Multifarious Writings
Ir al canal en Telegram
I jot down stuff when possible
Mostrar másEl país no está especificadoLa categoría no está especificada
1 036
Suscriptores
-124 horas
+107 días
+3130 días
Archivo de publicaciones
Modernity and its variants have produced many diseases, but perhaps the most deleterious of them is abolition of seriousness towards The Human Condition with all its complexities and tensions, this abolition starts from the spiritual dimension and extends all the way down to the most mundane things. Man is no longer serious about his being in the world, and he is entirely involved with all the things that reinforce the forgetfulness of the necessity of seriousness. The current political and cultural dichotomies are superficial and peripheral, because their utmost concern is still bounded in the very state of forgetfulness. We all forget the fact that the human condition itself is not something so obvious and joyful in a way that allows us to tolerate the current state of things. One has to burden himself with endless arbitrary assumptions in order to come to terms with this lack of seriousness.
تجسدت الحداثة في توجهين أساسيين انعكسا في ٣ أيديولوجيات: الليبرالية، الشيوعية، الفاشية. التوجه الأول، الذي يشمل الشيوعية والليبرالية، متمحور حول البعد الاقتصادي للإنسان وغايته النهائية تحقيق كل ما يخدم هذا البعد، والتاريخ، الذي هو تقدمي بطبيعته، وفقا لهذا المنظور، يسير نحو تحقيق هذه الغاية. أما الفاشية فهي تجسيد التوجه الثاني سياسيا، التوجه الذي ينفي أولوية البعد الاقتصادي ويستعيض عنه بأيديولوجيا الصراع، حيث تبقى الأمم ككيانات جمعوية يستمد منها الفرد معناه في هذا العالم. الفاشية هي رد فعل على "الإنسان الأخير" الذي تحدث عنه نيتشه وغايتها النهائية تحطيم هذا النموذج وإبقاء حالة الصراع التي تعكس قسوة كون القرن ال ١٩ الدارويني البارد، الذي تظهر فيه الحياة برمتها كظاهرة مدفوعة بالصراع النهائي، وهو صراع لا غاية له، صراع يظهر من منظور المطلق كظاهرة في حالة من الصيرورة الدائمة. في كل أيديولوجيات الحداثة نفي للبعد المتعالي، ونفي للدين بشكله التقليدي، وانكار لوجود أي هيراريكية كونية كتلك التي عرفها العالم القديم.
عمل ممتاز لفهم طبيعة الصراع السياسي المعاصر بداية من جذوره التاريخية، بعيدا عن الانقسامات المصطنعة (اليمين واليسار) التي لم تعد تعبر عن أي واقع سياسي ملموس.
Heidegger’s Nietzsche | Hans Sluga: Nietzsche and the world-historical situation
حتى ساعتنا هذه، لم تحسم مسألة العلاقة بين هايدجر والاشتراكية القومية، إلّا أن هناك بعض التفسيرات تسعى إلى نزع الطابع السياسي عن الفيلسوف بصورة تامة، وهذا ما لا يتوافق مع ما صرح به هايدجر نفسه إبان تلك الحقبة. علق هايدجر على كثير من أحداث عصره السياسية والثقافية، وحتى على الأحداث المرتبطة بالحرب. وأظهر آرائه حول الليبرالية والديمقراطية والاشتراكية والشيوعية والبلشفية، وفي نقده لكل هذه الأيديولوجيات، تحضر التيمة الأساسية التي اختص بها الفكر الألماني المحافظ، ولو أنها قد أخذت أبعادا أكثر عمقا عند هايدجر لارتباطها دائما بنظرته التاريخية والفلسفية الثاقبة لتاريخ الحضارة الغربية وتقاليدها الميتافيزيقية.
نجد عند هايدجر كذلك ارتباط الخلاص الغربي بالحضارة الألمانية ومصيرها، إذ رأى أن ألمانيا مقيدة بمهمة يتعين عليها إنجازها. في هذا الصدد، تكررت تيمة الصراع. بالنسبة لهايدجر، وجد الصراع أنموذجه التاريخي في حروب الفرس والإغريق. علاوة على ذلك، أشار هايدجر مرارا إلى مواجهة العالم الغربي (بلاد الإغريق) مع آسيا، والتفاعل الذي استقرت من خلاله بلاد الإغريق في آسيا الصغرى. كتب هايدجر عام 1939 أنه يتعين علينا ألا ننسى كيف أن الإغريق لم يصبحوا كما هم على الدوام من خلال عزل أنفسهم في نطاقهم الخاص، وأنه فقط عبر المواجهة الخلاقة والعنيفة مع العنصر الأكثر غرابة وعداوة، أي العنصر الآسيوي، حقق الإغريق تفردهم التاريخي وعظمتهم الحضارية.
