فائده | Benefit
Ir al canal en Telegram
قناة تنشر ما فيه فائدة دينية لوجه الله الكريم للتواصل ( @xl4oo ) ما انشر ولا ابادل نشر
Mostrar más2 408
Suscriptores
-124 horas
-17 días
-130 días
Archivo de publicaciones
2 409
☀ *إشراقة صباحية* ☀️
📖📝الأربعاء ٤ - ٧ - ١٤٤٧هـ
﴿ وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حَاضِرَا ﴾ ما تعمله اليوم في الدنيا ، سيُعاد بثهُ في الآخرة ، فأحسن الأداء هنا ، ليحسُن العرض هناك .
صباح الخير
2 409
التَّسليمُ للهِ عَزَّ وجَلَّ
يَجِبُ على العَبدِ أن يُسَلِّمَ للهِ تعالى دونَ مُنازَعةٍ أوِ اعتِراضٍ .
الدَّليلُ على ذلك مِن الكتابِ والسُّنَّةِ:
أ- مِنَ الكِتابِ
1- قال تعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [لقمان: 22].
أي: ومَن يُعَبِّدْ وَجهَه مُتَذَلِّلًا بالعُبودةِ، مُقِرًّا له بالأُلوهةِ وَهُوَ مُحْسِنٌ أي: وهو مُطيعٌ للهِ في أمرِه ونَهيِه فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى أي: فقد تَمسَّك بالطَّرَفِ الأوثَقِ الذي لا يَخافُ انقِطاعَه مَن تَمسَّك به، وهذا مَثَلٌ، إنَّما يَعني بذلك أنَّه قد تَمَسَّكَ مِن رِضا اللهِ بإسلامِه وَجْهَه إليه، وهو مُحسِنٌ- ما لا يَخافُ مَعَه عَذابَ اللَّهِ يَومَ القيامةِ .
2- قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [النساء: 125].
أي: ومَن أحسَنُ دينًا -أيُّها النَّاسُ- وأصوَبُ طَريقًا وأهدى سَبيلًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ أي: مِمَّنِ استَسلمَ وَجهُه للَّهِ، فانقادَ له بالطَّاعةِ، مُصَدِّقًا نَبيَّه مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما جاءَ به مِن عِندِ رَبِّه، وَهُوَ مُحْسِنٌ يَعني: وهو عامِلٌ بما أمَرَه به رَبُّه، مُحَرِّمٌ حَرامَه، ومُحَلِّلٌ حَلالَه، وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ أي: واتَّبَعَ الدِّينَ الذي كان عليه إبراهيمُ خَليلُ الرَّحمنِ، وأمَرَ به بَنيه مِن بَعدِه وأوصاهم به، حَنِيفًا يَعني: مُستَقيمًا على مِنهاجِه وسَبيلِه .
3- قال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: 65].
ب- مِنَ السُّنَّةِ
1- عنِ البَراءِ بنِ عازِبٍ رَضيَ اللهُ عنهما، قال: قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إذا أتَيتَ مَضجَعَك فتَوضَّأْ وُضوءَك للصَّلاةِ، ثُمَّ اضطَجِعْ على شِقِّك الأيمَنِ، ثُمَّ قُل: اللَّهُمَّ أسلَمتُ وَجهي إليك، وفوَّضتُ أمري إليك، وألجَأتُ ظَهري إليك؛ رَغبةً ورَهبةً إليك، لا مَلجَأَ ولا مَنجا مِنك إلَّا إليك، اللَّهُمَّ آمَنتُ بكِتابِك الذي أنزَلتَ، وبنَبيِّك الذي أرسَلتَ، فإن مُتَّ مِن لَيلَتِك فأنتَ على الفِطرةِ، واجعَلْهنَّ آخِرَ ما تَتَكَلَّمُ به. قال: فرَدَّدتُها على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا بَلَغتُ: اللَّهُمَّ آمَنتُ بكِتابِك الذي أنزَلتَ، قُلتُ: ورَسولِك، قال: لا، ونَبيِّك الذي أرسَلتَ)) .
قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبيُّ: (مَعنى "أسلَمتُ": سَلَّمتُ واستَسلَمتُ، أي: سَلَّمتُها لك؛ إذ لا قُدرةَ لي على تَدبيرِها، ولا على جَلبِ ما يَنفَعُها، ولا على دَفعِ ما يَضُرُّها، بَل أمرُها إليك مُسلَّمٌ، تَفعَلُ فيها ما تُريدُ، واستَسلَمتُ لِما تَفعَلُ فيها، فلا اعتِراضَ على ما تَفعَلُ ولا مُعارَضةَ.
وقَولُه: "وفوَّضتُ أمري إليك" أي: تَوكَّلتُ عليك في أمري كُلِّه لتَكفيَني هَمَّه، وتَتَولَّى إصلاحَه.
