es
Feedback

¡No caigas en manos de tramposos! Telemetrio encuentra y marca estos canales 👉 Si quieres ver la etiqueta, suscríbete

قناة الشيخ وحيد بالي

قناة الشيخ وحيد بالي

Ir al canal en Telegram

📈 Análisis del canal de Telegram قناة الشيخ وحيد بالي

El canal قناة الشيخ وحيد بالي (@wahidbaly) en el segmento lingüístico de Árabe es un actor destacado. Actualmente la comunidad reúne a 32 420 suscriptores, ocupando la posición 2 118 en la categoría Religión y espiritualidad y el puesto 1 997 en la región Arabia Saudí.

📊 Métricas de audiencia y dinámica

Desde su creación el невідомо, el proyecto ha mostrado un crecimiento acelerado, reuniendo a 32 420 suscriptores.

Según los últimos datos del 18 octubre, 2026, el canal mantiene una actividad estable. En los últimos 30 días la variación de miembros fue de 73, y en las últimas 24 horas de -6, conservando un alto alcance.

  • Estado de verificación: No verificado
  • Tasa de interacción (ER): El promedio de interacción de la audiencia es 9.33%. Durante las primeras 24 horas tras publicar, el contenido suele obtener 3.11% de reacciones respecto al total de suscriptores.
  • Alcance de las publicaciones: Cada publicación recibe en promedio 3 025 visualizaciones. En el primer día suele acumular 1 007 visualizaciones.
  • Reacciones e interacción: La audiencia responde de forma activa: el promedio de reacciones por publicación es 0.

📝 Descripción y política de contenido

No se ha proporcionado la descripción del canal.

Gracias a la alta frecuencia de actualizaciones (últimos datos recibidos el 19 octubre, 2026), el canal mantiene la vigencia y un amplio alcance. La analítica demuestra que la audiencia interactúa activamente con el contenido, lo que lo convierte en un punto de referencia dentro de la categoría Religión y espiritualidad.

32 420
Suscriptores
-624 horas
-247 días
+7330 días
Archivo de publicaciones
+1
record.ogg8.67 MB

خطبة الجمعة القادمة

‏مستند من احمد سلام

فَأَصْلِحُوا أَخْلَاقَكُمْ، وَهَذِّبُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَارْفَعُوا عَنْ طُرُقَاتِكُمْ الْأَذَى، وَأَحْسِنُوا إِلَى جِيرَانِكُمْ، وَرَبُّوا أَوْلَادَكُمْ عَلَى الِاحْتِرَامِ وَالرَّحْمَةِ، وَاجْعَلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ مَنَابِعَ لِلْأَدَبِ، وَمِنْ أَعْمَالِكُمْ شَوَاهِدَ عَلَى صِدْقِ إِيمَانِكُمْ. ### الدُّعَاءُ اللَّهُمَّ اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ. اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ، غَيْرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ. اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الْكِبْرِ وَالْحَسَدِ، وَأَلْسِنَتَنَا مِنَ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَأَعْيُنَنَا مِنَ الْخِيَانَةِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَكُفُّونَ أَذَاهُمْ عَنِ النَّاسِ، وَيَحْفَظُونَ حُقُوقَهُمْ، وَيُحْسِنُونَ إِلَى جِيرَانِهِمْ، وَيَرْحَمُونَ ضُعَفَاءَهُمْ، وَيُوَقِّرُونَ كِبَارَهُمْ، وَيُحْسِنُونَ تَرْبِيَةَ أَبْنَائِهِمْ. اللَّهُمَّ أَصْلِحْ شَبَابَنَا وَنِسَاءَنَا وَرِجَالَنَا، وَأَصْلِحْ بُيُوتَنَا وَمَدَارِسَنَا وَمَسَاجِدَنَا وَشَوَارِعَنَا، وَاجْعَلْ بِلَادَنَا بِلَادَ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ، وَسَكِينَةٍ وَاحْتِرَامٍ، وَمَوَدَّةٍ وَرَحْمَةٍ. اللَّهُمَّ مَنْ أَسَاءَ مِنَّا فَاهْدِهِ، وَمَنْ أَخْطَأَ فَوَفِّقْهُ لِلتَّوْبَةِ وَالْإِصْلَاحِ، وَمَنْ ظَلَمَ فَوَفِّقْهُ لِرَدِّ الْمَظَالِمِ، وَمَنْ كَانَ مِنَّا مُحْسِنًا فَزِدْهُ إِحْسَانًا وَثَبِّتْهُ عَلَى الْحَقِّ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ إِذَا تَكَلَّمُوا أَحْسَنُوا، وَإِذَا عَامَلُوا أَنْصَفُوا، وَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا، وَإِذَا أُسِيءَ إِلَيْهِمْ صَبَرُوا، وَإِذَا رَأَوْا خَيْرًا أَعَانُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا رَأَوْا شَرًّا سَعَوْا فِي إِصْلَاحِهِ بِالْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. عِبَادَ اللَّهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ \[النَّحْلِ: ٩٠\]. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

