es
Feedback
💍 دروس في تفسير القرآن 💍

💍 دروس في تفسير القرآن 💍

Ir al canal en Telegram

دروس في علوم القرآن ( ٢٥٦ ) درس لأهم علوم القرآن ( رابط القناة https://t.me/LLBBJJDD ) وبعدها بدأنا بتفسير القرآن اعتمادا على تفسير الأمثل .

Mostrar más
4 621
Suscriptores
+124 horas
-177 días
-5630 días
Archivo de publicaciones
🟢 كتاب الأخلاق في القرآن الجزء الثاني 🟢 «الآية الرابعة» تتحدّث عن سيرة النبي يوسف المليئة بالأحداث بعدما حصل بينه وبين امرأة العزيز ما حصل، وتشير إلى محنة اخرى وامتحان آخر للنبي يوسف «قَالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ» فعندما امتد خبر وقوع هذه الحادثة ليشمل جميع بيوت المدينة وعلم الناس بقضية العشق الملتهب الّذي ألَمَّ بقلب امرأة العزيز اتجاه غلامها، فإنّ نسوة مصر اطلقن السنتهنَّ باللوم والتوبيخ لامرأة العزيز، ولكنها لما رأت ذلك أرادت إثبات براءتها فأعدت مائدة كبيرة واستضافت النسوة المعروفات ونساء الشخصيات الكبيرة في مصر، ثمّ طلبت من يوسف أن يخرج عليهن ويدخل عليهنَّ ذلك المجلس الحافل. وعندما وقعت أعينهنَّ على الجمال العجيب ليوسف ارتبكن بشدّة وفقدن اختيارهُنّ وجرحنَّ أيديهنَّ بالسكين الّتي كانت بأيديهنّ لتقطيع الفاكهة وقلن جميعاً «حَاشَ لِلَّهِ مَا هذَا بَشَرًا إِنْ هذَآ إِلَّا مَلَكٌ» . فعندما رأت امرأة العزيز منهن ذلك ورأت انها قد انتصرت في هذا الموقف، توجهت إليهنّ بالخطاب وقالت «قَالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءَامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مّنَ الصَّاغِرِينَ» . وكان هو ثاني امتحان صعب يمر بيوسف حيث وقع بين أمرين وطريقين، فاما أن‌ يستسلم لنوازع امرأة العزيز ويُرضي هيامها وعشقها منه، وبالتالي يعيش حالة الترف والدلال والنعمة الدنيوية، واما أن يقاوم هذه الرغبة الممنوعة ويكون مصيره السجن وتحمل أنواع الضغوط والصعوبات. ولكن يوسف ومن دون أي ترديد انتخب الطريق الثاني وسأل اللَّه تعالى أن يوفقه لذلك وقال «قَالَ رَبّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مّنَ الْجَاهِلِينَ» . ويتضح من سياق هذه الآية أنّ نسوة مصر اللواتي حضرن في مجلس امرأة العزيز قد دعون يوسف إلى التسليم لامرأة العزيز والرضوخ لطلبها، فكلّ واحدة تحدثت معه بأنواع الوسوسة فأحداهنَّ تقول: ايها الشاب ألم تر الجمال الآسر لامرأة العزيز، ألست تلتذ بالجمال وممارسة العشق معها؟ والاخرى تقول: إذا لم يؤثر في قلبك جمال هذه المرأة فلا ينبغي أن تنسى‌ انها زوجة عزيز مصر، فلو استطعت أن تكسب قلبها فسوف يكون بإمكانك التمتع بالثروة والمقام وتمام ما تريد في الحياة . الثالثة تحذره من أنك لو لم يؤثر فيك جمال هذه المرأة، ولم تكن تهم بمقامها ومكانتها الاجتماعية ولكنك يجب أن تعلم بأن هذه المرأة سوف تغضب عليك وتتحول إلى موجود خطر يهدد حياتك، وسوف تنتقم بنفسها وترسلك إلى قعر السجون المظلمة حيث تنسى‌ إلى الابد. وبما أنّ الطريق الأخير الّذي يقف أمام يوسف وهو الوقوع في السجن الموحش فإنّ يوسف طلب من اللَّه تعالى ذلك فوراً، وخاطب ربّه بأن السجن احبُ إليَّ من الوقوع بالمعصية والإثم، فانا مستعد لدخول السجن اطاعة لأمره وحفظاً لحدوده ومن أجل المحافظة على شرفي وعفتي في مقابل طلب هؤلاء النسوة، وكان تهديد هؤلاء النسوة ليوسف بصورة جدية، وقد تمّ ذلك عملياً وأُلقي يوسف في السجن، وبذلك انقذ نفسه وشرفه من تلوثات القصر ومفاسد المحيط حيث تذكر الآيات الّتي تلي هذه الآية أنّ ذلك السجن‌ الموحش كان في الحقيقة سُلَّماً لنيل يوسف مراتب سامية من الكمال الإلهي والمعنوي، وأخيراً تمكن يوسف بمشيئة اللَّه أن يجلس على عرش مصر واستطاع بمحافظته على تقواه وعفته وشرفه أن ينال كلّ شي‌ء، في حين أنّ جميع الملوثين افتضحوا ولم ينالوا مرادهم، فكان هذا هو جزاء اللَّه تعالى وثوابه الدنيوي للشرفاء والمخلصين من عباده، ويقول القرآن الكريم في سياق هذه الآيات ( فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) .

