es
Feedback
مقالات د. ليلى حمدان مفرّغة

مقالات د. ليلى حمدان مفرّغة

Ir al canal en Telegram

قناة خاصة بمقالات المرأة و التَّربية ( مفرَّغة ) القناة تحت إشراف طالبات الدكتورة.

Mostrar más
556
Suscriptores
+524 horas
+247 días
+13930 días
Archivo de publicaciones
نصل الآن للجزء الأهم في السؤال: كيف أهذب هذا الشعور وأقوي قلبي وأبني حالة من السكينة رغم اختلاف البيئة من حولي؟ الجواب في هذه المعاني المتصلة: كوني داعية لله تعالى .. داعية على نور من الله تعالى .. كوني أمة لله في أي مكان تكونين فيه، حققي مقامات العبودية لله تعالى بإخلاص، أيا كان ظرفك وموقعك، وأبشري بالخير والمعية. عليك أن تنظري للمشاهد بعين المُهاجِرة في سبيل الله تعالى، تستوعبين الضعف والاختلاف ولا تحملي نفسك أكثر من طاقتها. ليس هدفك كسب قلوبهم بل هدفك مرضاة ربك سبحانه تحدوك التقوى والإحسان إليهم، حتى لو قابلوا هذا الإحسان بسوء فهم أو إهمال، فأنت تجارتك مع الله جل جلاله. هذه قاعدة مهمة لك لتخفف من وطأة أي رد فعل يؤلمك أو يشعرك بعزة نفسك تعتصر، في لحظة إقبال يقطعها بخس أو صدود. بل قد تجدين معاملة مؤذية جدا وجارحة، لكن حين تتفكرين أنها في سبيل الله تعالى .. حين تقابليها بعفو وترفع عن حظوظ النفوس محتسبة، وإن كانت تهزك لعزة في نفسك، إلا أنك ما تلبثين تستشعرين إعزاز الله لك! ثم دعيني أوضح هذه الحقيقة التي في الواقع لم تعد غريبة على الكثير من المسلمين اليوم، فالغربة في حقيقتها ليست مجرد بُعد مكاني، بل حالة نفسية داخلية يمكن أن يعيشها الإنسان حتى في بلده. حتى بين أسرته ومعارفه وأقرب الناس إليه. قد ينتابك هذا الشعور حتى بدون السفر والاغتراب، يحصل ذلك حين تكون قيمك ومبادئك وما تؤمنين به وتعتقدينه بقوة، لا يتناغم مع المحيط من حولك. ويحصل ذلك حين نفتقد الصديق الصدوق، ونستوحش من فقد صحبة الأوفياء والصالحين، وحين نشعر بالحاجة للرفيق المتفهم والمساعد، الذي يخفف من وحشة غربة الزمان لا يتبدل. وفي الواقع هذا النوع من الناس وهذه الخامة من القلوب تحديدا لها مواطنها، وعادة ما تكون في ميادين الجد والسبق والعمل في الثغور في سبيل الله تعالى .. أو منعزلة في زاوية بعيدة عن الناس. فإن لم تجدي صديقة ومناصرة تعينك على غربة الطريق ابحثي عنها في وسطها أو صاحبي الكتب والعمل في سبيل الله تعالى وستحيطك ألطاف ربك وتأنسين بأنس يغنيك. اجعلي من قيمك ومبادئك التي تؤمنين بها وتعتقدينها – لنبلها وصدقها – قدوة فيك، تقدم المثال التقي والمحسن. ولن تجدي وقتا للتفكير في مشاعرك، حين تنغمسين في العلم والعمل. اصنعي لك وسطك المناسب ولو كان صغيرا، مع من يشبهونك ويتفقون معك ومع اهتماماتك ولو كانوا قلة. فالروابط الاجتماعية تخفف شعور الاغتراب، وهي إن رافقها تربية النفس على الاستغناء بالله تعالى تصنع لك وسطا هو وطن لك. تحدثي بلغتك مع من يفهمها، وحاولي أن تفرضي تقدير العربية في خطابك، ليتعلم الناس منك اعتزازك باللغة العربية، وشجعي من حولك على تعلمها. الغربة الحقيقية هي الغربة عن الإسلام وما يتصل به، وليس عن الناس والمكان. تحيطك اليوم ثقافات مختلفة وأذواق وأساليب تعامل متعددة، فتفهميها وتعلمي كيف تتعاملين معها، واستحضري حقيقة أن التكيف والاستيعاب لا يعني الذوبان. لست مجبرة على التخلي عن ثقافتك لأجل ثقافة أخرى. يمكنك مثلا تعلم ما يثير الاستياء في التعاملات بينهم وما يوجب التقدير، تعلمي كيف تكرميهم بما يحبون ولكن لا تتنازلي عن قيمك، فلو كانت ثقافتك تتطلب إكرام الضيف وهم قوم لا يتعهدون هذا الأدب، لا تتخلي عنه، اجعليه أسلوبك في تعليمهم الخير. فبعض الشعوب لا يهتمون بتفصيل الضيافة بينما العرب كرماء بالأصل. لذلك لا تتغيري لأجل أن الثقافة التي تتواجدين فيها لا تهتم بالضيافة على سبيل المثال. وعلى هذا المثال نقيس، ما فيه خير وإحسان وتمثيل للإسلام لا نتركه، ولو كان مهملا أو مبخوسا في وسط آخر، لأننا دعاة لله تعالى .. والبيعة لله تعالى. وهذا يساعد في ترسيخ جذورك وحفر الأثر والتفرد بما هو جميل فيك ويميزك!