وَمِنْ صُوَرِ الذَّوْقِ وَالْمُرُوءَةِ أَنْ تَحْتَرِمَ الْعَامِلَ وَتُعْطِيَهُ حَقَّهُ، وَأَنْ تَلْتَزِمَ بِالْوَعْدِ وَالْمَوْعِدِ، وَأَنْ تَحْفَظَ أَمَانَةَ مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَأَنْ تَكُفَّ عَنْ مُضَايَقَةِ النَّاسِ فِي مَصَالِحِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ. وَاعْلَمُوا أَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ لَهَا شَأْنٌ عَظِيمٌ، وَأَنَّ مَنْ ظَلَمَ إِنْسَانًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْعَى فِي رَدِّ الْحَقِّ وَالتَّوْبَةِ مِنَ الظُّلْمِ، وَأَنَّ الْمَظْلَمَةَ لَا تَزُولُ بِمُجَرَّدِ كَلِمَةٍ جَمِيلَةٍ مَا لَمْ يُرَدَّ الْحَقُّ إِلَى صَاحِبِهِ حَيْثُ يَكُونُ رَدُّهُ مُمْكِنًا وَاجِبًا. ### الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: لِنَجْعَلْ بُيُوتَنَا مَدَارِسَ لِلْأَدَبِ وَالْجَمَالِ أَيُّهَا الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ! إِنَّ أَوَّلَ مَكَانٍ يَتَعَلَّمُ فِيهِ الْإِنْسَانُ الذَّوْقَ الْعَامَّ هُوَ بَيْتُهُ؛ فَإِنْ رَأَى فِي بَيْتِهِ احْتِرَامًا تَعَلَّمَ الِاحْتِرَامَ، وَإِنْ سَمِعَ كَلِمَاتٍ طَيِّبَةً تَعَلَّمَ طِيبَ الْكَلَامِ، وَإِنْ رَأَى أَبَوَيْهِ يُحَافِظَانِ عَلَى النَّظَافَةِ وَالنِّظَامِ وَحُقُوقِ الْآخَرِينَ، نَشَأَ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَجْهُ الدَّلَالَةِ: يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الرِّفْقَ زِينَةٌ لِلْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَأَنَّ الْعُنْفَ وَالْفَظَاظَةَ يُفْسِدَانِ الْمُعَامَلَاتِ. وَمِنْ أَوْلَى النَّاسِ بِالرِّفْقِ أَهْلُ الْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْنَا وَأَحَقُّهُمْ بِحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ. فَلَا يَكُنِ الْأَبُ فَظًّا فِي تَوْجِيهِ أَوْلَادِهِ، وَلَا تَكُنِ الْأُمُّ قَاسِيَةً فِي عِتَابِهِمْ، وَلَا يَكُنِ الْأَوْلَادُ مُتَجَاوِزِينَ فِي حَقِّ وَالِدَيْهِمْ؛ بَلْ لِيَتَعَلَّمِ الْجَمِيعُ أَنَّ الْبَيْتَ الَّذِي يَسُودُهُ الْأَدَبُ تَسْهُلُ فِيهِ الْمَشَاكِلُ، وَيَسْهُلُ فِيهِ الِاعْتِذَارُ وَالْمُصَالَحَةُ، وَتَكْبُرُ فِيهِ الْمَحَبَّةُ. وَمِنَ التَّرْبِيَةِ الْعَمَلِيَّةِ أَنْ نُعَلِّمَ أَبْنَاءَنَا أَلَّا يَرْمُوا الْقُمَامَةَ فِي الشَّارِعِ، وَأَلَّا يَسْخَرُوا مِنْ زُمَلَائِهِمْ، وَأَلَّا يَعْتَدُوا عَلَى حُقُوقِ غَيْرِهِمْ، وَأَنْ يَعْتَذِرُوا عِنْدَ الْخَطَإِ، وَأَنْ يَشْكُرُوا مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ. وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ تَرْبِيَةَ جِيلٍ مُهَذَّبٍ أَعْظَمُ مِنْ تَعْلِيمِهِ كَلِمَاتٍ يَحْفَظُهَا ثُمَّ يَنْسَاهَا؛ فَالْقُدْوَةُ أَبْلَغُ مِنَ الْمَوْعِظَةِ، وَالْمُمَارَسَةُ أَرْسَخُ مِنَ الْمَعْلُومَةِ، وَالْحُبُّ مَعَ الْحَزْمِ أَنْفَعُ مِنَ الْإِهَانَةِ وَالْقَسْوَةِ. ### الْخَاتِمَةُ الْجَامِعَةُ وَالْمَوْعِظَةُ يَا عِبَادَ اللَّهِ! إِنَّ الْأَخْلَاقَ الْجَمِيلَةَ لَيْسَتْ زِينَةً زَائِدَةً فِي حَيَاةِ الْمُسْلِمِ، بَلْ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُجَمِّلُ إِيمَانَهُ، وَيَرْفَعُ قَدْرَهُ، وَيَجْعَلُهُ مَحْبُوبًا بَيْنَ النَّاسِ. فَكُنْ صَاحِبَ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، وَلَا تَكُنْ صَاحِبَ لِسَانٍ جَارِحٍ. وَكُنْ سَبَبًا فِي نَظَافَةِ الْمَكَانِ، وَلَا تَكُنْ سَبَبًا فِي اتِّسَاخِهِ. وَكُنْ جَارًا يَأْمَنُ النَّاسُ أَذَاهُ، وَلَا تَكُنْ مَصْدَرَ ضَجِيجٍ وَقَلَقٍ. وَكُنْ مُحْتَرِمًا لِلْخُصُوصِيَّةِ، وَلَا تَكُنْ سَبَبًا فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ وَانْتِهَاكِ الْكَرَامَاتِ. وَكُنْ مُنْصِفًا فِي خِلَافِكَ، رَحِيمًا فِي نَصِيحَتِكَ، مُتَوَاضِعًا فِي مَظْهَرِكَ، كَرِيمًا فِي مُعَامَلَتِكَ. وَتَذَكَّرْ أَنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ أَنْ تُصْلِحَ النَّاسَ جَمِيعًا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنَّكَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَبْدَأَ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ؛ فَتُصْلِحَ كَلِمَةً، وَتَتْرُكَ أَذًى، وَتَرُدَّ حَقًّا، وَتَعْتَذِرَ عَنْ خَطَإٍ، وَتُعَلِّمَ ابْنًا أَدَبًا، وَتُدْخِلَ سُرُورًا عَلَى قَلْبِ إِنْسَانٍ. فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ، كُنْتَ قَدْ وَضَعْتَ لَبِنَةً فِي بِنَاءِ مُجْتَمَعٍ أَرْقَى وَأَجْمَلَ. وَاعْلَمُوا أَنَّ أَجْمَلَ مَا يَتْرُكُهُ الْإِنْسَانُ بَعْدَ رَحِيلِهِ لَيْسَ الْمَالَ وَحْدَهُ، وَلَا الْمَنْصِبَ وَحْدَهُ، بَلْ ذِكْرٌ طَيِّبٌ فِي أَلْسِنَةِ النَّاسِ، وَأَثَرٌ حَسَنٌ فِي حَيَاتِهِمْ، وَقُلُوبٌ تَدْعُو لَهُ بِالْخَيْرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ رَحِيمًا، وَكَانَ مُهَذَّبًا، وَكَانَ يَكُفُّ أَذَاهُ، وَيَحْفَظُ حُقُوقَ غَيْرِهِ.