🟢 كتاب الأخلاق في القرآن الجزء الثاني 🟢 في‌ «الآية الثانية والثالثة» يتحدّث القرآن الكريم عن عفّة يوسف وطهارة ذيله في أحلك الظروف الّتي توفرت فيها جميع أسباب التورط في الإثم والمعصية ولكنَّ يوسف حفظ نفسه أمام تحديات الواقع وضغوط الحالة واستعاذ باللَّه تعالى، فنجح في هذا الامتحان الإلهي الكبير وخرج منه مرفوع الرأس، وكما يذكر القرآن الكريم واصفاً هذه الحالة والحادثة الّتي حدثت ليوسف وامرأة العزيز فيقول: «وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبّي أَحْسَنَ مَثْوَاي إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ» فلم تجذب ملامح يوسف ووجهه الجميل عزيز مصر فحسب، بل احبته زوجة العزيز أيضاً وعشقته بشدّة إلى درجة أن هذا العشق أثَّر اثَرُهُ في نفس هذه الامرأة وامتد إلى أعماق قلبها، وشيئاً فشيئاً تعمق في وجودها إلى درجة انها لم تعد تُطيق كبته، ولكن النبي يوسف الّذي كان يعيش العفة والطهارة والتقوى‌ كان قد عشق اللَّه تعالى ولا غير . هذا وقد استخدمت امرأة العزيز الشابة الجميلة شتّى‌ الطرق بمختلف الوسائل للوصول إلى هدفها، هذه الوسائل الّتي كان يكفي بعضها في تحريك أي شابٍ أعزب في عمر النبي يوسف، ولكنَّ يوسف عاش حالة الصمود أمام تحديات الشهوة الشديدة وفوّض نفسه وسفينة حياته إلى ذكر اللَّه تعالى ورحمته، وإلّا لكان الغرق في الخطيئة من نصيبه كما تصرّح الآية الّتي تليها «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّءَا بُرْهَانَ رَبّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمخْلَصِينَ» . إن عبارة «من عبادنا» وكذلك‌ «مخلصين» من العبارات العميقة المعنى‌ والّتي وردت في هذه الآية بعنوان اوسمة افتخار ليوسف على موقفه الشجاع هذا. ورغم أنّ يوسف كان قد اتهم من قبل زوجة عزيز مصر بالخيانة مع عفته وطهارته بحيث يمكنها أن تودي بحياته، إلّا أنّ اللَّه تعالى قد وعد المؤمنين الطاهرين بالنجاة وانقذ يوسف بواسطة شهادة طفل رضيع في المهد ببراءته وطهارته من التهمة بصورة إعجازية . وهناك مسطورات لبعض الأفراد الجهلة والمغرضين الّذين ذكروا في تفسير هذه الآيات أنّ المقصود بقوله‌ «همَّ بها» هو أنّ يوسف بدوره همَّ بالمعصية ومقاربة زليخا، وكما هو المعلوم أنّ هذا المعنى لا يليق بمقام عصمة الأنبياء ولا ينسجم مع سياق الآيات المذكورة أعلاه بل إن القرآن الكريم يصرّح بأنه لولا برهان اللَّه الّذي أعان يوسف في وقت الشدّة لكان قد همَّ بها، ولكن بما إن برهان الرب حلَّ في الوقت المناسب فإنه لم يقصد الخطيئة . وللفخر الرازي تعبير جميل في تفسير هذه الآية حيث يقول: «وأما أنّ إبليس أقرّ بطهارته، فلأنه قال: فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلّا عبادك منهم المخلصين، فأقر بأنه لا يمكنه اغواء المخلصين، ويوسف من المخلصين لقوله تعالى: «انه من عبادنا المخلصين» فكان هذا إقراراً من إبليس بأنه ما أغواه وما أضله عن طريق الهدى‌، وعند هذا نقول: هؤلاء الجهال الّذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام الفضيحة إن كانوا من اتباع دين اللَّه تعالى فليقبلوا شهادة اللَّه تعالى على طهارته وإن كانوا من اتباع إبليس فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته» .

🟢 كتاب الأخلاق في القرآن الجزء الثاني 🟢 التفسير: الفقير المتعطش‌ في‌ «الآية الاولى‌» يتحدّث القرآن الكريم عن أفضل موارد الانفاق ويقول مخاطباً المؤمنين بأن انفاقكم يجب أن يختص بالفقراء الّذين هاجروا من بيوتهم واوطانهم ولم يستطيعوا تأمين نفقاتهم واحتياجاتهم عن طريق الجهاد في سبيل اللَّه أو السفر للكسب والتجارة «لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ» . ثمّ يشير إلى خصوصية مهمة اخرى من خصوصيات هؤلاء الفقراء، وهي أنّهم لشدة تعففهم وضبطهم لأنفسهم يحسبهم الناس أغنياء ( يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيَماهُمْ ...) . أجل فإنّ هؤلاء يعيشون الضبط الأخلاقي لنوازع النفس ولا يرسلون السنتهم بالشكوى‌ رغم احتياجهم الشديد، ويسلكون مسلك الأغنياء بين الناس ولكن المطلع على أحوالهم يعرف حاجتهم ومسكنتهم من سيماهم. ويبين القرآن الكريم سمة اخرى من سماتهم ويقول «لَا يَسْئلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ...» .. فهؤلاء لا يطلبون قضاء حاجتهم من الآخرين مهما أمكنهم ذلك، ولو اشتد بهم الحال واضطروا إلى المسألة، فإنّهم يفضلون اقتراض ما يحتاجونه من المال على السؤال من دون‌ أن يكون لديهم اصرار على الآخرين. وفي ختام الآية يقول تعالى «وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ» . أجل، فإنّ الأنفاق عملٍ إنساني وفضيلة أخلاقية وخاصة على من يتمتع بعزّة النفس وعلو الطبع وعفة الروح. وبديهي أنّ المراد من‌ «العفة» في هذه الآية هي العفة في المسائل المالية لا الامور الجنسية، وقد ذكر بعض المفسّرين في شأن نزولها انها نزلت في‌ «أصحاب الصفة» هؤلاء كانوا جماعة يبلغ عددهم أربعمائة نفر تقريباً من المسلمين المهاجرين من مكّة وضواحي المدينة الّذين لم يكن لديهم دارٌ في المدينة ولا معارف وأقرباء فيها ولا عملٍ يتكسبون فيه، ولكنهم في نفس الوقت يعيشون في غاية التعفف في مكانٍ خاص إلى جوار مسجد النبي صلى الله عليه و آله، وكان هؤلاء يتحركون نحو الجهاد في سبيل اللَّه متى ما أمرهم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وكانوا يتمتعون بعزّة النفس والتعفف الشديد بالرغم من حاجتهم الشديدة وما يشعرون به من جوع. وعلى أي حال فالقرآن الكريم ذكر هؤلاء في الآية محل البحث بتعبيرات مختلفة من المدح والثناء وجعلهم اسوة لجميع المسلمين .