نأتي الآن للإجابة عن سؤالك: كيف أستطيع التعايش والتوازن بين الحفاظ على هويتي الإسلامية والشعور بالطمأنينة والانتماء في بيئة تختلف عني دينًا وثقافة؟ لتحقيق ذلك يجب أن تحافظي على قاعدتين مهمتين تتعاملين وفقهما: الأولى: الحفاظ على مساحتك الخاصة، التي تجدين فيها نفسك وتنسجمين فيها مع خصائص حياتك وأسلوبك في الحياة، هذه المساحة هي كهفك، لا تقحمي فيها أحدا غريبا، حافظي على خصوصيتك فيها وهي مهمة جدا لك للاستقرار النفسي. تعيشين بكل التفاصيل التي تصنع راحتك النفسية ولأسرتك. لا تتكلفي التغيير في هذه المساحة. فهي وطنك، هي مملكتك، هي انعكاس ما تحبين في وسطك. لتسكن نفسك وتستقر. هذا عالمك الخاص على مستوى تفاصيل برنامجك اليومي، عباداتك، هواياتك، طعامك، زينة بيتك، اهتماماتك، ذكرياتك .. وكل خاص بك وما هو تحت مسؤوليتك وفي دائرة علاقاتك الأسرية. الثانية: مساحة العمل للإسلام، التي تعملين فيها لله تعالى، وفق خطط وأهداف محددة ومدروسة وبالنظر إلى حجم طاقتك وقدراتك وما يتوفر لك من فرص تناسب المسلمة في خدرها. هذه المساحة هي مثل الساحة المفتوحة الخارجية، تستوعبين فيها تعاملات الناس وعقلياتهم المختلفة ولا تتكلفي القرب الكثير ولا تنتظري الوفاء لك، فهي ساحة خدمة للإسلام، أنت فيه مرابطة مجاهدة، لا تنتظري فيها شيئا سوى أن تقدمي أثرا في سبيل الله تعالى. ولو كان هذا الأثر لا يتجاوز حسن الخلق في التعاملات، أو كرم الضيافة وجود التسامح والتفهم. إذا حافظت على مساحتك الخاصة، ومساحة العمل بحدود ما يخدم أداءك التقي والمحسن فيها، سيكون التوازن ثمرة هذا النظام، ويخف ثقل شعور عدم الانتماء بفضل الله تعالى. في الغربة لا حياة إلا للإسلام، فكل حياة ليست للإسلام ستتعبك كثيرا وتجدين نفسك تحملين أثقالا مع كل يوم حتى لو حاولت تبديدها باللهو والترفيه، إذ تضطرب مسيرتك لأنها بلا روح الإسلام وبلا غاية المسلمة الأرجى. وفي الواقع كل ما حولك يناديك، ويذكرك، أنك هنا لأجل رسالة وحمل أمانة! لذلك جدي لنفسك موطئ قدم يشغلك، وأعتقد أنك لست مضطرة لأن تندمجي تماما في هذا الوسط، قد يكفيك أن تقومي على ثغر يحتاجك، مثل تعليم اللغة العربية، أو توفير الترجمات، أو الأعمال التي لا تتلطب الكثير من الاختلاط مع الناس والتعامل المباشر وما تضطرب له النفس عادة، وليكن حضورك وآثارك على بعد مسافات، عبر الأنترنت مثلا، أو عبر محطات زمن متباعدة. ابحثي لنفسك عما ينسجم مع همتك وتوازنك وشخصيتك. واعلمي أن لا شيء يبدد شعور “الغربة الداخلية” مثل قوة العلاقة مع القرآن العظيم وعبادة التفكر، وما يوجب محبة الله عز وجل، فحاولي أن تستفيدي من قربك من القرآن ومن تفكرك فيما يجري في حياتك وما حولك، فهذه من الغنائم التي توفرها لك الغربة أكثر من مكان آخر تألفينه، إذ تزداد صلتك بالله تعالى وأنسك به جل جلاله، ثم دللي نفسك بجلسة في الطبيعة والتأمل والارتباط بالسماء، أكثري من الأعمال الصالحة، واهتمي بالخبيئة، ومضاعفة رصيد حسناتك، ٍتجدين راحة كبيرة بإذن الله تعالى. ابحثي لك عن هواية تسليك وتفيدك وتنعش تفكيرك، ابحثي عن فكرة تشغلك وتبدد أي تركيز في التفكير النمطي الذي يركز على التفاصيل المرهقة والمحزنة. وقد رأيت أن الغربة لها فوائد جميلة جدا، منها اندماج الثقافات، حيث تخرجين بأفكار مميزة تتولد من تلاقح الأفكار واختلاط الوصفات! ولا بأس من أن تتحول لمشروع تجاري دعوي، ما دام يحقق لك منفعة وللمسلمين فائدة. أتذكر في هذه الأثناء الصحابية الجليلة أسماء بنت عميس رضي الله عنها، لقد نفعت المجتمع المسلم بهجرتها للحبشة، فرجعت بمعارف في الطب وتعلمت خلال هجرتها وصفات القوم في التعامل مع الأمراض بل وحتى فكرة النعش كانت هي من أدخلها على المدينة، وهكذا، نصنع من التعارف على الثقافات الأخرى علما وعملا، ونسد احتياجاتنا، ونشكل بأنفسنا ثقافة أخرى نافعة، وفي ذلك متعة تجربينها بنفسك، مجرد وصفة تدخلين عليها قواعد طبخ مختلفة ستسعدك، وحتى تفاصيل الزينة والهدايا وكثير من ثقافات الشعوب فيها متعة وسعادة. لذلك أرى أن تتعلمي دمج الثقافات لتخرجي بأفكار مستنبطة من الاختلاف في الأطباق في أفكار البيت في اللباس في الزينة في العلاجات، في الخبرات، وفي كل ما يخطر ببالك، استفيدي مما لدى الآخرين من صفات وأفكار، وتذكري أسماء بنت عميس رضي الله عنها. أما تقييمات الآخرين فستتخلصين منها حين تحافظين على مسافة أمان بينك وبين الناس. لا تقتربي كثيرا فتفسدي صفو خصوصيتك وهويتك، ولا تبتعدي كثيرا فتُحرمي أنس الصحبة وبركات الاجتماع في سبيل الله تعالى. واجعلي ما يقوله الناس آخر اهتماماتك ما دمت تحاسبين نفسك وفق كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولديك قدواتك من الجيل المتفرد! فإرضاء الناس حقيقة غاية لا تدرك أبدا، ولكن إرضاء الله تعالى يكفيك كل هم ويغنيك..!

كيف نتجاوز كل ذلك أو بالأحرى كيف نخفف من أثر ذلك على النفس؟ لا تعاندي نفسك، تقبلي حقيقة أنك مغتربة في هذا الوسط، ولا يعني ذلك أن الخلل فيك أو في الوسط إنما هذه طبيعة بشرية، نسكن لما ننتمي له. ونستوحش مما لا ننتمي له. واحتسبي كل ذلك فله موجبات فضل. ثم ابحثي عن نقاط التقاء صغيرة، قد تكون مشاركة أفكار للطعام، أو حضور درس للقرآن والعلم، أو التعرف على الثقافة بشكل من الإحاطة التاريخية. ويبقى المسجد محطة تجمع كل المغتربين، وتوحد شعورهم، تحت سقف الإسلام العظيم. تتلاشى معها الكثير من الفوارق والاختلافات. حافظي على هويتك الأصلية، لا تحاولي محو نفسك بالكامل، فذلك يتسبب في ضغط نفسي كبير، بل حافظي على تفاصيلك التي تستقر معها نفسك، وليتعلم الجميع تقبلك بهذه الحال. استوعبي الثقافة الجديدة بمحاولة فهمها، وإيجاد أعذار وتفاسير لما يصدمك، والأهم قبل كل ذلك، الكفّ عن انتظار أي شيء منها، فأنت هنا بمقام المشاهدة فقط والمحسنة تحديدا، لا تنتظري شيئا أبدا، فإن أصابك خير، أكرمي الكريم مرتين، واحذري من اللئيم كل مرة مرتين! ولا تكوني مستغفلة. اجعلي شغلك الشاغل ترك الأثر الحسن والطيب، فأنت راحلة يوما ما من هذه الأرض، فليكن خير ما تتركينه، حجة لك عند الله تعالى. حدثي نفسك بذلك وأنت تمشين على هذه الأرض التي ستحتضن مشاعرك، وأنت تنظرين للسماء التي تطفئ هواجسك، حدثي هذه النفس بكل ما يقوي يقينها وصبرها وتوكلها، فتسترجعين أنفاسك! ولا تفوتك مقامات الدعاء العظيمة، ففيها موعد ظفر وتزود لا تتخلفي عنه وفاء ووجلا. عبارة: “لا أُعتبر “متدينة بما يكفي”، وأحيانًا أجد نفسي أبدو “متدينة أكثر من اللازم” في أعين آخرين”، تلخص واقعك بوضوح، لا يوجد مقياس واحد معتبر في هذا الوسط، ويجب أن لا يكون مقياس الناس هو المعتبر في كل وسط سواء المغترب أو الوطن. يجب أن نتحاكم دوما لما يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فما دمت في مرضاة الله لا تبالي أبدا ولا تحملي هم تقديم تفسير أو إرضاء أحد غير الله تعالى. لكن يمكنك أن توضحي الأمور التي تعتقدين أنها تصنع فجوة بينك وبين من هم حولك. خاصة ممن تتعاملين معهم بشكل مستمر، بتبيان الاختلاف في بعض القيم والعادات، فهذه التفاصيل تهمني، وهكذا عادة أفكر، وهذا أمر يحتويه الإسلام، ولا تكلفي نفسك فوق طاقتك.