فِي طَرِيقِكَ، أَفْسِحْ لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الْمُرُورِ. وَفِي مَرْكَزِ الْخِدْمَةِ، احْتَرِمْ الدَّوْرَ. وَفِي الْمَسْجِدِ، لَا تُضَيِّقْ عَلَى الْمُصَلِّينَ. وَفِي الْمُسْتَشْفَى، رَاعِ أَلَمَ الْمَرْضَى. وَفِي الْمَجْلِسِ، أَحْسِنِ الِاسْتِمَاعَ وَلَا تَقْطَعْ حَدِيثَ غَيْرِكَ بِغَيْرِ حَاجَةٍ. إِنَّكَ حِينَ تُفْسِحُ لِإِنْسَانٍ، أَوْ تُعِينُ عَاجِزًا، أَوْ تُرْشِدُ تَائِهًا، أَوْ تَحْتَرِمُ صَفًّا، أَوْ تَتَنَازَلُ عَنْ شَيْءٍ يَسِيرٍ لِتُيَسِّرَ عَلَى غَيْرِكَ، فَإِنَّكَ تَبْنِي فِي الْمُجْتَمَعِ مَعْنًى عَظِيمًا: أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعِيشُ لِنَفْسِهِ وَحْدَهَا. ### الْعُنْصُرُ الثَّانِي: لَا تَحْتَقِرْ صَغَائِرَ الْأَدَبِ؛ فَبِهَا تُبْنَى الْأَخْلَاقُ الْكَبِيرَةُ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ! إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ الْأَخْلَاقَ الْعَظِيمَةَ تَظْهَرُ فَقَطْ فِي الْمَوَاقِفِ الْكُبْرَى، وَأَنَّ التَّفَاصِيلَ الصَّغِيرَةَ لَا قِيمَةَ لَهَا؛ وَلَكِنَّ الْحَقِيقَةَ أَنَّ الْأَخْلَاقَ تُبْنَى مِنْ تَفَاصِيلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ: مِنْ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، وَمِنِ اعْتِذَارٍ عِنْدَ الْخَطَإِ، وَمِنِ احْتِرَامِ مَوْعِدٍ، وَمِنْ إِمَاطَةِ أَذًى، وَمِنْ تَرْكِ التَّدَخُّلِ فِيمَا لَا يَعْنِي الْإِنْسَانَ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ». رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ طُرُقٍ، وَمِنْ أَشْهَرِ أَلْفَاظِهِ رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيِّ فِي «السُّنَنِ الْكُبْرَى» وَ«شُعَبِ الْإِيمَانِ»، وَقَدْ تَكَلَّمَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَسَانِيدِ أَلْفَاظِهِ؛ وَيَكْفِي فِي أَصْلِ الْمَعْنَى مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ فَضْلِ حُسْنِ الْخُلُقِ. وَجْهُ الدَّلَالَةِ: يُبَيِّنُ الْمَعْنَى أَنَّ تَهْذِيبَ الْأَخْلَاقِ مِنْ مَقَاصِدِ الرِّسَالَةِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمَ مَدْعُوٌّ إِلَى تَحْسِينِ تَصَرُّفَاتِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ، لَا فِي الْمَوَاقِفِ الْكَبِيرَةِ وَحْدَهَا، بَلْ فِي تَفَاصِيلِ حَيَاتِهِ كُلِّهَا. فَلْنَتَعَوَّدْ أَنْ نَسْتَأْذِنَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَأَنْ نَشْكُرَ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا، وَأَنْ نَعْتَذِرَ إِذَا أَخْطَأْنَا، وَأَنْ نَحْتَرِمَ الْمَوَاعِيدَ، وَأَنْ نُرَاعِيَ دَوْرَ غَيْرِنَا، وَأَنْ نَكُفَّ أَلْسِنَتَنَا عَنِ السُّخْرِيَةِ وَالتَّجْرِيحِ. وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ لَا يَعْنِي الْخُلُوَّ مِنَ الْخَطَإِ، فَكُلُّ بَنِي آدَمَ يُخْطِئُونَ؛ وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمُهَذَّبَ يَعْتَرِفُ بِخَطَئِهِ، وَيَسْعَى فِي إِصْلَاحِهِ، وَلَا يَتَكَبَّرُ عَنِ الِاعْتِذَارِ. وَمِنْ جَمَالِ الْأَخْلَاقِ أَنْ تَقُولَ: «أَخْطَأْتُ، وَأَعْتَذِرُ»، وَأَنْ تَقُولَ: «شُكْرًا لَكَ»، وَأَنْ تَقُولَ: «تَفَضَّلْ»، وَأَنْ تَقُولَ: «سَامَحَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكَ»؛ فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ ضَعْفًا، بَلْ هِيَ عُنْوَانُ نُبْلٍ وَتَوَاضُعٍ وَرُقِيٍّ. ### الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: الذَّوْقُ الْعَامُّ مِنْ حِفْظِ الْحُقُوقِ وَصِيَانَةِ الْكَرَامَةِ عِبَادَ اللَّهِ! إِنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ لَيْسَ أَنْ تَبْتَسِمَ فِي وُجُوهِ النَّاسِ فَقَطْ، بَلْ أَنْ تَحْفَظَ حُقُوقَهُمْ أَيْضًا؛ فَلَا تَأْكُلَ مَالًا بِالْبَاطِلِ، وَلَا تَغْشَّ فِي بَيْعٍ، وَلَا تَحْرِمْ عَامِلًا أَجْرَهُ، وَلَا تَسْتَغِلَّ حَاجَةَ ضَعِيفٍ، وَلَا تَتَعَدَّ عَلَى مَا هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّاسِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ \[هُودٍ: ٨٥\]. وَجْهُ الدَّلَالَةِ: نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ بَخْسِ النَّاسِ حُقُوقَهُمْ وَالْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ الْغِشُّ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَالِاسْتِهَانَةُ بِحُقُوقِ الْآخَرِينَ، وَالتَّعَدِّي عَلَى مَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ. فَلَا يَكُونُ الذَّوْقُ الْعَامُّ حَقِيقِيًّا إِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ لَطِيفَ الْكَلَامِ، سَيِّئَ الْمُعَامَلَةِ؛ وَلَا إِذَا كَانَ مُهَذَّبَ الْمَظْهَرِ، يَأْكُلُ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ؛ وَلَا إِذَا كَانَ يُحْسِنُ التَّحِيَّةَ، ثُمَّ يُخْلِفُ الْوَعْدَ وَيُضَيِّعُ الْأَمَانَةَ. إِنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ يَجِبُ أَنْ يَظْهَرَ فِي السُّوقِ كَمَا يَظْهَرُ فِي الْمَسْجِدِ، وَفِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ كَمَا يَظْهَرُ فِي الْمَجَالِسِ، وَفِي الْخُصُومَاتِ كَمَا يَظْهَرُ فِي أَوْقَاتِ الرِّضَا.

إِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَنْسَى كَلِمَةً قَالَهَا، وَلَكِنَّ مَنْ جُرِحَ بِهَا قَدْ لَا يَنْسَاهَا. وَقَدْ يَنْسَى فِعْلًا فَعَلَهُ فِي طَرِيقٍ، وَلَكِنَّ أَثَرَهُ قَدْ يَبْقَى فِي نَفْسِ إِنْسَانٍ أَوْ فِي مَكَانٍ عَامٍّ. وَقَدْ يَسْتَصْغِرُ الْمَرْءُ إِزْعَاجًا يَتَسَبَّبُ فِيهِ، وَلَا يَدْرِي كَمْ مِنْ مَرِيضٍ أَرْهَقَهُ، أَوْ كَمْ مِنْ أُسْرَةٍ أَقْلَقَهَا، أَوْ كَمْ مِنْ حَقٍّ ضَيَّعَهُ. فَلْنُرَاجِعْ أَنْفُسَنَا، وَلْنَسْأَلْهَا بِصِدْقٍ: هَلْ أَنَا مِمَّنْ يَرْتَاحُ النَّاسُ إِلَيْهِ، أَمْ مِمَّنْ يَتَحَاشَوْنَ أَذَاهُ؟ هَلْ يَجِدُ أَهْلِي فِي خُلُقِي رَحْمَةً وَسَكِينَةً؟ هَلْ يَأْمَنُ جِيرَانِي صَوْتِي وَتَصَرُّفَاتِي؟ هَلْ يَسْلَمُ النَّاسُ مِنْ لِسَانِي وَيَدِي؟ هَلْ أَحْفَظُ حُقُوقَ الْمَكَانِ الَّذِي أَمْشِي فِيهِ، وَالطَّرِيقِ الَّذِي أَسْتَعْمِلُهُ، وَالْمَجْلِسِ الَّذِي أَجْلِسُ فِيهِ؟ إِنَّ الذَّوْقَ الْعَامَّ لَيْسَ شِعَارًا نَرْفَعُهُ، بَلْ عَهْدٌ نَعِيشُ بِهِ؛ وَلَيْسَ دَرْسًا نَسْمَعُهُ، بَلْ سُلُوكٌ نُطَبِّقُهُ؛ وَلَيْسَ مَطْلَبًا مِنَ الْآخَرِينَ فَقَطْ، بَلْ وَاجِبٌ نَبْدَأُ بِهِ أَنْفُسَنَا. اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقَنَا فَحَسِّنْ أَخْلَاقَنَا، وَكَمَا هَدَيْتَنَا لِلْإِسْلَامِ فَاهْدِنَا لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. ### الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: كَيْفَ نَجْعَلُ الْأَدَبَ ثَقَافَةً وَالِاحْتِرَامَ سُلُوكًا يَوْمِيًّا؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُقَرِّبُ الْعَبْدَ مِنْ رَبِّهِ حُسْنَ الْخُلُقِ، وَأَنْ يَكُونَ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، مُغْلَاقًا لِلشَّرِّ، رَحِيمًا بِالنَّاسِ، مُحَافِظًا عَلَى حُقُوقِهِمْ. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ! لَا يَكْفِي أَنْ نَعْرِفَ فَضْلَ الذَّوْقِ الْعَامِّ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ نُحَوِّلَ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ إِلَى أَعْمَالٍ مَلْمُوسَةٍ، وَعَادَاتٍ يَوْمِيَّةٍ، وَقِيَمٍ تَنْتَقِلُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى الْمَدْرَسَةِ، وَمِنَ الْمَسْجِدِ إِلَى السُّوقِ، وَمِنَ الطَّرِيقِ إِلَى الْعَالَمِ الرَّقْمِيِّ. إِنَّ الْمُجْتَمَعَ الْمُتَحَضِّرَ لَيْسَ هُوَ الَّذِي تَكْثُرُ فِيهِ الْقَوَانِينُ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ الَّذِي يَسْتَيْقِظُ فِيهِ الضَّمِيرُ، وَيَشْعُرُ فِيهِ الْإِنْسَانُ أَنَّ حُقُوقَ الْآخَرِينَ لَيْسَتْ عَقَبَةً أَمَامَ رَاحَتِهِ، بَلْ أَمَانَةٌ فِي عُنُقِهِ. ### الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: كُنْ سَبَبًا فِي رَاحَةِ النَّاسِ، وَلَا تَكُنْ سَبَبًا فِي أَذَاهُمْ عِبَادَ اللَّهِ! إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَعَانِي الذَّوْقِ أَنْ يَتَعَوَّدَ الْمُسْلِمُ أَنْ يَسْأَلَ نَفْسَهُ قَبْلَ كُلِّ تَصَرُّفٍ: هَلْ فِعْلِي هَذَا يَنْفَعُ النَّاسَ أَمْ يُؤْذِيهِمْ؟ هَلْ أَحْفَظُ بِهِ حَقًّا أَمْ أُضَيِّعُهُ؟ هَلْ أُدْخِلُ بِهِ سُرُورًا عَلَى قَلْبٍ أَمْ أَزْرَعُ بِهِ ضِيقًا وَحَرَجًا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَجْهُ الدَّلَالَةِ: يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْمَعْرُوفَ لَا يُحْقَرُ لِصِغَرِهِ، وَأَنَّ الْبَشَاشَةَ وَطِيبَ الْمُلَاقَاةِ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ؛ فَلَا يَحْتَقِرُ الْمُسْلِمُ أَثَرَ الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَالْمُسَاعَدَةِ الْيَسِيرَةِ وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ \[الْمَائِدَةِ: ٢\]. وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْخَيْرِ، وَمِنْ صُوَرِهِ أَنْ يَتَحَمَّلَ الْمُسْلِمُ مَسْؤُولِيَّتَهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ، وَأَنْ يُسَاعِدَ غَيْرَهُ، وَأَنْ يُيَسِّرَ عَلَى النَّاسِ، وَأَلَّا يَجْعَلَ الْأَنَانِيَّةَ وَالْمَنْفَعَةَ الشَّخْصِيَّةَ حَاكِمَتَيْنِ لِتَصَرُّفَاتِهِ.