🟢 كتاب الأخلاق في القرآن الجزء الثاني 🟢 ١٥ - العفة من أكبر الفضائل الأخلاقية تنويه: تقع‌ «العفة» في النقطة المقابلة ل «شهوة البطن والفرج» وتعتبر من أهم الفضائل الإنسانية والأخلاقية على السواء. ويقول الراغب الاصفهاني في كتاب‌ «المفردات» في معنى العفة أنّها حصول حالة للنفس تمتنع بها من غلبة الشهوة، والمتعفف المتعاطي لذلك. ويقول صاحب مقاييس اللغة في معنى العفة: «العفة في الأصل تأتي لمعنيين، الأول، الاجتناب عن القبائح، والآخر قلّة الشي‌ء، ولذا يقال للبن المتبقي في الرضع- عُفّة- على وزن مدّة». ويقول مؤلف كتاب‌ «التحقيق» عن مفهوم العفة: «مادة عفّة في الأصل بمعنى حفظ النفس من الميول والشهوات النفسانية، كما أنّ التقوى بمعنى حفظ النفس من ارتكاب الذنوب، وعلى هذا فالعفة صفة باطنية، في حين أن التقوى ناظرة إلى الأعمال الخارجية». وقد ذكر علماء الأخلاق في تعريف العفة انها الحدّ الوسط بين الشهوة والخمود. وما ذكرنا آنفاً من معنى‌ العفة كان في مفهومها العام، لأن البعض قد أورد في تعريف العفة النقطة المقابلة لها، أي الوقاحة وتمزيق ستار الحياء، ولهذا السبب نجد أنّ أكثر موارد استعمال مفردة «العفة» تختص للمسائل الجنسية. وعلى أي حال فإنّ المستفاد من آيات القرآن الكريم والروايات الإسلامية أنّ العفة (بكلا المعنيين) تعد من أعظم الفضائل الأخلاقية والإنسانية، ولا يمكن لأي‌شخص أن يسير نحو الكمال الإلهي ويسلك مسلك الانفتاح على اللَّه من دون التحلي بهذه الخصلة الشريفة، ونجد في حياتنا الدنيوية أنّ كرامة الإنسان وشخصيته وسمعته رهينة بالتحلي بهذه الفضيلة الأخلاقية. بعد هذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم لنستوحي من آياته الكريمة هذا المفهوم السامي: ١ - «لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيَماهُمْ لَا يَسْئلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ» . ٢ - «وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبّي أَحْسَنَ مَثْوَاىَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ» . ٣ - «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّءَا بُرْهَانَ رَبّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمخْلَصِينَ» . ٤ - «قَالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءَامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مّنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ رَبّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مّنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» . ٥ - «وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى‌ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى‌ وَرَآءَ ذَلِكَ فَأوْلَئكَ هُمُ الْعَادُونَ» . ٦ - «... وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ ...» .

🟢 كتاب الأخلاق في القرآن الجزء الثاني 🟢 وفي الروايات الإسلامية نجد بحوثاً واسعة عن اخبار هاتين الشهوتين حيث تشير إلى بعض هذه الموارد: ١ - قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله‌ «ثَلاثٌ اخَافُهُنَّ بَعدي عَلَى‌ امَّتي الضَّلالَةُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ وَمُضِلّاتُ أَلْفِتَنِ وَشَهْوَةُ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ» . المقصود من الضلالة بعد المعرفة هو أن يترك الإنسان الحقّ والطريق المستقيم بسبب وساوس المنحرفين وشبهات المخالفين ويسلك سبيل الانحراف والزيغ والضلالة، وهذا المعنى موجود دائماً وفي كلّ زمان وخاصة في زماننا هذا. والمقصود من «مضلات الفتن» هو اشكال الامتحان الإلهي والاختبار الرباني لعباده‌ حيث يقع الإنسان أحياناً بسبب اتباعه للشهوات والأهواء في الخطيئة ويسقط في الامتحان . والمراد من «شهوة البطن والفرج» هو الأفراط في الأكل وطلب اللّذة والأفراط في طلب اللّذة الجنسية. إن سياق الحديث الشريف يوحي لنا بهذه الحقيقة، وهي أنّ الخطر المتوجه للناس والّذي يهدد وجودهم بسبب هذه الامور الثلاثة هو خطر عميق وجدي. ٢ - يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله في حديث آخر «اكْثَرُ مَا تَلِجُ بِهِ امَّتي النَّارَ الْاجْوَفَانِ الْبَطْنُ وَالْفَرْجُ» . ٣ - ويقول الإمام الباقر عليه السلام‌ «اذا شَبَعَ البَطْنُ طَغى‌» . ٤ - وأيضاً يقول هذا الإمام في حديث آخر «مَا مِنْ شَي‌ءٍ ابْغَضُ الَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ بَطْنٍ مَمْلُوءٍ» . ٥ - وورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: «لا يُفْسِدُ التَّقوى‌ الّا بِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ» . ٦ - وورد في حديث آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: «لا تَجْتَمِعُ الحِكْمَةُ وَالشَّهْوَةُ» . ٧ - وقال هذا الإمام عليه السلام أيضاً في حديث آخر «مَا رَفَعَ امَرءاً كَهِمَّتِهِ وَلَا وَضَعَهُ كَشَهْوَتِهِ» .