مع التنبيه إلى أن الانتماء مهمة شبه مستحيلة في المجتمعات المختلفة طبيعة وأصولا وثقافة، وقد رأينا من حاول الانتماء لمجتمعات غربية واندفع نحو التنازل عن هويته وأصوله وحتى أخلاقه ومروءته، أو شيء منها، ومع ذلك لم يتخلص من شعور عدم الانتماء، فهذا أمر صعب لكون كل نفس قد جُبلت على السكن لما تنتمي له بداية، من عقيدة وخلق، من عادات وتقاليد، من طباع وأساليب حياة. حتى لو تغيرت عقيدتها وتبدلت طباعها، ستنادي نفسها عن ذاتها في داخلها وتسكن لما فيه هويتها وانتماؤها الأصلي حتى على مستوى طبق أكل، أو لغة حديث، أو مظهر لباس! وقفة مع الانتماء الانتماء حاجة أساسية للإنسان وعدم القدرة على الانتماء في مجتمع جديد يؤدي لشعور العزلة والاغتراب، وكلما تعمق هذا الشعور قد يؤدي إلى صراع داخلي بين الهوية الأصلية والهوية المطلوبة للتكيف. يبدأ عادة الإنسان بهذا الصراع بين الهوية والانغماس في المجتمع ثم كثيرا ما ينتهي إلى أزمة هوية إذا لم يجد الفرد طريقا للتوازن. وهذه الأزمة سبب شعور الوحشة وعدم الاستقرار. يعيش الإنسان بنصف حضوره! لأنه لا يسكن تماما. حتى لو أشبع احتياجاته الجسدية والمعيشية. وفي كثير من الحالات يؤدي الانخراط في مجتمع مختلف كليًا إلى صدمة ثقافية، وهي حالة توتر نفسي تظهر عندما تواجه النفس أنماط حياة وقيم أو سلوكيات غريبة. وهي من أكثر ما يسبب شعور الوحشة وعدم الانتماء. في البداية، قد يشعر المرء بالذهول والارتباك. بعد ذلك، قد يحاول التقليد أو التكيف بطريقة سطحية، لكنه غالبًا يواجه رفضًا داخليًا أو شعورًا بالضغط. إذا لم يتلق دعمًا أو أدوات للتكيف، قد يؤدي ذلك إلى انسحاب نفسي أو مقاومة التغيير. ويرى علماء النفس أن تحقيق التكيف الفعّال يتطلب الوعي الذاتي، وتعلم الثقافة الجديدة، وإيجاد شبكة دعم. وهنا نتحدث عن أهمية فهم واستيعاب الواقع الجديد بمنطق أصحابه، مع وجود دعم يثبتك ويعينك على الاستقرار النفسي والحفاظ على توازنك. فالفرق الكبير بين الذات الأصلية ومتطلبات المجتمع الجديد يولّد صراعًا مستمرًا. وفي حال المسلمة في الأغلب لا يكون في “الاندماج الكامل” أو “رفض المجتمع”، بل في إيجاد مساحة آمنة للهوية الأصلية مع تعلم قواعد المجتمع الجديد. نحن بحاجة لإيجاد طريق للتعايش المثمر دون أن نخسر أنفسنا وهويتنا وما يميزنا. كيف تشعرين؟ سأتحدث بلسان المغتربة، فهي حالة من عدم الانتماء في وسط غريب أو مختلف لما عهدته أو تنسجم معه. ينتاب المسلمة شعور غربة ووحشة، فكل ما حولها ليس اعتياديا تماما، هناك عادات غريبة، وهناك تصرفات وسلوكات قد تكون حقيقة مستهجنة جدا ومنكرة في ثقافتك، لكنها مقبولة جدا ومتداولة في ثقافة أخرى. هناك تفاصيل تعتبر أساسية في التعاملات تفتقدينها، هناك نوع فوضى في التعامل مع كان بالنسبة لك نظاما يجب عدم تجاوز حدوده أو على الأقل يتطلب احترام خطوطه. العيش في مجتمع مختلف يعني الاصطدام بما هو غريب وغير معتاد، وهذا يولد ردتين للفعل: إما أن يكتم المرء ردة فعله ويتعامل على أنه متقبل لكل ما يراه، بينما في باطنه هو حقيقة غير منسجم معه، فيصنع ذلك تراكمات وإحباطات وشعور وحدة ووحشة. وإما أن ينعزل، فيبتعد عن الوسط الذي ينازعه المفاهيم والعادات التي تربى عليها واعتاد عليها وانسجم معها. وفي ذلك أيضا شعور وحدة ووحشة. المرهق في كلا الحالين أن مجرد تفاصيل صغيرة جدا قد تتدخل وتغير واقع المرء المغترب تماما، وتشكل ضغطا على نفسيته، تفاصيل قد تكون مهملة في وصف الحياة لكنها في الواقع مؤثرة بعمق في حالته النفسية واستقرار هذه النفس. قد ينجح المرء في بناء صداقات لكن هذه العلاقات الجديدة تتطلب أن تحظى بمساحة استيعاب وتقبل وتعايش مع مسافة مرافقة هي مسافة الأمان، فقد تصيبنا خيبات، حين نصل لمرحلة نعتقد فيها أننا تمكنا من تحقيق إنجاز، ثم نجده مختلفا تماما عن توقعاتنا أو نجد في أنفسنا مع توالي المواقف أن علينا أن لا نُسلم له تماما. لذلك لا بد من مسافة أمان.

كيف أستطيع التعايش والتوازن بين الحفاظ على هويتي الإسلامية والشعور بالطمأنينة والانتماء في بيئة تختلف عني دينًا وثقافة؟ السؤال جزاكِ الله خيرًا على ما تكتبينه من مقالات نافعة وملهمة. قرأت مقالتك “كيف أبدأ تعلم العلم الشرعي وأتفقه في أمري؟”، واستوقفتني عبارتك عن أن العلم باب للطُمأنينة، وكيف أن البداية تكون بصدق النية وكثرة الدعاء، وهذه كلمات أثارت في داخلي رغبة حقيقية في التصالح مع نفسي والعودة إلى طريق الاستقامة دون توتر أو ضغط. كما تأثرت كثيرًا بمقالك “يؤلمني ما يحدث للمسلمين، كيف أعد نفسي حتى أنصرهم؟”، وخاصة حديثك عن أهمية الإعداد القلبي والإيماني للفرد قبل أن يسعى للتأثير، وهو ما شعرت أنني أفتقده في هذه المرحلة. لقد نشأت وتربيت طوال حياتي في دول مسلمة، وانتقلت بين ثلاث دول عربية قبل أن أستقر منذ ثماني سنوات في …. ومنذ أن جئت إلى هنا، وأنا أواجه صعوبة حقيقية في التأقلم. أفتقد تفاصيل كنت أراها بديهية: سماع الأذان، رؤية المحجبات في الشارع، وحتى مجرد الإحساس الجماعي بهوية إسلامية تحيط بي. لكن الصعوبة الأكبر التي أعيشها هي الشعور الدائم بعدم الانتماء. في بعض الأوقات أشعر أنني لا أندمج مع المجتمع المسلم هنا، ربما لأنني لا أُعتبر “متدينة بما يكفي”، وأحيانًا أجد نفسي أبدو “متدينة أكثر من اللازم” في أعين آخرين. ومع غير المسلمين، أشعر أن هناك دائمًا فجوة في القيم والعادات لا أستطيع جسرها. فأبقى دائمًا في المنتصف، لا أشعر بالانتماء التام لأي جهة. سؤالي لكِ: كيف أستطيع التعايش والتوازن بين الحفاظ على هويتي الإسلامية والشعور بالطمأنينة والانتماء في بيئة تختلف عني دينًا وثقافة؟ كيف أتعامل مع شعور “الغربة الداخلية” حتى عندما أكون محاطة بأشخاص؟ وكيف أجد لنفسي طريقًا واضحًا في علاقتي مع الله، دون أن أضيع بين تقييمات الآخرين؟ أرغب في استشارة منك، إن تكرّم الله عليكِ بالوقت، حول كيفية تهذيب هذا الشعور، وتقوية قلبي، وبناء حالة من السكينة رغم اختلاف البيئة من حولي. وفقكِ الله وسدد خطاكِ، وفتح عليكِ من فضله. الجواب حياك الله وبارك بك، تسلط رسالتك اليوم الضوء على جزء منسي من يوميات مسلمة في بلاد بعيدة مختلفة. حيث تعيش شريحة كبيرة مغتربة شعورا دائما بعدم الانتماء، وهو شعور مكلف وليس بهين، وإني أحسب أن منطلقاته ستحدد حدته أو يسره، فإما أن تخفف هذه المنطلقات من تكاليفه أو تزيدها تكلفة. كيف ذلك؟ كل اغتراب، كل خروج بعيد عن الديار الأولى التي ننتمي لها، وكلما كانت المسافة بعيدة والاختلاف واضحا والثقافة مغايرة، فإن المشاعر تضطرب والوحشة تزيد. إلا أن هناك نوعين من الاغتراب: الأول: اغتراب في سبيل الدنيا، لأجل تحسين المستوى المعيشي والاجتماعي، وهذا النوع من الاغتراب يتطلب مجاهدة النفس لحفظ الهوية، لأن المغترب لا يحمل رسالة معه سوى أنه يسعى لرزقه وتحسين ظروفه الحياتية، فيتأثر بسرعة، وينجرف بدون أن يشعر، ولا يجد حرجا في تقديم التنازلات لأجل مصالحه الدنيوية، ومثل هذا المغترب إن لم يتزود لثبات قلبه وإن لم يعتز بهويته، فإن انجرافه سيتسبب في تفريط مثخن في دينه وأصوله، ومشكلة هذا الانجراف أنه مكلف وخسارة للإسلام وخذلان لمقام نصرته، قبل كل شيء آخر، وما أكثر نماذجه في الغرب. الثاني: اغتراب في سبيل الله تعالى، لأجل الثبات على الدين وحمل رسالة الإسلام بغض النظر عما يرافقه من احتياجات معيشية أو ظروف حياتية، ولو اقترن بالبحث عن الرزق، أو الفرار من القمع والاضطهاد، يبقى الأصل فيه هو حمل رسالة الإسلام، ليعبد المرء ربه، ويظهر شعائر دينه بدون تضييق، وهذه هجرة لله تعالى لها موجباتها كما لها تكاليفها لكنها من حيث حال النفس فهي غالبا ما تكون في استقرار ومسابقة، رغم ما يعتريها من تبعات هذه الغربة. وهذا يعني أن علينا ضبط نيتنا في كل سفر واغتراب نجد أنفسنا فيه أو نُقدم عليه، علينا بداية أن نجعل غايتنا وهدفنا من كل حركاتنا واضحا لا لبس فيه، فإن كان سفرك هذا لعمل أو ظروف معيشية وحظ دنيوي خالص، فيجب من الآن أن تقرنيه بنية تمثيل الإسلام أفضل تمثيل وحمل أمانة دين الله تعالى باجتهاد، والمسابقة في أي مكان أوجدك الله تعالى فيه كأمة لله تعالى ترجو رحمة ربها، فتنصره وتخدم دينه وتدعو إليه، وهنا تتغير تفاصيل حياتنا تماما، فقد أصبحنا نحمل مهمة وغاية مؤيدة من الرحمن مولانا..! وحامل الرسالة مجاهد مرابط مؤيد، معية ربه تغنيه. ضبط هذه النية مهم جدا، فقد رأينا من يعيش في بلاد بعيدة مختلفة، كيف يكون أكثر اضطربا كلما كان بعيدا عن أصوله وأمانة دينه وارتباطه بالعمل للإسلام، وكلما كان منغمسا في الحياة الدنيا، تشتد مسافاته اضطرابا ووحشة.

