوقا وحنينا، لسيد الخلق أجمعين: يقول الله جل جلاله ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [ سورة التوبة: 128] تأمل قلبك، يا مؤمن، في هذه الآية: نبيك من نفسك، يعرف حالك، ويتألم لما تتألم له. كم هو عظيم هذا الحب النقي الذي يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يحرص على هدايتك، ويستبقيك من الشر، ويحب لك الخير قبل نفسه. إنه رؤوف رحيم بالمؤمنين، أرحم بهم من والديهم، وأشدهم حرصًا على سعادتهم في الدنيا والآخرة. من هذه الحقيقة نعي أن حب النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته حق واجب على كل قلب مؤمن، وأن السير على نهجه طريق للنجاة والطمأنينة وحسن الخواتيم. وتأتي المواساة كلها، والتوصية الأرجى هنا: حيث قال الله عز وجل: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: 129] فعندما يصر البعض ولو كثروا، على الإعراض والعناد، تظل دعوتك صافية، لا تتزعزع، لأنك تعلم أن الله كافٍ لك وحده. فيتردد في قلبك: “حسبي الله”، أي: الله يكفيني في كل ما يقلقني ويهمني، واثق أنت من أن لا إله إلا هو، وأنه الحامي والمعين لكل من ابتغى الحق بصدق. والتوكل هنا طمأنينة واستسلام كامل لحكمة الله وقدرته، التي تشمل كل شيء، من أعظم المخلوقات إلى أدق التفاصيل في حياتك. إن هذه الآيات تجمع بين حب النبي صلى الله عليه وسلم والحرص على المؤمنين، وبين الثقة المطلقة بالله والتوكل عليه في مواجهة حقائق القلوب المفجعة. فالمؤمن يتعلم منها أن: يكون قلبه مع النبي صلى الله عليه وسلم، مستنيرًا برؤياه ونصحه، شاكرًا لرحمته وحرصه عليه. لا يلتفت إلى العناد أو النفور من الآخرين، بل يمضي في سبيل الحق بثبات وصبر وجهاد. يضع ثقته في الله وحده، ويعلم أن من أعظم المخلوقات إلى أصغرها تحت قدرة الله عز وجل، وأنه كافٍ لكل همومه، وموفر لكل حاجاته، وناصره في كل معركة على الحق. هذه هي الرسالة وهذه هي الطريق، فماذا بقي بعد ذلك من عذر للقاعدين! هكذا، تجمع هذه الآيات بين الحنان والرحمة، والحزم والثقة، والعمل الصادق والثبات على الطريق المستقيم، لتصبح دروسًا حية في قلب كل مؤمن يسعى للحق، ويبتغي مرضاة الله في الدنيا والآخرة. وتلك هي سبيل العزة لا غيرها! وفي الختام، إن سورة التوبة رحلة قلب ووجدان، ومرشد لحياة المؤمن، ودليل على ثبات الحق ودوام النصر للمخلصين. هي السورة التي جمعت بين حب النبي صلى الله عليه وسلم، والحرص على المؤمنين، وحثهم على العمل الصالح، والجد والشجاعة والإقدام بلا تلجلج في نشر الحق ونصرته، والتوكل على الله في كل أمر وخطوة. تجعلنا هذه الآيات نعي أن الإيمان عمل مستمر، وجهاد دائم، وتقوى ترافق كل خطوة، وصدق يملأ القلوب، وعلم يُنشر بحكمة، ونية صافية تتحول إلى نور يهدي الناس. تدعونا للتأمل في أنفسنا، لنراجع قلوبنا، ونقوي إيماننا، ونجدد ارتباطنا بالله عز وجل، ولنتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم في حرصه علينا، ورحمته بنا، وإخلاصه لدينه. فدته نفسي! فالآيات كلها تصوغ فينا رؤية شاملة: أن كل مجهود، وكل إنفاق، وكل كلمة صادقة، وكل خطوة في سبيل الحق محسوبة عند الله عز وجل، وأن من سار على الصراط المستقيم، لم يضل ولا يندم. وأن المؤمن الحق هو من يجمع بين الرحمة والحنان مع الحزم والشدة، بين الحب للحق والثقة بالله، بين العمل الصالح والتوكل الكامل عليه. كما تكشف هذه السورة بعمق! أمراض القلوب، وأصناف البشر، وخطورة المسالك، وتأثير دقائق المقاصد في القول والعمل، ما يستوجب يقظة ووجلا ومحاسبة للنفس، ليستمر أداؤها مسددًا، ثم يقظة وحذرا واستعداد مواجهة مع الأعداء. وعدم الاستهانة بأصغر ما يقدم المؤمن لنفسه في سبيل العزة والجهاد، حتى الفرح بالقرآن، معلم حق في المسيرة إلى الله تعالى، فسبحان الله! فلنأخذ من هذه السورة نبراسًا يضيء طريقنا، ونموذجًا نحيا به حياتنا، فليكن قلبنا مع النبي صلى الله عليه وسلم محبة واتباعا، وعملنا لله عز وجل إخلاصا واستقامة، وثقتنا في رب العرش العظيم لا تتزعزع، ولنحرص على أن نكون مع الصادقين دوما في القول والعمل، ثابتين في الحق، مطمئنين في كل أمر، مستبشرين بالخير، موقنين بأن الله لا يضيع أجر المحسنين. إنها دعوة للتفكر، ودعوة للثبات، ودعوة للجهاد في سبيل الله بكل جوارحنا وفي كل ميادين الجهاد لا نستصغر ميدانًا منها مهما بدى مهملا، لتصبح حياتنا شهادة للإيمان، وللصدق! ونورًا للآخرين وإقامة للحجة لهم أو عليهم، وطريقًا إلى رضوانه والجنة بإذن الله عز وجل.

تخيل أن كل خطوة، كل إنفاق، كل مجهود، مهما صغر أو كبر، ملاحقٌ بأجر عظيم من الله عز وجل. لا حاجة للشعور بالضياع أو التعب، لأن كل عمل خالص لله سيجد جزاءه، وكل أثر من أثر الخير سيعود إليك أضعافًا مضاعفة. بأحسن ما يكون! والأهم في كل ذلك الإخلاص وحسن الاتباع. ثم يذكر الله حكمة عظيمة: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]. تأمل معي: ليس كل المؤمنين مطالبين بالخروج للقتال، فهناك من يُخصّص للعلم ونشره. والعلم الشرعي هو سلاح لا يُرى بالعين، لكنه يبني الأمة ويصون الدين ويهدي القلوب، ويحصن النفوس من دعوات الإرجاف والتخذيل والضلالة والانحراف عن سبيل المؤمنين التي قد تكون سلاحا أيضا في يد أعداء الدين. ومن تعلم فقه الدين ووعاه، ثم نشره بحكمة وصدق ابتغاء مرضاة الله لا حظ نفسه، فقد ساهم في جهاد الأمة وصيانتها وتعزيز قوتها، وأرشد الناس لعبادة الله الحق، ونشر ميراث النبوة دون خيانة أو إهمال. وهكذا تجمع هذه الآيات المعدودة من خواتيم سورة التوبة حقيقة الإيمان كحياة كاملة: بالتقوى والصدق، والجهاد والصبر، والعلم وحب الخير والهداية للناس. وما الصدق إلا أن تقبل كما أنت، لا داعي للخجل، فالله يعرفك كما أنت، لكن صدق إقبالك هو الذي يصنع الفارق. كل آية تنادينا: اجعل قلبك صادقًا، عملك خالصًا، جهادك في سبيل الحق، وعلمك نافعة للناس. فلا تقتصر الطاعة على الشعارات، بل اجعلها سلوكًا مستمرًا، حياةً مترابطة بين قلبك وعملك ومجتمعك، وبين الدنيا والآخرة. ثم يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 123] يا قلب المؤمن، هذه الآية تُعلمنا أن الثبات والشدة في الحق واجب، وأن لا خوف في الدفاع عن الدين، لا خوف من الأعداء إذا كانت النية صادقة. الغلظة هنا صلابة في الموقف، وشجاعة في مواجهة الباطل وإقادم يحدوه اليقين الكامل. وعليك أن تعلم أن كل قوتك مستندة على تقوى الله، فكل خطوة محسوبة في سبيل الحق، والله معك دائمًا. وتأتي الآية العظيمة: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: 124] تأمل يا مؤمن، كيف أن المؤمن يفرح ويستبشر بالآيات، كيف أن فهمها والعمل بها يزيد القلب نورًا وطمأنينة. والإيمان ينمو بشكل مستمر بالعلم والعمل، والفرحة بالحق تزيد من قوة العزيمة وتصفو النفوس. ولذلك يزداد المؤمنون إيمانا بازدياد إقبالهم على القرآن والاستجابة لأمر الله عز وجل. وذلك بحد ذاته منحة ربانية جليلة تستوجب الحمد والشكر والتواصي! لكن هذا الجمال والبهاء ليس حال كل الناس! يقول عز وجل: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: 125] فأما من قسا قلبه، ومن حمل شكًّا أو نفاقًا، فكل آية تزداد عليه حزنًا وبلاءً. فالقلب المريض يزداد مرضًا إذا أعرض عن الحق وأبى التوبة. هذه الآية تنبه المؤمن إلى أن يراقب قلبه دائمًا، ولا يدعه يفسد بالكسل أو الشك، فإن تجاهله يؤدي إلى الهلاك. ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: 126] فالله يبتلي الناس ليعلمهم، ليرجعوا إليه، ليثبتهم، لكن من يصرّ على ضلاله، يفوته الدرس. والمؤمن الحقيقي يتفقد إيمانه باستمرار، ويعيد ترتيب قلبه، ويزداد طاعة وحرصًا على الخير. لأن الابتلاء فرصة، والفهم هو ما يميّز المؤمن عن غيره. لكن المنافقين يفشلون في امتحانات الصدق هذه! فلا يتوبون ولا يذّكرون .. لا يرجعون لله ولا يتعظون! ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا ۚ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: 127] فالمنافقون يخافون الحق، ويتسللون ليتفلتوا، فيزداد قلبهم بعدًا عن الله وضياعًا. أما المؤمن، فإن نزول الآيات يجب أن يكون فرصة للاطمئنان، لتقوية الإيمان، وللتحرك بفعل الخير وحمل أمانة دين الله تعالى، بيقين وشجاعة، بلا خوف أو تردد. هذه الآيات كلها تنقل القلب من الانكسار إلى الثبات، من الشك إلى اليقين، ومن الخوف إلى الإقبال على الله عز وجل. إنها تعلمنا أن الثبات على الحق يحتاج تقوى وصبرًا، وأن زيادة الإيمان تأتي بالعمل والفرح بالقرآن، وأن القلوب المرضية تفسد بلا اجتهاد وتوبة.

﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ في قلب القرآن الكريم تنبض سورة عظيمة، هيبة وعزة، سورة لا تشبه غيرها، سورة جاءت لتكشف الحقائق، وتفضح النفوس، وتحدد مسار المؤمن والمنافق، وتعلن صراحة موقف الله سبحانه وتعالى من عباده، ومن المشركين، ومن كل من عارض دعوة الحق. إنها سورة التوبة، أو براءة، السورة التي لم تبدأ بالبسملة، لتؤكد منذ البداية على الصراحة والقطع، وعلى إعلان البراءة من كل ما يعارض الحق. سورة التوبة هي مرآة للإيمان، ومقياس للطاعة والصدق، وفصل واضح بين الحق والباطل، بين الخوف من الله والرغبة في الهوى، بين المخلصين والمنافقين. إنها السورة التي جمعت في طياتها مقاصد الإسلام الكبرى: التوحيد، حسن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، نصرة الحق، إقامة العدل، بيان حقوق الأمة، وتنظيم الحياة الفردية والجماعية. من أول كلمة فيها “براءة” إلى آخر آية، ترى فيها توجيه الله لعباده، وتحذيره من الغفلة، وتذكيره بالجزاء، وتحفيزه على العمل الصالح، والجهاد في سبيله، والإخلاص في القول والفعل والاستعداد المهيب لحمل رسالة الدين وأمانة نصرة الحق. هي سورة جاءت لتكون نبراسًا للمجتمع المؤمن، وجدارًا حصينًا ضد الكفر والنفاق، ومرشدًا لكل من يريد أن يعرف قدر الحق وفضل الصدق والتقوى في حياته. سورة تنبض عزة مع كل آية فيها، كيف لا وهي الفاضحة للمنافين والمغيظة للكافرين. عندما نغوص في آياتها، نكتشف حكمة الله في بيان الحقائق كما هي، وبغض للكذب والخداع، ورفع مكانة من ساروا على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحثها على التوكل والثبات، والتمسك بالعلم والعمل، والتفريق بين من يستحق الثواب ومن يستحق العقاب. إن هذه السورة، بأسمائها المتعددة: براءة، التوبة، الفاضحة، العذاب، المنقرة، والمشددة، ليست مجرد آيات تُقرأ على سبيل كسب الحسنات فحسب، بل هي رسوخ عقيدة ومنهج، وخريطة حياة لكل مؤمن يسعى إلى رضوان الله عز وجل، ودليل عملي على أن الإيمان الحق لا يكون إلا بالصدق، والإخلاص، والامتثال لأوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله عز وجل. ولنا هاهنا وقفة مع خواتيمها المهيبة! يقول عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. يا قلب المؤمن، اسمع هذه النداء: تقوى الله ليست شعورًا لحظيًا، بل حرص دائم على البعد عن المحرمات، والاقتراب من الطاعات، والصدق في الأقوال والأفعال. والصدق هنا ليس مجرد الكلام، بل هو الصفاء في السر والعلن، والنقاء في النية، والوفاء للعهد مع الله ومع الناس. المؤمن مع الصادقين، قلبه مستقيم، عمله خالص، حياته مثالٌ للبرّ، والبر يهدي إلى الجنة. في هذه الآية، هناك وعد للمخلصين بأن صبرهم وصدقهم لا يضيعان، فلتكن حياتك كلها صدقًا مع الله ومع نفسك ومع الآخرين. ثم لاقترانها بمقام الجهاد المهيب، وكأن الآية تذكرنا أن السير في مضمار الجهاد يتطلب صدقا عظيما، وتقوى الله عز وجل، وكل ذلك له فضائله ومعية الله التي تحفه، وهو عبادة يعيشها الفرد كما الجماعة، المقياس فيها ليس الجهاد كشعار، بل الجهاد بروح الصدق والتقوى، ومن حرم نفسه خسر! ثم تأتي الآية الجليلة لتخبرنا عن فضل الجهاد والاخلاص في سبيل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: 120]. تأمل: المؤمنون مدعوون لأن يقدموا أنفسهم في نصرة الحق، دون أن يضعوا راحتهم أو أهواءهم فوق واجبهم تجاه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. كل تعب، كل جهد، كل خطوة في سبيل الله تُكتب عملًا صالحًا لا يضيع أجره أبدًا. فالمشقة تصبح سعادة، والكدح يصبح رفعة، وكل نية خالصة تتحول إلى نور يضيء الطريق للآخرين. حتى إغاظة الكافرين عبادة، حتى النيل منهم عبادة، بغض النظر عن حجم الإغاظة والنيل! فسبحان الله كيف يصنع العزة في النفوس! فكيف لأمة بهذا الهدي أن يذلها أعداؤها! إلا أن تكون فرّطت في هدي القرآن العظيم، والجهاد في سبيل رب العالمين! والآية التالية تؤكد: ﴿وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 121].

﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ في قلب القرآن الكريم تنبض سورة عظيمة، هيبة وعزة، سورة لا تشبه غيرها، سورة جاءت لتكشف الحقائق، وتفضح النفوس، وتحدد مسار المؤمن والمنافق، وتعلن صراحة موقف الله سبحانه وتعالى من عباده، ومن المشركين، ومن كل من عارض دعوة الحق. إنها سورة التوبة، أو براءة، السورة التي لم تبدأ بالبسملة، لتؤكد منذ البداية على الصراحة والقطع، وعلى إعلان البراءة من كل ما يعارض الحق. سورة التوبة هي مرآة للإيمان، ومقياس للطاعة والصدق، وفصل واضح بين الحق والباطل، بين الخوف من الله والرغبة في الهوى، بين المخلصين والمنافقين. إنها السورة التي جمعت في طياتها مقاصد الإسلام الكبرى: التوحيد، حسن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، نصرة الحق، إقامة العدل، بيان حقوق الأمة، وتنظيم الحياة الفردية والجماعية. من أول كلمة فيها “براءة” إلى آخر آية، ترى فيها توجيه الله لعباده، وتحذيره من الغفلة، وتذكيره بالجزاء، وتحفيزه على العمل الصالح، والجهاد في سبيله، والإخلاص في القول والفعل والاستعداد المهيب لحمل رسالة الدين وأمانة نصرة الحق. هي سورة جاءت لتكون نبراسًا للمجتمع المؤمن، وجدارًا حصينًا ضد الكفر والنفاق، ومرشدًا لكل من يريد أن يعرف قدر الحق وفضل الصدق والتقوى في حياته. سورة تنبض عزة مع كل آية فيها، كيف لا وهي الفاضحة للمنافين والمغيظة للكافرين. عندما نغوص في آياتها، نكتشف حكمة الله في بيان الحقائق كما هي، وبغض للكذب والخداع، ورفع مكانة من ساروا على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحثها على التوكل والثبات، والتمسك بالعلم والعمل، والتفريق بين من يستحق الثواب ومن يستحق العقاب. إن هذه السورة، بأسمائها المتعددة: براءة، التوبة، الفاضحة، العذاب، المنقرة، والمشددة، ليست مجرد آيات تُقرأ على سبيل كسب الحسنات فحسب، بل هي رسوخ عقيدة ومنهج، وخريطة حياة لكل مؤمن يسعى إلى رضوان الله عز وجل، ودليل عملي على أن الإيمان الحق لا يكون إلا بالصدق، والإخلاص، والامتثال لأوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله عز وجل. ولنا هاهنا وقفة مع خواتيمها المهيبة! يقول عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. يا قلب المؤمن، اسمع هذه النداء: تقوى الله ليست شعورًا لحظيًا، بل حرص دائم على البعد عن المحرمات، والاقتراب من الطاعات، والصدق في الأقوال والأفعال. والصدق هنا ليس مجرد الكلام، بل هو الصفاء في السر والعلن، والنقاء في النية، والوفاء للعهد مع الله ومع الناس. المؤمن مع الصادقين، قلبه مستقيم، عمله خالص، حياته مثالٌ للبرّ، والبر يهدي إلى الجنة. في هذه الآية، هناك وعد للمخلصين بأن صبرهم وصدقهم لا يضيعان، فلتكن حياتك كلها صدقًا مع الله ومع نفسك ومع الآخرين. ثم لاقترانها بمقام الجهاد المهيب، وكأن الآية تذكرنا أن السير في مضمار الجهاد يتطلب صدقا عظيما، وتقوى الله عز وجل، وكل ذلك له فضائله ومعية الله التي تحفه، وهو عبادة يعيشها الفرد كما الجماعة، المقياس فيها ليس الجهاد كشعار، بل الجهاد بروح الصدق والتقوى، ومن حرم نفسه خسر! ثم تأتي الآية الجليلة لتخبرنا عن فضل الجهاد والاخلاص في سبيل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: 120]. تأمل: المؤمنون مدعوون لأن يقدموا أنفسهم في نصرة الحق، دون أن يضعوا راحتهم أو أهواءهم فوق واجبهم تجاه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. كل تعب، كل جهد، كل خطوة في سبيل الله تُكتب عملًا صالحًا لا يضيع أجره أبدًا. فالمشقة تصبح سعادة، والكدح يصبح رفعة، وكل نية خالصة تتحول إلى نور يضيء الطريق للآخرين. حتى إغاظة الكافرين عبادة، حتى النيل منهم عبادة، بغض النظر عن حجم الإغاظة والنيل! فسبحان الله كيف يصنع العزة في النفوس! فكيف لأمة بهذا الهدي أن يذلها أعداؤها! إلا أن تكون فرّطت في هدي القرآن العظيم، والجهاد في سبيل رب العالمين! والآية التالية تؤكد: ﴿وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 121].

ثم تتراكم تلك الأقفال حتى يصبح الحق واضحًا، لكن القلب لا يستجيب له. ومن هنا يبدأ الانحدار، من مساومة خفية مع الباطل، وطاعة جزئية لأهل الضلال، ثم تتكشف الأضغان التي كانت مستترة في الصدور، حتى يفضحها الله تعالى في الكلمات والمواقف. وعندها تأتي سنة الله التي لا تتخلف: الابتلاء الذي يميز الصادق من المدّعي. ففي ميادين الصبر والجهاد تظهر حقيقة الإيمان، ويتبين من كان ثابتًا على طريق محمد ﷺ، ومن كان يسير خلفه ما دام الطريق سهلًا. ثم يقرر القرآن الحقيقة الكبرى: أن معاداة هذا الدين لا تضر الله شيئًا، وإنما يرتد شرها على أصحابها. فكل جهد يُبذل في نصرة الباطل، وكل محاولة لصد الناس عن سبيل الله تعالى، مآلها إلى الخيبة، لأن الله عز وجل قد تكفّل بنصرة دينه، وجعل الخسران نصيب من يعاديه. إن الرسالة التي تتركها هذه الآيات في قلب المؤمن واضحة جلية: أن النجاة ليست في كثرة الأعمال وحدها، بل في سلامة القلب، وصدق الاتباع، وحفظ العمل من كل ما يبطله أو يفسده. فالمؤمن يخشى على عمله بعد أن يعمله، كما يخشى على قلبه قبل أن يعمل. وتلك حقيقة الوجل!وتلك حقيقة الإيمان! فليكن القرآن إذن باب القلب المفتوح، وليكن تدبره زاد الطريق، حتى يبقى القلب حيًّا بنور الوحي، ثابتًا على منهج محمد ﷺ، لا تفتنه الفتن، ولا تزلزله الضغوط، حتى يلقى الله بقلبٍ سليم وعملٍ مقبول في السلم كما في الحرب والقتال! اللهم اجعلنا ممن آمن بك حقا، وجاهد في سبيلك صدقا، وثبت على منهج نبيك محمد صلى الله عليه وسلم إلى آخر رمق، محبةً ورجاءً وخشيةً.

فالألسنة مرايا القلوب. ومهما حاول الإنسان أن يزين كلامه، فإن فلتات لسانه تفضح ما في صدره. فكلمة عابرة، أو نبرة ساخرة، أو تعبير يحمل احتقارًا للحق… كل ذلك يكشف ما تحاول القلوب المريضة إخفاءه. ولهذا قال بعض أهل العلم: ما أسرّ أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه. ثم ينتقل السياق إلى حقيقة كبرى في طريق الإيمان: أن القلوب لا تُعرف حقيقتها بالادعاءات، بل بالامتحانات. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ فالدعوى سهلة، ولكن الثبات عند الابتلاء هو الذي يكشف معدن الإيمان. إن الله يعلم كل شيء قبل وقوعه، ولكن هذا الابتلاء إنما هو ليظهر الإيمان في الواقع، فتتحول العقيدة من مجرد قول إلى تضحية وصبر وجهاد. والجهاد هنا ليس القتال فحسب، بل هو كل موقف يضطر فيه المؤمن إلى دفع ثمن التمسك بالحق: الثمن من راحته، أو ماله، أو مكانته، أو حتى نفسه. ومن المعاني الموجبة للخشية والوجل في هذا المقام، أن الجهاد نفسه ليس نهاية الامتحان، بل هو ميدان امتحانٍ آخر يكشف الله فيه صدق القلوب. فليس كل من حمل سلاحًا كان مجاهدًا صادقًا، وليس كل من دخل ميدان القتال ثبت قلبه مخلصا لله تعالى. إنما يمتحن الله المجاهدين كما يمتحن غيرهم؛ فيظهر من يقاتل طلبًا لرضاه، ومن يقاتل لهوى أو عصبية أو طلب سمعة. ولذلك قال: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ أي نظهر ما خفي في الصدور، فتتكشف السرائر في لحظات الشدة كما تنكشف المعادن في نار الامتحان. فالجهاد في حقيقته ليس مجرد