Multifarious Writings
Ir al canal en Telegram
I jot down stuff when possible
Mostrar másEl país no está especificadoLa categoría no está especificada
1 036
Suscriptores
-124 horas
+107 días
+3130 días
Archivo de publicaciones
تسعى البوذية إلى حرق الطبيعة البشرية من خلال طمس إحساس المرء بالأنا، عن طريق تأسيس حالة من الضدية تجاه كل الموجودات، بما في ذلك الأفكار الداخلية المتولّدة التي تشكّل تجمعا وهميا من الادراكات تخيل للإنسان أن له ذاتا مستقلة لا تخضع لصيرورة الواقع. عند إماطة اللثام عن تلك الحقيقة تنقلب الأمور برمتها رأسا على عقب، فتتولّد حالة من الضدية تجاه الوجود في حد ذاته، فيدركه المرء كأنه قيّد، وتبدوا له الموجودات بأسرها كعدو يسعى إلى الهيمنة عليه. تبيّن البوذية أن الأفكار التي يفترض أنها ذاتية ونابعة من نفس المرء، مستقله عنه إذ لا سلطان له عليها، فعقله في حد ذاته يخلق أفكارا وأوهاما هي بمثابة شَرَك منصوب ليوقع بالمرء ويدفعه إلى غايات يحسبها ذاتية فتسوقه كما تساق البهيمة، ومن هذه الأفكار والأوهام تنشأ سلسلة لا نهائية من الارتباطات الفارغة تشكّل عالمه. يرى البوذي تلك "الذات" كأنها جرح يولّد صديدا، ولأنه صلته باتت منقطعة بالوعي العادي (السَمسَري)، يعجز عن إنشاء أي ارتباط بالقيح الذي يولده هذا الجرح، فتغدو حالة الضدية هي المحدد الأساسي لوعيه، وتكون مهمته كمهمة الطبيب الذي يسعى إلى سد هذا الجرح نهائيا، ولإدراكه أن إحساسه بذاته ناجم عن هذا الصديد، تنشأ ضدية أخرى تجاه فكرة النيرفانا في حد ذاتها، فلا تكون مهمته آنئذ مهمة عادية كمهمات الدنيا التي يتعلق فيها المرء بغاية تدفع وجوده، إذ هاهنا ما من جوهر يبتغى تحقيقه. ولهذا لم تبيّن البوذية ماهية هذا التحرر، وإنما اكتفت بتوضيح الدرب الذي يقود إليه، بعد أن نقلت الوعي إلى حالة أعلى تجعل إدراكه ممكنا، عبر حالة الضدية المذكورة آنفا، لأن التبيين في حد ذاته سينطوي على تعزيز للأوهام التي سعى بوذا إلى تجاوزها، لذلك قيل أنه من غير الممكن نقل حالة "اليقظة" تلك إلى شخص عادي، فذلك سيعني بالضرورة وضعها ضمن الإطار الذي يجب تخطيه في المقام الأول.
Repost from N/a
For others, it seems rather to be: is he Christian or pagan? For our part, we do not think that such a point of view is necessary, for true esoterism is something completely different from outward religions, and if it has some relationship with it, this can only be insofar as it finds a symbolic mode of expression in religious forms. Moreover, it matters little whether these forms be of this or that religion, since what is involved is the essential doctrinal unity concealed beneath their apparent diversity. This is why initiates have always participated without scruple in all forms of worship, following the established customs wherever they happened to be. Dante understood this fundamental unity also, and for this reason - and not by virtue of any superficial 'syncretism' - employed a terminology borrowed indifferently from Christianity and Greco-Roman antiquity, as circumstances required. Pure metaphysics is neither pagan nor Christian, but universal.
from The Esoterism of Dante
لعلّ أسوأ ظاهرة في العالم الحديث هي الاعتمادية التي ذوّبت الإنسان في الموجودات التي يعتمدها عليها على الدوام لدرجة أن وجوده اليومي لا يقوم إلا بها، هذه الاعتمادية نتيجة طبيعية للحضارة من قديم الأزل لكنها لم تصل أبدا لهذا المستوى الذي أخضع الإنسان لطغيان الموجودات. في المستقبل القريب، معَ صعود المدن الذكية والآلات ذاتية العمل ووجودها في كل مكان سيغدو اليوم البشري محددا وفقا للتنظيم الذي تضعه تلك الآلات. لن يقتصر الأمر على وجود آلات تنبهك لما ينبغي فعله لتضبط يومك وفقا لمعايير قنانة العمالة الحديثة، بل على نحو تدريجي ستغدو سلوكياتك مميكنة بطريقة ستؤدي إلى ذوبانك وسط هذا التخطيط "الذكي"، لدرجة تناسي كيفية القيام بفعل ينبع من الذات ( الفعل الذاتي الخالص عُدّ قديما من أعلى مراحل التفوق الروحي). معظمنا يكبّل نفسه بهذه الاعتمادية عندما يُسلم نفسه لبرامج وتطبيقات التطوير الذاتي الآلية التي باتت حاليا من علامات التحضر والانضباط. هذا الاتجاه الذي يهدف إلى ضبط كل شيء وفقًا لخطط آلية محددة، يؤسس شكلاً جديدًا من القنانة المميكنة، والشيء الجميل أن هذه القنانة لا تحتاج إلى قوة تحرسها وتضبطها، فالأفراد أنفسهم يقومون بالمهمة باسم "التطوير الذاتي".