كُتيب: رِحلة التّعافي دليل الفتاة الشامِل للتّعافي من العلاقات غير الشرعية (دليل تطبيقي وعملي). بقلم: شام محمود

رحلة التعافي: كلمة لا بد منها فيما يلي مقدمة لكتاب “رحلة التعافي”. استوقفني عنوان “رحلة التعافي” بشجن، فهذا كتاب لطالما تمنيت أن تنبري لـه الأقلام بالتفصيل والتبيان، لعلها تنتشل قلوبا منكسرة، وتُسعف جراحات نزفت ولا تزال تنزف في عتمة وانفراد. “رحلة التعافي” حاجة منشودة بشدة وفق الله تعالى كاتبته شام محمود لإيفائه التفصيل المناسب، في زمن استهين فيه بخطر العلاقات المحرمة وتقع في كل يوم منه ضحية الغفلة، الكثير من الفتيات والنساء اللاتي تكبدن الخسائر المثخنــة في قلوبهن وأحلامهــن وحـــتـى أجسادهن. لقد عهدت شام مسابقة في رصد الاحتياجات وتلبية النداءات توظف ملكتها في الكتابة تبيانا ونصحـا، ودعوة ونصرة فكان لوقع قلمها المعاني الرقيقة التي تداوي وتحتضن هواجس الأرواح المثقلة بالألم. أخية، يا من وجهت لها الكاتبة هذه الكلمات والمعاني الناصحة، اقرئـي هـذا الكتاب واستفيدي مـن كـل حـرف فيه، فقد خُطّ بعين المشفق المحب، وضمير الناصح الأمين، ومسؤولية الصدق والمروءة. إنه كحبل نجاة وطوق ينتشلك من وهم وسراب، لطالما أفسد عليك طيب المقصد وجمال الحلم المنشود وحرمك موجبات التوفيق والسعادة الحقة. وإن كان من نصيحة مني إليكِ يا من ابتليت بهكذا علاقة سامة ضارة، فلا تصدقي! إياك أن تقعي في فخ التصديق لدعوة تعجبك وتجذبك ولكنها تخدعك! فكلـه سـراب كاذب وتضليل مخادع. لا تسمحي لنفسك أن تكوني ضحية شهوة مريض قلب، أو نزوة شاب لم ينضج بعد، ولا تسلية لمرحلة إشباع نقص بتحد فاشل! إياك أن تُسلمي قلبك لمن لا يستحقه ولا يليق الصدق به. صوني نفسك يا أمة الله، فإن لصوص الأعراض اليوم يتسترون بالفضيلة وبالأدب وفي داخلهم وحش وخيبة، وإن تداعيات الغفلة تنهش الرجال والنساء كلمــا أسرفوا في التمادي بلا خشية! لا تصدقي أبدا ما تسمعين منه ويطرب لـه قلبـك، ولو أقسـم لـك ولـو حـلـف، فإن الخيبات التي أرى في رسائل المنكسرات ممن خذلتهن اختيارات الأماني والاحتياجات في لحظـة غفلة، لا تكفيها المجلدات لإيفاء فجيعتهن حقها من الرثاء! لا تصدقي أخية، وسدّي الذرائع، يتحصن قلبك وتستقوي نفسك، فلا تصلي لمرحلة التفكير هل هذا هو الحلم؟ هـل هـو البطل ؟ هل هو من أشاركه حياتي حتى مماتي! وتدخلين في مستنقع التنازلات القبيحة، والمتاهة التي تسلبك الأمان في سبيل ما تعتقدين أنه الفارس الحلم، وما هو إلا المحتال، فالفارس الأصيل لا يستهين بعرض مؤمنة ولا بأعراض المسلمين يعبث، ويأتي البيوت من أبوابها يعلم أن الله يراه! من تبحثين عنه وتحلمين به لن يطرق النافذة ولن يتلصص من الفتحات. بل سيكون شجاعا أبيا يأتي البيوت كمـا أمــر الله. وغير ذلك لا يلزمك ولا يجدر بـك التعلـق بكذاب! كل من يستحل الخاص ليضع يده على قلبك ويسترق مشاعرك، يفعلها مع غيرك وغيرك وغيرك، فانتبهي، لا تصدقي سيردد العبارات نفسها التي هزتك وأبكتك وأشعلت قلبك بحب التضحية لأجله وفداء نفسه، سيرددها بابتذال مجحف وخائن، مع أخريات، وبالمبررات نفسها وبالمعاذير ذاتها يتملص! أخية، لست المفضلة ولا الوحيدة ولا فتاة أحلامه التي يحلم بها، بل أنـت مجـرد درس صادم يعيد لك رشدك، وصفعة حقيقة تخرجك من سكرتك ولذلك “رحلة التعافي” هنا لتمد لك اليد، وتحميك من شر نفسك وكسر يفجعك، وتهمس لك: لا تستمري في هذه الهزيمة المحققة، واخرجي من مستنقع الظلام الخادع أنقذي نفسك قبل أن تخسري هذه النفس! فلا حب يبتذل في ميادين الكذب ولا حب يُنحر في مساحات الحرام، وإنمـا الحـب مــا يحب الله ورسوله. كلماتي موجهة للمسلمة التي ضعفت وأخطأت وهي ترجو رحمة ربهـا، وليس للبغـي والفاسدة التي انتكست فطرتها وتعمدت بخبث وسيلة ومقصد ولوج الحرام باستكبار وقلة حياء، لا ترهبها المجاهرة بالمعصية ولا كثرة العلاقات المحرمة المتتالية، فهذا الصنف، يحذر منه ويبتعد عنه وينكر بشدة عليه، لأنه سام ومريض ما لم يتب التوبة النصوح، ويكـف عـن تعدي حدود الله تعالى مرارا وتكرارا قد أمن مكر الله. أحييك يا شام الأبية، لقد أحسنت العناية بجوانب هذه القضية، وأسأل الله تعالى أن يجعلك سبب شفاء القلوب المؤمنة التي لا تزال تنزف.. وهي تنزف مرتين مرة لحجم التفريط الذي فتك وأورد المسلمة الطريق الخطأ، ومرة لحجم الندم على كل لحظة استغفلت فيها الفتاة واستنزفت فيها مشاعرها هدرا فذبحها الحياء من ربها وأتعبتها عزة نفس مؤمنة تؤنبها عند كل تذكرة، ولكن التوبة تطهر الصادقة، وتقلب الخسائر إلى غنائم ومكاسب، بل إلى فتوحات وتمكين يُفدى ولكن فقط بصدق التوبة وصدق الاستقامة، والتأدب ممـا مضى. والبداية برحلة التعافي، فالحمد لله على نعمة التواصي وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لیلی حمدان