مواجهة للعدو، بل هو قبل ذلك امتحان للنفس والنية والصبر؛ فمن جاهد نفسه وهواه وثبت على أمر الله وإن أسخط الناس، كان من الصادقين، ومن تراجع أو قاتل لغير الله ظهر أمره ولو بعد حين مهما حمل من شعارات براقة. ولذلك الله وحده يعلم من يجاهد في سبيله حقا، ولا يجوز تزكية كل مجاهد لمجرد أن حمل السلاح وانغمس في القتال، فالله أعلم بالنوايا والمقاصد! فلا نزكي على الله أحدا ونسأل الله الثبات لكل صادق. ونعوذ بالله من جهاد يغلب فيه الهوى الإخلاص، ويُرخص فيه البذل بالدماء لحظوظ الدنيا! وهكذا تتحقق سنة الله في عباده: أن الإيمان لا يثبت بالدعوى، بل يُعرف حين توضع القلوب في ميدان البلاء والجهاد. وفي هذه اللحظات يتبين الفرق بين قلب امتلأ باليقين، وقلب امتلأ بالتردد. فالمؤمن يرى الابتلاء طريقًا إلى رفعة الدرجات، بينما يراه المنافق عبئًا يحاول الفرار منه. لذلك لابد أن ينكشف أو ينتهي إلى نهاية الظالمين! نعوذ بالله من قبح السريرة وسوء الخاتمة! ثم تختم الآيات هذا المقطع بوعيد شديد لأولئك الذين جمعوا بين الكفر، وصد الناس عن الحق، ومعاندة الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ فهؤلاء لم يكتفوا بالضلال لأنفسهم، بل تحولوا إلى حواجز تقف في طريق الهداية. لم يضلوا فقط، بل عملوا على إضلال غيرهم. وما أقبح أن يعرف المرء هدي النبي صلى الله عليه وسلم ثم يعلن المخالفة له والحرب عليه أيًا كانت الوسائل والمبررات.. ! لكن القرآن يقرر حقيقة كبرى: إن معاداتهم للحق لا تنقص من ملك الله شيئًا، ولا تعطل مسيرة هذا الدين. فالله غني عن عباده جميعًا، وإنما الخاسر الحقيقي هو من يقف في مواجهة الحق. ولهذا كانت العقوبة مناسبة لعملهم: ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي أن كل ما ظنوه إنجازًا سينتهي إلى فراغ. كل جهد بذلوه في نصرة الباطل لن يثمر إلا الخيبة. وحتى الأعمال التي كانوا يرجون بها الثواب لن تُقبل؛ لأن أساسها – وهو الإيمان الصادق – مفقود. ومن هنا تأتي الوصية الجامعة التي تعقب هذه المعاني في السورة: التمسك بطاعة الله ورسوله، والحذر من كل ما قد يُبطل العمل أو يُفسده. فالمؤمن لا يكتفي بالعمل، بل يخاف عليه من الضياع. يخاف من الرياء، ومن العجب، ومن الذنوب التي قد تحبط الأجر. لأنه يدرك أن أعظم الخسارة ليست في قلة العمل، بل في ضياع العمل بعد بذله. وهكذا تتكامل هذه الآيات في بناء رسالة عميقة: أن طريق الإيمان يبدأ بتدبر القرآن، ثم يُحفظ بسلامة القلب من الأضغان، ويُثبت بالصبر في الابتلاء والجهاد، ويكتمل بالطاعة الصادقة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فمن جمع هذه المعاني ثبت على طريق محمد ﷺ حقًا، ومن أهملها انحرف قلبه ولو كان ظاهره قريبًا من الحق. وفي الختام، تكشف هذه الآيات من سورة محمد ﷺ حقيقة الطريق إلى الله، وتعرّي في الوقت نفسه أسباب الانحراف عنه. فالأمر لا يبدأ بكفرٍ صريح، ولا بنفاقٍ معلن، بل يبدأ غالبًا من لحظة إعراض عن تدبر القرآن، حين يغلق القلب بابه أمام نور الوحي، فتتسلل إليه الأهواء والشبهات شيئًا فشيئًا.

وهنا تظهر سنة خطيرة من سنن الله في القلوب: أن التنازل عن الحق لا يبقى عند حدوده الأولى. فالذي يساوم على جزء من الحق قد يخسر الحق كله، لأن القلب إذا اعتاد المساومة فقد بوصلته. ولهذا قال تعالى: ﴿والله يعلم إسرارهم﴾؛ فربما ظنوا أن هذه التفاهمات الخفية لن تُكشف، لكن الله يعلم خفايا القلوب ويظهرها حين يشاء. ثم تنتقل الآيات فجأة إلى المشهد الأخير، حين تنكشف الحقيقة التي حاولوا تجاهلها: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾. إنه تصوير مهيب للحظة الموت حين يواجه الإنسان نتائج اختياراته. فالذي أعرض عن الحق في حياته، واستدار عنه بظهره، يُقابل عند الموت بضرب الوجوه والأدبار؛ كأن الجزاء من جنس العمل، لأنهم هم الذين أدبروا عن الحق أولًا. ثم تأتي الخلاصة التي تكشف أصل المشكلة كلها: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. فالقضية ليست مجرد خطأ في الاجتهاد، بل اختيار في الاتجاه. فهؤلاء لم يحبوا طريق رضوان الله، ولم تكن لهم رغبة في القرب منه، بل اتبعوا ما يثير سخطه. ومن هنا كانت النتيجة: ﴿فأحبط أعمالهم﴾. إن إحباط العمل من أعظم الخسائر؛ لأن الإنسان قد يعمل أعمالًا كثيرة، لكن حين يفسد أصل الاتجاه في القلب تضيع تلك الأعمال كلها. فالأعمال في ميزان الله ليست مجرد أفعال ظاهرية، بل هي مرتبطة بصدق القلب واتجاهه. وهكذا ترسم هذه الآيات مسار الانحراف خطوة خطوة: يبدأ الأمر بإغلاق القلب عن تدبر القرآن، ثم يتحول إلى مساومة مع الباطل، ثم إلى اتباع ما يسخط الله، حتى يصل في النهاية إلى إحباط الأعمال والخسران المبين. وفي المقابل يفهم المؤمن من هذه الآيات أن النجاة تبدأ من فتح القلب للقرآن؛ فمن تدبره بصدق، عرف طريق الله، وثبت عليه، وسلم من تلك الانحدارات الخفية التي قد تبدأ صغيرة لكنها تنتهي بخسارة عظيمة. فالتدبر ليس مجرد عبادة قلبية، بل هو صمام الأمان الذي يحفظ الإيمان ويمنع القلب من الانحراف. وأخذ الكتاب بقوة سبيل التأييد والمعية التي تمنع الانحراف بإذن الله تعالى. وهنا أستحضر نصا جميلا لابن القيم رحمه الله يقول فيه: “إن العبد إذا آمن بالکتاب، واهتدى به مجملًا، وقبِل أوامره، وصدَّق بأخباره، کان ذلك سببًا لهداية أخرى تحصل له على التفصيل؛ فإن الهداية لا نهاية لها، ولو بلغ العبد فيها ما بلغ، ففوق هدايته هداية أخرى، وفوق تلك الهداية هداية أخرى إلى غير غاية، فکلما اتقى العبد ربه، ارتقى إلى هداية أخرى، فهو في مزيد هداية ما دام في مزيد من التقوى، وکلما فوَّت حظًّا من التقوى، فاته حظ من الهداية بحسبه، فکلما اتقى زاد هُداه، وکلما اهتدى زادت تقواه؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المائدة: 15، 16]”. والبداية بتلاوة كتاب الله وتدبر آياته والاستجابة التي لا لجلجلة فيها لأمر الله عز وجل. ثم تتواصل الآيات في رسم خريطة دقيقة لما يجري في القلوب، وكأن القرآن لا يكتفي بكشف ظاهر الأعمال، بل يغوص إلى العمق حيث تتشكل النيات والدوافع. فبعد أن كشف الله حقيقة من أعرضوا عن التدبر، وبيّن كيف قادهم الشيطان خطوة بعد خطوة إلى الارتداد، يفتح القرآن نافذة أخرى على خفايا النفوس، فيقول: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ﴾ إنه سؤال يحمل في طياته توبيخًا خطيرًا: هل ظنّ أصحاب القلوب المريضة أن ما يخفونه سيبقى مستورًا إلى الأبد؟ هل توهموا أن الأحقاد والعداوات الدفينة التي يضمرونها لدين الله ستظل حبيسة الصدور؟ إن مرض القلب يبدأ غالبًا صغيرًا: شبهة تُستقبل دون مقاومة، أو شهوة تُتبع دون توبة، أو حسد يختبئ خلف كلمات منمقة. أو كبر يعاند بلا خشية، لكن إن لم يُعالج هذا المرض بالتوبة والتدبر، يتحول شيئًا فشيئًا إلى ضغنٍ دفين وعداءٍ خفي للحق. وهنا يأتي التحذير الإلهي: إن الله لا يترك هذه الأضغان مدفونة إلى الأبد، بل سيُخرجها ويكشفها في الوقت الذي يريده. ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ أي أن الله قادر على أن يجعل علامات النفاق واضحة في وجوههم كما توسم العلامة على الدواب، لكن حكمته اقتضت أن تبقى الأمور في دائرة الاختبار؛ ليتميز الصادق من المدّعي بإرادته واختياره. غير أن إخفاء النفاق لا يعني استحالة اكتشافه، فالله يقول: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ سورة محمد، سورة عظيمة، سُمِّيت باسم النبي ﷺ، وليس ذلك لمجرد التعريف به، فالأمة تعرف نبيها وتجلّه، ولكن ليبقى اسمه الشريف حاضرًا في سياق السورة التي تتحدث عن أعظم معركة يخوضها المؤمن في حياته: معركة الثبات على الحق وعدم الارتداد عنه. فالسورة ترسم طريق الإيمان في زمن الصراع، وتكشف مواقف الناس حين يُمتحنون بين الصدق والنفاق، وبين الثبات والتراجع. واختيار اسم محمد ﷺ عنوانًا للسورة يحمل دلالة عميقة؛ إذ هو القائد الذي تجسدت في حياته هذه المعاني كلها: الصبر في مواجهة الأذى، والثبات حين يضعف الناس، والصدق حين تتداخل المصالح والضغوط. والجهاد والقتال لإعلاء كلمة الحق! فكأن السورة تقول للمؤمنين: إن الطريق الذي تدعون إليه هو الطريق الذي سار فيه محمد ﷺ، فمن أراد الثبات فليتأسَّ به. إن اجتماع اسم سورة محمد مع اسمها الآخر سورة القتال، ليس أمرًا عارضًا، بل هو من بديع الترابط في القرآن؛ فذكر اسم النبي ﷺ في هذه السورة يربط معانيها كلها بشخصه ومنهجه. فهي تتحدث عن الصدق مع الله، وعن تمييز الصفوف، وعن الجهاد الذي يُظهر حقيقة الإيمان، وكأن السورة تقول: إن الطريق الذي سلكه محمد ﷺ هو طريق الإيمان الحق، طريق الثبات والبذل ونصرة الحق. وقد جمع النبي ﷺ في شخصه بين كمال الرحمة وكمال القوة؛ فقد وصفه الصحابة بأنه الضحوك القتال: يملأ المجالس بشاشةً ورحمةً ولطفًا، فإذا انتهكت حرمات الله أو واجه الباطل، كان أشجع الناس وأثبتهم في ميدان القتال. وهكذا يتجسد في اسمي السورة معناها العميق: رحمة تقود القلوب، وقوة تحمي الحق، وهو المنهج الذي ربّى عليه النبي ﷺ أمته. وحين نتدبر آيات سورة محمد، نجدها تفضح حقيقة المنافقين الذين يثقل عليهم اتباع النبي ﷺ، وتبيّن كيف يقود غياب تدبر القرآن إلى الارتداد، والطاعة الظاهرية إلى التواطؤ الخفي مع أعداء الحق. ومن هنا تتجلى الحكمة في أن القضية ليست مجرد معرفة الحق، بل الوفاء لرسالة محمد ﷺ والثبات عليها حين تتكاثر الفتن وتشتد الضغوط. فكلما تليت هذه السورة عاد اسم النبي ﷺ ليذكّر المؤمنين بأن طريق الإيمان اتباع صادق وجهاد في سبيل الله تعالى وثبات على المنهج الذي جاء به نبي الله تعالى. فيرتبط القلب بنور الوحي وبالطريق الذي خطّه محمد ﷺ لأمته. يقول الله عز وجل: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [ محمد: 24] توجه هذه الآية من سورة محمد سؤالا يهزّ القلب: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾. إنه ليس سؤالًا عن الفهم اللغوي للنص، ولا عن مجرد التلاوة، بل عن التدبر؛ أي الوقوف مع المعاني، والنظر في العواقب، وربط الآيات بواقع النفس والحياة. وكأن القرآن يكشف حقيقة: إن الطريق إلى الهداية ليس غامضًا، والحق ليس مخفيًا، ولكن المشكلة الحقيقية في القلوب التي لا تفتح أبوابها للنور. فالتدبر ليس مجرد عمل ذهني، بل هو انفتاح القلب على الوحي. فإذا تدبر العبد القرآن، وجد فيه بيان الخير والشر، وطريق النجاة وطريق الهلاك، وتعرّف إلى ربه بأسمائه وصفاته وإحسانه، فامتلأ قلبه إيمانًا ويقينًا. لكن حين تغلق القلوب أقفالها، يصبح القرآن كالنور أمام عين مغمضة؛ النور حاضر، لكن العين لا تستقبله. ولهذا جاء التعبير القرآني بليغًا: ﴿أم على قلوب أقفالها﴾، وكأن القلوب أبواب أُغلقت بإحكام، فلا يدخلها خير ولا يخرج منها صدق. وهذه الأقفال ليست شيئًا خارجيًا، بل هي تراكمات من الهوى، والذنوب، والإعراض المتكرر عن الحق، حتى يصل الإنسان إلى مرحلة لا يتأثر فيها بالموعظة ولا تحركه الآيات. ثم تكشف الآية التالية نتيجة هذا الإغلاق: الارتداد بعد معرفة الحق فيقول عز من قائل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ۙ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ﴾ فالمشكلة هنا ليست في الجهل، بل في رفض الحق بعد وضوحه. وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب القلب؛ أن يرى الإنسان الهدى ثم يدير له ظهره. وهنا يتدخل الشيطان ليكمل مسار الانحراف، فيزين الباطل ويجعل الباطل يبدو خيارًا معقولًا. قال تعالى: ﴿الشيطان سوّل لهم وأملى لهم﴾؛ أي زيّن لهم المعصية ومدّ لهم في الأمل، حتى يظنوا أن الطريق الذي يسلكونه لن تكون له عواقب. لكن القرآن يكشف أيضًا الخطوة التي تقود إلى هذا السقوط؛ فهي لا تأتي فجأة، بل تبدأ بتنازل صغير في الولاء للحق. قال تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ ۖ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ إنها كلمة تبدو في ظاهرها محدودة: في بعض الأمر. لكنها في حقيقتها فتح لباب الانحراف. فحين يقبل الإنسان أن يطيع الباطل في جزء من الطريق، فإنه يضعف صلته بالحق شيئًا فشيئًا، حتى ينتهي به الأمر إلى مفارقته.

توجه هذه الآية إلى عبادة جليلة هي ذكر الله تعالى، وتبين أن الذكر الحقيقي يجمع بين حضور القلب وذكر اللسان. فقد أمر الله بذكره في النفس أي بإخلاص وخشوع، مع التضرع الذي يدل على الانكسار بين يدي الله تعالى، والخيفة التي تعبر عن خشية القلب من التقصير وعدم القبول. كما أرشدت الآية إلى الاعتدال في الذكر، فلا يكون بصوت مرتفع يشوش، ولا بخفوت يذهب أثره، بل يكون وسطا بين ذلك. وخصت الآية وقتي الغدو والآصال لأنهما وقتا انتقال في حياة الإنسان، فيحتاج فيهما إلى تجديد صلته بربه. ثم ختمت بالنهي عن الغفلة، لأن الغفلة عن ذكر الله سبب قسوة القلب وضياع الإنسان في دنياه وآخرته. ليختم الله عز وجل سورة الأعراف الجليلة بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ۩﴾ تختم السورة بذكر حال الملائكة المقربين عند الله عز وجل، الذين لا يستكبرون عن عبادته، بل يداومون على تسبيحه والسجود له سبحانه وتعالى. وفي هذا تذكير للإنسان بأن عبادة الله ليست حاجة لله تعالى، بل هي حياة للعبد وسعادته. فالملائكة مع علو منزلتهم وقربهم من الله لا يتكبرون عن العبادة، بل يلازمونها ليل نهار، مما يربي المؤمن على التواضع والخضوع لله عز وجل. وفي ذلك دعوة ضمنية للمؤمنين أن يقتدوا بهؤلاء الملائكة في دوام الطاعة والإخلاص، وأن يجعلوا حياتهم قائمة على عبادة الله وتسبيحه، حتى يحققوا الغاية التي خُلقوا من أجلها. وكان ختام السورة، مقام سجود مهيب! وهكذا في ختام هذه التدبرات لآيات سورة الأعراف يتجلى للمؤمن منهج متكامل في علاقته بربه، وبالوحي، وبالناس، وبنفسه. إذ تتجمع في هذه الآيات معالم الطريق للمؤمن: اتباع الوحي، والتمسك بالقرآن، وملازمة الذكر والخشية، ومراعاة حسن الخلق والحكمة في التعامل مع الناس، والحذر من وساوس الشيطان، والاقتداء بالملائكة في التواضع والخضوع لله. فمن استمسك بهذه المعالم استنار قلبه بالهداية، ونال رحمة الله في دنياه وآخرته، ومن أعرض عنها وقع في الضلال والغفلة، وفاته الخير، وحُرِم الارتقاء إلى أعلى مراتب الإيمان والعبودية الصادقة. اللهم تولنا برحمتك وتأييدك ومعيتك ورضاك ومحبتك – جل جلالك -، وأنت أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت، اجعلنا من عبادك الصالحين المصلحين. اللهم آمين.