وقَولُه: "وألجَأتُ ظَهري إليك" أي: أسنَدتُه إليك لتُقَوِّيَه وتُعينَه على ما يَنفعُني؛ لأنَّ مَنِ استَنَدَ إلى شَيءٍ تَقوَّى به واستَعانَ) .
وقال النَّوويُّ: (قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "اللَّهُمَّ إنِّي أسلَمتُ وَجهي إليك" ، وفي الرِّوايةِ الأُخرى: "أسلَمتُ نَفسي إليك" ، أي: استَسلَمتُ وجَعَلتُ نَفسي مُنقادةً لك، طائِعةً لحُكمِك. قال العُلَماءُ: الوَجهُ والنَّفسُ هنا بمَعنى الذَّاتِ كُلِّها، يُقالُ: سَلَّمَ وأسلمَ واستَسلمَ: بمَعنًى. ومَعنى: "ألجَأتُ ظَهري إليك" أي: تَوكَّلتُ عليك واعتَمَدتُك في أمرى كُلِّه، كما يَعتَمِدُ الإنسانُ بظَهرِه إلى ما يُسنِدُه) .
2- عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يَقولُ: ((اللَّهُمَّ لك أسلمَتُ، وبك آمَنتُ، وعليك تَوكَّلتُ، وإليك أنَبْتُ، وبك خاصَمتُ، اللهُمَّ إنِّي أعوذُ بعِزَّتِك، لا إلهَ إلَّا أنتَ، أن تُضِلَّني، أنتَ الحَيُّ الذي لا يَموتُ، والجِنُّ والإنسُ يَموتونَ)) .
مَعنى: ((أسلَمتُ)): استَسلَمتُ وانقَدتُ لأمرِك ونَهيِك .
2 409
قال ابنُ القَيِّمِ: (كان اللَّهُ سُبحانَه وتعالى في قَلبِ المَسيحِ عليه السَّلامُ أجَلَّ وأعظَمَ مِن أن يَحلِفَ به أحَدٌ كاذِبًا، فلَمَّا حَلَف لَه السَّارِقُ دارَ الأمرُ بَينَ تُهمَتِه وتُهمةِ بَصَرِه، فرَدَّ التُّهمةَ إلى بَصَرِه لمَّا اجتَهَدَ لَه في اليَمينِ باللهِ، كَما ظَنَّ آدَمُ عليه السَّلامُ صِدقَ إبليسَ لمَّا حَلَف لَه باللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقال: ما ظَنَنتُ أحَدًا يَحلِفُ باللهِ تعالى كاذِبًا) .
وقال أيضًا بَعدَ ذِكرِه بَعض ما قيلَ في شَرحِ الحَديثِ: (في الحَديثِ مَعنى ثالِثٌ، ولَعَلَّه أليَقُ به، وهو أنَّ المَسيحَ عليه السَّلامُ لعَظَمةِ وقارِ اللَّهِ في قَلبِه وجَلالِه ظَنَّ أنَّ هذا الحالِفَ بوحدانيَّةِ اللهِ تعالى صادِقٌ، فحَمَله إيمانُه باللهِ على تَصديقِه، وجَوَّز أن يَكونَ بَصَرُه قد كَذَبَه وأراه ما لم يَرَ، فقال: "آمَنتُ باللهِ، وكَذَّبتُ بَصري"، ولا رَيبَ أنَّ البَصَرَ يَعرِضُ لَه الغَلَطُ ورُؤيةُ بَعضِ الأشياءِ بخِلافِ ما هيَ عليه، ويُخَيِّلُ ما لا وُجودَ لَه في الخارِجِ، فإذا حَكَمَ عليه العَقلُ تَبَيَّنَ غَلَطُه، والمَسيحُ -صَلَواتُ اللهِ عليه وسَلامُه- حَكَّم إيمانَه على بَصَرِه، ونَسَب الغَلَطَ إليه. واللهُ أعلَمُ) .
فوائِدُ:
1- قال ابنُ تَيميَّةَ: (مَن اعتَقَد الوحدانيَّةَ في الألوهيَّةِ للهِ سُبحانَه وتعالى، والرِّسالةَ لعَبْدِه ورَسولِه، ثُمَّ لم يُتْبِعْ هذا الاعتِقادَ مُوجِبَه من الإجلالِ والإكرامِ -الذي هو حالٌ في القَلْبِ يظهَرُ أثَرُه على الجوارحِ- بل قارنه الاستِخفافُ والتَّسفيهُ والازدراءُ بالقَوْلِ أو بالفِعْلِ؛ كان وجودُ ذلك الاعتقادِ كعَدَمِه، وكان ذلك مُوجِبًا لفسادِ ذلك الاعتقادِ، ومُزيلًا لِما فيه من المنفعةِ والصَّلاحِ؛ إذِ الاعتقاداتُ الإيمانيَّةُ تزكِّي النُّفوسَ وتُصلِحُها، فمتى لم توجِبْ زكاةَ النَّفسِ ولا صلاحَها فما ذاك إلَّا لأنَّها لم ترسَخْ في القَلبِ، ولم تَصِرْ صفةً ونعتًا للنَّفسِ ولا صَلاحًا، وإذا لم يكُنْ عِلمُ الإيمانِ المفروضِ صِفةً لقلبِ الإنسانِ لازمةً له، لم ينفَعْه؛ فإِنَّه يكونُ بمنزلةِ حديثِ النَّفسِ وخواطِرِ القَلبِ، والنَّجاةُ لا تحصُلُ إلَّا بيقينٍ في القَلبِ، ولو أنَّه مِثقالُ ذرَّةٍ، هذا فيما بينَه وبينَ اللهِ، وأمَّا في الظَّاهِرِ فيُجري الأحكامَ على ما يُظهِرُه من القَولِ والفِعلِ) .
