مقالات د. ليلى حمدان مفرّغة
Ir al canal en Telegram
قناة خاصة بمقالات المرأة و التَّربية ( مفرَّغة ) القناة تحت إشراف طالبات الدكتورة.
Mostrar más550
Suscriptores
+224 horas
+237 días
+13630 días
Archivo de publicaciones
وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ
ما جاءت الأوامر والنواهي والحدود الشرعية إلا لصيانتك وصيانة حقوق المسلمين، كل استهانة بعظمة هذه الأوامر والنواهي والحدود يكون له تداعيات كبيرة وممتدة قد لا تشاهدها بنفسك لكن يعيشها من تضرر بالتقصير فيها من حولك.
والله ما رأيت في شريعة الله إلا كل صيانة للقلوب والأرواح، من مصائب قد لا يطيب المرء منها أبدا، فاحفظوا قلوبكم وأرواحكم بتقوى الله يبارك لكم في حياتكم ويجنبكم نزفا لا يشفى وندما لا يُجبر قد يكون فيه حتف النفس العزيزة!
لقد رأيت في الاستشارات كمّ الخسائر النفسية الهائل من مجرد إهمال لتفصيل قد يبدو صغيرا لهدي الشريعة في التعاملات ووالله ما خسر أبدا من التزمه، وثبت عليه، وذلك ما أثبتته التجارب، يخرج منتصرا مهما خسر ماديا وخذل!، لأن الله تعالى يبارك له ويوفقه ويفتح عليه ويعوضه خيرا مما انتظر. أما غير ذلك فيكله إلى نفسه! وذلك والله هو الامتحان!
فلا حول ولا قوة لنا إلا بالله.
اللهم جنب المسلمين والمسلمات الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم املأ قلوبهم بمحبة الله تعالى وحده لا شريك له واكفهم بحلالك عن حرامك واغنهم بفضلك عمن سواك.
ولكل مبتلى أقول ردد قول أم سلمة رضي الله عنها: اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها، وردده بيقين! فسيعوضك بخير من مصيبتك والله يعلم وأنتم لا تعلمون!
أيها المؤمنون أيتها المؤمنات!
ثقوا باختيارات الله جل جلاله لكم!
فالله خبير بصير بالأنفع لكم والأفضل، فتواصوا بمحبة الله تعالى تنير مسيرتكم، وابتعدوا عن كل ما يجلب سخطه أو إمهاله!! وما أدراك ما إمهال الله!
(فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون)
وأحسنوا الظن بالله تعالى، فهو سبحانه يدبر الأمور بعلمه الغيب وعظيم مشيئته!
وما خاب ولا خسر من أعظم التوكل على مولاه، بل فاز وظفر وسجد شكرا مديدا.
لا عيش إلا عيش الآخرة!
أحبوا الله جل جلاله، أحبوا أقداركم المبهجة والمؤلمة على حد سواء، أحبوا مشيئته واختياراته، وكلوه كل أموركم برضا وتسليم تام له جل في علاه.. فتلك هي سبيل بلوغ مراتب السابقين الأولين!
وما يدريكم، حرمان في الدنيا يقابله مرتبة يغبطكم عليها الأولون والآخرون في الآخرة.
وما يدريكم، نظرة الأماني والوهم ينجيكم منها قدر شديد يهزكم وانعطافة كبرى نحو مسيرة الجد والاستعمال والشهادة!
إن جبر الله لعباده لا يُبارى ولا يُناجز! وفتوحاته لا تضاهيها فتوحات! والسعادة بعبوديته لا تبلغها سعادة!
قدروا الله حق قدره سبحانه وتواصوا بمحبته ومرضاته فهي الفوز الأعظم وهي كل الأماني والأهداف!
قال الله جل جلاله (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (البقرة: 189)
أختي المسلمة، جعل الله تعالى لك وليا ليحفظك ويصونك، لأنك أنثى ترى بقلبها وعاطفتها قبل عقلها، هذه حقيقة في طبيعتك.
وهذه صفة جميلة كأنثى وليست قبيحة انتبهي، لكنها نقطة ضعف إن أبحرت في الحياة بدون ظل أب أو أخ أو زوج أو محرم يحفظك.
لذلك اعرفي قيمة الولي واعرفي قيمة المحرم لأنك لو اطلعت على حجم الألم الذي تحمله استشارات فتيات ضعفن ووقعن رغم شدة حرصهن وبحثهن عن الالتزام، ستبكين خشية ورهبة!
لا تكرري المأساة، واستفيدي من تجارب من سبق تحفظين نفسك وتصونين قلبك وتتجنبين خسائر محققة!
مهما كان جفاء بيتك وأسرتك، لا يبرر أبدا الانطلاق للبحث عن شريك العمر في مستنقعات الفتن وإن كانت داخل حدود مسجد!
مهما كانت حياتك قاسية وتنشدين السكن والرفيق المحب! لا يبرر أبدا قبول تعريض نفسك وقلبك ومشاعرك لاطلاع رجل أجنبي ولو كان المزكى لدى الناس!
ولو عشت كل حياتك وحيدة تشكو الفقد لكنها تخشى الله ولم تتعدى حدوده سبحانه لهو خير كثير من كل علاقة تسعدك وتبهجك وتصنع فيك الأمل وأنت عاصية لله تعالى!
للبيوت أبواب وللزواج أصول وهدي، لا تفتحي نافذة من الخلف فلن يتحمل خسائرك أحد غيرك ولن يبكي عليك أحد!
لله ثم للتواصي بالحق والصبر.