كيف أتخلص من سطوة الشراء والاستهلاك؟ “أغرقت الرأسمالية الشعوب في اللهث خلف الشراء والاستهلاك وعودتها الترف والدعة. بينما الزهد والاكتفاء بما هو في حدود الحاجة، يصنع في النفس القناعة، ويحوّل تركيزها لما هو أهم وأجدى! لذلك يعد الزهد أول معاول هدم الوهن. فابدأ من تربية نفسك وإقامتها على الزهد في الحياة، كن قائدا لا تابعا”. حقيقة أصبح الأمر صعب على النفس والله، هل من نصائح تعيننا على تطبيق ذلك؟ الجواب القاعدة الأولى: لا تشتري إلا ما تحتاجين إليه ولا تشتري كل ما يعجبك. القاعدة الثانية: اكتفي بما يكفيك. لا داعي لتكديس الأغراض والحاجيات بشكل مضاعف. فما لديك منه لا داعي لشراء مثله. القاعدة الثالثة: الابتعاد عن أماكن التسوق، لا داعي لدخولها إلا في حالة كان هناك حقا حاجة لشراء شيء محدد. في يدك قائمة محددة. القاعدة الرابعة: وهذه تتعلق جدا بالنفسية، عند الشعور بالحزن أو الانزعاج لا تدخلي سوقا، بل اجلسي في مكان طبيعي، أو صلّي، أفضل. لأن المشاعر السلبية تتأثر بالإسراف وتتجه نحو الإسراف. القاعدة الخامسة: احذري من صحبة مسرفة، وحاولي أن لا تنجري لعلاقات لا تقدر قيمة النعمة، وتهدرها بلا مبالاة. القاعدة السادسة: الاهتمام بالتفاصيل، لا تمري على قطعة خبز في الأرض بلا مبالاة، بل نحملها ونتصرف فيها كأن نعطيها للطيور بنية الصدقة. القاعدة السابعة: حددي احتياجاتك مسبقا، لا تطبخي كميات كبيرة فتلقي بما يزيد للقمامة، واحرصي على أن تتصرفي في بقايا الطعام، فما يصلح للأكل أعيدي تسخينه وطوريه بوصفات عملية. القاعدة الثامنة: إعادة التدوير، تساعد في اكتساب ذهنية اقتصادية تحسن التدبير. القاعدة التاسعة: اطفئي نظرة الانبهار في كل شيء، زاحميها بالنظر في معالي الأمور، وكوني واقعية، فالتركيز على الزخرف يصنع إقبالا على الشراء، لكن القناعة جميلة والرضا والاكتفاء يتحقق مع حديث النفس الواعية من أن كل شيء ينتهي بريقه بعد أن نحصل عليه. فتأثيره الجاذبي مرحلي، لذلك لنتجاوز، وبعد دقائق يصبح غير مهم. القاعدة العاشرة: حسن إدارة المال، لابد من دراسة الميزانية وتقسيمها بشكل واقعي: نسبة للمصاريف وأخرى للاحتياجات الطارئة، وأخرى للصدقات وهكذا لا نخرج عن إطار هيكل الميزانية. ولا نتكلف ما لا نطيقه. القاعدة الحادية عشر: فكرة الاستبدال العملي، ليس كل شيء يجب شراؤه أحيانا نستطيع أن نستغني، بصناعة الأشياء بأيدينا، وفي ذلك متعة، أو بإعادة توظيف أشياء لدينا وفي ذلك اقتصاد. القاعدة الثانية عشر: الاطلاع على أحوال المستضعفين من المسلمين بشكل يومي، لندرك قيمة النعم ونكثر الحمد والشكر ونصون ما وهبنا الله تعالى .. ونكف عن التفكير الاستهلاكي الذي يصنعه الارتهان للدعايات والإعلانات الترويجية الكثيرة. القاعدة الثالثة عشر: الابتعاد عن مراقبة ما لدى الآخرين والترفع عن المقارنات. القاعدة الرابعة عشر: تدبر الآيات والأحاديث، فالله تعالى لا يحب المسرفين، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول:”لَوْ كانَ لاِبْنِ آدَمَ وادِيانِ مِن مالٍ لابْتَغَى وادِيًا ثالِثًا، ولا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ علَى مَن تابَ”. هذه على عجالة، وإن بقيت من نصيحة، فالخامسة عشر: الانغشال بالعمل الصالح والوقوف على ثغور الإسلام، والسعي لمضاعفة عداد الحسنات، يشغل المرء عن الاستهلاك ويحوله إلى مسابق في سبيل الله تعالى لا يكاد يجد وقتا للتفكر فيما يشتري!

التاريخ عبرة، المنهج قدوة: واجب إعادة الأمة إلى رشدها مما يجدر التنبيه عليه .. إن من أخطر مواطن الضعف لدى كثير من المنظّرين والجماعات الإسلامية اليوم، الاندفاع نحو استنساخ تجارب بشرية قاصرة لدول مضت في التاريخ، والاعتقاد بأنها النموذج الذي يجب بلوغه لمجرّد ما حققته من قوة وتمكين وسيادة في زمانها. وهذا خطأ فادح. فنحن – وقد وصلنا إلى مرحلة عميقة من استضعاف المسلمين وتخلّفهم عن دين الله تعالى وميادين السيادة والريادة – مكلّفون بالعودة إلى المنهج النبوي الخالص، لا بالتشبّث بأنماط دول وأقوام زال سلطانهم، وانطوت صفحاتهم بحسناتهم وسيئاتهم ومخالفاتهم، ولم يبق منها إلا عبرة لمن اعتبر. وما لم يدركه بعض الناس أن الغاية اليوم ليست إقامة دول لرفاهية معيشية فحسب، بل إن مهمتنا أعظم وأدق: إنها لعودة الكاملة إلى دين الله على منهاج النبوة وتبليغ الرسالة كما جاء بها نبينا ﷺ، بعيدًا عن تحريفات المتأولين وتلبيسات المبتدعين وانحرافات أصحاب الأهواء، لأن السيادة في آخر الزمان مرهونة بهذا المنهج وحده. وفي هذا حكم جليلة، في مقدمتها، أداء الأمانة كما أنزلها الله نقية من الانحرافات التي طرأت على لا إله إلا الله على امتداد محور الزمن، ليعيش الناس عظمة الدين حين يُصان من محاولات إخضاعه للأهواء وحظوظ النفوس والانحرافات البشرية. ولذلك يجب أن تُبنى الخطط والاستراتيجيات على هذا الأساس: – بالتأدب مع التجارب التاريخية دون أن تُتخذ قوالب جاهزة للتقليد العاجز. – وباستقراء المستقبل على ضوء أحاديث آخر الزمان ونبوءات النبي ﷺ. وهذا كله يستلزم مراجعة صادقة واعية للأخطاء الماضية، واستثمار معطيات الواقع بذكاء وحكمة، للوصول إلى الهدف الأسمى وهو ترسيخ منهج النبوة وجعله غاية كل مشروع؛ فالدول تُسخّر لنصرته وحفظه، لأنها وسائل لا غايات، بينما الغاية الحقيقية هي إقامة الدين كما أراده الله، لا كما تمليه أهواء البشر ومصالحهم وغريزة حب البقاء والتفوق. وبهذا تتجلّى آية من آيات الله الكبرى… إذ يقود عباده عبر السنن والابتلاءات والآيات الجليلة إلى قضاء كان مفعولا، يتحقق به عمران بيت المقدس، وتتوج به كل الاستراتيجيات الصادقة التي جعلت من تحكيم منهج النبوة في الأرض غاية تُفدى، وتُسخَّر لها كل وسيلة وطاقة ونَفَس وحِسّ. لقد ولّى زمن الملك العضوض! وما ينتظر هذه الأمة هو العودة المهيبة لمنهاج النبوة. فلن نرجع للخلف! بل نرتقي بأمانة وصدق..