2- قال ابنُ القَيِّمِ مُبَيِّنًا أنَّ المَعاصيَ تُضعِفُ في القَلبِ تَعظيمَ المَرءِ لرَبِّه عَزَّ وجَلَّ: (مِن عُقوباتِ الذُّنوبِ: أنَّها تُضعِفُ في القَلبِ تَعظيمَ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُه، وتُضعِفُ وقارَه في قَلبِ العَبدِ ولا بُدَّ، شاءَ أم أبى، ولَو تَمَكَّنَ وقارُ اللَّهِ وعَظَمتُه في قَلبِ العَبدِ لَما تَجَرَّأ على مَعاصيه، ورُبَّما اغتَرَّ المُغتَرُّ، وقال: إنَّما يَحمِلُني على المَعاصي حُسنُ الرَّجاءِ، وطَمَعي في عَفوِه، لا ضَعفُ عَظمَتِه في قَلبي، وهذا مِن مُغالَطةِ النَّفسِ؛ فإنَّ عَظَمةَ اللهِ تعالى وجَلالَه في قَلبِ العَبدِ تَقتَضي تَعظيمَ حُرُماتِه، وتَعظيمُ حُرُماتِه يَحولُ بَينَه وبَينَ الذُّنوبِ، والمُتَجَرِّئونَ على مَعاصيه ما قدَروا اللَّهَ حَقَّ قَدرِه، وكَيف يَقدُرُه حَقَّ قَدرِه، أو يُعَظِّمُه ويُكَبِّرُه، ويَرجو وقارَه ويُجِلُّه مَن يَهونُ عليه أمرُه ونَهيُه؟! هذا مِن أمحَلِ المُحالِ، وأبَينِ الباطِلِ، وكَفى بالعاصي عُقوبةً أن يَضمَحِلَّ مِن قَلبِه تَعظيمُ اللَّهِ جَلَّ جَلالُه، وتَعظيمُ حُرُماتِه، ويَهونَ عليه حَقُّه) .
2 409
تَعظيمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وتَوقيرُه، وإجلالُه
يَجِبُ على العَبدِ أن يُعَظِّمَ رَبَّه ويوقِّرَه ويُجِلَّه .
الدَّليلُ على ذلك مِن الكِتابِ والسُّنَّةِ:
أ- مِنَ الكِتابِ:
1- قال تعالى: ورَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر: 3].
أي: وعَظِّمْ رَبَّك قَولًا -ومِن ذلك قَولُ: اللهُ أكبَرُ- واعتِقادًا، ومِن ذلك: عِبادَتُه وَحدَه، وتَنزيهُه عنِ النَّقائِصِ، ووصفُه بصِفاتِ الكَمالِ، ودَعوةُ النَّاسِ إلى تَوحيدِه وتَعظيمِه .
قال ابنُ عاشورٍ: (مَعنى ورَبَّكَ فكَبِّر: صِفْ رَبَّك بصِفاتِ التَّعظيمِ، وهذا يَشمَلُ تَنزيهَه عنِ النَّقائِصِ، فيَشمَلُ تَوحيدَه بالإلهيَّةِ، وتَنزيهَه عنِ الوَلَدِ، ويَشمَلُ وَصفَه بصِفاتِ الكَمالِ كُلِّها.
ومَعنى (كَبِّرْ): كَبِّرْه في اعتِقادِك، وكَبِّرْه بقَولِك تَسبيحًا وتَعليمًا، ويَشمَلُ هذا المَعنى أن يَقولَ: «اللَّهُ أكبَرُ»؛ لأنَّه إذا قال هذه الكَلِمةَ أفادَ وَصفَ اللهِ بأنَّه أكبَرُ مِن كُلِّ كَبيرٍ، أي: أجَلُّ وأنزَهُ مِن كُلِّ جَليلٍ؛ ولذلك جُعِلَت هذه الكَلِمةُ افتِتاحًا للصَّلاةِ) .
2- قال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر: 67].