5
وفقا لشبينجلر، ذاك الإنسان الذي تدور حوله الفلسفات الحديثة ليس سوى مفهوم ينم عن جهل بواقع التاريخ، إذ في واقع الأمر، لا يمكننا الحديث عن تاريخ " الإنسان" وإنما هناك تاريخ ثقافات وحضارات تتلاقى وتتفاعل، لكنها مع ذلك تظل محتفظة بنظرتها وميولها الخاصة، التي تشمل كل ما يخصها، بداية من الكوزمولوجيا والأساطير وحتى العلوم والثقافة. لذا ليس ثمة إنسان منعزل عن هذا التاريخ الذي شكل وجوده في المقام الأول. ليس من الغريب إذا أن يتلاقى شبينجلر مع إدموند بيرك، ففي فلسفتهما نقد لاذع للنزعة النظرية ونفي تاريخية الإنسان. على نفس الخطى، نفى إرنست يونجر مفاهيم الإنسانوية والحقوق العالمية بوصفها "مناقضة للروح الألمانية"، واعتبرها قيما تجسد انتصار البرجوازية برعونتها وسفهها وحبها للسلام والسكون وميولها النفعية، إذ رأى يونجر في هذا النموذج نفيا لما عهده كمحارب قضى أعظم أيامه في ساحة المعركة، فأعلن صراحة أن البرجوازي نموذج أحط قدرا من المجرم، مؤكدا على رؤية شبينجلر وسومبارت. في نفس السياق، يأتي كارل شميت، الفيلسوف الذي سعى إلى إنهاء النزعة النظرية في كافة المجالات التي شغلته، بداية من القانون وحتى الفلسفة والثقافة، فنجده يستعير مفاهيم سياسية راسخة تاريخيا في فلسفته السياسية، وينفي إمكانية إقامة سياسية ليبرالية كونية، إذا السياسة تقوم على التفرقة بين العدو والصديق، التفرقة التي تنفيها الليبرالية، التي رأى فيها شميت، تحييدا ونفيا للبعد السياسي للإنسان، البُعد الذي أخذ مكانة أنطولوجية عنده وتغلغل إلى كافة الأصعدة. تقوم حقيقة "السياسي" عند شميت على واقع ملموس، ألا وهو تعدد الهويات والمعتقدات والأديان والرؤى الكونية، بصورة لا تقبل أي مساومة، من ناحية، وعلى جسامة وجدية الوجود البشرية من ناحية أخرى. بالنسبة لشميت، لا يمكن إنكار هذا البعد في أي حال من الأحوال، ويرجع ذلك إلى نظرته الأنثروبولوجية الواقعية التي تنفي إمكانية إنهاء العنف من الوجود البشري. كما نرى تستمر تيمة الخصوصية والتاريخانية والعملية ومعاداة التطفل النظري في الفكر الألماني المحافظ، تماما كما أكد مانهايم.
وفقا لمانهايم، أمد بيرك التقاليد المحافظة برمتها بمقولة "التاريخ"، باعتبارها مرتكزا أساسيا يناقض التوجهات النظرية. لكن التحولات التي مرت بها الحضارة الغربية في العهود الأخيرة، التحولات التي نصرت كل ما شجبه المحافظون الألمان (التاجر، النزعة النظرية، النظرة البرجوازية، نفي السياسة)، قد قوّضت مقولة التاريخ وحولتها هي الأخرى إلى شيء في حاجة إلى التبرير والمنافحة، فما كانت تاريخية الألمان تلك هي تاريخية بيرك، التي انطلقت من واقع سياسي أكثر رسوخا وثباتا من الواقع الألماني المضطرب، إذ شعر الألمان أن التاريخ ينتزع من تحت أقدامهم، فقد أعلن نيتشه موت الرب ومعه انهيار المنظومة التي شكلت الإيمان الأوروبي طيلة القرون الماضية، ثم أعلن شبينجلر موت الغرب ومأزق الإنسان الفاوستي، وتبعهما شميت الذي رأى كيف تفقد السياسة سلطانها هي الأخرى وتستبدل بهيمنة الاقتصاد وكيف يستعاض عن الانتماءات الواقعية بانتماءات مجردة لا تمت للواقع بصلة. الآن بدا وكأن كل انتماء يتبدد وكل واقع يستحدث وكل تاريخ يتلاشى، فبات من غير الممكن أن تتوافق المحافظة مع الواقع الفعلي، الواقع الذي احتج به بيرك في حملته التي شنها على النظريين والفلاسفة من أهل زمانه.
في نفس السياق، برز توجه أنثروبولوجي أسماني nominalist يناقض كل "الكليات" التي حددت توجهات "أعداء ألمانيا"، وهو توجه يرجع في أصله إلى فلسفة القرون الوسطى، وتجدد على يد فيلسوف المطرقة، الذي استحضر الجدل المدرسي، لينتقد "الكليات" باعتبارها تجريدات فارغة لا تمت للواقع بصلة، الواقع الذي تحكمه الصيرورة وإرادة القوة، التي تجعل كليات الإنسان هباء منثورا، مآله مقبرة التاريخ. كذلك هاجم نيتشه النزعة الكونية التي ولدت المسيحية وكذلك التوجهات الثورية الحديثة. ورث هايدجر هذا التوجه وأعلن في أكثر من مناسبة عن معارضته للمفاهيم الكونية، ومع أن هايدجر لم يكن فيلسوفا سياسيا في المقام الأول، إلا أنه لعب دورا أساسيا في نزع الطابع الكوني عن الذات في الفلسفة وهدم التقاليد الميتافيزيقية التي تنفي التاريخانية. أشار هابرماس إلى وجود علاقة بين توجهات هايدجر الأيديولوجية وعمله الأعظم الوجود والزمان، وعلى الرغم من أنه لم يقصد بذلك اختزال هذا العمل في جوانب أيديولوجية، إلا أنه رأى في أفهومة الدازاين والتاريخية ونزع الطابع الكوني عن الذات تأكيدا على نفس توجهات عصره. على أن هذه النقطة إشكالية للغاية ولا يمكن التأكد من مدى الارتباط في هذا الصدد، لكن واقعا، لعبت القوالب التي استخدمها هايدجر في عمله دورا في بعض التوجهات القومية، وإن تم ذلك بصورة اعتباطية تختزل مفاهيم "الوجود في العالم" و"الدازين" وتحصرها في نوع من القومية الضيقة.