🟢 كتاب الأخلاق في القرآن الجزء الثاني 🟢 شهوة الأكل والجنس : لقد أورد الأعاظم من علماء الأخلاق كالفيض الكاشاني في‌ «المحجّة البيضاء» والمحقّق النراقي في‌ «معراج السعادة» والعلّامة السيّد شبّر في كتاب‌ «الأخلاق» كلًا من شهوة البطن وشهوة الجنس بصورة مستقلة وبحثوهما كلًا على انفراد، وفي الحقيقة اتبعوا في ذلك ما ورد في الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة في هذا المجال حيث ورد الاهتمام الكبير بهاتين الغريزتين . الفيض الكاشاني يذكر في كتابه‌ «المحجّة البيضاء» هاتان الشهوتان ويقول: «أما بعد، فأعظم المهلكات لابن آدم شهوة البطن، فبها أخرج آدم عليه السلام وحواء من دار القرار إلى دار الذلّ والافتقار، إذ نهيا عن أكل الشجرة فغلبتهما شهواتهما حتّى أكلا منها فبدت لهما سوآتهما، والبطن على التحقيق مصدر الشهوات ومنبت الأدواء والآفات. إذ يتبعها شهوة الفرج وشدّة الشبق إلى المنكوحات، ثمّ تتبع شهوة المطعم والمنكح شدّة الرغبة في المال والجاه اللذين هما الوسيلة إلى التوسع في المطعومات والمنكوحات، ثمّ يتبع استكثار المال والجاه أنواع الرعونات وضروب المنافسات والمحاسبات، ثمّ يتولد من ذلك آفة الرياء وغائلة التفاخر والتكاثر والكبرياء، ثمّ يتداعى إلى ذلك الحسد والحقد والعداوة والبغضاء، ثمّ يفضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي والمنكر والفحشاء . وكلّ ذلك ثمرة إهمال المعدة وما يتولد منها من بطر الشبع والامتلاء، ولو ذلّل العبد نفسه بالجوع وضيّق به مجاري الشيطان لأذعنت لطاعة اللَّه ولم تسلك سبيل البطر والطغيان ولم‌ ينجر به ذلك إلى الانهماك في الدنيا وايثار العاجلة على العقبي، ولم يتكالب كلّ هذا التكالب على الدنيا. وإذا عظمت آفة شهوة البطن إلى هذا الحدّ وجب شرح غوائلها وآفاتها تحذيراً منها، ووجب ايضاح طريق المجاهدة لها والتنبيه على فضلها ترغيباً فيها» . والأخطر من ذلك أنّ الأشخاص من اتباع شهوة البطن والفرج يفقدون دينهم ويتركون إيمانهم في هذا السبيل حيث نقرأ في ذيل الآية القرآنية «وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونِ» . إنّ اللَّه تعالى يذم اليهود الّذين كانوا يشترون بآيات اللَّه ويبيعونها بثمن بخس، فقد كانت هناك مجموعة من علماء اليهود وأحبارهم يقومون بتحريف آيات اللَّه من أجل اشباع نهم شهواتهم لغرض دعوتهم لمجالس البذخ وموائد الترف الّتي كان يقوم بها اليهود اتجاه علمائهم، وبهذا فهم باعوا عملياً آيات اللَّه بثمن بخس «ولهذا انكروا وجود ذكر النبي الّذي يظهر آخر الزمان والّذي كان ينتظره اليهود والمذكور عندهم بالتوراة» .

🟢 كتاب الأخلاق في القرآن الجزء الثاني 🟢 ب : الطريق العملي‌ ومن جهة اخرى فإنّ الطريق العملي لعلاج حالة «عبادة الشهوة» له وجوه وانحاء مختلفة منها: ١ - إن أفضل الطرق العملية للنجاة من مستنقع الشهوة هو الاشباع الصحيح للغرائز البدنية والرغبات الجنسية بالخصوص، لأنّه إذا تم اشباع هذه الرغبات الباطنية والميول البدنية من طرق سليمة وبأدوات صحيحة فإنّ بإمكانها أن تنقذ الإنسان من النتائج السلبية والمخربة المترتبة على اتباع الشهوات . وبعبارة اخرى انه لا ينبغي للإنسان كبت هذه الغرائز والرغبات والتغافل عن ارضائها بل يجب أن يسير بها المسار الصحيح والبنّاء لتكون مفيدة ونافعة في حركة الحياة، وفي غير هذه الصورة يمكنها أن تتبدل إلى سيل مدمر ومخرب يهلك الحرث والنسل ولا يبقى للإنسان أي أثر من آثار الخير والصلاح. ولهذا السبب نرى أنّ الإسلام لم يهتم بالتسلية والترفية السليم والمعتدل فحسب بل عمل على حث الناس وترغيبهم في هذا الطريق لارضاء الغرائز، ومن ذلك ما ورد في خطبة معروفة للإمام الجواد الّتي قرأها عند عقد زواجه حيث قال‌ «امّا بَعْدُ فَقَدْ كَانَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَى الْانَامِ انْ اغْناهُم بِالْحَلالِ عَنِ الْحَرامِ» . وفي هذا الحديث المعروف هناك إشارة إلى هذا المعنى أيضاً حيث تقول‌ «لِلْمُؤمِنِ ثَلاثُ سَاعَاتٍ، فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يَرُمَّ مَعَاشَهُ، وَساعَةٌ يُخَلّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَبينَ لَذَّتِهَا فيمَا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ» . ٢ - ومن الطرق الاخرى للنجاة من قيود الشهوات هو أن يضع الإنسان لنفسه برنامجاً دقيقاً لحياته، لأنّه كلما سعى‌ لبرمجة أوقاته في اليوم والليلة «حتّى لو كان البرنامج يتضمّن جانب الترفية والرياضة البدنية» فإنه لا يكاد يجد برنامج للإنسياق وراء طلب اللّذة وفراغاً كافياً لسلوك طريق الشهوة. ٣ - ومن العناصر الاخرى لعلاج هذه الظاهرة أو الوقاية منها هو إزالة عوامل التلوث‌ بالخطيئة، لأن إمكانية التلوث بالشهوات في البيئة الملوثة يكون أكثر، أي لو كانت أسباب المعصية متوفرة وطرق الإنحراف مفتوحة ووجود الحرية النسبية في ارتكاب الذنوب واتباع الشهوات فإنّ النجاة من التلوث بالخطيئة ولا سيّما للشباب الّذين لا يمتلكون من المعرفة الدينية إلّاالقليل سيكون أمراً عسيراً للغاية. ٤ - احياء الشخصية المعنوية والإنسانية لأفراد المجتمع يعد من الطرق المهمة للعلاج أو الوقاية من التلوث بالشهوات، لأنّه عندما يدرك الإنسان قيمة وجوده واعتباره وشخصيته ويعلم بانه يمثل عصارة الخلقة والغاية العليا بعالم الكائنات وخليفة اللَّه في الأرض فلا يبيع نفسه بسهولة ولا يسلمها إلى عناصر الشهوة وقوى‌ الإنحراف. يقول أمير المؤمنين عليه السلام في هذا المجال‌ «مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ» . وفي حديث آخر يقول عليه السلام‌ «مَنْ عَرَفَ شَرَفَ مَعْنَاهُ صَانَهُ عَن دَنَائَةِ شَهْوَتِهِ ...» . وآخر ما يقال في هذا المجال هو انه لا بدّ من الاهتمام بالطريق العملي ليس للتصدّي إلى الشهوات فحسب بل في جميع موارد مكافحة المفاسد الأخلاقية لدى الفرد والمجتمع، بمعنى‌ انه كلّما سلك الإنسان طريق مكافحة أهوائه الفاسدة وأخلاقه المنحرفة وسار في الطريق القويم فإنّ هذه القوى‌ والعناصر السلبية ستخف وستندثر في وجوده ونفسه وسوف ينتقل الإنسان في هذا السلوك إلى أن يعيش الحالة النفسية السليمة، ومن هذه الحالة ينتقل إلى العادة، ومن العادة ينتقل إلى الملكة حيث تتحول هذه الحالة والعادة إلى ملكة راسخة في نفسه وتكون بمثابة الطبع الكامل له، وعلى سبيل المثال إذا تحرّك الإنسان البخيل في علاج هذا المرض الأخلاقي نحو البذل والعطاء في دائرة الفعل والعمل، فإنّ نار البخل ستضعف وتخبو تدريجياً في باطنه إلى أن تنطفى‌ء تماماً. فإذا تحرّك اتباع الشهوة أيضاً في هذا الطريق وسلكوا مسلك التصدي والمقاومة أمام طغيان الشهوات، فإنّ هذه الشهوات والقوى‌ المنحرفة الموجودة في باطنهم ستضعف وتخبو تدريجياً ويحل بدلها عنصر العقيدة ويعيش الإنسان حينئذٍ روح الطهارة والنقاء والانفتاح على اللَّه والمعنويات السامية. وهذا المعنى‌ نجده واضحاً بكلام أمير المؤمنين عليه السلام‌ «قَاوِمِ الشَّهْوَةَ بِالْقَمْعِ لَهَا تَظْفُرْ» .