وفي هذه الآيةِ أنَّه يَجِبُ أن يُعظَّمَ اللهُ تعالى حَقَّ تَعظيمِه .
3- قال تعالى على لسانِ نوحٍ عليه السَّلامُ: مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا [نوح: 13-14].
أي: قال نوحٌ لقَومِه مُعاتِبًا لهم على كُفرِهم: ما لكُم لا تُعَظِّمونَ اللَّهَ تعالى حَقَّ عَظَمَتِه؛ فتُوحِّدوه وتُطيعوه؟! وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا أي: كَيف تَترُكونَ تَعظيمَ اللَّهِ تعالى وإجلالَه، وقد جَعَل لكُم في أنفُسِكُم آيةً تَدُلُّ على تَوحيدِه، وتَحمِلُ على تَعظيمِه، وهيَ خَلقُه إيَّاكُم حالًا بَعدَ حالٍ، فكُنتُم نُطفةً، ثُمَّ عَلَقةً، ثُمَّ مُضغةً، إلى تَمامِ خَلقِكُم ؟!
ب- مِنَ السُّنَّةِ
1- عن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما، قال: ((كَشَف رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم السِّتارةَ والنَّاسُ صُفوفٌ خَلفَ أبي بَكرٍ، فقال: أيُّها النَّاسُ، إنَّه لَم يَبقَ مِن مُبَشِّراتِ النُّبوَّةِ إلَّا الرُّؤيا الصَّالحةُ، يَراها المُسلمُ أو تُرى له، ألَا وإنِّي نُهِيتُ أن أقرَأَ القُرآنَ راكِعًا أو ساجِدًا؛ فأمَّا الرُّكوعُ فعَظِّموا فيه الرَّبَّ عَزَّ وجَلَّ، وأمَّا السُّجودُ فاجتَهِدوا في الدُّعاءِ؛ فقَمِنٌ أن يُستَجابَ لَكُم)) .
2- عن أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ أيُّوبَ نَبيَّ اللهِ كان في بَلائِه ثَمانيَ عَشرةَ سَنةً، فرَفَضه القَريبُ والبَعيدُ إلَّا رَجُلانِ مِن إخوانِه كانا مِن أخَصِّ إخوانِه، كانا يَغدوانِ إليه ويَروحانِ إليه، فقال أحَدُهما لصاحِبِه: أتَعلَمُ، واللَّهِ لَقد أذنَبَ أيُّوبُ ذَنبًا ما أذَنَبه أحَدٌ! قال صاحِبُه: وما ذاكَ؟ قال: مُنذُ ثَماني عَشرةَ سَنةً لم يَرحَمْه اللهُ فيَكشِفَ عنه! فلَمَّا راحا إليه لم يَصبِرِ الرَّجُلُ حتَّى ذَكَر ذلك لَه، فقال أيُّوبُ: لا أدري ما يَقولُ، غَيرَ أنَّ اللَّهَ يَعلَمُ أنِّي كُنتُ أمُرُّ على الرَّجُلَينِ يَتَنازَعانِ فيَذكُرانِ اللَّهَ، فأرجِعُ إلى بَيتي فأُكَفِّرُ عنهما؛ كَراهيةَ أن يُذكَرَ اللَّهُ إلَّا في حَقٍّ.
قال: وكان يَخرُجُ إلى حاجَتِه، فإذا قَضى حاجَتَه أمسَكَتِ امرَأتُه بيَدِه حتَّى يَبلُغَ، فلَمَّا كان ذاتَ يَومٍ أبطَأ عليها، وأُوحيَ إلى أيُّوبَ في مَكانِه أنِ: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ [ص: 42] فاستَبطَأَته فلَقِيَته يَنتَظِرُ، وأقبَلَ عليها قد أذهَبَ اللَّهُ ما به مِنَ البَلاءِ، وهو على أحسَنِ ما كان، فلَمَّا رَأته قالت: أي بارَكَ اللَّهُ فيك، هَل رَأيتَ نَبيَّ اللهِ هذا المُبتَلى؟! وواللهِ على ذلك ما رَأيتُ أحَدًا أشبَهَ به مِنك إذ كان صحيحًا! قال: فإنِّي أنا هو، وكان لَه أندرانِ أندَرٌ للقَمحِ وأندَرٌ للشَّعيرِ، فبَعَثَ اللهُ سَحابَتَينِ، فلَمَّا كانت إحداهما على أندَرِ القَمحِ أفرَغَت فيه الذَّهَبَ حتَّى فاضَ، وأفرَغَتِ الأُخرى على أندَرِ الشَّعيرِ الوَرِقَ حتَّى فاضَ)) .
3- عن أبي هرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ((رَأى عيسى ابنُ مَريَمَ رَجُلًا يَسرِقُ، فقال لَه: أسَرَقتَ؟ قال: كَلَّا واللَّهِ الذي لا إلَهَ إلَّا هو، فقال عيسى: آمَنتُ باللهِ، وكَذَّبتُ عَيني)) .