أي عاد إليهم نور البصيرة بعد لحظة الغفلة. وهذا من أعجب ما يكون في حياة المؤمن؛ قد تزل قدمه لحظة، لكن ذكر الله يعيده سريعًا إلى الطريق. فإذا أخطأ استغفر، وإذا قصر بادر بالتوبة، وإذا غفل عاد إلى اليقظة. وهكذا تتحول الزلة عند المتقين إلى باب للرجوع إلى الله، فيخرجون منها أقوى إيمانًا وأشد يقظة. ثم تقابل الآية هذا النموذج بنموذج آخر على النقيض تمامًا، فتقول: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ فهؤلاء هم إخوان الشياطين؛ أي الذين ارتبطت قلوبهم بالباطل واطمأنت إلى المعصية. فإذا وقع أحدهم في ذنب لم يتذكر ولم يرجع، بل تمده الشياطين في الغي، ذنبًا بعد ذنب، وخطوة بعد خطوة، حتى يتدرج من صغيرة إلى أكبر منها. فالشيطان لا يتعب من إغوائهم، وهم لا يتعبون من الاستجابة له؛ لأنه وجد فيهم قلوبًا مستسلمة، بلا مقاومة ولا يقظة. وهكذا يتحول الذنب عندهم إلى طريق متصل لا انقطاع فيه، لأنهم فقدوا تلك اللحظة الفارقة التي سماها القرآن التذكر. ومن هنا يظهر الفرق الجوهري بين أهل التقوى وأهل الغواية: المتقون قد تلمسهم وسوسة الشيطان، لكنهم يتذكرون فيبصرون. أما الغافلون فتلمسهم الوسوسة، فيسترسلون معها حتى يمدوا في الغي بلا توقف. وهكذا تكشف هذه الآيات قانونًا عظيمًا في تزكية النفس: ليس الكمال في أن لا يخطئ الإنسان، ولكن الكمال في سرعة الرجوع إلى الله إذا أخطأ. فالقلب الحي قد يزل، لكنه لا يقيم على الزلة، لأنه يحمل في داخله نور التذكر الذي يعيده دائمًا إلى الطريق. ومن تأمل هذا المقطع القرآني أدرك أن معركة المؤمن الحقيقية ليست مع الناس، بل مع الغفلة في قلبه. فإذا حافظ على ذكر الله واستعاذ به عند الوسوسة، بقي قلبه في دائرة الولاية التي وعد الله بها الصالحين. ولهذا جاءت هذه الآيات كأنها ختام تربوي بديع: ولاية الله للصالحين، ثم كشف ضعف الباطل، ثم بيان سلاح المؤمن في مواجهة الشيطان، ثم بيان الفرق بين قلب حي يتذكر فيبصر، وقلب غافل يُمد في الغي ولا يرجع. فمن أراد النجاة فليحفظ قلبه بالتذكر، وليلوذ بربه عند كل نزغ، فإن من اعتصم بالله لا يضيع، ومن استجار به لا يُخذل. ثم يقول الله جل جلاله: ﴿ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي ۚ هَٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ تكشف هذه الآية طبيعة نفسية المكذبين حين يواجهون الحق؛ فهم لا يقفون عند حدود التكذيب، بل يتجاوزونه إلى التعنت واقتراح الآيات. فإذا لم تأتهم آية على وفق أهوائهم قالوا للنبي ﷺ: هلا اخترعت آية من عندك؟! وهذا يدل على جهلهم بحقيقة الرسالة، إذ توهموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يملك إنزال الآيات أو اختراعها، بينما هو عبد متبع للوحي لا يملك من الأمر شيئا. وفي هذا توجيه عظيم للدعاة إلى أن منهجهم ليس مجاراة الأهواء أو الاستجابة لمطالب المتعنتين، بل الثبات على الوحي والاحتكام إليه. ثم يلفت الله الأنظار إلى أعظم آية باقية، وهي القرآن الكريم، الذي جعله الله بصائر تبصر القلوب بحقائق الإيمان، وهدى يخرج الناس من الضلال، ورحمة للمؤمنين الذين يفتحون قلوبهم لنوره. فالهداية ليست في كثرة الآيات الحسية، بل في صفاء القلب واستعداده لتلقي الحق. ثم يقول جل جلاله: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ تؤسس هذه الآية أدبًا عظيمًا من آداب التعامل مع القرآن الكريم، إذ أمر الله بالجمع بين الاستماع والإنصات. فالإنصات هو كف الجوارح عن كل ما يشغل عن سماع القرآن، أما الاستماع فهو إلقاء السمع مع حضور القلب وتدبر المعاني. وهذا يدل على أن الانتفاع بالقرآن لا يتحقق بمجرد سماع ألفاظه، بل يحتاج إلى قلب حاضر وعقل متفكر. ولذلك رتب الله تعالى على هذا الأدب العظيم نيل الرحمة، لأن القلب إذا أنصت للوحي وتدبره امتلأ نورا وهداية. ومن أعظم مواضع هذا الأدب الصلاة الجهرية، حيث يؤمر المأموم بالإنصات لقراءة الإمام، تعظيما لكلام الله وإجلالا له. ويبقى هنا معنى يشدّني في هذه الآية الجليلة، وهو معنى الاستجابة، وما توجبه من فضائل للمؤمن. فكلما قويت الاستجابة عظمت الاستفادة، واستنار قلب المؤمن بفضائل الإيمان والقرآن. فمن أراد لنفسه قوة في الإيمان، قوة في العلم، قوة في العمل، فليقم نفسه على قوة الاستجابة لأمر الله عز وجل، فهي أرجى الوسائل نفعًا للقلب وثباتًا وحكمةً وبصيرةً وبركات! نسأل الله تعالى من فضله العظيم. ثم يقول الله عز وجل: ﴿ وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾

وهذا يربي النفس على خلق عظيم، وهو ترك التشدد في مطالبة الناس بالكمال. فمن ضيق صدره بتتبع أخطاء الناس عاش في شقاء دائم، أما من أخذ العفو وسامح وتجاوز، فقد عاش في سعة وراحة. ولهذا كان هذا الخلق من أعظم أخلاق الأنبياء، لأن الدعوة إلى الله لا تقوم مع القسوة والتعنت، بل تقوم على الرحمة واللين. ثم جاء الأمر الثاني: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ والعرف هو كل ما عرف حسنه شرعًا وعقلًا، من الأقوال الطيبة والأعمال الصالحة والأخلاق الكريمة. فالمؤمن لا يكتفي بسلامة نفسه، بل يحمل هم إصلاح المجتمع من حوله. فهو يدعو إلى الخير، ويحث على المعروف، ويعين الناس عليه. وهذا المعروف يشمل كل وجوه الخير: تعليم العلم، والنصيحة الصادقة، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإصلاح بين الناس، وإعانة المحتاج، والدلالة على الخير، والأمر بالعدل، والنهي عن الظلم. فحياة المؤمن رسالة خير تمتد إلى من حوله، لأن قلبه امتلأ بمحبة الخير للناس. لكن لما كان طريق الدعوة والإصلاح لا يخلو من أذى الجاهلين، جاءت الوصية الثالثة: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ والجاهل هنا ليس فقط من قل علمه، بل من غلب عليه السفه والطيش وسوء الأدب، وما أكثرهم بين عبيد الأهواء والرموز والمتعصبين للآراء والرجال. فمثل هذا لا يليق بالمؤمن أن ينزل إلى مستواه في الخصومة والجدال. ولذلك كان العلاج الذي يقدمه القرآن هو الإعراض؛ أي ترك مجادلة الجاهل والانشغال عنه. وهذا الإعراض ليس ضعفًا ولا عجزًا، بل هو قوة نفس وحكمة. لأن الرد على كل كلمة جاهلة يستهلك طاقة القلب ويشغل الإنسان عن مقاصده الكبرى. أما الإعراض فهو حفاظ على كرامة النفس، وارتفاع عن مستوى السفه. ولهذا كان من كمال هذا الخلق أن يقابل المؤمن الإساءة بالإحسان؛ فمن آذاه بقول أو فعل لا يقابله بمثله، ومن حرمه لا يحرمه، ومن قطعه يصله، ومن ظلمه يعدل معه. وهذه مرتبة عالية من الأخلاق لا يبلغها إلا من زكى الله قلبه وأصلح سريرته. ولهذا يمكن أن يقال إن هذه الآية رسمت ثلاث قواعد عظيمة في معاملة الناس: السماحة مع الخلق: في قوله ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ الإصلاح والدعوة إلى الخير: في قوله ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ الحلم وترك مقابلة السفه بالسفه: في قوله ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ فمن جمع هذه