قال الله تعالى : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) ق . تشير الآية إلى جانب قصير ومثير من مشاهد يوم القيامة إذ تقول الآية : يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد . والمراد من هل من مزيد ما هو ؟ هناك تفسيران : الأول: أنه استفهام إنكاري، أي أن جهنم تقول لا مجال للزيادة، وبهذا فينسجم هذا المعنى مع الآية ١٣ من سورة السجدة: لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين وهو تأكيد على أن تهديد الله يتحقق في ذلك اليوم تماما وأن جهنم تمتلئ في يوم القيامة من الكفار والمجرمين. والثاني: إن هذه الجملة فيها طلب للزيادة! أي هل يوجد غير هؤلاء ليدخلوا النار، وأساسا فإن طبيعة كل شيء أن يبحث عن سنخه دائما، فلا النار تشبع من الكفار ولا الجنة تشبع من المؤمنين الصالحين. إلا أن هذا السؤال سيبقى بلا جواب، وهو أن مفهوم هذا الطلب أن جهنم ما تزال غير ممتلئة، فلا تنسجم مع الآية ١٣ من سورة السجدة آنفة الذكر التي تقول: لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين. ولكن ينبغي الالتفات إلى أن طلب المزيد لا يدل على عدم الامتلاء لأنه: أولا: قد يكون إناء مليء بالطعام مثلا، إلا أن شخصا ما يزال يتمنى أن لو أضيف إليه فيكون متراكما أكثر! ثانيا: هذا الطلب يمكن أن يكون طلبا لتضييق المكان على أهل جهنم وعقابهم الأليم أو تمني السعة لاستيعاب أنفار آخرين أكثر. وعلى كل حال، فإن هذه الآية تدل دلالة واضحة أن أهل جهنم كثيرون من دون العلم بعددهم وأنهم نصف البشرية أو أكثر أو أقل ، وأن صورة جهنم مرعبة وموحشة وأن تهديد الله جدي وحق يربك الفكر في كل إنسان فيهزه ويحذره ألا يكون واحدا من أهلها! وهذا التفكير يمكن أن يصيره ورعا ملتزما فلا يقدم على الذنوب الكبيرة والصغيرة!. وينقدح سؤال آخر، وهو كيف تخاطب النار وهي موجود غير عاقل فترد وتجيب على الخطاب! ولهذا السؤال توجد إجابات ثلاث: الأولى: إن هذا التعبير نوع من التشبيه وبيان لسان الحال! أي أن الله يسأل بلسان التكوين جهنم وهي تجيب بلسان الحال، ونظير هذا التعبير كثير في اللغات المختلفة! الثانية: إن الدار الآخرة دار حياة واقعية، فحتى الموجودات المادية كالجنة والنار يكون لها نوع من الإدراك والحياة والشعور، فالجنة تشتاق إلى المؤمنين، وجهنم تنتظر المجرمين. وكما أن أعضاء جسم الإنسان تنطق في ذلك اليوم وتشهد على الإنسان، فلا عجب أن تكون الجنة والنار كذلك! بل وحسب اعتقاد بعض المفسرين إن ذرات هذا العالم جميعها لها إدراك وإحساس خاص، ولذلك فهي تسبح الله وتحمده، وقد أشارت إليه بعض آيات القرآن كالآية (٤٤) من سورة الإسراء . والثالثة: إن المخاطبين هم خزنة النار وهم الذين يردون على هذا السؤال. وجميع هذه التفاسير يمكن قبولها، إلا أن التفسير الأول أنسب كما يبدو!