2 409
وقال أيضًا: (قالوا: إنَّ للعُبوديَّةِ لَوازِمَ وأحكامًا وأسرارًا وكَمالاتٍ لا تَحصُلُ إلَّا بها، ومِن جُملَتِها تَكميلُ مَقامِ الذُّلِّ للعَزيزِ الرَّحيمِ؛ فإنَّ اللَّهَ سُبحانَه يُحِبُّ مِن عَبدِه أن يُكمِلَ مَقامَ الذُّلِّ لَه، وهذه هيَ حَقيقةُ العُبوديَّةِ، واشتِقاقُها يَدُلُّ على ذلك؛ فإنَّ العَرَبَ تَقولُ: طَريقٌ مُعَبَّدٌ، أي: مُذَلَّلٌ بوَطءِ الأقدامِ.
والذُّلُّ أنواعٌ: أكمَلُها ذُلُّ المُحِبِّ لمَحبوبِه، الثَّاني: ذُلُّ المَملوكِ لمالِكِه، الثَّالِثُ: ذُلُّ الجاني بَينَ يَدَيِ المُنعِمِ عليه المُحسِنِ إليه المالِكِ لَه، الرَّابِعُ: ذُلُّ العاجِزِ عن جَميعِ مَصالِحِه وحاجاتِه بَينَ يَدَيِ القادِرِ عليها، التي هيَ في يَدِه وبِأمرِه.
وتَحتَ هذا قِسمانِ؛ أحَدُهما: ذُلٌّ لَه في أن يَجلِبَ لَه ما يَنفعُه. والثَّاني: ذُلٌّ لَه في أن يَدفعَ عنه ما يَضُرُّه على الدَّوامِ. ويَدخُلُ في هذا ذُلُّ المَصائِبِ، كالفقرِ والمَرَضِ، وأنواعِ البَلاءِ والمِحَنِ.
فهذه خَمسةُ أنواعٍ مِنَ الذُّلِّ إذا وفَّاها العَبدُ حَقَّها، وشَهِدَها كَما يَنبَغي، وعَرَف ما يُرادُ به مِنه، وقامَ بَينَ يَدَي رَبِّه مُستَصحِبًا لَها، شاهدًا لذُلِّه مِن كُلِّ وَجهٍ، ولعِزَّةِ رَبِّه وعَظمَتِه وجَلالِه؛ كان قَليلُ أعمالِه قائِمًا مَقامَ الكَثيرِ مِن أعمالِ غَيرِه.
قالوا: وهذه أسرارٌ لا تُدرَكُ بمُجَرَّدِ الكَلامِ، فمَن لا نَصيبَ لَه مِنها فلا يَضُرُّه أن يُخَلِّيَ المَطيَّ وحاديَها، ويُعطيَ القَوسَ باريَها) .
5- قال ابنُ القَيِّمِ: (يُحكى عن بَعضِ العارِفينَ أنَّه قال: دَخَلتُ على اللهِ مِن أبوابِ الطَّاعاتِ كُلِّها، فما دَخَلتُ مِن بابٍ إلَّا رَأيتُ عليه الزِّحامَ، فلَم أتَمَكَّنْ مِنَ الدُّخولِ حتَّى جِئتُ بابَ الذُّلِّ والِافتِقارِ، فإذا هو أقرَبُ بابٍ إليه وأوسَعُه، ولا مُزاحِمَ فيه ولا مُعَوِّقَ، فما هو إلَّا أن وضَعتُ قدَمي في عَتَبتِه، فإذا هو سُبحانَه قد أخَذَ بيَدي وأدخَلَني عليه.
وكان شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَضِيَ اللهُ عنه يَقولُ: مَن أرادَ السَّعادةَ الأبَديَّةَ فليَلزَمْ عَتَبةَ العُبوديَّةِ.
وقال بَعضُ العارِفينَ: لا طَريقَ أقرَبُ إلى اللهِ مِنَ العُبوديَّةِ، ولا حِجابَ أغلَظُ مِنَ الدَّعوى، ولا يَنفعُ مَعَ الإعجابِ والكِبرِ عَمَلٌ واجتِهادٌ، ولا يَضُرُّ مَعَ الذُّلِّ والِافتِقارِ بَطالةٌ. يَعني: بَعدَ فِعلِ الفرائِضِ.
