es
Feedback

¡No caigas en manos de tramposos! Telemetrio encuentra y marca estos canales 👉 Si quieres ver la etiqueta, suscríbete 👈

١٤٢٤ه‍

١٤٢٤ه‍

Ir al canal en Telegram
284
Suscriptores
Sin datos24 horas
-27 días
+130 días
Archivo de publicaciones
أُنَازعُ نَفسِي فِي مَعرَكَةِ النِّسيَانِ، لعَلِّي أَذُوقُ طَعمَ الغِيَاب عَنِ الذَّاكِرَةِ، وَلَو لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ. لِأَعُودَ إِلَى نُقْطَةِ الْبِدَايَةِ، فَأُعيدَ صِيَاغةَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ جَدِيدٍ، لِأَبدَأَ حَيَاةً خَالِيَةً مِمَّا كَانَ يُثْقلُهَا، نَقِيَّةً مِنْ شَوَائبِ المَاضِي. يَا لِشِدَّةِ هَذِهِ الْحَرْبِ! كَأَنَّهَا زِلْزَالٌ يَعْصِفُ بِأَعْمَاقِي، هَدِيرهُ لَا يَهْدَأُ، وَصَخَبُهُ لَا يَرْحَمُ. لَا أهْلكُ بِالسِّلَاحِ، بَلْ تُرْهِقُنِي الذِّكْرَيَاتِ، تُشْعِلُ مَا حَسِبْتُهُ خَمَدَ، وَتُوقِظُ مَا أَرَدْتُ لَهُ النِّسْيَانَ.

لَكِنّي هادئٌ فِي هذِهِ الْمَرَّةَ... هُدُوءٌ يُشبِهُ مَا بَعدَ الْمَوتِ؛ حِينَ يَصْمُتُ كُلُّ شَيْءٍ، حَتّى الدَّاخِلُ مِنِّي. هُنَاكَ شَيئًا فِي أَعْماقِي قَدِ انْطفَأَ، دُونَ بُكَاءٍ، دُونَ صَوْتٍ، فلَا لُغَةً تُفَسِّرُنِي وَلَا صَمْتٌ يَسعُنِي. أَنَا هُنا... وَلَسْتُ هُنا. .

تَعِبتُ مِن ثَباتٍ لَا يُشبهُني، مِن صَلابةٍ أَظْهرُها وأَنا أَتَفَتَّتُ مِن الدّاخل. أُرْهِقْتُ مِن مُحاوَلةِ تَجاوُزِ ما لَا أَقْدِرُ عَليْهِ، مِن حَمْلِ ما لا يُحْتمَل، مِن التَّظاهُرِ بالقُوَّةِ، وأَنا أَسْقُطُ بِهُدوءٍ دَاخِلي. رَأْسي لا يَسْكُنُه إِلّا الضَّجيج، وقَلْبي مُظْلِمٌ تَسُودَه الفَوْضى. وَكُلَّما قُلتُ: "أنا بِخَيْر" كُنْتُ أُخادِعُ نَفْسي قَبْلَ أَيِّ أَحَد. أَتَّكِئُ عَلى وَجَعي لأُساعِدَ مَن حَوْلي وأَنا أَتَهاوى بِصَمْتٍ؛ كَغُصْنٍ يابِسٍ كَسَرَتْهُ الرِّيح. أَمّا الآن! فَإِنَّني أَقِفُ عَلى حافَّةِ الانْهِيار... أَنْتَظِر.

فِي الحَقِيقةِ، أَصبَحتُ لَا أَنتَظِرُ اعْتذارًا، وَلَا رَدَّ اعْتبَارٍ، لَا عَوْدةَ غَائِبٍ، وَلا اسْتِعَادَةَ حَقٍّ، وَلَا تَصْحيحَ مَوَاقِفَ. لَقَدْ تَعافَيتُ تَمَامًا، عَفَوتُ وَتَعلَّمتُ... كُلُّ مَا أَرْغَبُ بِهِ: أَنْ يَبقَى هَذا الْقَلبُ مُطْمئِنًّا، آمِنًا مِن الْعَبثِ، أَلَّا تَمسَّهُ يَدٌ لَا تَعْرِفُ كَيْف تصُونُهُ، أَنْ يَعِيش بِسَلَام وَطُهْرٍ لِحيَاتِي، وَأَلَّا أَخْسَرَ مُجَدَّدًا مَا اسْتعَدتُهُ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ!