4
أخيرا، تتعلق القرارات السياسية بالآراء والمسائل العامة، حيث يتعين على السياسي أن يأخذ في حسبانه كل ما هناك في الواقع، فيتأمل أحوال الناس ومتصرفاتهم، حتى الآراء الخاطئة والخرافات هي جزء من الواقع الفعلي، والصورة التي يجب على السياسي أن يتعامل بها مع مثل هذه الآراء تختلف في واقعها عن الصورة النظرية التي تتخلص منها دفعة واحدة، في النهاية التعامل مع الرأي الخاطئ يختلف في حالة الفيلسوف عن حالة السياسي، إذ في الحالة الأولى يكون الرأي مجرد حجة تتبدد بدحضها، بعكس الحالة الثانية التي تحتم أخذ كل الآراء الموجودة في الحسبان واختراع طرق للتعامل معها، وفي حياتنا لم نسمع أبدا برأي تبدد من الواقع لمجرد أنه رأي خاطئ. هذه الواقعية البيركيّة، ستلعب دورا مهولا، كما أشار فريدريك مينيك، في تشكيل الفكر الألماني الذي تابع تقاليد دحض الفكر النظري الذي يبني قصوره في الهواء.
إبان الحقبة الهتلريّة، كتب كارل مانهايم مقالة عن الفلسفة المحافظة، متأثرا بالآراء المحافظة والمعادية للنزعة النظرية والثورية، ووضح فيها كيف أن فلسفة بيرك، المحافظ الإنجليزي العتيد، أثرت في كل التيارات المحافظة الألمانية، ورأى أن كل أشكال الفكر المحافظ في أوروبا هي بصورة أو بأخرى امتداد لآراء بيرك، ذاك المنتمي إلى أمة التجار. على نفس المنوال، مدح شبينجلر، الذي أذاع رؤية أفول الغرب، فلسفة بيرك باعتبارها تفكيكا لمفهوم "الإنسان"، المُنطلق الأول للفلسفة الثورية على اختلاف مشاربها وضروبها. عارض شبينجلر الرؤية التقدمية للتاريخ، ضاربا بكل الرؤى التفاؤلية التي هيمنت على عصره عرض الحائط:
"إنني في الموضع الخاوي من الخط التقدمي, أشاهد الصراع الذي يحدث لعدد من الثقافات الجبارة, ولكل منها حياتها الخاصة وموتها المحتم. كل ثقافة تملك أسلوبها الخاص في التعبير عن نفسها. إنها تصعد, ثم يشتد عودها, وبعد ذلك تتفسخ, وترحل ولا تعود أبداً. إنني أنظر لتاريخ العالم كلوحة تملأها التشكلات والتحولات اللامتناهية للثقافات, بدءا من الصعود المُبهِر للثقافة وانتهاء بالهُبُوط الشنيع لصورتها العضوية. أما المُؤرّخ الصرف والمُحترف, فلن ينظر للتاريخ إلا كدودة شريطية تكد وتجتهد كي ينمو ذيلها بمرور الزمن”.
وبنفس طريقة سومبارت، سخر شبينجلر قلمه لنقد عقلية التاجر، بعد أن شهد حكم المال في عصره يستفحل ويخضع السياسة لسلطانه، وانتهى إلى تمجيد المحارب الألماني، الذي ينطلق من واقع تاريخي ملموس لا يقيم وزنا لتأملات النظريين:
” إن السيف ينتصر على المال, وإرادة السيد سوف تقهر إرادة التاجر مرة أخرى, سيتم إسقاط المال وإلغاءه عبر الدم. إن الحياة هي ألف وياء. وإن المُحيط الكوني مُختزلٌ في الذرة الصغيرة. كذلك هو الأمر في دراما الثقافات العُليا وعالمها العجائبي والمتكون من الديانات والفنون والأفكار والمعارك والمُدن المُنهارة بعد عودة الحقائق الفطرية وأولها قداسة الدم, هذه القداسة الخالدة والمُتدفقة مثل سَيلان المُحيط الكوني."