وَتَدُلُّ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى تَحْرِيمِ الْغِيبَةِ؛ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَجْعَلَ مَوَاقِعَ التَّوَاصُلِ وَسِيلَةً لِلتَّشْهِيرِ بِالنَّاسِ أَوِ انْتِهَاكِ أَعْرَاضِهِمْ. يَا عَبْدَ اللَّهِ! قَبْلَ أَنْ تَضْغَطَ عَلَى زِرِّ إِرْسَالِ الرِّسَالَةِ، قِفْ لَحْظَةً وَاسْأَلْ نَفْسَكَ: هَلْ هَذَا الْكَلَامُ صَحِيحٌ؟ هَلْ فِيهِ نَفْعٌ؟ هَلْ فِيهِ ظُلْمٌ لِأَحَدٍ؟ هَلْ أَرْضَى أَنْ أَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَأَنَا مَسْؤُولٌ عَنْهُ؟ لَا تَجْعَلْ هَاتِفَكَ مِفْتَاحًا لِأَبْوَابِ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَلَا تَجْعَلْ حِسَابَكَ سَاحَةً لِلسَّبِّ وَالشَّتْمِ، وَلَا تُعِدْ نَشْرَ خَبَرٍ لَمْ تَتَثَبَّتْ مِنْهُ؛ فَرُبَّ خَبَرٍ كَاذِبٍ يَسْتَحِلُّ بِهِ النَّاسُ عِرْضَ بَرِيءٍ، وَرُبَّ صُورَةٍ تُنْشَرُ فَتُؤْذِي أُسْرَةً كَامِلَةً، وَرُبَّ كَلِمَةٍ تَكْتُبُهَا فِي غَضَبٍ فَتَبْقَى آثَارُهَا بَعْدَ أَنْ تَنْسَى أَنْتَ أَنَّكَ كَتَبْتَهَا. وَاعْلَمُوا، رَحِمَكُمُ اللَّهُ، أَنَّ الْمَسْؤُولِيَّةَ الْأَخْلَاقِيَّةَ لَا تَسْقُطُ بِاخْتِفَاءِ الْوُجُوهِ، وَلَا يَصِيرُ الْبَاطِلُ حَقًّا لِأَنَّ كَاتِبَهُ يَخْتَبِئُ وَرَاءَ شَاشَةٍ، وَلَا تَصِيرُ الْغِيبَةُ مُبَاحَةً لِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي تَعْلِيقٍ، وَلَا يَصِيرُ التَّشْهِيرُ مَقْبُولًا لِأَنَّهُ جَلَبَ الْمُشَاهَدَاتِ وَالْمُتَابَعَاتِ. وَمِنْ تَطْبِيقَاتِ ذَلِكَ: 1\. تَثَبَّتْ مِنَ الْأَخْبَارِ قَبْلَ نَشْرِهَا، وَلَا تَكُنْ جُزْءًا مِنْ سِلْسِلَةِ الْإِشَاعَاتِ. 2\. تَجَنَّبِ السَّبَّ وَالتَّشْهِيرَ وَالتَّنَمُّرَ فِي التَّعْلِيقَاتِ، وَاخْتَلِفْ بِأَدَبٍ وَإِنْصَافٍ. 3\. اجْعَلْ لِهَاتِفِكَ نَصِيبًا مِنَ الْخَيْرِ: انْشُرْ عِلْمًا نَافِعًا، أَوْ كَلِمَةً طَيِّبَةً، أَوْ نَصِيحَةً رَفِيقَةً، أَوْ مَعْلُومَةً تَنْفَعُ النَّاسَ. ### الْعُنْصُرُ الثَّامِنُ: الذَّوْقُ الْعَامُّ مَسْؤُولِيَّةُ الْأُسْرَةِ وَالْمُجْتَمَعِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ! إِنَّ الْأَخْلَاقَ لَا تُبْنَى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَا تُغْرَسُ فِي النُّفُوسِ بِالْمَوَاعِظِ وَحْدَهَا، بَلْ تَحْتَاجُ إِلَى قُدْوَةٍ حَسَنَةٍ، وَتَرْبِيَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ، وَبِيئَةٍ تُعِينُ عَلَى الْخَيْرِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ \[التَّحْرِيمِ: ٦\]. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَجْهُ الدَّلَالَةِ: تُبَيِّنُ الْآيَةُ وَالْحَدِيثُ أَنَّ التَّرْبِيَةَ وَالْمَسْؤُولِيَّةَ لَا تَقْتَصِرَانِ عَلَى الْفَرْدِ، بَلْ تَشْمَلَانِ أَهْلَ الْبَيْتِ وَمَنْ وُلِّيَ رِعَايَتَهُمْ. وَمِنْ ذَلِكَ غَرْسُ الْأَدَبِ وَاحْتِرَامِ الْآخَرِينَ فِي نُفُوسِ الْأَبْنَاءِ، بِالْقُدْوَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالْمُتَابَعَةِ. أَيُّهَا الْأَبُ الْكَرِيمُ! لَا تَطْلُبْ مِنِ ابْنِكَ أَنْ يَحْتَرِمَ النَّاسَ وَهُوَ يَرَاكَ تَسْخَرُ مِنْهُمْ، وَلَا تَطْلُبْ مِنْهُ أَنْ يَحْفَظَ نَظَافَةَ الْمَكَانِ وَهُوَ يَرَاكَ تُلْقِي الْمُخَلَّفَاتِ فِي الطَّرِيقِ، وَلَا تَطْلُبْ مِنْهُ أَنْ يَضْبِطَ لِسَانَهُ وَهُوَ يَسْمَعُ مِنْكَ السَّبَّ وَالْفُحْشَ. إِنَّ الطِّفْلَ يَتَعَلَّمُ مِنْ أَفْعَالِ أَبَوَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْ كَلَامِهِمَا، وَيَحْمِلُ إِلَى الْمُجْتَمَعِ مَا غَرَسَاهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ قِيَمٍ وَعَادَاتٍ. وَيَا أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الْفَاضِلُ، إِنَّ تَرْبِيَةَ الطُّلَّابِ لَا تَقِفُ عِنْدَ شَرْحِ الْمَنَاهِجِ وَحَلِّ الْمَسَائِلِ، بَلْ تَشْمَلُ تَعْلِيمَهُمْ كَيْفَ يَحْتَرِمُونَ الْآخَرِينَ، وَكَيْفَ يَخْتَلِفُونَ بِأَدَبٍ، وَكَيْفَ يَحْفَظُونَ الْمَمْتَلَكَاتِ الْعَامَّةَ، وَكَيْفَ يَتَحَمَّلُونَ الْمَسْؤُولِيَّةَ. وَيَا أَيُّهَا الْإِعْلَامِيُّ وَصَاحِبَ الْمِنْبَرِ وَالْمُؤَثِّرُ فِي النَّاسِ، إِنَّ الْكَلِمَةَ أَمَانَةٌ، وَإِنَّ الْقُدْوَةَ مَسْؤُولِيَّةٌ؛ فَلَا تَجْعَلُوا مِنَ السُّخْرِيَةِ تَرْفِيهًا، وَلَا مِنَ التَّشْهِيرِ تَسْلِيَةً، وَلَا مِنَ الْفَوْضَى مَشْهَدًا مَأْلُوفًا لِلْأَجْيَالِ. إِنَّ الْمُجْتَمَعَ الَّذِي يَتَعَاوَنُ أَهْلُهُ عَلَى الْأَدَبِ وَالنِّظَامِ وَالرَّحْمَةِ، يَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى الْمَوَدَّةِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَحِفْظِ الْحُقُوقِ؛ فَلَا تَكْفِي الْمُطَالَبَةُ بِالذَّوْقِ الْعَامِّ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قُدْوَةٍ تُجَسِّدُهُ، وَتَرْبِيَةٍ تُرَسِّخُهُ، وَتَعَاوُنٍ يَحْمِيهِ. ### خَاتِمَةُ الْخُطْبَةِ الْأُولَى عِبَادَ اللَّهِ!

