es
Feedback
ضاري بن شافعه

ضاري بن شافعه

Ir al canal en Telegram
366
Suscriptores
Sin datos24 horas
Sin datos7 días
Sin datos30 días
Archivo de publicaciones
كنت صغيرًا لا أدرك معنى الألم، عندما شعرت للمرة الأولى بأعراض ذلك المرض النادر الذي ظل يرافقني إلى منتصف عمري لم أكن أدرك بأن هناك ما يسمّى آثارًا نفسية تختلف عن تلك الجسدية وأن للآلام تبعات أخرى مختلفة. بعد قرابة السنة من حيرة الأطباء وتجارب المستشفيات في بلدي ووصولي لأقصى مراحل الألم توصّل الفريق الطبي أخيرًا إلى نتيجة مبهرة مفادها أنه لا يوجد لي علاج هنا ويجب علي السفر فورًا للخضوع للعلاج في الخارج. حزمنا أمتعتنا واتجهنا إلى المجهول هذه المرة في الناحية الأخرى من العالم حسب اعتقادي حينها، لكنها لم تكن الأخيرة ولا ينبغي لها ان تكون. هناك، في الجانب الآخر، في عالم جديد كليا بالنسبة لطفل لم يتجاوز السابعة بعد، كان كل شيء جديد، كل الأشياء مربكة، لأول مرة يرى الثلج خارج شاشة تلفازه الصغيرة ، لأول مرة يحاول جاهدًا ولا يمكنه أن يفهم حرفًا مما يقال حوله، كان كل شيء في مرّته الأولى والبدايات لا تُنسى أبدًا. بعد أن أتممت مرحلة العلاج الأولى، واستشعرت تلاشي الألم تدريجيًا والتشافي ببطء وصولاً إلى إدراك قيمة العافية مبكرًا، وبداية الاستعداد للعودة الى أرض الوطن محمّلين بالشوق والسعادة والعديد من الهدايا، كنت أحمل في داخلي خوفًا خفيًّا، صغيرًا لا يُرى ولا يُلاحَظ لكني حملته معي. عودة إلى الأحباب، بهجة، انتصار بفضل من الله بعد شعور الاقتراب من اليأس، نجاح بعد الكثير من العثرات، كان كل شيء إيجابيًا لمدة سبعة أشهر وبضعة أيام فقط، حتى عاد الألم تدريجيًا كما تلاشى بالضبط. لن أنسى تلك الليلة ولا يمكنني أن أنسى ذلك الشعور. باشر والدي إجراءات سفري، والعودة إلى الجانب الآخر من العالم مرة أخرى بكل ما يستطيع، كان الوقت يمر والألم يزداد حتى وصلت الأوجاع ذروتها. حان وقت السفر، والدخول في المرحلة الثانية من العلاج التي بالطبع لم تكن بصعوبة السابقة، يعود الألم للتلاشي تدريجيًا، أتذوق طعم العافية من جديد، أستشعر نعمة الصحة الجيدة، أحمد الله كثيرًا ، تنتهي المرحلة الثانية، ومرة أخرى تعود استعدادات العودة إلى الوطن، بمشاعر ظاهرة، وأخرى خفية .. خوف يكبر وفكرة ترسخ. تكررت هذه القصة وهذا السيناريو على مدار سنوات متتالية، إلى أن ارتبط السفر في مخيلتي بالعلاج، كلمّا شعرتُ بالألم أبحث عن السفر، وكلما ابتعدت يتلاشى ألمي تدريجيًا. لذلك أنا مستعد للرحيل دائما يا عزيزي. أنت لا تعي مخاوفي ولا ما يبعثه السفر في نفسي ولن تعيه، لأنك لم تكن أنا في يوم من الأيام. لم يخذلني السفر أبدًا، ولن يفعل.

يصل الانسان لمرحلة عمرية لا تمثل فيها مشاعره فارق في سلوكه وتصرفاته وطبيعة عيشه . ‏الموّلد الحقيقي لسلوكه ونظرته للحياة مواقفه السابقة وانطباعاته . توقف لحظة . ‏دع الحياة تمضي وانظر حولك . ‏تلمس أثرك في من يعيش معك ، اترك المشاعر المعلبة والمفروضة . ‏قل لي ماهو أثرك ، وماهو إرثك ؟ ما فائدة وجودك لمن حولك ؟ ‏ماهي انطباعاتهم عنك ؟ ‏كم شخص يفرح بتواجدك ويتحمس للقائك ويستمتع بوقته معك ؟ . ‏كن صادق مع نفسك . هل يفرح أحد بمرافقتك ؟ ام انك مجرد كائن ينشر السلبية حيث كان ؟ ‏هل تؤخذ بعين الحب والاعتبار ؟ ام انك مجرد انسان فرضته الحياة والظروف . هل لحضورك قيمة ؟ ‏هل لغيابك تأثير ؟ ‏فكّر . وركز في المرات القادمة . ‏اصنع من نفسك شخصًا افضل لنفسه ولمن حوله . ابتعد عن المشاعر المعلبة واصنع مشاعرهم تجاهك بنفسك . ‏لا تركن إلى المسلّمات والبديهيات ويمضي بك العمر وتكتشف متأخراً بأنك وحيد . ‏وحيد . لأن لا أحد يسعد بوجودك . رغمًا عن المشاعر الأصلية والحقيقية . الصورة النمطية والانطباعات هي من تترك الأثر وتبقى في الصدور وتصنع الانسان . ‏كُن مبتهج .. الكئيب ممل ومنّفر .

يوم الاثنين ‏كان يوم يشبه باقي الايام المملة ، حتى اللحظة التي رأيتك فيها وللاثنين الخامس على التوالي ، دفء صوتك ، حيرة نظراتك ، تصنّعك جهلك ، كانت تسع ثواني تقريبا او ثلاث او ثانية ، لا اعلم حقيقةً كم كانت مدة اللحظة ، لكني سأبقى اسيرها . ‏ولن يعود الاثنين يوم كباقي الايام ابدا .

مكافح ‏كان يتصنّع طوال اليوم وكل يوم ، ظل لسنوات يعيش بوجه لا يشبهه وشعور لا يشعر به وافكار لا تمثله .. عاش حياة شخص آخر لأنه لم يستطع لمرة واحدة ان يكون هو . ‏كان لحقيقته تكلفة لا يستطيع تحمل كلفتها .

وقع في المحظور . نظر إلى عينيها مباشرة . وسقط في هوة ملساء لا قاع لها .

تهرب إلى النوم لتستعيد تركيزك المفقود منذ تلك اللحظة ولا جدوى . فتلك اللحظة تطاردك في الأحلام أيضًا . ما تراه العين يتلاشى مع مرور الوقت ، لكن ما يراه القلب يقبع في ذاكرتك إلى الأبد. إلى الأبد. لا النوم ولا الكتابة ولا أي عادة من عاداتك في تجاوز الأمر تجدي نفعًا. تلك اللحظة سترسخ في ذاكرتك إلى الأبد وستكون محور حياتك القادمة . استعد .