3
لم يكن بيرك فيلسوفا سياسيا كأولئك الذين وضعوا فلسفتهم في نموذج نظامي، بل في الواقع، لم يكتب الرجل أطروحة واحدة حول الفلسفة السياسية كهوبز ولوك وبودان. على أنه عهد السياسية كرجل قضى معظم حياته سياسيا متصلا بالأحداث وعضوا في مجلس العموم. وقف بيرك على الضد من تطفل النزعة النظرية على السياسة، النزعة التي مثلها معظم فلاسفة زمانه، الذين أيدوا كل ما هو حقير بحسبه، وانتزعوا الإنسان من واقعه الاجتماعي والتاريخي ليسجنوه في أنظمتهم النظرية التي تبدد الحرية والأصالة. في خطاب ألقاه عام 1785، شجب بيرك النزعة الفكرية التي طغت على الفكر السياسي، ولما اندلعت الثورة الفرنسية رأى فيها تجسيدا لتلك النزعة التي ظل ينتقدها سنوات طوال. تتحقق غطرسة النزعة الفكرية وفقا لبيرك في افتراض إمكانية التنبؤ بمجريات الأمور في الواقع السياسي، فلأن "النظرية" قد وضعت مثُلها في صيغة كونية لا تقبل المساومة، يتبع ذلك بالضرورة قواعد كونية تهدف إلى تحقيق هذه المثُل، مما يحول النزعة الثورية إلى ماكينة توظف كل ما أمامها كوسيلة بغية تحقيق هذه المُثل المزعومة. الفيلسوف النظري يرفض مشروطية الواقع وتقلبه من حال إلى حال فيحسب أن نظريته مقدر لها أن تحتوي الواقع بأسره، ومن المقاومة الحتمية التي تفرضها الظروف المتغيرة والمتقلبة، ينشأ التطرف عند "النظري" فلا تسعفه الظروف ولا يرضيه الواقع فينتهي به الأمر إلى حالة من اليأس والسخط، إذ تتصادم رغبته في احتواء الواقع بأسره في نظريته بظروف لا تنتهي أبدا. رأي بيرك في مشروطية الواقع وتقلبه دليلا بينا ينفي كل ما هو كوني في السياسة. في هذا السياق، يظهر أصحاب النزعة النظرية كأشخاص يحاولون بناء سفينة تستوعب المحيط بأسره، لتنهي فوضويته وتقلباته، فكل موجة تضرب سفينتهم وتبيّن بطلان نظامهم هي بمثابة تهديد، وهم، لجهلهم وتفاؤلهم الطائش، يحسبون أن هناك سفينة قادرة على التصدي لهذا التماوج نهائيا. على الضد من ذلك رأى بيرك أن السياسية معنية بإمكانية بناء سفينة قادرة على التفاعل المستمر والمتجدد مع هذه التقلبات، بدلا من حلول أولئك "النظريين" الذين يودون إنهاء المحيط لتظفر حلولهم بالنصر، النصر على الحقيقة التي لا يمكن إنكارها بأي حال من الأحوال. هاهنا كما نرى، يلعب التضاد بين النظرية والتطبيق دورا رئيسيا في محافظة إدموند بيرك: 1- النظرية دائما بسيطة لا تراعي مشروطية الواقع، وهي بطبيعتها ثابتة وتقدم حلولا كونية لمشاكل متغيرة، على الضد من التطبيق والفعل السياسي اللذان يأخذان في اعتبارهما مشروطية الواقع وطبيعته العصية على الاختزال والتأطير 2- الطبيعة الكلانية للنظرية تنفي إمكانية المساومات الضرورية في أي سياق سياسي وبالتالي تؤخذ الخلافات إلى نتائجها القصوى 3- النظرية تحذف كل ما هو مناقض لنظامها وتغض النظر عنه وتعتبره بمثابه حالة شاذة يجب أن تنتهي بوصفها خللا يعكر صفو النظام. هذا السعي نحو الوضوح في عالم لا يمكن أن تتضح فيه الصورة نهائيا ينفي إمكانية السياسة ويحولها إلى متاهة. ناقض بيرك الحالة النظرية بأخرى عملية تعكس لنا طبيعة الرجل كسياسي قبل أن يكون فيلسوفا، وفقا له، الرجل السياسي عملي بطبيعته، مرتبط بواقعه التاريخي، وولاءه مفترض مسبقا بحكم مسؤوليته. لا يمكن لسياسي أن ينتزع نفسه من العالم ثم يقول أأنتمى لفرنسا أم لإنجلترا؟، لألمانيا أم للإنسانية؟، فالسياسي بطبيعته ينطلق من واقع ملموس، يجد نفسه منتميا إلى قوم وعلى عاتقه مسؤولية لم يخترها، وكل اختياراته مفروضة عليه بسبب الظروف أو العناية الإلهية. كما لا يرى المرء منا لقبه وتركة أبيه موضوعا للبحث النظري لا يرى السياسي مسائل السياسة كشيء غريب عنه، فهذا واقعه الذي عليه أساسه تقوم مكانته كسياسي. لا يوجد سياسي ينطلق من اللاشيء، أما النظري فيمكنه أن يفعل ذلك، لكن طبيعته السياسة هي أنه لا توجد نقطة "اللاشيء"، إنها إحدى أوهام الحيادية النظرية، التي تسعى إلى ابتلاع الواقع السياسي في نموذج به تستقيم الأمور طرا. الأهم من ذلك، أشار بيرك إلى أن الفلسفة والنزعة النظرية تضمن إمكانية تعليق الحكم حينما تكون المسألة عصية ومبهمة، بينما في الواقع السياسي لا مكان لتعليق الحكم، إذ السياسة تقوم أساسا على تنظيم أمور البشر وعليها تتوقف حيوات آلاف مؤلفة، وفي مثل هذه الحالة لا يحظى السياسي برفاهية الفيلسوف، فلا مكان للمحاورات بخصوص ماهية الأشياء، وفي النهاية، سيقرر السياسي بناء على أعراف وتقاليد راسخة واقعيا، بحكم الأمر الواقع.