🟢 كتاب الأخلاق في القرآن الجزء الثاني 🟢 طرق علاج اتباع الشهوات: إن الطرق الكفيلة بعلاج المفاسد الأخلاقية تكاد تكون متشابهه في الاصول في جميع الموارد، وتتلخص هذه الطرق بنحوين : علمي وعملي. ألف : الطريق العلمي‌ والمراد من الطريق العلمي هو أن الإنسان يفكر ويتدبر بالنتائج والآثار السلبية لطلب اللّذة واشباع الشهوة ويرى كيف إن الإنسان المستسلم لشهواته يعيش الذلّة والأسر وإنهزام الشخصية والشعور بالدونية والحقارة والابتعاد عن اللَّه تعالى، وهذا المعنى‌ نجده واضحاً على سلوك اتباع الشهوة وطلاب اللّذة الرخيصة وأنّهم كيف يعيشون الضعف والوهن في شخصيتهم الإنسانية وكرامتهم الاجتماعية . وعلى هذا الأساس فإنّ التأمل في هذه الظاهرة النفسية والاجتماعية وكذلك التفكر في حال وسيرة «اولياء اللَّه» واتباعهم المخلصين وكيف أنّهم وصلوا مقامات سامية من التكامل الإنساني والأخلاقي بسبب محاربتهم للشهوات وامتناعهم عن سلوك طريق الخطيئة وصمودهم أمام تحديات الشهوة، مضافاً إلى ذلك فإنّ تقوية أركان العقل ودعائم الإيمان في قلب الإنسان يجعله قادراً على كبح جماع شهواته وغرائزه، وفي هذا المجال قال أمير المؤمنين عليه السلام‌ : «مَنْ كَمُلَ عَقْلُهُ استِهَانَ بِالشَّهَوَاتِ» . وفي حديث له عليه السلام‌ «مَنْ غَلَبَ شَهْوَتَهُ ظَهَرَ عَقْلُهُ» . وكذلك قال عليه السلام‌ «كُلَّمَا قَوِيَتِ الْحِكْمَةُ ضَعُفَتِ الشَّهْوَةُ» . وفي حديث آخر يقول عليه السلام‌ «اذْكُرْ مَعَ كُلِّ لَذَّةٍ زَوَالَهَا وَمَعَ كُلِّ نِعْمَةٍ انْتِقَالَهَا وَمَعَ كُلِّ بليَّةٍ كَشْفَها، فَانَّ ذَلِكَ ابْقى‌ لِلنِّعمَةِ، وَانْفى‌ لِلشَّهْوةِ، وَاذْهَبُ لِلبَطَرِ، وَاقرَبُ الَى الْفَرَجِ وَاجْدَرُ بِكَشفِ الغُمَّةِ وَدَرْكِ الْمَأمُولِ» . وعليه فإنّ التفكر في العاقبة السيئة والآثار المخربة لاتباع الشهوات بإمكانه أنّ يصد الإنسان عن سلوك هذا الطريق، ولذلك نجد أنّ الأنبياء والقادة الإلهيين بذلوا جهوداً كبيرة في هذا السبيل ليخلصوا الناس من التورط في الخطايا والذنوب وينقذوهم من أسر الشهوات والأهواء. وفي حديث شريف عن رسول اللَّه يقول‌ «خَمْسٌ انْ ادْرَكْتَمُوهُنَّ فَتَعَوَّذُّوا بِاللَّهِ مِنْهُنَّ : لَمْ تَظْهَرِ الفَاحِشَةُ فِي قَومٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوهَا، الّا ظَهَرَ فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالاوَجَاعُ الَّتي لَمْ تَكُنْ فِي اسْلافِهِم الَّذِينَ مَضَوُا ، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكيَالَ وَالْميزانَ الّا أُخِذُوا بِالسِّنينَ وَشِدَّةِ الْمَؤُنَةِ وَجَوْرِ السُّلطانِ، وَلَمْ يَمْنَعُوا الزَّكاةَ الَّا مُنِعُوا الْمَطَرَ مِنَ السَّماءِ، وَلَوْلا البَهَائِمُ لمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ الّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيهِمْ عَدُوَّهُم وَاخَذُوا بِعضَ مَا فِي ايْديهِمْ، وَلَمْ يَحْكُمُوا بِغَيرِ مَا انْزَلَ اللَّهُ الّا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأسَهُمْ بَيْنَهُمْ» . ولا شكّ أنّ التأمل والتدبر في هذه المعطيات والنتائج الخطيرة لها تأثير مستمر أو مؤقت في منع الإنسان عن ممارسة الخطيئة لارتكاب الذنب .

وفي نهاية هذه السورة، ولإكمال بحث التوحيد والمعاد، والذي كان يشكل أكثر مباحث هذه السورة، تبين الآيتان الأخيرتان وحدة ربوبية الله وعظمته، وقدرته وحكمته، وتذكر خمس صفات من صفات الله سبحانه في هذا الجانب، فتقول أولا: فلله الحمد لأنه رب السماوات ورب الأرض رب العالمين. " الرب " بمعنى المالك والمدبر، والحاكم والمصلح، وبناء على هذا فكل خير وبركة تأتي منه سبحانه ولذلك، ترجع إليه كل المحامد والثناء، فحتى الثناء على الورد، وصفاء العيون، وعذوبة النسيم، وجمال النجوم، حمد له وثناء عليه، فإنها جميعا تصدر عنه، وتنمو بفضله ورعايته. والطريف أنه يقول مرة: رب السماوات، وأخرى: رب الأرض، وثالثة: رب عالم الوجود والعالمين، ليفند الاعتقاد بالآلهة المتعددة التي جعلوها للموجودات المختلفة، ويدعو الجميع إلى توحيد الله سبحانه والاعتقاد بأحديته. وبعد وصف ذاته المقدسة بمقام الحمد والربوبية، تضيف الآية في الصفة الثالثة: وله الكبرياء في السماوات والأرض لأن آثار عظمته ظاهرة في السماء المترامية الأطراف، والأرض الواسعة الفضاء، وفي كل زاوية من زوايا العالم. لقد كان الكلام في الآية السابقة عن مقام الربوبية، أي كونه تعالى مالكا لأمور عالم الوجود ومدبرا لها، والكلام هنا عن عظمته، فكلما دققنا النظر في خلق السماء والأرض وتأملناه، سنزداد معرفة بهذه الحقيقة، وتزداد بصيرتنا بها. وأخيرا تقول الآية في الوصفين الرابع والخامس: وهو العزيز الحكيم وبذلك تكمل مجموعة العلم والقدرة والعظمة والربوبية والمحمودية، والتي هي مجموعة من أهم صفات الله، وأسمائه الحسنى. ولعلها تشير إلى أن: له الحمد فاحمدوه، وهو الرب فاشكروا له، وله الكبرياء فكبروه، وهو العزيز الحكيم فأطيعوه. وبوصف الله سبحانه بالعزيز والحكيم تنتهي سورة الجاثية كما بدأت بهما، وكل محتواها وما تضمنته شاهد على عزة الله سبحانه وحكمته السامية.