2\. احْتَرِمْ الْمَكَانَ الَّذِي تَدْخُلُهُ، وَلَا تُؤْذِ مَنْ فِيهِ بِرَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ أَوْ إِهْمَالٍ يُمْكِنُكَ إِصْلَاحُهُ. 3\. لَا تَحْكُمْ عَلَى النَّاسِ بِمَلَابِسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ؛ فَرُبَّ فَقِيرٍ نَظِيفِ الْقَلْبِ أَكْرَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ غَنِيٍّ مُتَكَبِّرٍ. ### الْعُنْصُرُ السَّادِسُ: احْتِرَامُ الْخُصُوصِيَّةِ وَحِفْظُ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ! مِنْ أَرْقَى مَعَانِي الذَّوْقِ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ حُرْمَةً، وَأَنَّ لَيْسَ كُلُّ مَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْهِ يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا تَعْرِفُهُ عَنْ غَيْرِكَ يَجُوزُ لَكَ أَنْ تُفْشِيَهُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا تَسْتَطِيعُ تَصْوِيرَهُ يَحِلُّ لَكَ نَشْرُهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ \[الْحُجُرَاتِ: ١١\]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا﴾ \[النُّورِ: ٢٧\]. وَجْهُ الدَّلَالَةِ: نَهَتِ الْآيَةُ الْأُولَى عَنِ السُّخْرِيَةِ وَاللَّمْزِ وَالتَّنَابُزِ بِالْأَلْقَابِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِهَانَةِ الْإِنْسَانِ وَجَرْحِ كَرَامَتِهِ. وَدَلَّتِ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى وُجُوبِ مُرَاعَاةِ حُرْمَةِ الْبُيُوتِ وَالِاسْتِئْذَانِ قَبْلَ دُخُولِهَا، وَفِي ذَلِكَ أَصْلٌ عَظِيمٌ لِاحْتِرَامِ الْخُصُوصِيَّةِ وَعَدَمِ اقْتِحَامِ حَيَاةِ الْآخَرِينَ. وَمِنْ صُوَرِ ذَلِكَ فِي زَمَانِنَا أَنْ يَتَجَنَّبَ الْمُسْلِمُ تَصْوِيرَ النَّاسِ فِي أَحْوَالٍ خَاصَّةٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، وَأَنْ يَحْذَرَ نَشْرَ مَقَاطِعَ تُحْرِجُهُمْ أَوْ تَكْشِفُ أَسْرَارَهُمْ، وَأَنْ يَحْتَرِمَ مَا يَخُصُّهُمْ مِنْ مَعْلُومَاتٍ وَمُرَاسَلَاتٍ وَأَحْوَالٍ أُسَرِيَّةٍ. يَا عَبْدَ اللَّهِ! لَا تَجْعَلْ ضَحِكَ النَّاسِ غَايَتَكَ إِذَا كَانَ ثَمَنُهُ دَمْعَةَ إِنْسَانٍ، وَلَا تَجْعَلْ انْتِشَارَ مَقْطَعٍ غَايَتَكَ إِذَا كَانَ ثَمَنُهُ فَضِيحَةَ أُسْرَةٍ، وَلَا تَجْعَلْ حُبَّكَ لِلْحَدِيثِ عَنْ الْآخَرِينَ سَبَبًا فِي كَشْفِ سِتْرٍ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. كَمْ مِنْ صُورَةٍ نُشِرَتْ فَأَحْزَنَتْ صَاحِبَهَا! وَكَمْ مِنْ سِرٍّ أُفْشِيَ فَأَفْسَدَ بَيْتًا! وَكَمْ مِنْ مَقْطَعٍ تَدَاوَلَهُ النَّاسُ لِلضَّحِكِ، وَهُوَ عِنْدَ صَاحِبِهِ سَبَبٌ لِلْخَجَلِ وَالْأَلَمِ! وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُسَمِّيهِ النَّاسُ مُزَاحًا مَقْبُولًا، وَلَا كُلُّ مَا يُنْشَرُ فِي الْمَجَالِسِ يَجُوزُ تَدَاوُلُهُ؛ فَالْكَرَامَةُ لَيْسَتْ لُعْبَةً، وَالْخُصُوصِيَّةُ لَيْسَتْ مِلْكًا لِمَنْ يَسْتَطِيعُ كَشْفَهَا، وَمَا كَانَ أَمَانَةً فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ مَادَّةً لِلْفُضُولِ وَالتَّشْهِيرِ. وَمِنْ تَطْبِيقَاتِ ذَلِكَ: * اسْتَأْذِنْ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَقَبْلَ تَصْوِيرِ الْآخَرِينَ فِي أَحْوَالِهِمُ الْخَاصَّةِ. * لَا تَنْشُرْ صُورَةً أَوْ مَقْطَعًا يُهينُ إِنْسَانًا أَوْ يَكْشِفُ سِرًّا مِنْ أَسْرَارِهِ. * إِذَا وَصَلَتْكَ مَعْلُومَاتٌ خَاصَّةٌ عَنْ أَحَدٍ، فَاحْفَظْهَا أَمَانَةً، وَلَا تَجْعَلْهَا حَدِيثًا لِلْمَجَالِسِ. ### الْعُنْصُرُ السَّابِعُ: الذَّوْقُ الْعَامُّ فِي الْعَالَمِ الرَّقْمِيِّ؛ كَمَا تَكُونُ فِي الْمَجْلِسِ كُنْ فِي الشَّاشَةِ عِبَادَ اللَّهِ! لَقَدْ أَصْبَحَتِ الْكَلِمَةُ الْيَوْمَ تَعْبُرُ الْآفَاقَ فِي لَحَظَاتٍ، وَأَصْبَحَتِ الرِّسَالَةُ الَّتِي يَكْتُبُهَا الْإِنْسَانُ فِي هَاتِفِهِ قَادِرَةً عَلَى أَنْ تَصِلَ إِلَى مِئَاتٍ وَآلَافٍ مِنَ النَّاسِ؛ فَتُصْلِحَ أَوْ تُفْسِدَ، وَتَجْمَعَ أَوْ تُفَرِّقَ، وَتَنْشُرَ الْخَيْرَ أَوْ تَحْمِلَ الْبُهْتَانَ وَالْإِثْمَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ \[الْحُجُرَاتِ: ٦\]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ \[الْحُجُرَاتِ: ١٢\]. وَجْهُ الدَّلَالَةِ: تَأْمُرُ الْآيَةُ الْأُولَى بِالتَّثَبُّتِ مِنَ الْأَخْبَارِ قَبْلَ التَّصَرُّفِ عَلَى أَسَاسِهَا، وَتُحَذِّرُ مِنْ عَاقِبَةِ التَّسَرُّعِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى ظُلْمِ الْآخَرِينَ وَالنَّدَمِ.