2
من بيرك إلى الثورة المحافظة
"لقد تم تشكيل دستور عام 1795 من أجل الإنسان. بيّد أنني لم أرَ إنسانا في العالم. رأيت فرنسيين وإيطاليين وروسًا إلخ، وبفضل مونتسكيو، عرفت أنه يمكن أن يكون المرء فارسيًا. أما "الإنسان" فلم أقابله في حياتي أبدا. "
ـــــ جوزيف دو ميستر
أهم فكرة أتى بها عصر التنوير هي "الإنسان" الذي لا يرد إلى أي أمة ولا يعرف أي واقع تاريخي محدد، والتي تنطوي على التخلص من الإرث التاريخي بكل تعقيداته هائلة. من حملوا لواء هذا الفكر هم أولئك الذين وصفهم روسو بأنهم "... يبررون حبهم لأوطانهم بحبهم للبشرية جمعاء؛ ويتفاخرون بمحبة الجميع، حتى يكون لهم الحق في عدم حب أي شخص". ذاك الإنسان الذي تساءَل دو ميستر عن وجوده في اعتباراته حول الثورة الفرنسية هو المبدأ الأول Arche الذي تدور حوله كل مسلمات هذا العصر، وهو ليس الإنسان الذي نعرفه ونراه في واقعنا، بل هو إسقاط فاوستيّ لحضارة تريد أن تخلق ذاتا حرة من كل شيء، حتى من نفسها، لتستأثر بكل مجالات الحياة.
على الضد من ذلك، اتسم الفكر المحافظ، المعادي للميول الثورية، التي تؤسس قصورا في الهواء، بنزعة محلية وخصوصية. فنجد إدموند بيرك، الذي اعتبره المؤرخ الألماني فريدريك مينيك أهم أباء الفكر المحافظ، يؤكد على "الروابط التاريخية والمجتمعية" التي جاءت من الأسلاف بوصفها أساسا راسخا للتنظيم السياسي والاجتماعي، معارضا بذلك " النزعة الكونية" التي اختص بها الفكر الليبرالي الإنكليزي. اعتبر فيرنر سومبارت، المعروف بعداءه لـ"حضارة التجار"، بيرك نقيضا للروح البريطانية، التي تمثل انتصار التاجر على المحارب والنزعة النظرية والنفعية على روح البسالة التي يختص بها المحارب الألماني الذي يعيش نحو الموت متقبلا مصيره بصورة بطولية، نافيا بذلك كل مُثل التنوير التي رسخت مفهوم الإنساني النفعي الذي يسعى إلى مضاعفة مكاسبه بأكبر صورة ممكنة. تبلورت هذه النزعة الخصوصية في نوع من الوجودية التاريخية الجماعية في ألمانيا التي عرفت بحداثتها المضطربة وسخطها على تقاليد التفاؤل الفرنسية وعدائها لمثل الحرية والإخاء والمساوة. نجد جذور هذا السخط عند مؤلف مولد التراجيديا، الذي رأى في كومونة باريس تجسيدا ثانيا للتفاؤل السقراطي الذي عدّه آنذاك تكرارا للرعونة التي قوضت النظرة التراجيدية للحياة واستبدلتها بعبادة الحقيقة والمعرفة النظرية. في المجمل، وقف الفكر الخصوصي على الضد من الروح الثورية، روح التفاؤل العلمي والمساواة والإنسانية، بداية من دو ميستر ودو بونالد وكورتيز وفلاسفة الثورة المضادة الكاثوليكيين وحتى الفكر الألماني بعد الحرب العالمية الأولى، الفكر الذي جاء في وقت تآكل القيم الدينية التقليدية واستبدالها بمُثل الأمة والإخاء والاشتراكية القومية وتقبل حقيقة الأمة كمصير تاريخي. لقد قيل أن المحافظة الأوروبية كلها ترجع في أصلها إلى إدموند بيرك ونزعته الخصوصية. لكن تلك "الخصوصية" مرت بتحولات هائلة إلى أن بلغت ذروتها في ألمانيا بين الحربين. سأركز في هذا المنشور على "الخصوصية" التي اعتبرها فريدريك مينيك من المُشكِّلات الأساسية للفكر المحافظ الألماني الذي أخذَ هذا التقليد إلى نتيجته القصوى.
1
We are all bound to the throne of the Supreme Being by a flexible chain which restrains without enslaving us. The most wonderful aspect of the universal scheme of things is the action of free beings under divine guidance. Freely slaves, they act at once of their own will and under necessity: they actually do what they wish without being able to disrupt general plans. Each of them stands at the center of a sphere of activity whose diameter varies according to the decision of the eternal geometry, which can extend, restrict, check, or direct the will without altering its nature.
In the works of man, everything is as poor as its author; vision is confined, means are limited, scope is restricted, movements are labored, and results are humdrum. In divine works, boundless riches reveal themselves even in the smallest component; its power operates effortlessly: in its hands everything is pliant, nothing can resist it; everything is a means, nothing an obstacle: and the irregularities produced by the work of free agents come to fall into place in the general order.
Considerations on France
by Joseph de Maistre
Delphi_Complete_Works_of_Edmund_Burke_Illustrated_Delphi_Series.pdf24.66 MB
According to Friedrich Meinecke, Burke is credited not only with drawing attention to man's historical and communal links as they oppose the "doctrine of natural law," but also of highlighting some important values which are the basis of "Western States." Not by chance, this author has a "profound influence on romantic Germany. Mannheim, also inspired by the present situation and by the proliferation of conservative and antirevolutionary currents in the Weimar Republic, publishes an essay on conservative philosophy. In it, he indicates how Burke's strong impact "has influenced to a certain extent all antirevolutionary positions." As a consequence of this, "every modern conservatism" somehow follows Burke's famous condemnation of revolutionary thought.