أختي المسلمة تزوجي بهدي السلف عشر مرات حتى تسكني، وأنت التقية، خير من علاقة “حب” وهمي، تنتهي بك إلى مصحة نفسية وخسران فضل الله تعالى ومعيته وتوفيقه وترتد عليك نكسات وخسائر جمّة!
تزوجي بالحلال ولا تخشي شيئا من تداعيات الزواج من رجل لم تعرفيه، لأن الله تعالى ينصرك بتقواك وسلوك مسالك الحلال، يسدد خطاك ويعوضك، ويخرجك من كل تجربة أقوى وأسعد وإن انتهت بالطلاق، يغنيك جل جلاله من سعته، لأنك استجبت لأمره ولم تتعدي حدوده.
ولكن حين تختارين طريقا نهاك عنها سبحانه رحمة بك، وإن زينها لك الشيطان بأنها تحقيق حلم ومنى وحالة استثناء!
فستتكبدين وتثخنين في نفسك، فانتبهي رعاك الله، ولو أقسم لك بالزواج وعقد المواثيق بالوفاء لك فما أسهل التنصل بكلمة تفت فؤادك! وطريق الحلال معروف لا يحتاج لكثير شرح.
وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ | د. ليلى حمدان
https://lylahamdan.com/%d9%88%d9%8e%d8%a3%d9%92%d8%aa%d9%8f%d9%88%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d9%92%d8%a8%d9%8f%d9%8a%d9%8f%d9%88%d8%aa%d9%8e-%d9%85%d9%90%d9%86%d9%92-%d8%a3%d9%8e%d8%a8%d9%92%d9%88%d9%8e%d8%a7%d8%a8%d9%90%d9%87/
أين نحن من (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم)؟!
عن أبي هريرة رَضِيَ الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا يُلْدَغُ المؤمنُ من جُحْرٍ مرتين”؛ رواه الشيخان.
إن تربية المرء نفسه على اليقظة والإحاطة بما يجري حوله وتبيّن من هم الأعداء ورصد تحركاتهم وخطواتهم مهم جدا في زماننا، وهو مما تخلف فيه المسلمون وبرع فيه أعداؤهم!
وللأسف في الوقت الذي تحولت فيه مراكز الرصد الغربية المتخصصة بالعالم الإسلامي من مجرد حفنة من المراكز المعدودة إلى عدد لا يحصى من المراكز المنتشرة، يعمل فيها بنشاط عدد أكبر من الباحثين والباحثات، يؤمّنون رزقهم ويحصلون على شهاداتهم العلمية ويرتقون في الوظائف من رصد أخبارنا ودراسة سلوكياتنا! لا نجد في عالمنا الإسلامي ما يقابل هذا الاهتمام الغربي الكبير بنا، من اهتمام يدرس أعداءنا ويكشف خبايا خططهم واستراتيجياتهم، ويفهمهم! إلا جهودا قليلة لا تكاد تكون مؤثرة في صناعة الوعي بين أبناء الأمة! وهذه نقطة ضعف كبيرة لا تليق بمن يعلم أن أمته تحت مرمى أطماع وأهداف الغرب والشرق وكل عدو!
ولو ألقينا نظرة في مواقع التواصل على عدد الحسابات التي تراقب ليل نهار كل ما يحدث في العالم الإسلامي -على ضعفه- وعلى الرغم من الانشغال الكبير بصراع الدول الكبرى، ندرك أن أعداءنا أدرى بنا من أنفسنا في كثير من الأحيان، أدرى بعوامل القوة ومكامنها ولذلك يحذروننا، والله يقول لنا (خذوا حذركم)!
وفي ظل هذه المعطيات ومع ضعف واضح في حجم المعرفة التي يحملها المسلمون عن أعدائهم وخططهم، أرى من أضعف الإيمان أن يطور الفرد معرفته هذه باجتهاده الخاص فيتابع خطواتهم ويفهم استراتيجياتهم ويرصد جديدهم في إبقاء العالم الإسلامي تحت قبضة الهيمنة، وعلى الشبكة مصادر بحث كثيرة لتحصيل هذه المعرفة.
إنه لمحزن بشدة أن نشاهد الطالب والباحث الغربي يعلم عن تفاصيل وجزئيات في مجتمعاتنا لم نكن نهتم بها! بينما لا نعلم شيئا عن واقعهم، وأغلب تصوراتنا يصنعها الإعلام المأجور والمموّل، فتجد أغلب الآراء المنتشرة للمحللين عندنا نسخ ولصق لما يقوله الإعلام الغربي! لا يخرج عن هذا الإطار إلا قلة!
وكيف نطمح في التحرر والنهضة إن كنا لم نتحرر من طرق التفكير المستنسخة عن الغرب، وكيف يمكننا أن نتقدم خطوة واحدة في المسار الصحيح إن لم نحمل معرفة جيدة ومتكاملة عن أعدائنا!
أين تذهب كل طاقاتنا التي تتخرج كل سنة من مئات الجامعات في العالم الإسلامي! إنها حقا “غثاء”، لا بد من يقظة وقفزة!
يتخرج من الجامعات الغربية الكثير من الباحثين والمتخصصين بالعالم الإسلامي، بينما يتخرج من جامعاتنا عشرات الآلاف من الطلبة، ولا نجد في رسائلهم ما يعكس اهتماما جادا بواقع الأمة، ذلك أن التعليم لدينا لا يلبي حاجاتنا ولا يعالج مشاكلنا، من هنا وجب العمل باستقلالية واجتهاد فردي ومؤسساتي.