عودة النساء لمواقعهن الصحيحة بفهم صحيح لهذه المواقع، عملية معقَّدة و مكلِّفة مشاهدة وتنبيه! في كل مرة تقع العين فيها على مناقشات التواصل، تتراءى بين الردود معرفات لنساء وفتيات، يحملن شعار “طلب العلم” و”الدعوة لله” و”الإصلاح” وأغلبهن يناصرن شيخا أو جماعة أو دولة، ويحملن حرقة وهدفا واضحا لا يخفى في ردودهن. لكن ما يوجب التنبيه بشدة، وتسليط الضوء عليه بدون مواراة، هو أن هذه الشريحة من الناشطات على مواقع التواصل، تسيء للعلم وللدعوة وللإصلاح أكثر من خصومهم الذين انبرين للرد عليهم والإغلاظ، ذلك الإغلاظ الذي يصل في حالات إلى حد الردود اللئيمة والقبيحة والمتعصبة بتفلت، ولا تفعل غير إضافة المزيد من الردود الجدلية الفاقدة لقوة الحجة وهيبة الأدب. هذه الشريحة، تسيئ جدا للملتزمات، وتسيء أكثر لأنفسهن، واعتقاد أنهن بذلك يقدمن نصرة تُثمن، وفي ثغر يُشاد بالرباط عليه، بعيد تماما عن الواقع، بل على العكس من ذلك، هن يقدمن حجة على من ينصرن دون أن يشعرن. يا أمة الله، أعلم أنك تتشبثين بحلم وهدف، وتبذلين لأجله، ولكن لا يكونن ذلك على حساب حياء المسلمة وعفتها، لا يكون على حساب هيبة الخدور والستر من وراء حجاب. يا أمة الله، يا من تسابق على منصات التعلم والدعوة، انتبهي! نصرة من تحبين وتثقين وتزكين، لا تكون على حساب موقعك كأمة لله تعالى، حيية، تصون نفسها من البغي والعدوانية. وإن كنت حقا تؤمنين أن من تنبرين لنصرته شيخا كان أو جماعة أو دولة، هو الحق الأبلج، فماذا سيضره تخلفك عن معامع الردود والمشادات الكلامية في التواصل مع الرجال والمجاهيل ممن ترصدين في حسابات لا تخصك؟ مالك ومال الرجال تدخلين على حساباتهم بل ويصل الأمر لاقتحام الخاص، لرفع صوتك مجادلة وتماديا؟ إن الدعوات الغربية في تحرير المرأة، والنسوية، تتسلل بزي إسلامي، لإثبات حضور هذه المرأة بتوظيف يضرها لا ينصفها. وإن كان البعض لا يزال ينكر وجود هذا النوع من الناشطات، فالصادقون المنصفون يعلمون أنهن منتشرات على مواقع التواصل وأن العديد من الأفاضل يتجنبون الاشتباك معهن لسلاطة في اللسان وقبح في الأسلوب ولؤم العبارات! أخية، العلم والدعوة، إن لم تصلح قلبك أنت أولا وقبل كل الناس، إن لم تربك أنت – خاصة – على التقوى والحياء، فلا خير في تصدر ينقض الغزل ولا خير في مزاحمة للردود تجلب السب والشتم والعار! إن الفتاة التي تستنير بأنوار الإيمان، تزداد عفة وأدبا، فإن رأيتها تتوقد لؤما وتنافس في الصفاقة، على اعتقاد أنها تناصر أهل العلم والدعوة، فلم تستوعب بعد أنها تتخبط في مستنقع جهل. ونسأل الله أن ينتبه أصحاب المنابر والدعوات لما يجري حولهم ولا ينشغلوا عن دقائق الانحراف في هذه الشريحة على اعتقاد أنها لا تؤثر، فإن إهمالها يصنع منها منهجية وعقيدة! وما أبشع المرأة المسترجلة بلباس دين ودعوة! ما أبشع نسخة جديدة من النسويات المتعصبات، يرفعن راية نصرة الدين والأمة وهن لا يمثلن نساء السلف ولا أمهات المؤمنين بأساليبهن المستهجنة دينا وعرفا! ما هكذا تورد الإبل، وما هكذا تنصر الحرة دينها ولا تنقذ الأمة! فالله الله في الاستقامة كما أمر الله تعالى لا كما تملي تحالفات النصرة الإعلامية. على منهج النبوة نريدها لا على منهج الجاهلية المعاصرة. فمن وعت النصيحة لتستقم كما أمر الله تعالى ولا تلتفت لغير ما فيه صلاح قلبها ودينها ولا عليها بما بعد ذلك، فالله تعالى أجل من أن يُظلم عنده أحد! وأما من استكبرت وتخلفت، فلا تضر إلا نفسها ولا تقيم الحجة إلا على من يستنسخ غلطها. عودة النساء لمواقعهن الصحيحة بفهم صحيح لهذه المواقع، عملية معقدة ومكلفة، كما يتراءى في كل يوم! ولكن الدين النصيحة، والله من وراء القصد.

واستمرت البطولة في عصر الفاتحين والدول الإسلامية وعلى تلك المعايير، نشأت أجيال الفاتحين وأبطال الإسلام جيلا بعد جيل! يحمل الطفل منذ صغره همة رجل كبير، وطموح كتيبة وجيش! فذاك فاتح السند محمد بن القاسم، فتح بلاد السند فتحًا مهيبًا، واقتحم بخيله وسيفه قائدًا لجيشه أرضًا يجهلها ويجهل أهلها، وينتصر فيها أعظم انتصار عرفه تاريخ تلك الأرض! وأدخل أهلها الإسلام، فكان أول مسلم يطأ بلاد السند، وكان عمره لم يتجاوز 17 سنة!! واليوم 17 سنة يجبن ويترك صلاته ويهجر القرآن، وأحلامه لا تتعدى سيارة فارهة ورفاهية فانية لا يأبه لحال المسلمين ولا لدوره في إقامة بنيان الإسلام في الأرض! وحسبنا الله ونعم الوكيل! وكذلك نرى البطولة منذ سن صغيرة في تاريخ الدول الإسلامية، لقد كانت ميادين التربية الإسلامية، مصانع للرجال وفق طراز متوفق! فالسلطان جلال الدين خوارزم شاه كان عمره 21 سنة حين حقق انتصاراته التاريخية وكان أول من انتصر على جانكيز خان قائد جيوش المغول! ومحمد الفاتح كان عمره 21 سنة حين استلم الحكم وفتح القسطنطينية على عمر 23! وعبد الرحمن الناصر حكم الأندلس على عمر 23 عاما. وعبد الرحمن الداخل أقام ملكا في الأندلس وحضارة ممتدة ولم يتجاوز 23 سنة! والناصر محمد بن قالوون رد جيش المغول عن الشام بنفسه وعمره لا يتجاوز 18 سنة! والظاهر بيبرس قاهر المغول والصليبيين سطر بطولاته ولم يتجاوز 25 سنة! واليوم، يبلغ الشاب 30 سنة ويقال له لا تزال صغيرا! فكان ما نرى ونسمع من وهن واستضعاف مهين!! أين المشكلة وما الحل؟ إن المشكلة الحقيقية التي يجب حلّها واستدراكها عاجلا غير آجل هي في معايير التربية ومناهج إنشاء الأجيال، إنها في تصورات الآباء والأمهات وجهلهم بحقيقة قدرات الشباب وسنين تتفجر فيها العبقرية، فتهدر هدرًا في مناهج تربية وتعليم بائسة تعيسة دفنت الطاقات وحاصرت المواهب وقبرت الشباب، فلا تتعدى همة الواحد منهم بطنه ونفسه! وأصبحت حجة المراهقة كابوسًا يطارد كل من بلغ الحلم! لقد أصبح الشاب عجوزًا وهو لا يزال في العشرينات! ضعيفًا وهو في شدة البأس، بخيلا وهو في قمة العطاء! لقد ابتلي الأبناء بأمهات يُرضعن أبناءهن الجبن وحب المال حبًّا جمًا من سن صغيرة! وآباء لا تتجاوز همتهم إشباع البطون والتنافس على زخرف الدنيا، فانتكسوا وأنكسوا! لقد آن الأوان لتغيير كل هذه المناهج والمقاييس الفاسدة! فيا أيتها الأم أبعثي ابنك ليثًا هصورًا ولا تخشي عليه شيئًا، علميه اقتحام المعامع وإثبات رجولته منذ سن صغيرة، لا تربيه تربية الأنثى ولا تربية الطبطبة، بل ربيه رجلا لا يخشى مقارعة العدى! حمليه المهام التي يقوم بها الكبار وأشعريه برجولته مبكرًا. أيها الأب علم ابنك أخلاق الفارس ومروءة الفرسان، علمه أن حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم قبل أبيه وأمه وكل الدنيا. ارفعوا سقف الأهداف عاليًا لا تلصقوها بدنيا دنية، فالمرحلة المقبلة مرحلة سيادة الإسلام، ولا بد لهذه السيادة من إعداد حثيث وحازم، لا بد من جيل يحمل الإسلام منهجًا وهدفًا ونصرةً كأولوية دونها الموت! إنها عوامل الانبعاث الأولى التي تقوم عليها نهضة الأمم، الأجيال التي تتحمل مسؤولية رسالة الإسلام بنجابة وتقوى. ومعلوم أن أول ما يخشاه الآباء والأمهات هو معارضة أو مخالفة ما دأبت عليه المجتمعات من حولهم من مقارنات وتنافس في أمور الدنيا، فلتلقوا الدنيا في نحور من يسابقكم عليها، واجعلوا كل الأهداف في سبيل الله وإعلاء كلمته. ووالله ليجدن المؤمن من الله تعالى معية ونصرًا لا ينالهما إلا بصدق إيمان ويقين ولا يستبدلهما بكل ما في هذه الدنيا من زخرف وملذات. لينشأ الطفل على غاية نصرة دينه، قائدًا كان أو جنديًا، في أي ثغر يعد نفسه على سده هو جندي من جنود الله، في مرتبة قيادة ومهنة ريادة أو في الساقة! المهم أن يحمل الإسلام منهجًا وغايةً في حياته ويسخر ما يتقنه من علوم وفنون في إعلاء كلمة الله جل جلاله. إن إعادة الهيبة للإسلام تبدأ من إعادته منهجًا وغاية في حياتنا أفرادًا وأسرًا، ومجتمعات وأمة! ثم بعدها نستوجب التمكين والظفر! أما دون ذلك فطريق طويل وخسائر جمّة وهزائم. اللهم أقرّ أعيننا بجيل مستعلٍ بإيمانه فاتح لا يرضى بغير مراتب الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا!