نظرة الحضارات القديمة لهذا العالم عدّته بمثابة سقوط من حالة أعلى (الساتيا يوغا عند الهنود، العصر الذهبي عند الإغريق، الفردوس في الأديان الإبراهيمية)، والدين في حد ذاته على اختلاف مسمياته عُدّ بمثابة سبيل لإعادة الاتصال مع شيء قد فقده الإنسان بالفعل في حقبة معينة. حُفظت عقيدة العصور الأربعة، التي تشرح هذا السقوط، في مواضع كثيرة، أهمها أعمال الشاعر الإغريقي هيزيود، الذي تحدث في أعماله عن الموت كشيء ظهر كنتيجة لسقوط الإنسان من حالة أعلى. من هذا المنظور، عدّ القدماء المعرفة الحقيقة شيئًا وُجد في قديم الأزل ثم فقده الإنسان، وكانوا يرون أن جميع سبل المعرفة الدنيوية محاولة لاستعادة تلك المعرفة المفقودة. بالنسبة للإنسان القديم، حدثت جميع الأحداث المحورية في العصور القديمة، والحالة البشرية في حد ذاتها على هذا النحو كنتيجة لنفي الإنسان من موطنه الأصلي. أجمعت تلك التقاليد على أن هذا العالم شيء لا يطاق، وأن الوجود فيه نتيجة لسقوط حدث في حقبة معينة.
Lucas Cranach the Elder (Painter), The Golden Age
يهدف الزهد الذي أقصده إلى الترقي بالنفس وتحطيم القيود التي يخلقها الوهم الذي يدفع الإنسان إلى تعظيم وجوده البشري ورغباته الدنيوية، والغاية تجاوز هذه الحالة أيا كانت الطرق. في بعض التقاليد كان يتم توظيف طقوس ظاهريا هي منافية للتصور العام عن الزهد، بغية نزع القيود عن الوعي البشري، بما في ذلك قيود الأنا.
في تقاليد الهند مثلا، هناك فكرة مفادها أن الوعي البشري في الحالة الدنيوية يقسم كل تجربة تقسيما ثلاثيا يشمل الذات والموضوع والتجربة (التفاعل بينهما)، وهذا التقسيم ناتج عن الجهل ووهمية الأنا. ولأجل تجاوز هذه الحالة ينبغي على المرء تكريس حياته كلها ليتحرر من ربقة التجربة البشرية، عبرَ عمليات روحية عنيفة ومرعبة. ليوليوس إيفولا كتاب عن التنترا فيه فصل عن رمزية العذراء والتطهر الروحي، تحدث فيه عن بعض طقوس التنترا حيث كان يفرض على الـقائم بالطقوس الإدخالية (initiate) طقوسا تتضمن الجنس والعربدة، وغرضها معرفة إلى أي مدى يمكنه الانهماك في اللذة دون أن يتأثر بها (تحقيق حالة الإله شيفا)، وأحيانا كان يتم توظيف سِفَاح القربى في سياقات معينة، باعتباره من التابوهات الراسخة في وعي الإنسان، لكن بالطبع مثل هذه الأمور كانت محرمة بالنسبة لعامة الناس، وقد كان يقال عن هذه الطقوس: أن الفرد فيها يتحرر بواسطة نفس الأفعال التي من شأنها أن تبقي الشخص العادي في الجحيم إلى الأبد. الغاية النهائية هي القيام بعملية نزع مشروطيّة Deconditioning وعي الإنسان وهذا ما يشمل انهيار ثلاثية التجربة البشرية وانهيار الخير والشر والفهم البشري برمته. وفي ضوء نزع المشروطيّة نفهم كيف تولدت النزعة التي لا تكترث بوجود الله في البوذية مثلا، والتي عادة ما تفسر على أنها إلحاد يشاكل الإلحاد الحديث، لكنها في حقيقتها تسعى إلى تخليص الإنسان من قيّود التفكير في الأمور الميتافيزيقية، وهناك قصة شهيرة عن بوذا خلاصتها أن رجلا أتاه يسأله عن وجود الله، بعد أن أخبره أنه رسخ حياته كلها لعمل الخير لينال ثوابه بعد الموت، فأجابه بوذا بالنفي، فحزن الرجل وأصابه اليأس والسخط، ومن ثم أتاه رجل آخر ينفي وجود الله فأخبره أنه موجود، فأصيب الرجل بالذعر وانقلبت حياته رأسا على عقب، وإذ بأحد تلاميذ بوذا يسأله متعجبا عن ما حدث، فأجابه بوذا إجابة خلاصتها أن فعل ذلك ليتوجه كل واحد منه إلى نفسه The Self، لأنها المفتاح الحقيقي للتحرر. وفي البوذية عموما والتقاليد التي تفرعت منها نزعة مضادة للتأمل النظري لأنها يبني أكواما من الجهل ولا يقود إلى إثبات أو نفي أي شيء في واقع الأمر، ومن هنا تفهم النزعة السكونية إزاء مسألة الله في البوذية.