قال الله تعالى : وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧) الجاثية . يوم تبدو السيئات: الآية الأولى من هذه الآيات توضيح لما ذكر في الآيات السابقة بصورة مجملة، توضيح لمسألة استكبار الكافرين على آيات الله ودعوة الأنبياء، فتقول: وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين. التعبير ب‍ ما ندري ما الساعة في حين أن معنى القيامة لم يكن غامضا عليهم أو مبهما، وإن كان شك كل لديهم ففي وجودها، مما يوحي بأنهم كانوا في موضع تكبر وعدم اهتمام، ولو كانت لدى هؤلاء روح تتبع الحق وطلبه لرأوا أن ماهية يوم القيامة أمر واضح، كما أن الدليل عليها بين جلي. ومن هنا يتضح الجواب عن سؤال طرح هنا، وهو: أن هؤلاء إن كانوا - حقا - في شك الأمر، فلا تثريب عليهم ولا إثم؟ لكن الشك لم يكن ناشئا من عدم وضوح الحق، بل ناتج عن الكبر والغرور والعناد التعصب. ويحتمل أيضا أن يكون هدفهم من تهافت كلامهم وتناقضه السخرية والاستهزاء. وتتحدث الآية التالية عن جزاء هؤلاء وعقابهم، ذلك الجزاء الذي لا يشبه عقوبات المحاكم الدنيوية، فتقول: وبد لهم سيئات ما عملوا فستتجسد القبائح والسيئات أمام أعينهم، وتتضح لهم، وتكون لهم قرينا دائما يتأذون من وجوده إلى جانبهم ويتعذبون من صحبته: وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون . والأشد ألما من كل ذلك هو الخطاب الذي يخاطبهم به الله الرحمن الرحيم، فيقول سبحانه: وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا. لقد ورد هذا التعبير بصيغ مختلفة في القرآن الكريم مرارا، ففي الآية (٥١) من سورة الأعراف: فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا. وجاء هذا المعنى أيضا بأسلوب آخر في الآية (١٤) من سورة ألم السجدة. لا شك أن النسيان لا معنى له بالنسبة إلى الله سبحانه الذي يحيط علمه بكل عالم الوجود، لكنه هنا كناية لطيفة عن احتقار الإنسان المجرم العاصي وعدم الاهتمام به، ويلاحظ هذا التعبير حتى في محادثاتنا اليومية، فنقول: انسى فلانا الذي لا وفاء له، أي عامله كإنسان منسي، ولا تمنحه المحبة والعطف والوداد، واترك تفقد أحواله، ولا تذهب إليه أبدا. ثم إن هذا التعبير تأكيد آخر - بصورة ضمنية - على مسألة تجسم الأعمال، وتناسب الجريمة والعقاب، لأن نسيانهم يوم القيامة في الدنيا يؤدي إلى أن ينساهم الله يوم القيامة، وما أعظم مصيبة نسيان الله الرحمن الرحيم لفرد من الأفراد، وحرمانه من جميع ألطافه ومننه. ثم إن المراد من نسيان لقاء يوم القيامة، نسيان لقاء كل المسائل والحوادث التي تقع في ذلك اليوم، سواء الحساب أم غيره، حيث كانوا ينكرونها. ويحتمل أيضا أن يكون المراد نسيان لقاء الله سبحانه في ذلك اليوم، لأن يوم القيامة قد وصف في القرآن المجيد بيوم لقاء الله، والمراد منه الشهود الباطني. وتتابع الآية الحديث، فتقول: ومأواكم النار وإذا كنتم تظنون أن أحدا سيهب لنصرتكم وغوثكم، فاقطعوا الأمل من ذلك، واعلموا أنه وما لكم من ناصرين. أما لماذا ابتليتم بمثل هذا المصير؟ ف‍ ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا. وأساسا فإن " الغرور " و " الاستهزاء " لا ينفصلان عن بعضهما عادة، فإن الأفراد المغرورين والمتكبرين الذين ينظرون إلى الآخرين بعين الاحتقار يتخذونهم هزوا ويسخرون منهم، ومصدر الغرور في الواقع هو متاع الدنيا وقدرتها وثروتها الزائلة المؤقتة، والتي تدع الأفراد الضيقي الصدور في غفلة تامة لا يعيرون معها لدعوة رسل الله أدنى اهتمام، ولا يكلفون أنفسهم حتى النظر فيها للوقوف على صوابها من عدمه. وتكرر الآية ما ورد في الآية السابقة وتؤكده بأسلوب آخر، فتقول: فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون ، فقد كان الكلام هناك عن مأواهم ومقرهم الثابت، والكلام هنا عن عدم خروجهم من النار.. حيث قال هناك : ما لهم من ناصرين، وهنا يقول: لا يقبل منهم عذر، والنتيجة هي أن لا سبيل لنجاتهم.