ما الذي يمنع الطالب الذي حاز الشهادة العريضة من أن يخصص جزءا من حياته لخدمة أمته، وتشترك الجهود في مراكز بحثية مستقلة بعيدة عن كل تبعية، وتعمل على توفير الدراسات النجيبة عن أعدائنا، ترصدهم تماما كما يرصدوننا، تقدم لنا ما نحتاجه لفهم واقعنا بعقل وبصيرة وبالاستناد لديننا وقيمنا! إنه العجز!
لا تنتظر أن تقدم لك الدراسات الضرورية لنهضة الأمة من خلال أنظمة تابعة وتحت الهيمنة والإعلام موجّه لمصالح أربابه، عليك أن تصيغ أنت واقعك العلمي والمعلوماتي، وترصد وتجمع وتبحث وتربط وتستنتج الخلاصات، بذلك نحقق قفزة جادة للأمام، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا! فكيف إن كان بإخلاص وإتقان!
لا تنتظر أن يتغير واقعنا بين يوم وليلة، وتأكد أن كل جهد يبذل بإخلاص ستستفيد منه الأجيال التي ستترحم على كل من ترك أثرا يبنى به مجد الأمة! كل الجهود تراكمية تكاملية على امتداد محور الزمن، كل دراسة وكل بحث وكل معلومة مفيدة سيستفيد منها اللاحقون، وهذا بناء من الجهود كالبنيان المرصوص!
نتمنى أن نشاهد همما مخلصة تسخر من وقتها وجهدها كل ما يمكنها لتطوير مراكز بحث ودراسات متخصصة، تفيد هذه الأمة، والأجيال التالية منها، مستقلة تماما، ومتمردة على جاهلية العصر، مراكز أخذت من تاريخ أسلافنا فقه الثبات والحرب وتعلمت كيف تدار الصراعات بصبر ومصابرة ويقين لا ينضب! وذلك من الإعداد!
تبصر في الأفق وعد الله الحق وتعلم أنه سيتحقق بإذن الله على أيدي العاملين بصدق وإخلاص وصبر! فلله در من سابق ولله در من ساهم في إحياء قلب وجيل وأمة!
كل هذا مستنبط من كتاب الله وسنة وسيرة نبيه صلى الله عليه وسلم. من تاريخنا الزاخر بتجارب النهوض (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).
إنما العلم البصيرة .. إنما العلم العمل!
أكثر صفات نفتقدها بالمقارنة بما كان عليه السابقون، هي “المبادرة” و”المسابقة” و”الجدية”، لم يكن من سبق بحاجة لأكثر من وضوح رؤية وتحديد الهدف، ثم ينطلق كالسهم لا يبالي بعقبات الطريق ولا مخاطر المغامرة، فانتشر بفضل الله ثم هذه الهمم الإسلام في جميع أصقاع الأرض، كلما قرأت عن تاريخه أبهرتني هذه الهمم!
اليوم تعيش أقليات مسلمة بحاجة ماسة لتوفير الكتب الدعوية والترجمات لمعاني القرآن الكريم، في العديد من مناطق العالم، مسلمون لكنهم مخذولون من إخوانهم! في عصر الإنترنت وسرعة الاتصال والمواصلات، يعجز شباب المسلمين عن التفكير في تفقد حال هؤلاء المستضعفين! بينما تزدحم بلادنا بطلاب العلم!
كم من طالب علم لدينا يجرد المؤلفات ويناقش المعلومات ليل نهار “ينشر العلم” لكنه في ساحة العمل، لا يترك له أثرا، من تأمل سير من سبق سيجد الحركة قرينة لطلب العلم، لا بد من نشره لمن حمله، ونشره يكون “حيث” يحتاجه الناس أشد! لكننا نلاحظ سوء توزيع كبير للجهود الدعوية والأغلبية تختار الأسهل.
لدينا مشكلة “التقليد” فيكفي أن ينكب طالب علم على قضية ومسألة حتى يحشد خلفه جيشا من طلاب العلم، وتبقى بقية القضايا والمسائل تشكو الضعف! أحيانا كثيرة نجد الكثير من الجهود تركز على ثغر بعينه وتهمل الكثير من الثغور العظيمة، لأن التفكير لدينا “استنساخي”، وليس “ابتكاري”! وليس فيه مسابقة جادة!
نسبة طلبة العلم المؤثرين حقيقة في الساحة الفكرية وميدان العمل، نسبة خجولة! لا تعبر البتة عن نسبة المتخرجين في كل سنة من مختلف الجامعات والمراكز التعليمية وهذا يعكس حقيقة أن لدينا مشكلة كبيرة في ترجمة مفهوم “العلم للعمل” ولدينا هوة سحيقة بين التنظير والتطبيق، وهو الفرق بيننا وبين من سبق!
ما جدوى الألقاب والشهادات! إن لم تنعكس في زماننا خاصة لمشاريع تغيير وتأثير كبرى في حياتنا الاجتماعية، ما جدوى أن يفتخر طالب العلم بالإجازات ويفرح بالإنجازات التي ستصبح حجة عليه لا له إن لم يعمل بها، لماذا؟ لأن زماننا زمان استضعاف وليس دعة، زمان عمل لإقامة بنيان الإسلام وليس القعود!
من يتأمل سيرة الشيخ “عبد الرحمن السميط” -رحمه الله- يدرك أن القضية هي حقا قضية همم! فقد حقق هذا الشيخ المثابر ما لم يحققه الكثير من الدعاة في زماننا، لأنه اختار الطريق الأصعب فلقي معية الله وتوفيقه سبحانه، لم يكن مجرد “مقلد” يكرر ما يفعله طلاب العلم في زماننا، إنما خرج وتحرك واقتحم، فكان لحركته بركة!