الثلاثة فقد جمع خلاصة حسن الخلق. ومن لطائف ترتيب الآية أن الله بدأ بالعفو، لأن القلب إذا امتلأ بالعفو واللين أصبح مهيأً للأمر بالمعروف. ثم ختم بالإعراض عن الجاهلين، لأن من يدعو إلى الخير لا بد أن يلقى من الجاهلين أذى وسخرية، فلا بد له من سلاح الصبر والحلم. ولهذا كانت هذه الآية منهجًا متكاملاً في الدعوة والحياة؛ تعامل باليسر، وانشر الخير، ولا تنشغل بجهل الجاهلين. فمن عمل بها عاش بين الناس كريم النفس، واسع الصدر، ثابت القلب، لا تؤذيه سفاهة السفهاء، ولا تصرفه عن الخير ضوضاء الجاهلين. ثم تمضي الآيات في خواتيم سورة الأعراف لتكشف للمؤمن طريق السلامة في معركة خفية لا تنقطع، وهي معركة القلب مع الشيطان. فبعد أن قرر القرآن حقيقة الولاية الإلهية للصالحين، بيّن الوسيلة العملية لحفظ هذه الولاية وصيانتها من مكايد الشيطان. يقول الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ النَّزْغ هو التحريك الخفي، كأن الشيطان يلمس القلب لمسة خفية فيثير فيه وسوسة أو غضبًا أو شهوة أو تثبيطًا عن الخير. وهذه اللمسة قد تعترض المؤمن في أي لحظة؛ في حال غضب، أو جدال، أو غفلة، أو فتور. ولذلك جاء التعبير القرآني بصيغة الاحتمال المتكرر: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ﴾، أي إن وقع منك شيء من ذلك في أي وقت. لكن القرآن لا يترك المؤمن حائرًا أمام هذه الوساوس، بل يرشده إلى الدواء المباشر: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾. أي التجئ إلى الله بقلبك ولسانك، واعتصم بحماه، فإن الشيطان لا يقوى على قلب احتمى بالله حق الاحتماء. فالقلب إذا اتصل بربه ضعف سلطان الشيطان عليه، لأن الشيطان إنما يتسلط على القلوب الغافلة البعيدة عن ذكر الله. ولهذا ختمت الآية بقوله: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع لندائك واستعاذتك، عليم بحالك وضعفك وصدق لجئك إليه، فيدفع عنك كيد الشيطان بلطفه ورحمته. ثم يكشف القرآن علامة فارقة بين المتقين وأولياء الشيطان، فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ الطائف هو الوسوسة التي تمر بالقلب مرورًا عابرًا كطيف الليل. وهذه اللمسة قد تقع حتى من المؤمن التقي، لأن الإنسان بطبيعته يعتريه الغفلة أحيانًا. لكن الفارق العظيم أن المتقي لا يستسلم لهذا الطيف، بل سرعان ما يستيقظ قلبه بالتذكر. يتذكر ربه، ويتذكر أوامره ونواهيه، ويتذكر عواقب الذنب، ويتذكر نعمة الله عليه، فتعود بصيرته التي كادت أن تغشى. ولذلك قال الله: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾

﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ في زمن تشتد فيه غربة الدين، ووحشة يصنعها التخلف العقدي والخلقي المتفشي، وصور الظلم والبغي بغير حق بلا خشية ولا تردد، تجد النفس راحتها في خواتيم سورة الأعراف. تجمع شتات الأمر وتشد الأزر، وتثبت المعالم، وتنير المقاصد والطريق. فيا لعظمة البلاغ ويا لجلال الهدي! يقول الله جل في علاه: ﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [ الأعراف: 196] تتجلى في هذه الآيات حقيقة عظيمة من حقائق الإيمان، وهي حقيقة الولاية. فالمؤمن حين يعلن: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ إنما يعلن انتماءه الكامل إلى ربه، ويقرر أن الحماية الحقيقية والنصرة الصادقة ليست في قوة البشر ولا في تدبيرهم، وإنما في ولاية الله لعباده. فالولاية رابطة عميقة بين العبد وربه؛ رابطة تقوم على الإيمان والطاعة والتوكل. فإذا تولى العبد ربه بالإيمان والصدق، تولاه الله بلطفه ورعايته، فصار في كنف عناية لا تضيع، وحفظ لا يخيب. ولذلك قرن الله ولايته بإنزال الكتاب، لأن هذا الكتاب هو أعظم مظاهر رحمته وهدايته لعباده؛ فمن تمسك به دخل في دائرة الولاية الإلهية، ومن أعرض عنه خرج إلى ظلمات الضلال. ثم تنتقل الآيات إلى كشف بطلان كل ولاية غير ولاية الله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ فيا للعجب من حال الإنسان حين يترك القوي القادر ويلجأ إلى الضعيف العاجز! كيف يُرجى نصرٌ ممن لا يملك لنفسه نفعًا ولا دفعًا؟ إن هذه الآية تقطع جذور التعلق بغير الله تعالى، وتعيد القلب إلى مركزه الصحيح: التوكل الكامل على الله وحده لا شريك له. ثم يزيد القرآن هذا المعنى وضوحًا: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا﴾ فهي جمادات لا تسمع دعاءً ولا تفقه خطابًا. بل قد تبدو للناظر وكأن لها حياة: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ وهذا تصوير بليغ لحال الباطل في كل زمان؛ فقد يلبس ثوب الحياة، ويظهر بمظهر القوة، لكنه في حقيقته جسد بلا روح، وصورة بلا حقيقة. ولذلك فإن من احتمى بالله واعتصم به لا يضره كيد الأعداء ولا تدبيرهم، لأن الضعف ملازم للباطل مهما بدا قويًا. فلو اجتمع أهل الباطل مع آلهتهم المزعومة على أن يضروا عبدًا تولاه الله، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. إن قوة المؤمن ليست في عدده ولا في عدته، وإنما في صلة قلبه بربه. ومن التأملات التي تقع في النفس في قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ أنها قد تشير كذلك إلى حال المكذبين الذين كانوا يرون النبي ﷺ بأعينهم، لكنهم لم يبصروا حقيقته ولم يدركوا صدقه. فهم ينظرون إليه نظر العيون، لا نظر البصائر. وهنا يبين القرآن الفرق بين البصر والبصيرة؛ فكم من إنسان يرى الحق واضحًا أمامه، لكنه لا يبصره لأن قلبه محجوب. وهكذا تجمع هذه الآيات بين معنيين عظيمين: الأول: طمأنينة المؤمن بولايـة الله له، وأن من تولاه الله فلا خوف عليه ولا حزن. والثاني: بطلان التعلق بغير الله، وأن كل قوة مزعومة دون الله إنما هي ضعف مستتر مهما بدا ظاهرها. ومن هنا يدرك المؤمن أن طريق النجاة هو أن يكون من الصالحين الذين وعدهم الله بالولاية، وأن يحرر قلبه من كل تعلق سوى التعلق بالله عز وجل، لأن القلب إذا امتلأ بمحبة الله وثقته، استغنى عن كل سند سواه، واطمأن إلى أن له ربًا يتولى أمره في السراء والضراء. ثم تأتي آية عظيمة، يحتاجها كل مؤمن مجاهد داعية في سبيل الله عز وجل: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ هذه الآية من أعظم آيات الأخلاق في القرآن، حتى قال بعض أهل العلم: إنها جمعت أصول حسن المعاملة مع الناس كلها في كلمات قليلة. فهي منهج رباني متكامل يضبط علاقة المؤمن بالناس في أحوالهم المختلفة. يقول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ فابتدأت الآية بالأمر بأخذ العفو، والعفو هنا ليس مجرد الصفح عن الخطأ، بل هو أوسع من ذلك. فالمقصود أن يأخذ الإنسان من الناس ما سهل وتيسر من أخلاقهم وأعمالهم، وألا يكلفهم ما لا تطيقه طبائعهم. فليس من الحكمة أن يطلب الإنسان من الناس الكمال، لأن طبائع البشر يعتريها النقص والتقصير. ولذلك فالمؤمن الحكيم يتعامل مع الناس بسعة صدر، فيقبل منهم ما استطاعوا، ويشكر لهم القليل قبل الكثير، ويتجاوز عن الزلات والهفوات.