~ Domenico Losurdo
لا تزيد الأخلاق عن كونها مجرد بناء اجتماعي سياقي ونسبي يتحدد وفقا للتراث الذي يشكل مرجعية الدلالات التي تستمد منها الأخلاق قيمتها في المقام الأول، اللهم إلا في حالة وجود مرجع كوني فوقي يجعل هذه الأخلاق صالحة لكل زمان ومكان بمعزل عن أي مرجع تاريخي. كان المرجع المتعالي في سياق الأديان التوحيدية هو الله، ثم حولته الحداثة إلى الإنسان (الشيوعية والليبرالية) من ناحية وإلى "الأمة" من ناحية أخرى (القومية بشكل أشكالها). مأزق الحالة المعاصرة هو الاعتقاد في إمكانية تجاوز المتعالي عندما يتعلق الأمر بالدين، وعلى الضد من ذلك، التمسك بالتركة الدينية عندما يتعلق الأمر بالإنسان وكرامته وحقوقه الفردية التي ترسخت تاريخيا بسبب هذه الأديان وحدها. لم تعرف الحضارة الإغريقية فكرة الأخلاقية المتمركزة حول الإنسان، كذلك في الهند، لم تحظى الأخلاق بأي قيمة ماورائية، وحتى الكارما كانت تعتبر بمثابة آلية ميكانيكية مرتبطة بأفعال الإنسان ولم تحمل أبدا نفس الدلالة الأخلاقية التي نجدها في المسيحية الغربية والإنسانوية الحديثة. ما أود أن أقوله هو أن الأخلاق التي يتمسك بها الإنسانيون أخلاق ترسخت بفعل تراث ديني معين، وهو تراث المسيحية الغربية. صحيح أن نفس النزعة الأخلاقية حاضرة بنسب مختلفة في بعض الفرق اليهودية والإسلامية، لكن مع ذلك لم تترسخ أبدا بنفس الصورة التي أدت في حالة المسيحية إلى نفي الإله باعتباره أقل مسيحية مما يجب أن يكون. مشكلة الإنسان الحديث لا تتعلق بنفي الإله، لأنه في واقع الأمر، يعجز عن تقبل النظرة التراجيدية للواقع ويسترجع الإله في صورة التقدم اللانهائي والإنسانوية والتفاؤل. يود الإنسان الحديث أن يقول لله أنه لم يعد يحتاجه ليجعل العالم منتظما ومفهوما وواضحا، فيأتي بافتراضات إيمانية لا تنتهي ليجعل العالم على هذا النحو. هذه المهزلة تتضح أكثر في الكيفية التي يجمع بها الإنسان الحديث النظرة العلمية الباردة، التي تبين كيف أن الإنسان مجرد شيء بلا قيمة في هذا الكون وأن وجوده قائم على صراع لا ينتهي لأجل اللاشيء إذ لا توجد أي غائية كونية تحكم هذا الوجود، والنزعة التفاؤلية التي تريد اقناعنا أن مجموعة من القرود ستقهر المجرات والنجوم وتخضع الكون لإرادتها. ليست مشكلة الإنسان الحديث أنه يكفر بالله ليتقبل عبثية الواقع ويسترجع النظرة التراجيدية للكون، بل أنه يكفر بالله لكي يستحضر جنته في هذا العالم، أي أن الإلحاد الحديث في صورته الإنسانوية تلك هو نوع من التطرف الديني لا أكثر. الحقيقة التي لا يجرؤ أحد على الاعتراف بها فعليا، عنيت الاعتراف على المستوى التطبيقي، أن الكفر بالله سيعني بالضرورة الكفر بالحقيقة والتفاؤل والتقدم وحقوق الإنسان والأخلاق بوصفها مرجعا كونيا. يرجع سبب استبعاد أشخاص كنيتشه وغيره ممن بينوا الصورة التي سيصبح عليها العالم بعد تجاوز الإله من الإطار الإلحادي المعاصر هو أنهم أخذوا الأمر إلى نتيجته النهائية، وتخلصوا من الإيمان بخيره وشره، وهذا ما عنى بالضرورة تحطيم كل الأوهام التي تقوم عليها الحضارة الإنسانوية.
"يظلّ الملحد جديراً بالاحترام ما دام أنّه لا يُحاضر بأنّ كرامة الإنسان هي أساس الأخلاق، وأنّ حبّ الإنسانية هو الدين الحقّ."
― نيكولاس غوميز داڤيلا.