ما فائدة علم لا يحيي أمة! ولا يدعو الناس لدين الله فيدخلون فيه أفواجا، ما فائدة علم لا يرفع البؤس والشقاء والجهل عن المسلمين في جميع أنحاء الأرض، ما فائدة علم لا يخرج الناس من الظلمات إلى النور! كل المجالات متصلة بالدعوة، التأليف، الإعلام، الترجمة، التجارة، السياحة! وكل فن وعلم يحدث أثرا!
أخشى ما أخشاه أننا فقدنا بركة العلم لافتقادنا الإخلاص ولأن العلم أصبح في حياتنا لطلب عرض من الدنيا الفانية، أصبح طلب العلم شهادات نريد أن نتكسب منها ونسترزق! أفلا نتصدق بجزء من هذا العلم لهذه الأمة! أفلا يتصدق كل طالب علم وصاحب شهادة بجزء من وقته وجهده لعل الله يجبر بإقباله ضعفا ويسد نقصا؟!
المسلم لا غاية تعلو عنده على غاية إعلاء كلمة الله ونشر رسالة الإسلام، لا غاية تعلو عنده على غاية السعي لسد حاجات المسلمين بتثبيت قلوبهم في وقت يبتلى فيه الضعفاء كما نشاهد في كل زاوية في الأرض، لا تسأل كيف؟ فإن الله جعل لكل صادق فتحا (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ۚ وإن الله لمع المحسنين).
لا تحدثني كم إجازة حزت! ولا كم شهادة نلت! حدثني كم مدرسة فتحت، وكم قلبا أحييت، كم كتابا ترجمت وكم أثرا تركت على الأرض بين الأحياء قبل أن يأتيك موعد الموت! إن العلم يصنع الإنسان، فكم من إنسان صنعته على نور من الله وأعددته لحمل رسالة الإسلام من بعدك! كم وكم من الأعمال الشاهدة وليس الشهادات.
لن تستشعر عظمة العلم الذي بذلت جهدا في طلبه حتى تسعى به في الأرض، حتى توظفه في مكانه الصحيح الذي يحتاجه المسلمون، حتى تسابق به لنيل الدرجات العلا في الدارين، فالله الله في تحسس حاجات المسلمين وزكاة العلم والعمل به والحذر من الانجرار لحال الجموع من تضييع هذه الأمانة والانشغال بالدنيا!
وكم من حامل شهادات علمية وإجازات وألقاب تحفه سمعة وشهرة اغتر بها بينما أشد ما يفتقده البصيرة والعمل! وإنما العلم البصيرة .. وإنما العلم العمل.
وكم من مجهول لا يعلم حاله إلا الله انتفع بطلبه العلم في غفلة الناس عنه، فعمل به جبالا من الحسنات وترك خلفه الأثر العظيم وأفضل الأعمال.
قال ابن القيم رحمه الله: “من طَلبَ العلم ليُحيي به الإسلام فهو من الصديقين ودرجته بعد درجة النبوّة”. (1) اللهم استعملنا ولا تستبدلنا.
(1) مفتاح دار السعادة (1/185)
حلقة “أهل العلم” المفقودة
لا يليق بأهل العلم الانفصال عن واقع الصراع اليوم بين الإسلام ومن يحارب الإسلام، كما لا يليق بهم الاستناد إلى مصادر متهمة في قراءتهم لهذا الصراع، فهم الأكثر مطالبة بالوعي النجيب، وبشمولية البحث والتقصي والتبيّن، ووصف الكيّس الفطن، الذي يدرك كيف يزن الأحداث ويقيمها فلا يقف أبدا في صف باطل!
إنها لكارثة كبرى أن يُساس وعي أهل العلم بالآلة الإعلامية المأجورة أو أن يكون مبلغهم من الإحاطة والفهم ما يدور في عقول العوام، وما تمليه مؤسسات الهيمنة!
وما فائدة أن يصنف المرء من أهل العلم وليس قادرا على التشخيص بنفسه وطرح الحلول بعقل حر واستعلاء بالإيمان مهيب!
وإلا فأي علم يحمله!
إن حمل أمانة العلم ليس مجرد لقب يُشاد به ولا مجرد نشر لنصوص العلم ونثر، إنما هو تحويل العلم لقوة محركة في الأمة تحقق التغيير وتصلح العطب، وتقوّم المسيرة، بكل مكوناتها، وبحكمة وبصيرة!
لا يليق بأهل العلم القعود في ظل زاوية حين تكون الأمة تستعر وملاحم الدفاع عن الإسلام يقوم بها العامة.
لطالما شدتني منهجية الباحث الواعي، تراه يذهب بنفسه لمصدر المعلومة فيتقصى عن سلامتها، ويتحرى بما توفر له من أسباب ليجمع معطياته! ثم يقص القصة بما يوائم معتقداته وأهدافه. بغض النظر عن توظيفه للمعلومة إلا أنه يعتمد كثيرا على التبين. لذلك تجد العديد من التقارير والبحوث بمصادر اطلاع مباشر.
وحامل أمانة العلم لا يكون ساذجا ولا يُفقد نفسه المصداقية!
كيف يمكن له تحقيق التأثير إن كان لا يصنع بعلمه سوى عبارات إنشائية منفصلة عن واقع حركة العمل.
كيف يمكن أن يؤثر في الجموع إن لم يبلغ بعمله أبعد من حدود النظر والمشاهدة لدى العامة. إن لم يحسن التقييم والتواصل والتشخيص والعلاج.