جملة القول أن ما أقصده بالزهد الشرقي هو مجموعة من التقاليد لا يأخذ فيها الزهد بما يشمله من ذم للدنيا وملذاتها وشهواتها طابعا أخلاقيا ثنائيا وتسد فيها أبواب سيكولوجيا العبيد التي من خلالها يستحيل الزهد إلى أداة تحوّل الضعف البشري وقلة الحيلة إلى فضيلة تستتر بالزهد، ففي هذه التقاليد أصلا تنهار كل الثنائيات، ولا مجال لتسلط أخلاق العبيد والنزعات الدينية الرعاعية التي تجعل الدين مطية لتعزيز النفس البشرية وتمجيدها.
هي نظرة صحيحة، بلا أدنى شك، إن لم يتم تعميمها وإن وضعت فقط في سياق الترقي والزهد وجهاد النفس، لكن مشكلتها أنها أخذت فيما بعد طابعا أخلاقيا ثنائيا مع المسيحية، على الضد من تقاليد الزهد الشرقي حيث لا علاقة للزهد بالأخلاق وذم الحياة بصورة طفوليّة ناتجة عن الضعف وقلة الحيلة: هذا الزهد يمكن تشبيهه بصعود الجبل؛ بالتأكيد لا علاقة بين الوصول إلى القمة والتفوق الأخلاقي لأن المسألة في حد ذاتها متجاوزة للأخلاقية Amoral. لهذا فإن نقد نيتشه وأمثاله للزهد لا ينطبق على هذا الكلام ولا على البوذية والهندوسية والتصوف الشرقي وكلامه عن هذه التقاليد بصورة سلبية في بعض الأحيان كان نتيجة لتفسيرات شوبنهاور التي فسرت "الدوكها" البوذية على أنها تشير إلى الألم والمعاناة بالمعنى الشائع، بدلا من تفسيرها في ضوء مشروطية Conditionality كل الظواهر التي تشكل واقع الإنسان في حالة الوعي العادي. لهذا لم يكن من الغريب أن تتطور التنترا، التي توظف الجنس والعربدة واللذة بوجه عام كوسيلة للتحرر( شعارها تحويل السم إلى دواء)، في سياق البوذية والهندوسية، والحركات الباطنية الإسلامية التي تتجاوز ظاهر الشريعة والتعاليم الدينية لأجل تحقيق أهداف لا تتعارض مع جوهر الرسالة الدينية: هذا لأن الشرق، في معظم تقاليده (إلا في بعض تقاليد بلاد فارس)، لم يعرف هذه الأخلاقية الثنائية.
إذا فالزهد المقصود مدفوع بسمو داخلي وتطلع إلى ما يتجاوز اللذات الحسية، ولا علاقة له بالزهد الرائج الذي يشيطن اللذات لعجزه عن تحقيقها، فيكون زهده المزعوم ستارا يداري به قلة حيلته وعجزه، وهذا هو النوع الذي انتقده نيتشه حينما تحدث عن سيكولوجية العبيد التي تحوّل العجز إلى فضيلة. أما الزهد المقصود فهو أرستقراطي، وفي تقاليد عديده، لا ينصح به للعوام وإن حاول أحدهم يُبعد عنه وينصح بالتزام الدنيا وتحقيق الفضيلة بما يتوافق مع طبيعته، لأنه من المعلوم أن نفسيّات معينة ستحوّل الزهد إلى سلاح نفسي يعزز الكبر والعجب، فتنتفي بذلك غاية الزهد الرئيسية.
"أمّا الرجال المذكورون الكبار الهمم والأنفس فإنهم يبعدون من هذه البليّة من نفس طبائعهم وغرائزهم. وذلك أنه لا شئ أشدّ على أمثال هؤلاء من التذلُّل والخضوع والاستكانة وإظهار الفاقة والحاجة واحتمال التجني والاستطالة. فهم إذا فكروا يلزم العُشاق من هذه المعاني نفروا منه وتصابروا وأزالوا الهوى عنه وإن بُلوا به، وكذلك الذين تلزمهم أشغال وهموم بليغة اضطرارية دنيائية أو دينية. فأما الخَنِثون من الرجال والغَزِلون والفُرّاغ والمُترفون والمؤثِرون للشهوات الذين لا يهمهم سواها ولا يريدون من الدنيا إلاّ إصابتها، ويرون فَوتها فَوتاً وأسفاً، وما لم يقدروا عليه منها حسرةً وشقاءً، فلا يكادون يتخلصون من هذه البلية لا سيما إن أكثروا النظر في قصص العُشاق ورواية الرقيق الغزِل من الشعر وسماع الشجي من الألحان والغناء. فلنقل الآن في الاحتراس من هذا العارض والتنبيه على مَخاتله ومكامنه بقدر ما يليق بغرض كتابنا هذا. ونقدِّم قبل ذلك كلاماً نافعاً مُعيناً على بلوغ غرض ما مرّ من هذا الكتاب وما يأتي بعده، وهو الكلام في اللذّة."