🟢 كتاب الأخلاق في القرآن الجزء الثاني 🟢 ٣ - الغفلة والجهل‌ وأحد العوامل الاخرى للتلوث بهذه الرذيلة الأخلاقية هو الغفلة والجهل عن معطيات اتباع الشهوة وتأثيراتها السلبية في حركة الإنسان والحياة، لأن أكثر الرذائل الأخلاقية تترتب عليها آثار سلبية في دائرة السلامة البدنية والصحية، الشخص الّذي يُفرط في الطعام ويعيش حالة النهم إلى الغذاء واشباع البطن فإنه يبتلى بأنواع الأمراض البدنية، وكذلك الشخص الّذي يفرط في الغريزة الجنسية فإنه يبتلى بضعف القوى‌ البدنية ويورثه هذا السلوك تدميراً لشبكة الأعصاب ويورثه قصر العمر، وبالتالي يعرض سلامته الروحية والجسمية إلى الارباك والخلل . ولهذا نجد كثيراً من الأشخاص في المجتمعات غير الدينية يلتزمون في حياتهم بالموازين الصحية ويقيدون أنفسهم برعاية الاعتدال بالأكل والجنس، لأن الأطباء يوصون كثيراً في رعاية هذه الامور وينبهون الناس إلى نتائج الأفراط في إشباع هذه الشهوات‌ وعواقبها الوخيمة، وكذلك فإنّ المشكلات الاجتماعية الناشئة من اتباع الشهوات غير قابلة للانكار، فمن المعلوم أنّ افراط البعض في طلب التنوع في الأطعمة والاكثار من الغذاء هو السبب في أن يعيش البعض الآخر من الناس حالة الجوع وقلّة الغذاء، وهكذا الحال في التحلل الأخلاقي في المسائل الجنسية حيث يسبب القلق والاضطراب لدى أفراد الاسرة، وما أكثر ما يتسبب في سريان التلوث بالخطيئة إلى داخل الاسرة الواحدة . وعلى هذا الأساس فإنّ كلّ إنسان يلتفت جيداً إلى هذه الامور فسوف يحصل لديه العلم اليقيني بضرورة تقييد هذه الشهوات وضبطها من الانفلات والتحلل . ٤ - المعاشرة مع رفاق السوء ومن العوامل الاخرى للانحراف في اشباع الشهوات هو العشرة مع رفاق السوء والمحيط الملوث وادوات الأعلام الفاسد وأمثال ذلك، فإنّ الغالب على رفاق السوء أنّهم يدفعون من يعاشرهم إلى ارتكاب المحرمات والتلوث بالذنوب من خلال تعليمهم على الطرق المتنوعة لاشباع الشهوات بطرق ممنوعة بحيث يمكن القول أنّ أهم أسباب التلوث بالخطيئة والإنحراف في اشباع الشهوة هو الاختلاط مع الملوثين والمنحرفين . وهكذا بالنسبة إلى أدوات الأعلام الفاسد والمحيط الاجتماعي الملوث تعتبر من العوامل المهمة للتلوث والإنحراف، وفي هذا المجال تحدّثنا في الجزء الأوّل عن «الأرضية المساعدة للفساد الأخلاقي) بشكل وافر وذكرنا بشكل مفصل أنّ العشرة والاختلاط مع الملوثين لا تفسد أخلاق الإنسان فحسب، بل قد تصل به إلى حدّ الكفر في دائرة العقيدة أيضاً، ويتحدّث القرآن الكريم عن بعض أهل النار شارحاً لحالهم « وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى‌ يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَاوَيْلَتَى‌ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا » . وهكذا نرى أنّ البيئة الفاسدة وعنصر التربية وما يقوم به الوالدان من أساليب خاطئة في مجال تربية الطفل بسبب ممارستهم للذنوب وإنحرافهم عن الحقّ تعتبر من العوامل المؤثرة في تلوث الإنسان بظاهرة الإنحراف وعبادة الشهوة، ولهذا نرى‌ أنّ أغلب الأشخاص الّذين كانوا يعيشون الأمان والطهر في حياتهم عندما يلج في مثل هذه البيئة الفاسدة والمحيط المنحرف سوف يتلوثون بالخطيئة ويفقدون إيمانهم السابق ويغرقون في بحر الذنوب والمفاسد الأخلاقية . وبما إننا بحثنا هذا المطلب في الجزء الأوّل في موضوع «كليات المسائل الأخلاقية» بشكل مفصل، فلذلك نكتفي بهذا المقدار من الإشارة إلى هذا المطلب المهم .

°° 📚 سَلاسل ودُروس مفيدة ، منوّعات إسلامية، خَواطر للشباب ، علىٰ هذا الرابط 👈🏻 🧡بالضغط هُنا 🧡👉🏻

🟢 كتاب الأخلاق في القرآن الجزء الثاني 🟢 ١ - ضعف الإيمان‌ إن ضعف الإيمان هو العلّة الأصلية لتغافل الإنسان عن الأوامر والتشريعات الإلهية، فلو أنّ الإنسان كان يعيش بوجود اللَّه دائماً في واقعه وقلبه ويراه حاضراً وناظراً إلى سلوكياته وأفعاله، ويرى محكمة العدل الإلهية يوم القيامة بعين البصيرة فإنه لا يمكن أن يتجرأ على كسر طوق الحدود الإلهية ويتجاوز على التشريعات الدينية ويتلوث بالشهوات والمفاسد الأخلاقية . وهذا المعنى هو البرهان الإلهي الّذي رافق يوسف في أحلك الظروف وانقذه من التورط في الإثم والمعصية الّتي توفرت جميع متقضيات ارتكابها وارتفعت جميع الموانع لممارستها مع امرأة العزيز. فمع ضعف الإيمان وضعف التوجه إلى المبدأ والمعاد تتوفر حينئذٍ الأرضية الكافية لطغيان الشهوات بحيث يضحى‌ الإنسان كالوحش الّذي خرج لتوّه من القفص، فلا يرى‌ أمامه أي رادع ومانع حيث يهجم على كلّ شخص ويفترس كلّ ما يجده في طريقه من الأحياء . وهنا نلقي نظرة فاحصة على ما ورد في الحديث الشريف الّذي قرأناه فيما سبق‌ «مَنِ اشتَاقَ الَى الجَنَّةِ سَلا عَنِ الشَّهواتِ» . أحياناً يتحرك الإنسان لاشباع الشهوة والتحرر من قيود الدين والأخلاق إلى كسر سد الإيمان، وفي هذا يقول القرآن الكريم «بَلْ يُريدُ الإنسانُ لِيَفْجُرَ امَامَهُ يَسْئَلُ ايَّانَ يَوْمُ القيامَةِ» . الإنسان هنا يريد أن يتحرر من القيود المعنوية ليمارس الخطايا بدون خوف من يوم القيامة، ولهذا يسأل سؤال انكار وترديد . ٢ - عدم الاهتمام بالكرامة الاجتماعية والشخصية الإنسانية إن عدم اهتمام البعض بالكرامة الاجتماعية وعدم اهتمامهم بشخصيتهم الإنسانية هو أحد العوامل الّتي تسبب للإنسان التلوث بأنواع الخطايا والتورط في وحل الشهوات، في حين أنّ احترام الإنسان لنفسه ولشخصيته الإنسانية وحيثيته الاجتماعية بإمكانه أن يقف حاجزاً ورادعاً عن ممارسة الخطيئة وطغيان الشهوة حتّى عُدَّ من عدم الإيمان باللَّه والآخرة . ولهذا السبب نجد أنّ الأشخاص الّذين يتمتعون بمكانة اجتماعية في المجتمعات غير الدينية لا يستسلمون لطغيان الشهوة بسهولة ولا يقعون ضحية الأهواء والنوازع الرخيصة وخاصةً التحلّل الجنسي أو غريزة الغذاء واشباع البطن، لأن مكانتهم الاجتماعية وسمعتهم وماء وجههم يقف سداً قوياً أمام طغيان هذه الشهوات، وعليه فإنّ من يستسلم لنداء الشهوات ويرضخ لتحدياتها هم فقط الأشخاص الّذين يعيشون الحقارة وضعف الشخصية والدناءة .

-لست مثقفَة كثيرًا، ولا شخصية مبهرَة، لا أشرب القهوة كل صباح، لم أقرأ سوى بعض الكتب ، وكتب المراحل الدراسية التي لم تجلب لي سوى.. اضغط للمزيد