(قُل هل يستَوِي الَّذِين يعلمُونَ والَّذِين لا يَعلَمُونَ )
للعلم مكانته وخصوصيته، ولا ينفصل العلم عن العمل.
فأهل العلم أول من يجب عليه الوقوف في خط الدفاع الأمامي عن الإسلام، ونصرة الحق وتبيان الأصول من الكتاب والسنة.
ولا يقل قائل أن الخوف يمنع! فهناك ألف حيلة وطريقة لمن أراد العمل.
وإذا أردت أن تعرف كيف كان موقع أهل العلم في الأمة انظر سيرهم في التاريخ، ويكفيك من ذلك ابن تيمية رحمه الله يقف في وجه قائد التتار “قازان” وينكر عليه ولا يبالي بالسيف في يد رجل اعتاد على سفك الدماء كشربة ماء، ثم دوره في موقعة شقحب المشهورة كمدرسة لأهل العلم على امتداد الأزمنة والعصور.
إن قيمة العلم الذي تحمله هي في ما فعلت به! في ما سعيت له! لا تحدثني عن شهادات ومراتب إن لم يكن لك أثرا اليوم يمسح البؤس عن وجوه المستضعفين والحيرة والشك عن العوام المستهدفين، إن لم يكن لك الأثر وإن لم يعرفه إلا الله جل جلاله.
طبيعة النفس البشرية حاضرة بقوة في كل المشاهد والأحداث، وتحييد هذه الطبيعة من كل تشخيص وحل، محاولة فاشلة وخطوة قاصرة.
لا يمكن استيعاب أي حركة بشرية بدون استيعاب طبيعة النفس البشرية فيها، من يعاند هذه الحقيقة سيصطدم بها في أي لحظة وحين.
فحي على المسابقة بسد الثغور والعمل، فإنما يمضي الرجال ويبقى الأثر.
حديث عن النهضة
الحديث عن نهضة الأمة يحتاج لفكر “موسوعي” مُلمٍّ بجميع عوامل الانبعاث، لا يهمل منظومة من منظومات الحياة، يعالج القضايا بإحاطة شاملة وفقه متخصص، ببصيرة تحصنه من مستنقعات الركود والتعثر، لأن مقاصده تقوم على الحركة والعمل والصبر واليقين. قدوته الجيل المتفرد، يقيم الإسلام بسياقه الكامل على الأرض.
إن الإحاطة بعلم الاجتماع وأسس النهضة وحركة الأمم في التاريخ البشري والتعلم من أخطائها، يقدم خلاصات ثمينة جدا لأي نهضة، وإن كانت في أسوأ الظروف، لذلك نجد القرآن يقدم لنا نماذج حيّة من التاريخ، يقدم لنا السنن الإلهية ويقدم لنا منهج الاستقامة والاستدراك، لنستمد من ذلك كله كيف يكون الانبعاث!
إنه لمن تمام الفقه اليوم العمل على الانبعاث من جديد! بالطريقة الصحيحة، وبحكمة وبصيرة، ذلك أن سجل التجارب الفاشلة لدينا كبير، ولدينا مع ذلك نجاحات تستحق منا العناية والتطوير، وهذه العملية لا يقودها مثل العلم! ولذلك يعد بثّ العلم اليوم من أوجب الواجبات ومن أكثرها أهمية بعد طول تهميش!
حين نتحدث عن العلم فلا نقصد به المناهج الدراسية في المدارس والجامعات فهذه للأسف حلقة داخلة في منظومة الهيمنة لا يمكن أن ننتظر منها أي تأثير حقيقي في نهضة الأمة، إنما نتحدث عن العلم الذي قام به أسلافنا، عن اجتهاد الفرد بنفسه في صناعة وعيه بدينه وحياته وكل ما يحيط به، بتطوير مهاراته.
نحن بحاجة لبث العلم الذي هو حياة الفرد والمجتمعات، وحياة الأمة، لعلم يخرج من مكونات الفرد والجماعة قوة التغيير المطلوبة التي تتناغم مع التغيرات الكبرى التي يشهدها العالم، لقوة إعداد تليق بمكانة المسلمين حين يعودون لدينهم ويحسنون تدبير أمورهم باستعلاء بإيمانهم لا انهزامية لأعدائهم.
بالتبصر في سنن الله في الأرض، فإن التمكين للأمة التي تجاهد على إصلاح ما فسد ويحمل فيها الفرد مسؤولية التغيير لنفسه ولأسرته ومن حوله، سيكون مذهلا من حيث السرعة والتأييد الرباني، لأنها استجابة موجبة لنصرة الله لمن أقبل بلا تردد، نصرة لا تناجزها نصرة، ولأن الباطل هشّ جدا أمام الحق.
لا يكفي أن تكون على حق، بل يجب أن تملك القوة التي تدافع بها عن هذا الحق، وأول قوة تنصر الحق، هي الصدق! الصدق مع الله في كل حركة تغيير، وحسن توكل عليه سبحانه ومن يري الله منه ما يثبت صدقه فسيرى من الله كيف سينجز وعده، إنها معادلة محسومة، جربتها أمم من قبل! والتاريخ دروس تتكرر.
كل ما بُني على معالم الحق، يستمر قويا، فصحح بناء فكرك وتصورك لهذه الدنيا بالاستناد لمعالم الحق، وابحث عنها في كل مشهد قبل أي تقييم، لا تجعل لك مقياسا إلا هذه المعالم، وهي ما يحب الله ويرضاه. ودون ذلك تجاوزه لا تبالي! ستتعلم الحرية والاجتهاد والبحث بنفسك، ستجد في ذلك متعة ولن تُساس إلا بالحق.