— من رسائل الرازي الفلسفية
"ولقد شهدت ذات يوم رجلاً من متحذلقيهم عند بعض مشايخنا بمدينة السلام، وكان لهذا الشيخ مع فلسفته حظّ وافر من المعرفة بالنحو واللغة والشعر، وهو يجاريه وينشده ويبذخ ويشمخ في خلال ذلك بأنفه ويُطنب ويبالغ في مدح أهل صناعته ويرذل مَن سواهم، والشيخ في كل ذلك يحتمله معرفةً منه بجهله وعُجبه ويتبسّم إلى أن قال فيما قال: هذا والله العلم وما سواه ريح، فقال له الشيخ يا بنيّ هذا علم مَن لا علم له ويفرح به من لا عقل له. ثم أقبل عليّ وقال سل فتانا هذا عن شيء من مبادئ العلوم الاضطرارية، فإنه ممّن يرى أنّ مَن مهر في اللغة يمكنه الجواب عن جميع ما يُسئل عنه. فقلت خبَّرني عن العلوم أَظطرارية هي أم اصطلاحية؟ ولم أتمم التقسيم على تعمُّد، فبادر فقال العلوم كلها اصطلاحيه. وذلك أنه كان سمع أصحابنا يعيرون هذه العصابة أنّ علمهم اصطلاحي، فأحب أن يعيهم بمثل ما عابوه جهلاً منه بما لهم دونه في هذا الباب. فقلت له فمَن علم أنّ القمر ينكسف ليلة كذا وكذا، وأن السقمونيا يُطلق البطن متى أُخذ، وأن المرداسنج يذهب بحموضة الخلّ متى سُحق وطُرح فيه إنما صحّ له علم ذلك من اصطلاح الناس عليه؟ فقال لا. فقلت فمن أين عُلم ذلك؟ فلم يكن فيه من الفضل ما يبين عمّا به نحوتُ. ثم قال فإني أقول إنها كلها اضطرارية، ظنّاً منه وحسباناً أنه يتهيأ له أن يُدرج النحو في العلوم الاضطرارية. فقلت له خبِّرني عمّن عُلم أنّ المنادى بالنداء المفرد مرفوع وأن المنادى بالنداء المضاف منصوب، أعُلم أمراً اضطراريّاً طبيعياً أم شيئاً مصطلحاً باجتماع من بعض الناس عليه دون بعض؟ فلجلج بأشياء يروم بها أن يُثبت أنّ هذا الأمر اضطراري ممّا كان يسمعه من أستاذيه، فأقبلت أُريه تداعيه وتهافُتَه مع ما لحقه من استحياءٍ وخجل شديد واغتنام. وأقبل الشيخ يتضاحك ويقول له ذُق يا بنيّ طعم العلم الذي هو على الحقيقة علم. وإنما ذكرنا من هذه القصّة ما ذكرنا ليكون أيضاً من بعض المنبِّهات والدواعي إلى الأمر الأفضل، إذ ليس لنا غرض في هذا الكتاب إلاّ ذاك ولسنا نقصد - بما مرّ من كلامنا هذا من الاستجهال والاستنقاص - لِجميع من عُني بالنحو والعربيّة واشتغل بهما وأخذ منهما، فإن فيهم مَن قد جمع الله له إلى ذلك حظّاً وافراً من العلوم، بل للجهّالِ من هؤلاء الذين لا يرون أنّ علماً موجود سواهما ولا أنّ أحداً يستحق أن يسمَّى عالماً إلاّ بهما وقد بقي علينا من حجاج القوم شيء لم نقل فيه قولاً، وهو احتجاجهم لتحسين العشق بالأنبياء وما بُلُوا به منه. فنقول: إنه ليس من أحد يستجيز أن يُعَد العشق منقبةً من مناقب الأنبياء ولا فضيلةً من فضائلهم ولا أنه شيء آثروه واستحسنوه، بل إنما يُعَدّ هفوةً وزلةً من هفواتهم وزلاّتهم. وإذا كان ذلك كذلك فليس لتحسينه وتزيينه ومدحه وترويجه بهم وجه بتّةً، لأنه إنما ينبغي لنا أن نحث أنفسنا ونبعثها من أفعال الرجال الفاضلين على ما رضوه لأنفسهم واستحسنوه لها وأحبوا أن يُقتدى بهم فيه، لا على هفواتهم وزلاّتهم وما تابوا منه وندموا عليه وودّوا أن لا يكون ذلك جرى عليهم وكان منهم. فأما قولهم إنّ العشق يدعو إلى النظافة واللباقة والهيئة والزينة، فما يُصنع بجمال الجسد مع قبح النفس، وهل يحتاج إلى الجمال الجسداني ويجتهد فيه إلاّ النساء وذوو الخُنث من الرجال؟ ويقال إن رجلاً دعا بعض الحكماء إلى منزله، وكان كل شيء له من آلة المنزل على غاية السرور والحسن، وكان الرجل في نفسه على غاية الجهل والبله والفدامة. ويقال إنّ ذلك الحكيم تأمل كل شيء في منزله ثم إنه بصق على الرجل نفسه. فلما استشاط وغضب من ذلك قال له لا تغضب، فإني تأمّلت جميع ما في منزلك وتفقّدته فلم أر فيه أسمج ولا أرذل من نفسك، فجعلتها موضعاً للبصاق باستحقاق منها لذلك. ويقال إنّ ذلك الرجل بعد ذلك استخّفّ بما كان فيه وحرص على العلم والنظر. إنّ الإلف هو ما يحدث في النفس عن طول الصحبة من كراهية مفارقة المصحوب، وهي أيضاً بليّة عظيمة تنمى وتزداد على الأيام ولا يُحَس بها إلاّ عند مفارقة المصحوب، ثم يظهر منها حينئذ دفعةً أمرٌ مؤذٍ للنفس جداً. وهذا العارض يعرض للبهائم أيضاً إلاّ أنه في بعضها أوكد منه في البعض. والاحتراس منه يكون بالتعرُّض لمفارقة المصحوب حالاً بعد الحال، وأن لا يُنسى ذلك ويُفعل البتّة بل تُدرَّج نفسه إليه وتُمرَّن عليه."