والقَصدُ: أنَّ هذه الذِّلَّةَ والكَسرةَ الخاصَّةَ تُدخِلُه على اللهِ، وتَرميه على طَريقِ المَحَبَّةِ، فيُفتَحُ لَه مِنها بابٌ لا يُفتَحُ لَه مِن غَيرِ هذه الطَّريقِ، وإن كانت طُرُقُ سائِرِ الأعمالِ والطَّاعاتِ تَفتَحُ للعَبدِ أبوابًا مِنَ المَحَبَّةِ، لَكِنَّ الذي يُفتَحُ مِنها مِن طَريقِ الذُّلِّ والِانكِسارِ والِافتِقارِ، وازدِراءِ النَّفسِ ورُؤيَتها بعَينِ الضَّعفِ والعَجزِ والعَيبِ والنَّقصِ والذَّمِّ، بحَيثُ يُشاهِدُها ضَيعةً وعَجزًا، وتَفريطًا وذَنبًا وخَطيئةً: نَوعٌ آخَرُ وفَتحٌ آخَرُ، والسَّالِكُ بهذه الطَّريقِ غَريبٌ في النَّاسِ، وهم في وادٍ وهو في وادٍ، وهيَ تُسَمَّى طَريقَ الطَّيرِ، يَسبِقُ النَّائِمُ فيها على فِراشِه السُّعاةَ، فيُصبِحُ وقد قَطَعَ الطَّريقَ، وسَبَق الرَّكبَ، بَينا هو يُحَدِّثُك إذا به قد سَبَقَ الطَّرفَ وفاتَ السُّعاةَ! فاللَّهُ المُستَعانُ، وهو خَيرُ الغافِرينَ) .
2 409
وهما الكَلِمَتانِ المَقسومَتانِ بَينَ الرَّبِّ وبَينَ عَبدِه نِصفَينِ ؛ فنِصفُهما لَه تعالى، وهو إِيَّاكَ نَعبُدُ، ونِصفُهما لعَبدِه، وهو وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5].
والعبادةُ تجمَعُ أصلَينِ: غايةَ الحُبِّ بغايةِ الذُّلِّ والخُضوعِ، والعَرَبُ تقولُ: طَريقٌ مُعَبَّدٌ، أي: مُذَلَّلٌ، والتَّعَبُّدُ: التَّذَلُّلُ والخُضوعُ، فمن أحبَبتَه ولم تكنْ خاضِعًا له لم تكُنْ عابِدًا له، ومن خضَعتَ له بلا مَحَبَّةٍ لم تكُنْ عابدًا له، حتَّى تكونَ محِبًّا خاضِعًا، ومِن هاهنا كان المُنكِرونَ مَحَبَّةَ العِبادِ لرَبِّهم مُنكِرينَ حَقيقةَ العُبوديَّةِ، والمُنكِرونَ لكَونِه مَحبوبًا لَهم -بَل هو غايةُ مَطلوبِهم، ووَجهُه الأعلى نِهايةُ بُغيَتِهم- مُنكِرينَ لكَونِه إلَهًا، وإن أقَرُّوا بكَونِه رَبًّا للعالَمينَ وخالِقًا لَهم؛ فهذا غايةُ تَوحيدِهم، وهو تَوحيدُ الرُّبوبيَّةِ الذي اعتَرَف به مُشرِكو العَرَبِ، ولَم يَخرُجوا به عنِ الشِّركِ، كما قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: 87]، وقال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان: 25]، قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون: 84 - 89]؛ ولهذا يَحتَجُّ عليهم به على تَوحيدِ إلَهيَّتِه، وأنَّه لا يَنبَغي أن يُعبَدَ غَيرُه، كَما أنَّه لا خالِقَ غَيرُه، ولا رَبَّ سِواه) .
3- قال ابنُ القَيِّمِ: (تَمامُ العُبوديَّةِ هو بتَكميلِ مَقامِ الذُّلِّ والِانقيادِ، وأكمَلُ الخَلقِ عُبوديَّةً أكمَلُهم ذُلًّا للهِ وانقيادًا وطاعةً، والعَبدُ ذَليلٌ لمَولاه الحَقِّ بكُلِّ وجهٍ مِن وُجوهِ الذُّلِّ؛ فهو ذَليلٌ لعِزِّه، وذَليلٌ لقَهرِه، وذَليلٌ لرُبوبيَّتِه وتَصَرُّفِه فيه، وذَليلٌ لإحسانِه إليه وإنعامِه عليه؛ فإنَّ مَن أحسَنَ إليك فقدِ استَعبَدَك وصارَ قَلبُك مَعبَّدًا له، وذَليلًا لغِناه؛ لحاجَتِه إليه على مَدى الأنفاسِ في جَلبِ كُلِّ ما يَنفَعُه، ودَفعِ كُلِّ ما يَضُرُّه.