وقبل ذلك حين بلغ للتو سن التمييز كان يُعد للنبي صلى الله عليه وسلم – من تلقاء نفسه وإقبال همته – ماء وضوئه ويصلي خلفه ويكون رديفه إذا عزم على  السفر. ثم معاذ بن جبل رضي الله عنه كيف أسس فريقًا مع أصدقائه الصغار وأبناء عمرو بن الجموح رضي الله عنهم، كيف تمكنوا من انتزاع صنمه “مناة” من صدره انتزاعًا ودفعوه للإيمان دفعًا. فقد كان معاذ بن جبل، وهو  فتى صغير، يحمل همة عظيمة، فوجد لنفسه عملا في سبيل الله، وهو كسر الأصنام وانتزاعها من بيوت المشركين في يثرب، وكان من بين غزواته المظفّرة، تلك الغزوة التي شنّها مع أبناء عمرو بن الجموح وهم فتية صغار في السن على بيت أبيهم، فعمدوا إلى صنمه “مناة” في الليل وحملوه من مكانه وذهبوا به إلى حفرة يرمي فيها الناس أقذارهم، وطرحوه هناك، دون أن يعلم بهم أحد، وأصبح عمرو بن الجموح يبحث عن صنمه حتى وجده في مكانه الذي رموه فيه ملطخًا بالقاذورات، فأعاده وغسّله وطيّبه، ويرجع الأبطال ويكررون الأمر حتى استقر في نفسه أنه صنم لا يضر ولا ينفع. وأنشأ يقول: والله لو كنت إلها لم تكن … أنت وكلب وسط بئر في قرن وما لبث أن أسلم. وأسامة بن زيد رضي الله عنه في يوم أحد يتولى وعيناه الصغيرتان تفيضان من الدمع حزنًا أن رده الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يسمح له أن يجاهد معه لصغر سنه، ورده مع نفر من الصبيان يريدون الجهاد في سبيل الله تعالى، ولا ينسى عزمه! فيكرر الطلب في غزوة الخندق، وجاء من جديد ومعه نفر من الصبيان ليأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاد، وجعل يشدّ قامته إلى أعلى ليجيزه رسول الله، فرقّ له صلى الله عليه وسلم وأذن له فحمل السيف وعمره 15 سنة. إنه البطل الفتي الذي ثبت يوم حنين مع نفر من كرام الصحابة رضي الله عنهم، فاستطاع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الفئة الصغيرة المؤمنة الباسلة أن يحول هزيمة أصحابه إلى نصر! ويوم مؤتة جاهد أسامة تحت لواء أبيه زيد، ورأى بعينيه مقتل أبيه ولم يتراجع، بل استمر يقاتل تحت لواء جعفر بن أبي طالب حتى قتل أمامه ثم عبد الله بن رواحة، حتى قتل أمامه، ثم خالد بن الوليد حتى رأى فضل الله عليهم. وعاد أسامة على جواد والده الذي استشهد عليه! ولا عجب أن أمّر النبي في آخر أيامه، أسامة على جيش لغزو الروم! ومضى أسامة في خلافة الصديق رضي الله عنه، فأنفذ كل ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم،  وأوطأ خيل المسلمين تخوم البلقاء، وقلعة الداروم من أرض فلسطين، ونزع هيبة الروم من قلوب المسلمين، ومهد الطريق أمامهم لفتح أرض الشام ومصر والشمال الإفريقي .. وعاد أسامة مظفّرًا، على الجواد الذي استشهد عليه أبوه زيد، حاملًا من الغنائم ما زاد عنه تقدير المقتدرين، حتى قيل إنه ما رؤي جيش أسلم وأغنم من جيش أسامة بن زيد! ثم عمير بن سعد رضي الله عنه، الذي صدق ووفّى في سنّ صغيرة، ونزل القرآن نصرة له، فقد أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قاله الجلاس بن سويد من كلام منكر، فكذّبه الأخير وأنكر قوله، فنزل القرآن بييان صدق عمير بقوله تعالى ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْر وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ ﴾ (التوبة: 74) فارتعد الجُلاس من هول ما سمع وأعلن توبته على الفور! وقال: صدق عمير يا رسول الله وكنت من الكاذبين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمير: “وفّت أذنك، يا غلام ما سمعت وصدقك ربك”. قال عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “عمير بن سعد نسيج وحده”. وقال عنه في كبره: “لكم وددت أن لي رجالا مثل عمير بن سعد لأستعين بهم في أعمال المسلمين”. وعبد الله ابن الزبير، ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، أول مولود للإسلام بعد الهجرة، وصلت به أمه، ابنة الصديق، ذات النطاقين، حاملا به مهاجرة في سبيل الله، فولدته في قباء. كان مضرب الأمثال في الشجاعة والفروسية والتقوى والعبادة والثبات، وقد عرفت فيه النجابة مبكرًا. فعن عبد الله بن عروة بن الزبير عن أبيه:”أن النبي صلى الله عليه وسلم كُلّم في غلمة من قريش ترعرعوا: عبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير وعمر بن أبي سلمة، فقيل: لو بايعتهم فتصيبهم بركتك، ويكون لهم ذكر، فأتى بهم إليه، فكأنهم تكعكعوا (تباطأوا وتراجعوا) فاقتحم عبد الله بن الزبير أولهم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إنه ابن أبيه”.

وخباب بن الأرت رضي الله عنه، كان صبيًا لم يبلغ الحلم، اشترته أم أنمار الخزاعية من سوق النخاسين،  في مكة،  ودفعته إلى من يعلمه صناعة السيوف،  فما مضى وقت كثير حتى اشتهر بصناعتها، وأضحى محله لبيع السيوف وجهة الناس من كل مكان، لأمانته وصدقه وإتقانه لصنعته. وكان مع ذلك، حكيمًا عاقلًا ينشد الحق! فما أن سمع عن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل عليه وبسط يده إليه وأسلم بلا أدنى لجلجة، فكان سادس من أسلموا على ظهر الأرض حتى قيل، مضى على خباب وقت وهو سدس الإسلام! ولم يكتم إيمانه، فقد صدع به وأثار سخط أم أنمار وأخيها سباع، فجمعت له طغاة قريش، وعذبوه حين تشتد الهاجرة، وتلهب أشعة الشمس الأرض، يخرجوه إلى بطحاء مكة، وينزعون عنه ثيابه ويلبسوه دروع الحديد، ويمنعون عنه الماء، حتى إذا بلغ به الجهد كل مبلغ، سألوه: ما تقول في محمد..؟ فيقول: عبد الله ورسوله، جاءنا بدين الهدى والحق، ليخرجنا من الظلمات إلى النور. فيوسعوه ضربًا ولكمًا، فيقولون: وما تقول في اللّات والعزّى؟ فيقول: صنمان أصمان أبكمان، لا يضران ولا ينفعان. فيأتون بالحجارة المحمية ويلصقونها بظهره ويبقونها عليه حتى يسيل دهن كتفيه. وأذن الله لهم بالهجرة فكان من المهاجرين لكنه لم يخرج من مكة حتى شهد عذاب الله في أم أنمار التي أصابها صداع شديد، لم يسمع بمثله من قبل في مثل آلامه، فكانت تعوي كالكلاب من شدة الألم، وقيل لها لا علاج لك إلا بكيّ رأسك، فجعلت تكوي رأسها بالحديد المحميّ، فتلقى من أوجاع الكيّ ما ينسيها آلام الصداع. وهناك في ذلك الزمان! في غزوة أحد كانت سنّ طلحة رضي الله عنه في العشرينات وهو ينحر المشركين حتى لا يصلوا للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو يضع يده أمام الرمح المتجه للنبّي صلى الله عليه وسلم ليصدها ويفدي نبيّ الله بروحه! حتى قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على الأرض فلينظر إلى طلحة”، فكان من المبشرين بالجنة. ولا عجب أن شهد له الصديق رضي الله عنه وقال أبو بكر رضي الله عنه، عندما يذكر غزوة أُحد: ذلك كله كان يوم طلحة، كنت أول من جاء إلى النبي فقال لي الرسول ولأبي عبيدة بن الجراح: “دونكم أخاكم، ونظرنا، وإذا به بضع وسبعون بين طعنة وضربة ورمية، وإذا أصبعه مقطوعة، فأصلحنا من شأنه. واليوم في العشرينات يستمع للأغاني ويرقص ويتمايل على تيك توك، بلا خجل، وأسمى أمانيه أن يلتقي لاعب كرة قدم أو مغني ساقط أو ربما مشاهدة أنمي تافه! قُتل عمرو بن هشام الطاغية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم على يد معاذ ومعوذ وكان عمرهما آنذاك 14 سنة! كان البطلان الصغيران يترصدانه كالأسود حتى اقتصا منه على كل جرم ومظلمة وإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم! اليوم نرى من هم في مثل سنهما، يعيش التيه والضياع ولا ينتفض غيرة على نبيه صلى الله عليه وسلم ولا حرمات دين وعرض ولا يبالي بما يجري في الأرض، همه بطنه ونومه وتسليته! وإن ضاعت فريضة الصلاة وانقضت مواقيتها، اعتادت عينه على رؤية المنكرات وتعايش مع الذلّة والضعف فلم يعد يعرف قيمة المعاني فضلا عن مراتب الشرف! وذاك حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، الزبير بن العوام، أول من أشهر سيفًا في الإسلام، استله من غمده للدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم، كان عمره آنذاك 16 سنة فقط، وقيل 12 سنة! وخرج حين سمع: أن رسول الله قُتِل، فخرج من البيت متجردًا السيف صَلْتا، فلقيه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: “ما شأنك يا زبير؟”، قال: سمعت أنك قُتِلْت، قال:”فما كنت صانعًا؟”، قال: أردت والله أن أستعرض أهل مكة، فدعا له النبي – صلى الله عليه وسلم – بخير. وأما الأرقم بن أبي الأرقم الذي اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيته مقرًا للدعوة خلال 13 عاما في مكة، فقد كان قادرًا على حماية النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم، وقيل أنه كان يخرج وسط مكة يهدد المشركين: “والله الذي لا إله إلا هو من يدخل علينا بيتي عنوة لأقسمن صلبه”! كان عمره 16 سنة حين قال هذه الكلمات، وكان حامي حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم! من يثق صاحب الـ16 سنة في زماننا فيستأمنه على مثل هذه المهمة الجليلة في حفظ أمان بيت أو اجتماع! ولا يخشى أن يؤتى من هشاشته وسذاجته! وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كان غلامًا يافعًا لم يجاوز الحلم، تأسرك بصيرته! كيف عرف الحق وأسلم بعد لقائه برسول الله صلى الله عليه وسلم والصديق رضي الله عنه، في قصة رعيه للأغنام والحوار الذي جرى بينه وبين سيد الخلق أجمعين، حتى أعجب به رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وأكبرا أمانته وحزمه وتوسما فيه الخير. ولزم بعد ذلك عبد الله بن مسعود رسول الله صلى الله عليه وسلم كالظل في حله وترحاله. وعبد الله بن عباس رضي الله عنه، لقد كان عمره حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم 13 سنة فقط، ومع ذلك فقد حفظ للمسلمين عن نبيهم 1660 حديثًا! أثبتها البخاري ومسلم في صحيحيهما.