والله لينصرن الله هذه الأمة! حين ترجع لدينها وتستعلي بإيمانها، وتبصر طريقها بنور من الله، ستتمهد الطريق لها، وتتيسر أمورها من حيث لا تحتسب، وكل ذلك يبدأ من إعادة المرجعية في كل منظوماتها للقرآن والسنة، وتترفع عن المنظومات المستوردة من أعدائها وتبصر هؤلاء الأعداء بوجههم الحقيقي فتحذر وتستقل!
إن أشرف وأعظم مهنة اليوم وكل يوم هي صناعة الأجيال المسلمة المنتصرة، هي إسعاد الأسرة المسلمة الواعدة، هي حفظ المجتمع المسلم من هجمات الغرب الفكرية الهدامة، هي إقامة الإسلام في المرأة والرجل والطفل، لينعكس فتوحات في أصقاع الأرض. هذا السر وهذا المفتاح، فلا تُحرمه إلا ظالمة لنفسها شقية.
أعظم مهنة!
من يطلع على التقارير الغربية التي تروي معاناة الأمهات العاملات في التوفيق بين أعمالهن خارج البيت والعناية بأطفالهن وتربيتهم، يرجع لحقيقة أن إخراج المرأة من بيتها جريمة كبرى بحق المرأة بل أكبر انتهاك لحقوقها وحقوق أطفالها. كل الدعايات لعمل المرأة تخفي حقيقة المعاناة النفسية والجسدية.
عند النظر في طبيعة عمل تربية الأطفال، نجد أنها مهمة معقدة من العناية بنموهم وتربيتهم ونفسياتهم وكل تفاصيل حياتهم على مدار اليوم، وهذا حق كفلته حتى الحيوانات لصغارها. لذلك فهو لا يقبل التهميش أو الازدراء أو المقاسمة مع عمل آخر خارج البيت، لأن صناعة الجيل عمل لا يقدر عليه إلا المخلصات.
مجرد طرح فكرة إخراج الأمهات للعمل هو إعلان حرب على جيل كامل يتربى من المسلمين، ويوجب دق طبول الحرب على كل من يتبنى هذه الفكرة التي يدفعها الجشع الغربي الذي استغل نساء إفريقيا لزراعة الحقول وصناعة النسيج كي تنعم نساؤه بتعب الإفريقيات المنخدعات بشعارات تحرير المرأة بينما يتم استعبادهن!
محاولة استصغار مهمة تربية الأطفال لا يمكن أن تقع فيها مسلمة نبيلة لبيبة، لأنها تعلم جيدا أن نساء السلف كن صانعات الأجيال التي فتحت البلدان ورفعت راية الإسلام في أصقاع الأرض، كانت وظيفتهن حفظ أمة وتأمين مستقبلها فكان كل بطل من أبطالها حسنة من حسنات أمه! فإن غابت صانعة الأجيال فأي مستقبل ننتظر!
من هنا تصبح دعوة المسلمات للثبات على ثغور التربية وصناعة الأجيال في زماننا ضرورة ملحة، فصياغة أبناء المسلمين على الإسلام لتقديم أفضل تمثيل لدين الله، علما وعملا، مهمة لا يمكن أن تنافسها مهمة، ولا يمكن أن تُستبدل براتب شهري لا يبقى ولا يقارن ببركاتها الجليلة في الدنيا ومراتب الجنة العالية.
من هنا أيضا يصبح سعي الرجال لتأمين الأمهات من أولى الأولويات، وتأسيس نظام يكفل الأسر المحتاجة كنظام بيت مال المسلمين يمكن تحقيقه من مشاريع التطوع والصدقات ولو على مستوى الدوائر الضيقة، مع صناعة وعي الأمهات بعظيم المهنة التي يقمن عليها. هذا التكافل يقطع طريق لصوص المستقبل هادمي الأجيال.
من هنا أيضا يصبح كل عمل على اتصال بتسهيل عمل الأمهات في التربية من أنبل الأعمال، كتوفير المراجع في التربية الإسلامية القويمة والإرشادية لفهم نفسيات الطفل، والاهتمام بميدان التعليم ومنصات التوجيه وحتى توفير مربيات قادرات على سد الثغر بكفالة الأيتام والأطفال الذين بحاجة لعناية مضاعفة.
لدينا القدرة على إطلاق مشاريع ضخمة تسد النقص في الأمة وتجبر الكسر، وتخرج أجيالا أكثر تألقا وكفاءة وعزة، ولا عبرة بما مضى إنما بما هو آت، بما يحقق أحلام كل مسلم في هذه الأرض، هذا ليس ترفاً نحصل عليه كما في الخيال إنما نتاج بذل وتخطيط وتضحيات جمّة، تبدأ من الإيثار وحب الخير للناس.
لماذا يتم إشعار المرأة القارة في البيت أنها ناقصة؟ لأنها لم تخرج للشارع وتعمل كالأجيرة في تحقيق أحلام أصحاب الشركات والمشاريع ورفع أرباحهم عاليا بأقل التكلفة، لكنها في حياة هذه المرأة تكلفة عظيمة في عمرها وصحتها وأبنائها وأسرتها وأمتها تجد تداعياتها حتى في الدار الآخرة. هذا مكر كبار.
ما يجبر الكثير من الغربيات للخروج للعمل هو الحاجة المادية ومجتمع يفرض عليها الدفع مناصفة لكل تكاليف الحياة مع الرجل، ومستقبل قاتم لا بد لها أن تؤمن فيه تكاليف دار المسنين! ما يجبرها على ذلك هو واقع جشع يدفعها دفعاً في كثير من الأحيان وهي تبكي في عطلة آخر الأسبوع وهي تحلم بزوج غني سخي.