— من رسائل الرازي الفلسفية
3
"وذلك أنّ اللذّة إنما تكون إذا نيلة بمقدار بلاغ ألم المؤذي الباعث عليها الداعي إليها، ومَن ملك شيئاً وقدر عليه ضعف فيه هذا الباعث الداعي وهدأ وسكن سريعاً. وقد قيل قولاً حقّاً صدقاً إنّ كل موجود مملوك وكل ممنوع مطلوب ونقول أيضا: إن مفارقة المحبوب أمر لا بد منه اضطرارا بالموت، وإن سلم من سائر حوادث الدنيا وعوارضها المبددة للشمل المفرقة بين الأحبة. وإذا كان لا بد من إساغة هذه الغصة وتجرع هذه المرارة فإن تقديمها والراحة منها أصلح من تأخيرها والانتظار لها، لأن ما لا بد من وقوعه متى قُدّم أُزِيحَ مؤونة الخوف منه مدة تأخيره. وأيضا فإن منع النفس من محبوبها قبل أن يستحكم حُبّه ويرسخ فيها ويستولي عليها أيسر وأسهل. وأيضا فإن العشق متى انضم إليه الإلف عسر النزوع عنه والخروج منه، فإن بلية الإلف ليست بدون بلية العشق، بل لو قال قائل إنه أوكد وأبلغ منه لم يكن مخطئا، ومتى قصرت مدة العشق وقل فيه لقاء المحبوب كان أحرى أن لا يخالطه ويعاونه الإلف. والواجب في حكم العقل من هذا الباب أيضا المبادرة في منع النفس وزمِّها عن العشق قبل وقوعها فيه، وفطمها منه إذا وقعت قبل استحكامه فيها. وهذه الحجة يقال إن فلاطن الحكيم احتج بها على تلميذ له بلى بحب جارية فأخل بمركزه من مجلس مدارس فلاطن. فأمر أن يطلب ويؤتى به، فلما مثل بين يديه قال أخبرني يا فلان هل تشك في انه لا بد لك من مفارقة حبتك هذه يوما ما؟ قال ما أشك في ذلك. فقال له فلاطن فاجعل تلك المرارة المتجرعة في ذلك اليوم في هذا اليوم، قال ما أشك في ذلك. فقال له فلاطن فاجعل تلك المرارة المتجرعة في ذلك اليوم، وأزح ما بينهما من خوف المنتظر الباقي بحاله الذي لابدّ من مجيئه وصعوبة معالجة ذلك بعد الاستحكام وانضمام الإلف إليه وعَضْدِه له. فيقال إنّ التلميذ قال لفلاطن إنّ ما تقول أيها السيد الحكيم حقٌ، لكني أجدُ انتظاري له سلوةً بمرور الأيام عنّي أخفُّ عليَّ. فقال له فلاطن وكيف وثقت بسلوة الأيام ولم تَخَفْ إلفها، ولم أمنت أن تأتيك الحالة المفرِّقة قبل السلوة وبعد الاستحكام، فتشتدّ بك الغُصّة وتتضاعف عليك المرارة. فيقال إن ذلك الرجل سجد في تلك الساعة لفلاطن وشكره ودعا له وأثنى عليه، ولم يعاود شيئاً مما كان فيه ولم يَظهر منه حزن ولا شوق، ولم يزل بعد ذلك لازماً لمجالس فلاطن غيرَ مُخلٍّ بها بتّةً. ويقال إنّ فلاطن أقبل بعد فراغه من هذا الكلام على وجوه تلامذته فلامهم وعذلهم في تركهم وإطلاقهم هذا الرجلَ وصَرْفَ كل همّته إلى سائر أبواب الفلسفة قبل إصلاح نفسه الشهوانية وقمعها وتذليلها للنفس الناطقة. ولأن قوماً رُوعْناً يعاندون ويناصبون الفلاسفة في هذا المعنى بكلام سخيف ركيك كسخافتهم وركاكتهم - وهؤلاء هم الموسومون بالظرف والأدب - فإنّا نذكر ما يأتون به في هذا المعنى ونقول فيه من بعده. إنّ هؤلاء القوم يقولون إنّ العشق إنما يعتاده الطبائعُ الرقيقة والأذهان اللطيفة، وإنه يدعو إلى النظافة واللباقة والزينة والهيئة. ويُشيعون هذا ونحوه من كلامهم بالغزل من الشعر البليغ في هذا المعنى، ويحتجّون بمن عشق من الأدباء والشعراء والسراة والرؤساء ويتخطونهم إلى الأنبياء. ونحن نقول: إنّ رقّة الطبع ولطافة الذهن وصفاءه يُعرَفان ويُعتبران بإشراف أصحابهما على الأمور الغامضة البعيدة والعلوم اللطيفة الدقيقة وتبيين