أي أن الله يمحو آثار الذنوب عن عباده المؤمنين الصادقين. فالعبد مهما كان له من تقصير أو خطأ، فإن التوبة والطاعات والعمل الصالح تكون سببًا في محو السيئات وتطهير سجله من كل مخالفة ومعصية وذنب. ولهذا قال الله في موضع آخر: “إن الحسنات يذهبن السيئات”. فلا ينبغي للمؤمن أن ييأس بسبب ذنوبه، لأن باب التكفير مفتوح ما دام القلب حيًا بالطاعة. ولا يليق بالمؤمن إلا الاستدراك إلى آخر رمق! ثم تأتي البشارة الأعظم: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ أي أن الله يجازيهم على أفضل أعمالهم، ويتجاوز عن تقصيرهم. فالعبد يعمل أعمالًا كثيرة: فيها الإخلاص الكامل، وفيها ما يشوبه نقص أو غفلة، وفيها أمور مباحة لا أجر فيها. لكن الله من كرمه يجعل الجزاء على أحسن العمل، لا على متوسطه ولا على أدناه. وهذا من أعظم مظاهر رحمة الله بعباده. هذه الآيات من سورة العنكبوت تجمع بين التربية بالخوف والتربية بالرجاء. ففي البداية: ذكرت الابتلاء وكشفت حقيقة الفتن وحذرت من الاغترار بالمعصية ثم ختمت بالبشارة العظيمة للمؤمنين الصادقين. فالمؤمن يسير إلى الله بين جناحين: الخوف من التقصير والفتن والرجاء في رحمة الله ومغفرته. وإذا تأملنا هذه الآيات المتتابعة من سورة العنكبوت وجدنا أنها ترسم خريطة الطريق إلى الله عز وجل: يبدأ الطريق بدعوى الإيمان ثم يأتي الابتلاء ليكشف الصدق، وتنقضي الفتن فيتميز الصادق من الكاذب، ويُمهل أهل المعاصي لكنهم لن يفلتوا من الحساب، ثم تتجه القلوب إلى الغاية الكبرى: لقاء الله عز وجل. ولا يصل العبد إلى تلك الغاية إلا عبر مجاهدة النفس والصبر، إلا عبر الجهاد والثبات، وفي نهاية الطريق ينتظر المؤمن وعد الله بالمغفرة والجزاء العظيم. فهذه الحياة ليست دار استقرار، بل دار اختبار وتمحيص. والسعيد حقًا ليس من عاش فيها متفلتًا بلا محاسبة ولا غاية، بل من خرج منها وقد ثبت إيمانه، وغُفرت ذنوبه، واستحق لقاء ربه وهو عنه راضٍ. ولهذا كان أعظم ما ينبغي أن يشغل قلب المؤمن هو هذا السؤال: هل أنا ممن يثبت عند الفتنة، ويجاهد في سبيل ربه، ويسير صادقًا نحو لقاء مولاه؟ فإن كان الجواب نعم، فليبشر بوعد الله الذي لا يتخلف: ﴿ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. اللهم لقاء بك جل جلالك، يغبطنا عليه الأولون والآخرون!

هذه الآيات من سورة العنكبوت تؤسس قاعدة عظيمة في فهم الحياة: فليس كل من قال آمنت صادقًا، وليس كل من عصى ناجيًا، ولكن الله يمتحن القلوب ويُمهل العصاة ثم يأتي اليوم الذي تظهر فيه نتائج الامتحان! فلا يلومن الظالم إلا نفسه..! والسعيد من فهم سنة الله في الابتلاء، وخاف من الاغترار بالإمهال. نعوذ بالله من سوء المنقلب! ثم يقول الله عز وجل ﴿ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [ العنكبوت: 5] بعد أن بيّنت الآيات سنة الابتلاء وتمييز الصادق من الكاذب، وأن أهل المعاصي لا يفلتون من عدل الله، تنتقل الآيات إلى توجيه القلوب إلى الغاية الكبرى من هذا الطريق كله، وهي لقاء الله عز وجل. وهذه الآية تخاطب القلوب المؤمنة التي تحب الله وتشتاق إلى قربه وتسعى إلى رضاه سبحانه. فكأن الله يقول: يا من ترجون لقائي وتحبون قربي، أبشروا… فإن موعد اللقاء آتٍ لا محالة. فاللقاء مع الله ليس وهمًا ولا أمنية بعيدة، بل حقيقة قادمة لا بد أن يصل إليها كل إنسان. وكل ما هو آتٍ فهو قريب، وإن بدا بعيدًا في أعين الناس. وعندما يتذكر المؤمن أن نهاية الطريق هي لقاء ربه، فإن ذلك يغير نظرته إلى الحياة كلها. فيصبح الابتلاء عنده طريقًا إلى القرب من الله، والصبر وسيلة للفوز بلقائه، والطاعة دليل محبة لا مجرد تكليف. ولهذا جاء في الحديث عن أنس بن مالك عن عبادة بن الصامت أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: “من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه”. صحيح مسلم. لكن الآية تشير إلى حقيقة دقيقة: ليس كل من قال إنه يحب الله صادقًا في دعواه. ولهذا ختمت الآية بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: يسمع أقوال الناس ويعلم ما في قلوبهم. فقد يقول الإنسان: “أنا أحب الله وأرجو لقاءه”، لكن قلبه مشغول بالدنيا، وأعماله بعيدة عن الطاعة وسيرته منحرفة عن الاستقامة. والله يعلم الصادق في شوقه والكاذب في دعواه. جعلنا الله من أهل الشوق للقائه جل جلاله. ثم يقول الله عز وجل ﴿ وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [ العنكبوت: 6] فالطريق إلى الله يحتاج إلى جهاد لذلك تأتي الآية التالية لتبين أن الوصول إلى هذا اللقاء لا يكون بالأماني فقط بل طريقه وسبيله الجهاد..! بكل أنواعه وأشكاله. فالإيمان طريق فيه جهاد مستمر. جهاد النفس التي تميل إلى الراحة والكسل، وجهاد الشيطان الذي يزين المعصية ويحرف المسير، وجهاد أعداء الدين الذين يصدون عن الحق ويفسدون في الأرض. ولهذا كانت حياة المؤمن معركة مستمرة مع الهوى والباطل. وأول معركة يخوضها الإنسان ليست مع الآخرين، بل مع نفسه. فالنفس بطبعها: تميل إلى الشهوة وتتثاقل عن الطاعة وتبحث عن الراحة. ولهذا يحتاج المؤمن إلى الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على البلاء. وهذه الأنواع الثلاثة من الصبر هي أساس جهاد النفس. وتختم الآية بحقيقة عظيمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ أي أن الله غني عن عباده الذين خلق! فلا تنفعه طاعتنا ولا تضره معصيتنا، فهو سبحانه كامل في ملكه وكماله. لكن الطاعة والجهاد في سبيله نفعها كله يعود إلينا نحن، فهي تطهر قلوبنا وترفع درجاتنا وتقرّبنا من لقاء ربنا عز وجل. والله يأمرنا بما هو رحمةً لنا، ومن عصاه ظلم نفسه. والله هو الغني! كما قال موسى عليه السلام: “إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ” [إبراهيم: 8]. وإذا جمعنا هذه الآيات المتتابعة من سورة العنكبوت، وجدنا أنها ترسم منهج الطريق إلى الله: الإيمان لا بد أن يُمتحن بالابتلاء. والفتن تكشف الصادق من الكاذب. وأهل المعاصي لن يفلتوا من عدل الله. والغاية من هذا الطريق هي لقاء الله. والوصول إلى هذا اللقاء يحتاج إلى جهاد وصبر. فالدنيا كلها رحلة قصيرة، والسعيد من سار فيها: صابرًا على الابتلاء مجاهدًا للنجاة بنفسه مشتاقًا إلى لقاء ربه. ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [ العنكبوت: 7] وبعد أن بينت الآيات السابقة حقيقة الابتلاء، وكشفت وهم الإفلات من العقاب، ووجهت القلوب إلى الشوق للقاء الله، وأمرت بالمجاهدة في طريقه، تأتي هذه الآية لتفتح باب الرجاء العظيم لكل من سار في هذا الطريق. ولم يقل الله: “والذين آمنوا” فقط، بل قال: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ فالإيمان في القرآن ليس مجرد فكرة في العقل أو شعور في القلب فحسب، بل هو: اعتقاد في القلب وقول باللسان وعمل بالجوارح. ولهذا كان العمل الصالح دليل صدق الإيمان، كما أن الثمرة دليل على حياة الشجرة. ومن أعظم البشارات في هذه الآية قوله تعالى: ﴿ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