وبَقيَ نَوعانِ مِن أنواعِ التَّذَلُّلِ والتَّعَبُّدِ، لَهما أثَرٌ عَجيبٌ، ويَقتَضيانِ مِن صاحِبِهما مِنَ الطَّاعةِ والفوزِ ما لا يَقتَضيه غَيرُهما:
أحَدُهما: ذُلُّ المَحَبَّةِ، وهذا نَوعٌ آخَرُ غَيرُ ما تَقدَّم، وهو خاصَّةُ المَحَبَّةِ ولُبُّها، بَل روحُها وقِوامُها وحَقيقَتُها، وهو المُرادُ على الحَقيقةِ مِنَ العَبدِ لَو فَطِنَ، وهذا يَستَخرِجُ مِن قَلبِ المُحِبِّ مِن أنواعِ التَّقَرُّبِ والتَّودُّدِ والتَّمَلُّقِ والإيثارِ والرِّضا والحَمدِ والشُّكرِ والصَّبرِ والتَّقدُّمِ، وتَحمُّلِ العَظائِم ما لا يَستَخرِجُه الخَوفُ وَحدَه، ولا الرَّجاءُ وَحدَه، كما قال بَعضُ الصَّحابةِ: "إنَّه ليَستَخرِجُ مَحَبَّتُه مِن قَلبي مِن طاعَتِه ما لا يَستَخرِجُه خَوفُه"، أو كَما قال. فهذا ذُلُّ المُحِبِّينَ.
الثَّاني: ذُلُّ المَعصيةِ) .
4- قال ابنُ القَيِّمِ: (ذُلُّ العُبوديَّةِ أربَعُ مَراتِبَ:
المَرتَبةُ الأولى: مُشتَركةٌ بَينَ الخَلقِ، وهي ذُلُّ الحاجةِ والفَقرِ إلى اللهِ؛ فأهلُ السَّمَواتِ والأرضِ جَميعًا محتاجونَ إليه، فُقَراءُ إليه، وهو وَحدَه الغَنيُّ عنهم، وكُلُّ أهلِ السَّمَواتِ والأرضِ يَسألونَه، وهو لا يَسأَلُ أحَدًا.
المَرتَبةُ الثَّانيةُ: ذُلُّ الطَّاعةِ والعُبوديَّةِ، وهو ذُلُّ الاختيارِ، وهذا خاصٌّ بأهلِ طاعتِه، وهو سِرُّ العُبوديَّةِ.
المَرتَبةُ الثَّالِثةُ: ذُلُّ المحبَّةِ؛ فإنَّ المحِبَّ ذَليلٌ بالذَّاتِ، وعلى قَدرِ محَبَّتِه له يكونُ ذُلُّه؛ فالمَحَبَّةُ أُسِّسَت على الذِّلَّةِ للمَحبوبِ، كما قيلَ:
اخضَعْ وذِلَّ لمَن تُحِبُّ فلَيسَ في
حُكمِ الهَوى أنفٌ يُشالُ ويُعقَدُ
وقال آخَرُ:
مَساكينُ أهلُ الحُبِّ حتَّى قُبورُهم
عليها تُرابُ الذُّلِّ بَينَ المَقابِرِ
المَرتَبةُ الرَّابِعةُ: ذُلُّ المَعصيةِ والجِنايةِ.
فإذا اجتَمَعَت هذه المراتِبُ الأربَعُ كان الذُّلُّ للهِ والخُضوعُ له أكمَلَ وأتَمَّ؛ إذ يَذِلُّ له خوفًا وخَشيةً، ومحَبَّةً وإنابةً، وطاعةً وفَقرًا وفاقةً) .
2 409
التَّذَلُّلُ والخُضوعُ للهِ تعالى
مِنَ الأدَبِ مَعَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: التَّذَلُّلُ لَه والخُضوعُ والِاستِكانةُ .
الدَّليلُ على ذلك مِنَ الكِتابِ:
1- قال تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف: 55].
قال الطَّبَريُّ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه: ادْعُوا أيُّها النَّاسُ رَبَّكُمْ وَحْدَه، فأخلِصوا له الدُّعاءَ دُونَ ما تَدْعُونَ مِن دُونِه مِنَ الآلِهةِ والأصنامِ، تَضَرُّعًا يقولُ: تذَلُّلًا واسِتكانةً لطاعتِه، وَخُفْيَةً يقولُ: بخُشوعِ قُلوبِكم وصِحَّةِ اليَقينِ منكم بوَحدانيَّتِه فيما بينكم وبينه، لا جِهارًا مُراءاةً وقلوبُكم غيرُ مُوقِنةٍ بوَحدانيَّتِه ورُبوبِيَّته، فِعلَ أهلِ النِّفاقِ والخِداعِ للهِ ولرَسولِه... عنِ الحَسَنِ، قال: "إن كان الرَّجُلُ لَقد جَمَع القُرآنَ وما يَشعُرُ جارُه، وإن كان الرَّجُلُ لَقد فَقِهَ الفِقهَ الكَثيرَ وما يَشعُرُ به النَّاسُ، وإن كان الرَّجُلُ ليُصَلِّي الصَّلاةَ الطَّويلةَ في بَيتِه وعِندَه الزُّوَّارُ وما يَشعُرونَ به. ولَقد أدرَكنا أقوامًا ما كان على الأرضِ مِن عَمَلٍ يَقدِرونَ على أن يَعمَلوه في السِّرِّ فيَكونُ عَلانيةً أبَدًا. ولَقد كان المُسلِمونَ يَجتَهدونَ في الدُّعاءِ وما يُسمَعُ لَهم صَوتٌ، إن كان إلَّا هَمسًا بَينَهم وبَينَ رَبِّهم؛ وذلك أنَّ اللَّهَ يَقولُ: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف: 55]؛ وذلك أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ عبدًا صالِحًا، فرَضيَ فِعلَه، فقال: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا [مريم: 3]) .