الأشياء المشكلة الملتبسة واستخراج الصناعات المُجدِيَة النافعة. ونحن نجد هذه الأمور مع الفلاسفة فقط، ونرى العشق لا يعتادهم ويعتاد اعتياداً كثيراً دائماً أجلاف الأعراب والأكراد والأعلاج والأنباط. ونجد أيضاً من الأمر العامّ الكلّي أنه ليست أمة من الأمم أرقّ فطنةً وأظهر حكمةً من اليونانيين، ونجد العشق في جملتهم أقلّ ممّا في جملة سائر الأمم. وهذا يوجِب ضدَّ ما ادّعوه، أعني أنه يوجب أن يكون العشق إنما يعتاد أصحابَ الطبائع الغليظة والأذهان البليدة، ومَن قلّ فكره ونظره ورويته بادر إلى الهجوم على ما دعته إليه نفسه ومالت إليه شهوته. وأمّا احتجاجهم بكثرة مَن عشق من الأدباء والشعراء والسراة والرؤساء فإنا نقول: إنّ السروَ والرياسة والشعر والفصاحة ليست ممّا لا يوجد أبداً إلاّ مع كمال العقل والحكمة، وإذا كان الأمر كذلك أمكن أن يكون العُشاق من هؤلاء من النقص في عقولهم وحكمتهم. وهؤلاء القوم لجهلهم ورعونتهم يحسبون أنّ العلم والحكمة إنما هو النحو والشعر والفصاحة والبلاغة، ولا يعلمون أنّ الحكماء لا يَعُدّون ولا واحداً من هذه حكمةً ولا الحاذق بها حكيماً، بل الحكم عندهم من عرف شروط البرهان وقوانينه واستدراك وبلغ من العلم الرياضي والطبيعي والعلم الإلهي مقدار ما في وسع الإنسان بلوغُه."
2
"إن اللذة ليست بشيء سوى إعادة ما أخرجه المؤذي عن حالته إلى حالته التي كان عليها. كرجل خرج من موضع كنين ظليل إلى صحراء ثم سار في شمس صيفية حتى مسّه الحر ثم عاد إلى مكانه ذلك، فإنه لا يزال يستلذ ذلك المكان حتى يعود بدنهُ إلى حالته الأولى، ثم يفقد ذلك الاستلذاذ مع عَود بدنه إلى الحالة الأولى، وتكون شدّة التذاذه بهذا المكان بمقدار شدّة إبلاغ الحرّ إليه وسرعة هذا المكان في تبريده. وبهذا المعنى حدّ الفلاسفة الطبيعيون اللذّة، فإنّ حدّ اللّذة عندهم هو رجوع إلى الطبيعة. ولأن الأذى والخروج عن الطبيعة ربما حدث قليلاً في زمان طويل، ثم حدث بعقبه رجوع إلى الطبيعة دفعةً في زمان قصير صار في مثل هذه الحال يفوتنا الحسُّ بالمؤذي ويتضاعف بيان الإحساس بالرجوع إلى الطبيعة، فنسمي هذه الحال لذةً. ويظّن بها مَن لا رياضة له أنها حدثت من غير أذى تقدمها، ويتصورها مفردةً خالصةً بريةً من الأذى. وليست الحال على الحقيقة كذلك بل ليس يمكن أن تكون لذّة بتّةً إلا بمقدار ما تقدمها من أذى الخروج عن الطبيعة. فإنه بمقدار أذى الجوع والعطش يكون بالالتذاذ بالطعام والشراب، حتى إذا عاد الجائع والعطشان إلى حالته الأولى لم يكن شئ أبلغ من عذابه من إكراهه على تناولهما بعد أن كانا ألذّ الأشياء عنده وأحبها إليه. وكذلك الحال في سائر الملاذّ فإن هذا الحد بالجملة لازمٌ لها ومحتوٍ عليها، إلا أن منها ما نحتاج في تبيين ذلك منه إلى كلام أدقّ وألطف وأطول من هذا. وقد شرحنا هذا في مقالة كتبناها "في مائية اللذة"، وفي هذا المقدار الذي ذكرناه هاهنا كفاية لما نحتاج إليه. وأكثر المائلين مع اللذّة المنقادين لها هم الذين لم يعرفوها على الحقيقة ولم يتصوروا منها إلا الحالة الثانية، أعني التي من مبدأ انقضاء فعل المؤذي إلى استكمال الرجوع إلى الحالة الأولى. ومن أجل ذلك أحبوها وتمَّنوا أن لا يخلوا في حال منها، ولم يعلموا أنّ ذلك غير ممكن لأنها حالة لا تكون ولا تُعرَف إلا بعد تقدُّم الأولى لها. وأقول أنّ اللذّة التي يتصوروها