لقد شاهدت الكثير من العاملات في الغرب في عطلة آخر السنة التي تعتبر الفرصة العظيمة لأخذ استراحة! فيتم قضاؤها في شرب الخمر والتسلية بكل رذيلة! للهروب من عمل يطول تعبه كل السنة! رأيتهن يشتكين من هذا الواقع الذي يجبر بعضهن للعمل خلال هذه العطلة طمعاً في أجر زائد لسداد فواتير متراكمة!
لو جمعنا قصص شكاوى الغربيات ومعاناتهن في هذه الحياة التي يُضرب بها المثل لدى الفتيات المغيّبات في أمتنا، لكان بمثابة الهزة الأرضية التي تهدم الكثير من الأصنام التي نصبت للانبهار بحياة الغرب! لكن الإعلام بيد من وظيفته زرع الانهزامية وتحقيق أجندات الغرب في نسائنا فيتم استعبادهن بستار تحقيق الذات!
فالمرأة في الواقع ضحية في الغرب قبل كل مكان، وتحريرها في الغرب أولوية من أولويات حقوق الإنسان، فالغرب امتهن المرأة كثيراً ووظفها لصالح نزعات الرجل، وهي تعاند فطرتها. وإن تسليط الضوء على ما يسمى نجاحاً في شبابها لا ينسفه إلا حقيقة مآلها في آخر عمرها حين تنتهي صلاحيتها في العالم الغربي!
أيتها المسلمة ارفعي هامتك، فقد جعل الله “صلة الرحم” شعيرة في الإسلام لصيانة حقك حتى آخر رمق، وجعل كفالة الرجل لك أباً وأخاً وزوجاً وابناً ومسلماً، مسؤولية لا يتبعها منّ ولا أذى، وأعطاك من الحقوق ما لا تستطيع أكبر دولة في العالم قوة ودعاية للحقوق أن تقدمها لك، (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير).
لا تهجر القرآن!
البيوت التي تستضيئ قلوب أصحابها بنور القرآن .. لا تُظلم ولا تشقى مهما اشتدت بها الخطوب!
فكيف ببيوت حوت صدور صغارها وكبارها القرآن!
هذا تمام الغنى.
إن الشهادة التي يجب أن يتربى الصغار على ضرورة تحصيلها لتأمين حياتهم ومستقبلهم، هي شهادة علاقتهم بالقرآن ووصالهم الدائم به وعملهم بآياته. فتلك الحياة الطيبة وذلك المستقبل الآمن.
الحقيقة التي حفرتها التجارب وتوارثتها الأجيال، أن أكبر مصاب أصيبت به الأمة، كان هجر أبنائها للقرآن قراءة وعملا.
وهي حقيقة ثابتة في القرآن، قال الله تعالى (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (الفرقان: 30).
إن المسافة التي تفصلنا عن النصر تقصر كلما قصرت المسافة بيننا وبين القرآن.
نقرأ في شهادات كبار علماء الأمة، حسرتهم على ما فات منهم من تدبر القرآن والتفرغ لدراسة معانيه، مع أن تقصيرهم الذي يصفونه كان مقابله اجتهاد عظيم في طلب العلم والتبحر في فنونه!
فكيف تكون حسرة الذي لم تشغله المسائل العلمية ولا الفتاوى ولا التعليم!
اللهم لا تحرمنا فضل القرآن العظيم!
إن كنت عشت الحرمان بسبب أسرة لم تعرف عظمة القرآن وانشغلت بتعليمك كل علوم الدنيا على حسابه فانشغلت عنه، فاستدرك الآن نفسك ومن تحت مسؤوليتك، أقبل على القرآن وإن كان الإقبال شاقا على نفس هجرته طويلا، لأن الفتوحات الربانية ستعالج وترمم كل ضعف وهدم فيك! وهذه ولادة جديدة لكل صادق مصابر!
لا بد أن نعترف بأن جيلنا تحمل تبعات أخطاء جسيمة في التربية كانت من صميم تبعات العيش الطويل تحت سلطة الثقافة الغالبة، لكن الوعي بالمقابل الذي تمتع به هذا الجيل فاق وعي من سبقه، وإبصاره الحقائق لم يستغرق جهدا كبيرا، لذلك يُنتظر منه أداء أفضل واستدراكا واعدا وتصحيح المسار بشكل جاد وقوي.
لا بد أن نديم الحمد على نعمة القرآن، فرغم كل التقصير الذي يقع فيه الفرد اتجاه كتاب ربه، يجد بركاته الجليلة تجري الدمع في عينيه، كلما أقبل من جديد مثقلا بالخجل!
إنها علاقة لا يمكن وصفها بأي تعبير وأي صياغة للمعاني، لأنها علاقة توحيد وعبودية لله جل جلاله، لا تعبر عنها إلا مشاهد الفداء!
هذه الدنيا بكل ما تملكه فيها، وكل ما حباك الله فيها من نعم وخيرات، لا تساوي جناح بعوضة! فإياك أن تغفل،لأن هناك من يسابق بشدة، لشدة حبه لله.
و”لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله” كل ذلك لغفلتهم عن عظمة هذا الدين وعن حياة المسابقة في الله.
اللهم اجعلنا من أهل القرآن وخاصته العاملين به.