ليست المَرْؤُوسِيّة من الكلمات التي تستخدم في سياق إيجابي في الخطاب المعاصر، إذ تدل على وجود تبعية وخضوع، أي بالضبط ما يناقض التحرر الذي ينشده الفرد الحديث. في المجمل، حملت المَرْؤُوسِيّة ومشتقاتها دلالة سلبية، حتى أن مجرد ذكرها في أي سياق كفيل بأن يبعث النفور والاستنكار. مشكلة هذه الرؤية هي أنها تنتزع المَرْؤُوسِيّة من كل السياقات الممكنة وتعطيها دلالة موّحدة تجعلها بلا أي معنى يمكن تحديده بأي شيء واقعي، وفقط تغدو قيمة مذمومة بغض النظر عن المنزلة التي يتبوأها المرء في موضع معين. صحيح أن المَرْؤُوسِيّة قيمة مذمومة عندما تكون بمثابة تقييد وكبح لقدرة حاضرة بالفعل، حينها فعلا تبعث النفور والاستنكار، لأنها تعيق إمكانية من شأنها أن تتخطى القيود التي تحددها هذه المرؤُوسِيّة. أي أن الحجة هنا باختصار، المَرْؤُوسِيّة مذمومة لأنها تقوّض وتعيق، وبالتالي يحسن بالمرء أن يسعى إلى تجاوزها. أما في حالة عدم وجود إمكانية مقموعة تكون المَرْؤُوسِيّة شرعية ومفهومة، وتكون من النوع التي يخضع لها النبيل طوعا بمحض اختياره، لإدراكه منزلته منها. في الهند القديمة، قيل أن تخطي منزلة محددة من الترقي الروحي من شأنه أن يمنح المرء قدرة على تجاوز معايير المجتمع برمتها، آنذاك تنتفي معاني كل القيم الأخلاقية وتغدو بلا أي قيمة. بيّد أنه رغم ذلك، كان يتعين على الشخص الذي ترك معايير المجتمع وراء ظهره أن يخضع لمن يراه أعلى منزلة منه، مِن أولئك الذين تجاوزوا نفس المرحلة، وأن يسعى جاهدا إلى العثور على أمثال هؤلاء، لعلمه أنه سيظل على حاله ما لم يخضع لمن هو أرفع منزلة، وآنذاك إما أن يتجاوزه أو يظل على حاله، حسب ما تقتضيه منزلته. هذا المثال ليس شيئا خاصا بالهند وحدها، لأن إدراك ماهية الهرمية من الأسس التي بنيت عليها كافة الحضارات الناضجة، وطاعة أولي الأمر دائما من الشروط الأساسية لنجاح أي منظومة بشرية. أما رفض المَرْؤُوسِيّة دون شروط تجاوزها فيجعل المرء أشبه ببهيمة مضطربة استغلت لحظة سهو صاحبها وفرت هاربة فسعت إلى حتفها بظلفها. مهما يكن من أمر، أساس المَرْؤُوسِيّة راسخ في الطبيعة البشرية وعمره أطول من مؤسسة الحضارة بأكملها، والاعتقاد في إمكانية تجاوزه إما ينم عن جهل أو عناد. لكن ما يحدث حاليا، هو استغلال الخطاب التفكيكي لتقويض صورة معينة من المَرْؤُوسِيّة واستبدالها بصورة أخرى اعتباطية وكمية. على سبيل المثال، في الحالة المعاصرة يتم تفكيك مكانة الدين والعائلة والتقاليد والوطن لتستبدل بالإنسانويّة والأيديولوجيات وسيادة العقلية الإنتاجية والنزعة الاستهلاكية التي تقوم على تعزيز الرغبات التي يفسرها السفهاء على أنها أعظم أشكال التحرر.
The historical refutation of revelation [- and I say here that this is not changed if you take revelation in the most fundamentalist meaning of the term -] presupposes natural theology because the historical refutation always presupposes the impossibility of miracles, and the impossibility of miracles is ultimately guaranteed only by knowledge of God. Now a natural theology which fills this bill presupposes in its tum a proof that God’s nature is comprehensible, and this in its turn requires completion of the true system of the true or adequate account of the whole. Since such a true or adequate, as distinguished from a merely clear and distinct, account of the whole, is certainly not available, philosophy has never refuted revelation. Nor, to come back to what I said before, has revelation, or rather theology, ever refuted philosophy. For from the point of view of philosophy, revelation is only a possibility: and secondly, man, in spite of what the theologian, say can live as a philosopher, that is to say, untragically. It seems to me that all these attempts, made, for example by Pascal and by others, to prove that the life of philosophy is fundamentally miserable, presuppose faith: it is not acceptable and possible as a refutation of philosophy. Generally stated, I would say that all alleged refutations of revelation presuppose unbelief in revelation, and all alleged refutations of philosophy pre suppose already faith in revelation. There seems to be no ground common to both, and therefore superior to both.
If one can say colloquially, the philosophers have never refuted revelation and the theologians have never refuted philosophy, that would sound plausible, considering the enormous difficulty of the problem from any point of view. And to that extent we may be said to have said something very trivial; but to show that it is not quite trivial, I submit to you this consideration in conclusion. And here when I use the term philosophy, I use it in the common and vague sense of the term where it includes any rational orientation in the world, including science and what have you, common sense. If this is so, philosophy must admit the possibility of revelation. Now that means that philosophy itself is possibly not the right way of life. It is not necessarily the right way of life, not evidently the right way of life, because this possibility of revelation exists. But what then does the choice of philosophy mean under these conditions? In this case, the choice of philosophy is based on faith. In other words, the quest for evident knowledge rests itself on an unevident premise. And it seems to me that this difficulty underlies all present-day philosophizing and that it is this difficulty which is at the bottom of what in the social sciences is called the value problem: that philosophy or science, however you might call it, is incapable of giving an evident account of its own necessity, I do not think I have to prove that showing the practical usefulness of science, natural and social science, does not of course prove its necessity at all. I mean I shall not speak of the great successes of the social sciences, because they are not so impressive; but as for the great successes of the natural sciences, we in the age of the hydrogen bomb have the question completely open again whether this effort is really reasonable with a view to its practical usefulness. That is of course not the most important reason theoretically, but one which has practically played a great role.