لَقدْ مَنحتُ غَيْرِي كُلَّ ما تَمَنَّيتُ أَنْ أَحْظَىٰ بِهِ، أَعطَيتُ الحُبَّ بلا مُقابِل، وَقَلبِي مَلِيءٌ بِالنُّدوبِ. مَنَحتُ الدِّفْءَ بلا حُدود وَأَنَا أَرْتَعِشُ مِنَ البَرْد، زَرعْتُ الطُّمَأْنِينَة في نُفُوسِهم، وَأَنَا في قِمَّةِ الإِحْساسِ بِالخَوْف، أَرْصُفُ لَهُم دُروبَ المَحبَّة، وَطَرِيقِي تَائِهٌ بلَا عُنْوان. فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَبْذُلُ شَيْئًا جَمِيلًا مِن نَفْسِي لِأَحَد، وَكَأَنِّي أَقُولُ لَهَا: سَتعُودُ لَكِ كُلُّ الأَشْيَاء الجَمِيلَةِ في يَوْمٍ مَا، وَكَأَنِّي أَعْتَذِرُ لَهَا عَنْ بَشَاعَةِ هَذَا العالَم، عَنْ كُلِّ سُوءٍ صَادَفَتْهُ. فَفَاقِدُ الشَّيْءِ يُعْطِيهِ أَلْفًا.

هَا أنَا في العشْريناتِ من عُمرِي، فِي تلكَ الفترة التِي يُطلق عليهَا عُمرُ الزهورِ. لَكنْ عَلى ما يبدُوا أنَّ زهرة شبابِي قَد ذبُلتْ منذُ ردْحٍ منَ الزَّمنِ، أُذبلَت منْ قسْوَة الحيَاة، سَقطتْ أوراقَها من بشَاعةِ الوَاقعِ الَّلئيم. يُحكَى عنِ العشْرينَاتِ أنهَا فترةُ الحَيوية والنَّشَاط، أمَّا أنَا فأشعرُ أنِّي دخلتُ مرحلةَ الشَّيْخوخَة المُبَكِّرة. أصْبحتُ أكثر مَيلًا للبقاءِ في البيتِ، لَا أخرجُ إلّا لِضرُورةِ الضرُورياتِ، مُتعبٌ بلَا رُوح. فَقدتُ الكثِير، شَغفِي، خِفَّةُ دَمِّي، أصْدقائِي، بعضٌ مِن معَارفِي. الأمرُ مرهقٌ للغايةِ...!

أدْركتُ اليومَ أنِّي منذُ أعوامٍ لَا أفعلُ شيءٍ سِوىَ المُحاولة. مَعَ نفْسِي، مَعَ الآخَرينَ، مَعَ خوْفِي، ذكْرياتِي، أحاوِلُ مَعَ أشْباحِي ومَعَ شتَّى أُمورِي. منذُ أعوامٍ لَم أحظَى بلحظةٍ واحِدة أكُونُ فيهَا هَادئ دونَ تفكيرٍ، لرُبمَا منذُ أعوامٍ عدّة لَم أحظَى بِلحظةٍ حقيقيةٍ. اليومُ أكتبُ وكلُّ محاوَلَاتِي فاشلةٌ أو أنَّي بحاولاتٍ عديدة لَم أصل للحظةِ هُدوء بعد!

حتَّى أنَّ مُقتنيَات أُمِّي تُشبهُ قلبهَا الكَبير، هاتفُهَا لا تنفذُ بطاريتهُ مهمَا استهلكتهُ وانهكته. حقيبتُهَا لَا ينضبُ خيرهَا، تأكلُ وتشرَبُ وتَتدَواى منْهَا وقَدْ تتسع لتحمُلكَ فيهَا أيضًا. مِعطَفهَا قادرٌ أنْ يُدفئ شتَاء لنْدن، يدَاهَا تُجيدُ الطبْخ وخياطةُ ثوبِي وإصلاحُ الأشياء وقلبي.

منذُ ستة أشهُرٍ تقريبًا، مرّ عليَّا شهرٌ لا أدْري كيفَ احتمَلتهُ والله، أصبحتُ أخافُ أنْ أكتُب عنْهُ، أخافُ أنْ أتذكَّرهُ، لقد دمَّر كيَاني كُليًّا حينهَا، وكأنِّي ولدتُ مرَّةً أخرى بعد أنْ تخطيت ذلكَ الشهر. حاولتُ الكتابةَ عن تلكَ الفترةِ مرارًا لكنَّ أقلَامي فِي كُلِّ مرَّةٍ خطَّتِ الدموع بدلًا عنِ الحبرِ.