"و من أعظم أسباب تأخر المسلمين العلم الناقص، الذي هو أشد خطرا من الجهل البسيط؛ لأن الجاهل إذا قيض الله له مرشدا عالما أطاعه و لم يتفلسف عليه، فأما صحاب العلم الناقص فهو لا يدري و لا يقتنع بأنه لا يدري، و كما قيل : ابتلاؤكم بمجنون خير من ابتلائكم بنصف مجنون، أقول : ابتلاؤكم بجاهل خير من ابتلائكم بشبه عالم".
أشار شكيب أرسلان إلى معضلة التعالم في كتابه لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم حيث ميّز بين الجهل البسيط والجهل المركب.
"و من أعظم أسباب تأخر المسلمين العلم الناقص، الذي هو أشد خطرا من الجهل البسيط؛ لأن الجاهل إذا قيض الله له مرشدا عالما أطاعه و لم يتفسلس عليه، فأما صحاب العلم الناقص فهو لا يدري و لا يقتنع بأنه لا يدري، و كما قيل : ابتلاؤكم بمجنون خير من ابتلاؤكم بنصف مجنون، أقول : ابتلاؤكم بجاهل خير من ابتلائكم بشبه عالم".
أشار شكيب أرسلان إلى معضلة التعالم في كتابه لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم حيث ميّز بين الجهل البسيط والجهل المركب.
أشار شكيب أرسلان إلى معضلة التعالم في كتابه لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم حيث ميّز بين الجهل البسيط والجهل المركب.
بين العلم والعمل .. وقفة
العلم الذي يورث قلبك القسوة ويطفئ فيك نور الخشية ويدفعك للظلم والعدوان ويحرمك الرحمة وخفض الجناح للمؤمنين ويصنع منك مجادلا بالباطل ليس علما، إنما جهل!
قيمة طالب العلم هي في سلوكه، في ترجمة علمه لعمل، في تمييزه للحق ونصرته لهذا الحق وفق هدي النبوة. وإلا فليس إلا متعالما ينشد حظ نفسه!
لا تغرك قوائم الكتب المقروءة ولا العناوين المجرودة ولا كثرة الردود والتأليف فكل ذلك ليس دليلا على شيء إن لم يقترن بالخشية من الله في مواقف الامتحان، ومن بصيرة تتجلى عند كل عمل يُنشد وغاية تُبتغى، صدق ابن مسعود رضي الله عنه نحن في زمان يكثر فيه طلبة العلم ويقل فيه العمل بالعلم!
لا بد أن يصلح العلم حالك أنت قبل أي حال، لا بد أن ينير قلبك وينعكس نوره على جوارحك وأعمالك، لا بد أن يقومك ويجعل حاضرك خيرا من ماضيك وهمتك لما هو قادم أعظم! فإن لم يفعل وحزت الشهادات والألقاب والإجازات! فاعلم أنك تخدع نفسك.
العلم الذي لا يصنع أثرا في حياتك حجة عليك لا لك! فاستدرك.
قال مالك بن نبي: “عانت مجتمعاتنا في عصور الضعف مشكلة الأمية والجهل ولكنها عندما حاولت النهوض أصيبت بمرض مستعصي وهو التعالم”.
هذا مبحث مهم جدا “التعالم”، نحن بحاجة لسبر أغواره وبحث أسبابه وعوامل انتشاره وبقائه والسبيل لتخفيف آثاره المدمرة!
والجهل أرحم من التعالم! والاستعاذة من كلاهما فقه.
قال مالك بن نبي في إحدى خلاصاته: “قبل خمسين عاماً كنا نعرف مرضا واحدا يُمكن علاجه، هو الجهل والأمية،ولكننا اليوم أصبحنا نرى مرضا جديدا مستعصيا هو التعالم”.
هذا التشخيص قبل 73سنة من تاريخ نشر كتابه “شروط النهضة” لأول مرة، فتأمل كيف تطور مرض التعالم مع تطور وسائل الاتصال في زماننا!
وقال مالك بن نبي: “الجهل الذي يلبسه أصحابه ثوب العلم، فإن هذا النوع من العلم أخطر على المجتمع من جهل العوام لأن جهل العوام بيّن ظاهر يسهل علاجه، أما الأول هو متخفّ في غرور المتعلمين”.
هذا يدفع بشدة للاعتناء بالجوهر أكثر من القشور، وبالقلب أكثر من الظهور وبالجودة أكثر من الكثرة!
ألف الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله كتابا عنوانه “التعالم”، قال عنه الشيخ إبراهيم السكران: “رسالة اسمها “التعالم”، وهي في نظري من أكثر كتب الشيخ بكر (أبو زيد) التي ظهرت فيها حرارة الغيرة والحفيظة، حتى كادت صفحاتها كلها أن تكون زفرات تنقصف لها الأضلاع على ما آل إليه حال العلم وطلابه”.
وقال ابن تيمية رحمه الله مسلطا الضوء على هذه المعضلة:
“وقد قيل: إنما يفسد الناس نصف متكلم ونصف فقيه ونصف نحوي ونصف طبيب، هذا يفسد الأديان وهذا يفسد البلدان وهذا يفسد اللسان وهذا يفسد الأبدان، لا سيما إذا خاض هذا في مسألة لم يسبقه إليها عالم ولا معه فيها نقل عن أحد ولا هي من مسائل النزاع بين العلماء فيختار أحد القولين بل هجم فيها على ما يخالف دين الإسلام”. [الرد على البكري: 2 / 731]
{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}
[سورة الزمر:9]
● عمل الجوارح: {قانت ءاناء الليل ساجد وقائما}
● عمل القلب: {يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه}
لذا لا عجب في مدحهم بالعلم {قل هل يستوي الذين يعلمون}، فاحرص على صفاء نيتك في الطلب.