وقال السمعاني: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا أي: ضارِعينَ مُتَذَلِّلينَ خاشِعينَ، وَخُفْيَةً أي: سِرًّا) .
2- قال تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ * إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف: 205-206].
3- قال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء: 90].
فَوائِدُ:
1- قال ابنُ تَيميَّةَ: (العَبدُ كُلَّما كان أذَلَّ للهِ وأعظَمَ افتِقارًا إليه وخُضوعًا له، كان أقرَبَ إليه، وأعَزَّ لَه، وأعظَمَ لقَدرِه؛ فأسعَدُ الخَلقِ أعظَمُهم عُبوديَّةً للَّهِ، وأمَّا المَخلوقُ فكَما قيلَ: احتَجْ إلى مَن شِئتَ تَكُنْ أسيرَه، واستَغنِ عَمَّن شِئتَ تَكُنْ نَظيرَه، وأحسِنْ إلى مَن شِئتَ تَكُنْ أميرَه.
فأعظَمُ ما يَكونُ العَبدُ قَدرًا وحُرمةً عِندَ الخَلقِ إذا لم يَحتَجْ إليهم بوجهٍ مِنَ الوُجوهِ، فإن أحسَنتَ إليهم مَعَ الِاستِغناءِ عنهم كُنتَ أعظَمَ ما يَكونُ عِندَهم، ومَتى احتَجتَ إليهم -ولَو في شَربةِ ماءٍ- نَقَصَ قدرُك عِندَهم بقدَرِ حاجَتِك إليهم! وهذا مِن حِكمةِ اللهِ ورَحمَتِه؛ ليَكونَ الدِّينُ كُلُّه للَّهِ، ولا يُشرَكَ به شَيءٌ؛ ولهذا قال حاتِمٌ الأصَمُّ لمَّا سُئِلَ: فيمَ السَّلامةُ مِنَ النَّاسِ؟ قال: أن يَكونَ شَيئُك لَهم مَبذولًا، وتَكونَ مِن شَيئِهم آيِسًا. لَكِنْ إن كُنتَ مُعَوِّضًا لَهم عن ذلك وكانوا مُحتاجينَ، فإن تَعادَلَتِ الحاجتانِ تَساويتُم، كالمُتَبايِعَينِ لَيسَ لأحَدِهما فضلٌ على الآخَرِ، وإن كانوا إليك أحوجَ خَضَعوا لك.
فالرَّبُّ سُبحانَه أكرَمُ ما تَكونُ عليه أحوجُ ما تَكونُ إليه، وأفقَرُ ما تَكونُ إليه. والخَلقُ أهونُ ما يَكونُ عليهم أحوجُ ما يَكونُ إليهم...
وسَعادةُ العَبدِ في كَمالِ افتِقارِه إلى رَبِّه واحتياجِه إليه، أي: في أن يَشهَدَ ذلك ويَعرِفَه، ويَتَّصِفَ مَعَه بموجِبِ ذلك مِنَ الذُّلِّ والخُضوعِ والخُشوعِ، وإلَّا فالخَلقُ كُلُّهم مُحتاجونَ، لَكِن يَظنُّ أحَدُهم نَوعَ استِغناءٍ فيَطغى، كَما قال تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: 6-7]، وقال: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ [فصلت: 51]، وفي الآية الأخرى: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا [الإسراء: 83]) .
2- قال ابنُ القَيِّمِ: (سِرُّ الخَلقِ والأمرِ، والكُتُبِ والشَّرائِعِ، والثَّوابِ والعِقابِ: انتَهى إلى هاتَينِ الكَلِمَتَينِ، وعليهما مَدارُ العُبوديَّةِ والتَّوحيدِ، حتَّى قيلَ: أنزَل اللَّهُ مِائةَ كِتابٍ وأربَعةَ كُتُبٍ، جَمع مَعانيَها في التَّوراةِ والإنجيلِ والقُرآنِ، وجَمَعَ مَعانيَ هذه الكُتُبِ الثَّلاثةِ في القُرآنِ، وجَمع مَعانيَ القُرآنِ في المُفَصَّلِ، وجَمَع مَعانيَ المُفَصَّلِ في الفاتِحةِ، ومَعانيَ الفاتِحةِ في إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعينُ [الفاتحة: 5].