— The Mutual Influence of Theology and Philosophy | Leo Strauss
ثمة علاقة مَرَضيَّة تربط الإنسان الذي يرفض العالم الحديث بالتاريخ، سببها الأساسي هو الشعور بالانسلاخ والغربة وغياب المرجعية وفقدان المعنى. هذه الطريقة في التعامل مع التاريخ والثقافات القديمة أشبه بالتعامل مع الجثث، ولا شك أنك مهما استخرجت من بيانات من الجثة التي أمامك لن يعادل الأمر رؤية إنسان حي لبضعة دقائق. هذه الحالة التي تشبه تشريح الجثث تمثل العلاقة المرضيّة التي قصدتها، حيث يكون المرء قادرا على التعرف على بيانات مهولة لكنه في نفس الوقت يعجز عن التواصل معها وجل ما يفعله أنه يستنطقها، وكأنه يذهب إلى المقابر ليتحاور مع الموتى الذين عرفهم عن طريق عدة وسطاء ولم يعرفهم بأي صورة مباشرة. هذه الحالة مرضيّة إلى اقصى درجة وتعزز الشعور بغياب المعنى وعدم جدوى أي شيء. الإنسان التقليدي، بالمعنى الذي قصده التقليديون في أعمالهم، لم يعرف هذه العلاقة أبدا، وارتباطه بتراثه لم يقم أبدا على التعلم والاطلاع بالصورة الحديثة، اللهم إلا في مواضع هامشية للغاية. الانغماس المرضي في التاريخ هو الحالة المضادة للانفكاك الذي تعززه الثقافة الحديثة، فإذا غاب النقيض لن تقوم له قائمة.
أشار إيفولا في إحدى مقالاته إلي تجربة كانت تُفرَض علي مبتدئ الطقوس الإدخالية Initiation، وهي امتحان عُرف رمزيا بامتحان الماء أو الهواء. يقول إيفولا: "لقد عودتنا حياتنا اليومية علي وجود أشياء جامدة تشكل مرتكزا لا يتزحزح يمكّننا من الاستناد عليه، مما يمنحنا بعض الإِعانة حتى إن تعلق الأمر بفعل مضاد له. هاتِهِ "اللاأنا" التي تحتاجها الأنا لتدرك ماهيتها، بوجه التقريب يحدث ذلك عن طريق التضادّ. في عملية كهذه سيُطلب من المبتدئ إبانة قدرته علي الانخراط الفاعل حتي في غياب أي دعم كهذا، حتي وإن غاب عنه أي مرتكز صلب ومتسق ومقاوم كالأرض التي هي حوله وتحته، وإن اقتصر الأمر علي عنصر سائب كالماء أو الهواء. هكذا يأتي ببينة تؤكد حريته، وقدرته علي أداء فعل ينبع من ذاته، فعل يخرج من باطنه."طبق إيفولا معايير هذه التجربة علي النطاق السياسي واستنتج أن كل الأحزاب والتيارات التي تدعي إمكانية إحداث أي تغيير عاجزة عن أداء أي فعل حقيقي ينبع من الداخل، وأشار إلي أن جميع الأحزاب تستند علي "الآخر" كمرتكز تعرّف نفسها كنقيض له. وهذا يتضح في الخطاب السياسي المعاصر أكثر بكثير من الوقت الذي بيّن فيه إيفولا هذه الحقيقة، فكل التيارات تقف علي النقيض من فئات مضادة، وعادة ما تكون بارعة في إبانة مثالب الأعداء، وغالبا ما يؤخذ هذا كدليل علي صَلاَح رؤيتها.
على نفس المنوال، تقوم العلاقة المرضيّة التي ذكرتها كحالة مضادة للعدمية المعاصرة، فالانغماس في التاريخ كفعل ينطلق أصلا من عدمية العالم الحديث هو فعل لا أساس له في ذاته، ولا يعرف إلا بوصفه نقيضا. هذا بغض النظر عن أن دراسة الثقافات القديمة والانغماس فيها ،دون وجود أي اتصال فعلي، فقط لأجل التغلب على العدمية المعاصرة سيؤدي إلى بناء تصورات باطلة تختزل هذه الثقافات في كونها مجرد "نقيض"، وهذا ما حدث مع كثير من المفكرين الكبار في جوانب معينة فقط لأن دافعهم الأساسي كان التغلب على "العدو". عندما يحدث هذا الأمر مع أي شخص مهما بلغ من رجاحة العقل، ينتهى به الأمر كما لو أنه مقيّد بالضد الذي يحاول تجاوزه، فيعجز عن تصور أي شيء بمعزل عنه، كحال الشخص الذي يغادر مكانا ارتبط في ذهنه بالذكريات المؤلمة فيجد أنه كل خطواته في نهاية الأمر محددة بالقيّد الذي يحاول تجاوزه. بهذه الطريقة يكون الفعل المضاد مقيدا بنقيضة بصورة تجعله خاويا، فتكون النتيجة استحكام القيّود التي سعى إلى تجاوزها في المقام الأول.
على أي حال، رغم إدراكي لهذا الأمر لست متسقا تماما معها من الناحية التطبيقية، والغرض من كتابة هذا الكلام هو أنني تذكرت كيف تهيمن هذه الحالة المرضيّة على جزء لا بأس به من الشباب المعاصر، وفي معظم الأحوال، أراهم يحولونها إلى فضيلة يمتازون بها على غيرهم من الفئات المجتثة المفتقدة إلى الأصالة الحضارية التي يفترض أنها تتحقق فيهم، الفئات التي بمجرد اختفائها سيدرك هؤلاء كيف أنهم ظاهرة ليست أقل عدمية.
Leo_Strauss_and_the_Theologico_Political_Problem_Modern_European.pdf14.14 MB