عن معايير تربية الرجال أحدثك: الفرق بيننا وبينهم صارخ! إن عقد مقارنة سريعة بين شباب هذا الجيل والجيل المتفرد، تزيح الستار عن حقيقة الفوارق الكبيرة في معايير التربية التي نشأت عليها الأجيال فيما سبق بالمقارنة بأبناء اليوم! إنها مقارنة تكشف لنا مكامن الضعف والقوة، في ميداني العقل والبدن. لقد كانت معايير التربية عند الجيل المتفرد مخصصة لإخراج جيل قويّ يزدان بقوة جسدية تمكّنه القتال والصبر والمصابرة، وقوة عقل وتخطيط وإقدام في اللحظة المناسبة. كان الشاب في عمر 14 سنة، رجلا مكتمل صفات الصدق والأمانة والكرم والشجاعة! تلك ثمرة تربية تغذي الروح والجسد على معاني الإيمان والفداء، على معاني المروءة والفروسية المهيبة! واليوم 14 سنة يعامل معاملة الطفل! ولا يتمكن من تحمل مجرد مسؤولية شراء شيء من السوق! ويقضي أغلب وقته على الشاشات واللعب واللهو وما يصنع الجبن وحب الدنيا والوهن! نماذج سامقة كان أول من رمى سهما في الإسلام، سعد بن أبي الوقاص، رضي الله عنه لا يزال في ريعان شبابه، وكان ذلك في معركة أحد، وهو الصحابي الجليل الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم:"ارم فداك أبي وأمي"! وقد أسلم وعمره لا يتجاوز 17 سنة. جاهدته أمه ليكفر، وكان شديد الحب لها، فأبى ولم يستجب، فمنعت نفسها الطعام والشراب ومكثت الأيام الطويلة معاندة ليرجع عن دينه رأفة بها، حتى نحل جسمها ووهن عظمها وخارت قواها. وهي ترفض جميع محاولات ابنها في إطعامها حتى أسمعها ما أفزعها وأيقظها من غفلتها فقال:”يا أماه إني على شديد حبّي لك لأشد حبّا لله ورسوله .. ووالله لو كان لك ألف نفس فخرجت منك نفسًا بعد نفس ما تركت ديني هذا لشيء”. فأذعنت بعد هذه الكلمات الزلزال، للأمر، وأكلت وشربت على كره منها ونزل فيهما قول الله تعالى (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (لقمان: 15) فماذا يفعل الشاب في عمر 17 سنة في زماننا؟ يحدثوننا عن مشاكل مراهقته! واضطراب نفسه وعدم وضوح رؤيته وأهدافه! يحدثوننا عن نوبات هلعه وانهياره عند أول نازلة! أو تردده في أداء مهمة آمنة! وذاك حبيب بن زيد الأنصاري رضي الله عنه، والده زيد بن عاصم، أحد السبعين الذين شهدوا العقبة، وشدّوا على يدي الرسول صلى الله عليه وسلم مبايعين، ومعه زوجه أم عمارة الأنصارية وابنه حبيب. رضي الله عنهم أجمعين. قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: “بارك الله عليكم من أهل بيت .. رحمكم الله من أهل بيت!”. إنه حبيب الذي مدّ يده الصغيرة لمبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت جنح الظلام في بيعة العقبة، وشارك الرجال في إبرام العهود والبيعات على قصر قامته، فأصبح الإسلام أغلى عليه من نفسه، يشهد له موقف ترتجف له القلوب ذهولا، حين وقف أمام مسيلمة الكذاب، مرفوع الهامة، شامخ الأنف، يصدع بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ويُعرض عن مسيلمة، فقطع الخبيث لحمه قطعًا قطعًا، وفاضت روحه وهو لا يتزعزع… فاضت روحه وعلى شفتيه الطاهرتين يشهد أن محمد، رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاضت روحه وهو يردد: محمد رسول الله! فكانت آخر ما تلفظ به من بايع نبي الله طفلا صغيرًا. وزيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، يقبل على الصفوف غلامًا صغيرًا، لم يتم الثالثة عشر من عمره، يتوهج ذكاء وفطنة ويتألق شجاعة، يحمل في يده سيفًا يساويه في الطول أو يزيد عنه قليلا، ثم يدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: “جعلت فداك يا رسول الله، ائذن لي أن أكون معك وأجاهد أعداء الله تحت رايتك”. فسعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعجب به كثيرًا، ولكنه صرفه لصغر سنه. فعاد الغلام الصغير يجرجر سيفه على الأرض حزينًا لأنه حُرم من شرف صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، في أول غزوة يغزها، وعادت من ورائه أمه، النوار بنت مالك رضي الله عنها، وهي لا تقل عنه أسى وحزنًا! ولكنه لم يستسلم! فقد طلب من أمه أن تذكره للنبي صلى الله عليه وسلم ليصول ويجول في ميدان العلم والحفظ، فرجعت أمه للنبي صلى الله عليه وسلم وقالت له: “هذا ابننا زيد بن ثابت يحفظ سبع عشرة سورة من كتاب الله ويتلوها صحيحة كما أنزلت على قلبك. وهو فوق ذلك حاذق يجيد الكتابة والقراءة وهو يريد أن يتقرب بذلك إليك وأن يلزمك .. فاسمع منه إن شئت”. فسمع النبي صلى الله عليه وسلم من الغلام زيد بعضًا مما يحفظ فإذا هو مشرق الأداء مبين النطق، وأظهر نجابة لم تكن لتخفى! فسرّ به النبي صلى الله عليه وسلم وقبله وأوكل له مهمة: فقال صلى الله عليه وسم: “يا زيد تعلم لي كتابة اليهود، فإني لا آمنهم على ما أقول”، فقال: لبيك يا رسول الله.

#مقالات عن معايير تربية الرجال أحدثك: الفرق بيننا وبينهم صارخ!