العُشاق وسائرُ مَن كلِفَ بشيء وأُغرمَ به - كالعُشاق للترؤُّس والتملُّك وسائرِ الأمور التي يفرط ويتمكن حبها من نفوس بعض الناس حتى لا يتمنوا إلا إصابتها ولا يروا العيش إلاّ مع نيلها - عند تصوُّرهم نيل مرادهم عظيمةٌ مجاوزة للمقدار جداً. وذلك أنهم إنما يتصورون إصابة المطلوب ونيله مع عظم ذلك في أنفسهم من غير أن يخطر ببالهم الحالةُ الأولى التي هي كالطريق والمسلك إلى نيل مطلوبهم. ولو فكروا ونظروا في وعورة هذا الطريق وخشونته وصعوبته ومخاطره ومهاويه ومهالكه لمرّ عليهم ما حلا وعظُم ما صغر عندهم في جنب ما يحتاجون إلى مقاساته ومكادحته. وإذ قد ذكرنا جملة مائية اللذّة وأوضحنا من أين غلط مَن تصُرها محضةً بريةً من الألم والأذى فإنا عائدون إلى كلامنا ومنبِّهون على مساوئ هذا العارض أعني العشق وخساسته. فنقول: إن العُشّاق يجاوزون حدّ البهائم في عدم ملكة النفس وزمّ الهوى وفي الانقياد للشهوات. وذلك أنهم لم يرضوا أن يصيبوا هذه الشهوة، أعني لذّ الباه - على أنها من أسمج الشهوات وأقبحها عند النفس الناطقة التي هي الإنسان على الحقيقة - من أيّ موضع يمكن إصابتها منه، حتى أرادوها من موضع مّا بعينه فضمّوا شهوةً إلى شهوة وانقادوا وذّلوا للهوى ذلاً على ذلّ وازدادوا له عبوديةً إلى عبوديّة. والبهيمة لا تصير من هذا الباب إلى هذا الحدّ ولا تبلغه، ولكنها تصيب منه بقدر ما لها في الطبع مما تطرح به عنها ألم المؤذي المَّهيج لها عليه لا غير، ثم تصير إلى الراحة الكاملة منه. وهؤلاء لمّا لم يقتصروا على المقدار البهيمي من الانقياد للطباع، بل استعانوا بالعقل - الذي فضّلهم الله على البهائم وأعطاهم إيّاه ليروا مساوئ الهوى ويزمّوه ويملكوه - في التسلُّق على لطيف الشهوات وخفّيها والتحُّيز لها والتّفوق فيها، وجب عليهم وحقَّ لهم ألاّ يبلغوا منها إلى غاية ولا يصيروا منها إلى راحة، ولا يزالوا متأذّين بكثرة البواعث عليها ومتحسِّرين على كثرة الفائت منها غير مغتبطين ولا راضين - لنزوع أنفسهم عنها وتعلُّق أمانيهم بما فوقها وبما لا نهاية له منها - بما نالوه أيضاً وقدروا عليه منها. ونقول أيضاً: إن العُشّاق مع طاعتهم للهوى وإيثارهم اللذّة وتعبدَّهم لها يحزنون من حيث يظنون أنهم يفرحون، ويألمون من حيث يظنون أنهم يلذّون. وذلك أنهم لا ينالون من ملاذهم شيئاً ولا يصلون إليه إلاّ بعد أن يمسّهم الهمّ والجهد ويأخذ منهم ويبلغ إليهم. وربما لم يزالوا من ذلك في كُرَب منُصِبة وغُصَصٍ متصلة من غير نيل مطلوبٍ بتّةً. والكثير منهم يصير لِدوام السهر والهم وفقد الغذاء إلى الجنون والوسواس وإلى الدِقّ والذبول. فإذا هم وقعوا من حِبال اللذة وشِباكها في الرديء والمكروه، وأدتّهم عواقبها إلى غاية الشقاء والتهلكة. وأمّا الذين ظنّوا أنهم ينالون لذّة العشق كَمَلاّ ويصيبونه مّمن ملكوه وقدروا عليه فقد غلطوا وأخطئوا خطاً بيّناً."
1
John Sigismund (King of Hungary) pays homage to the Ottoman Sultan Suleiman the Magnificent at Zemun on 29 June 1566.
After all, on a personal level I have always held even the most humble and uncultivated of Catholic priests in greater esteem than any famous representative of modern ‘culture’ and thought (including the modern exponents of particular brands of pseudo-Catholic philosophy).
— Julius Evola
Repost from Reactionem
سٌرعان ما ينكشف الغطاء المضلل للأيديولوجية السِّلمانية فور بٌروز مناوشات بين كيانات سياسية على السطح، يدفع بها إلى التكشير عن أنيابها. و لعله من الخداع الاعتقاد بإنهاء الحروب بين القوى العظمى استنادًا على خشية انزلاقها نحو حرب عالمية، مما سوف يقودها نحو سلام و عالمي. فذلك يستوجب قيام دولة عالمية تشمل البشرية باختلاف مٌثلها وأديانها وثقافاتها وطبقاتها وجماعاتها، حيث يسقط التمييز بين العدو و الصديق ونقف عندئذ أمام استثناء تام لمفهوم السِّياسي من الوجود ورؤية لاسياسية تجاه العالم. استحالة ذلك تنبع من استحالة التخلص من تمييز العدو-الصديق و كذا مفهوم الدولة السياسي و وجود الحرب، ما يتم استغلاله من طرف مٌدعي السِّلمانية هو الإبقاء على مفهوم السياسي مع قلب للمفاهيم وتصبح الحرب من قبلهم باسم البشرية و الإنسانية، عندما تحارب دولة تدعي السلمانية عدوها باسم البشرية، لا يعني ذلك حرب البشرية، و لكن محاولة مضلّلة تحاول فيها تلك الدولة الاستحواذ على سرديّة كونية تٌؤسس لتوسعها، تٌصادِر من خلالها مفاهيم كالسِّلم و العدالة و التحضٌّر بٌغية إنكارها على أعدائها.
"البشرية أداة ذات فائدة خاصّة للتوسعات الإمبريالية، كما أنها، في صيغتها الأخلاقية—الإنسانية أداة نوعية في يد الإمبريالية الاقتصادية" — كارل شميت
إحتكار و تَصدٌّر البشرية — بغض النظر عن لاسياسية المفهوم — هو محاولة لإخصاء الطرف الآخر و حثِّه على تسليم نفسه للسردية المقابلة، تٌعتمَد فيها المنضمات العالمية المٌؤدلِجة لتلك السردية الكونية، و التي هي بدورها ليست سوى أداةً إمبريالية في يد تحالف من الدول ضد دول أخرى. خاصة و إن كانت تستند على أبعاد اقتصادية في جوهرها، الإمبريالية ذات الأساس الاقتصادي غالبا ما تسعى إلى خلق وضع يسمح لها باستخدام سلسٍ للسلطة الإقتصادية، حاصرة بذلك العنف "خارج المجال الإقتصادي" و متهمة من يحاول الدفاع عن نفسه من هذه التضييقات بطرائق "خارج الاقتصاد" باللاإنسانية. كما يلعب الخطاب الليبرالي المزدوج دورا محوريا في مسألة التضليل، فيسمى التجويع بالحرمان من المواد الأولية و تدمير العملات الاجنبية بمنع الاقتراض، و تٌعوض الحرب بالحملات التأديبية، و الدولة البوليسية — الأخ الأكبر — بدولة الحق و القانون، و يصير العدو خارجا عن القانون و معتديا على السلم.
الزواج بالنسبة للرجل الرجعي في العالم المعاصر يعني التطبيع مع قيم الحضارة الليبرالية مباشرة، لأنه سيثبط كل الميول الأناركية الساخطة على العالم وقيمه وسيعيق إمكانية الابتعاد عن المهازل المعاصرة. أما مسألة الإنجاب فهي أسوأ، لأن الدولة ستتولى أمر التربية، ناهيك عن الثقافة الرائجة التي ستفرض نفسها عنوة، وحتى لو استطعت تجاوز كل هذا في الغالب أبنائك سيثورون بأنفسهم لأنه من المستحيل تحمل التهميش الاجتماعي الذي سيواجههم بسبب الاختلاف الراديكالي بين آفاقهم وتطلعاتهم والإطار الاجتماعي المهيمن. هذه الأزمة خاصة بالرجال فقط، لأن دور الرجل الأساسي في الحياة هو خلق صورة محددة، أو نموذج، من العالم الفوضوي اللاصوريّ الذي يجد نفسه فيه، على الضد من المرأة التي هي بطبيعتها كيان سلبي يعكس النماذج المهيمنة، فالمرأة كائن مفتقد للشكل والمضمون الذاتي، ولهذا تعكس النماذج السائدة وتستمد صورتها منها؛ علاقتها بها كعلاقة القمر بالشمس. أما الرجل فلأنه يسعى بطبيعته لإضفاء الشكل ومنح الصورة والمعنى للعالم الفوضوي تكون الممانعة الخارجية التي يولدها المجتمع المضاد له ثقيلة الوطأة.
A poem by Cinani (d.1595) provides a good example:
Cannot reach to the desired destination
Neither humans nor angels by working
Fate corrupts your entire endeavor
In short, if you have intellect, do not labor
— Inventing Laziness, The Culture of Productivity in Late Ottoman Society.