وَإِنَّ مِنْ سُوءِ الْأَدَبِ أَنْ يَظُنَّ الْمَرْءُ أَنَّ مَا يَسْتَمْتِعُ بِهِ يَجِبُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهِ الْجَمِيعُ، وَأَنَّ رَغْبَتَهُ الشَّخْصِيَّةَ تُقَدَّمُ عَلَى رَاحَةِ مَنْ حَوْلَهُ. يَا عَبْدَ اللَّهِ! إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ حَقِيقَةَ خُلُقِكَ، فَانْظُرْ: هَلْ يَأْمَنُ جَارُكَ أَذَاكَ؟ هَلْ يَرْتَاحُ مَنْ حَوْلَكَ إِلَى وُجُودِكَ؟ هَلْ يَشْعُرُ أَهْلُ بَيْتِكَ بِالرَّحْمَةِ فِي مُعَامَلَتِكَ؟ هَلْ تَرَاكَ النُّفُوسُ مَصْدَرَ أَمَانٍ وَسَكِينَةٍ، أَمْ مَصْدَرَ قَلَقٍ وَضَجِيجٍ؟ إِنَّ مِنْ جَمَالِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ خَفِيفَ الْأَذَى، كَرِيمَ الْمُعَامَلَةِ، حَسَنَ الْمُجَاوَرَةِ؛ فَإِذَا حَضَرَ أَحَبَّهُ النَّاسُ، وَإِذَا غَابَ دَعَوْا لَهُ، وَإِذَا جَاوَرَهُمْ أَمِنُوا شَرَّهُ وَاطْمَأَنُّوا إِلَى خُلُقِهِ. وَمِنْ تَطْبِيقَاتِ ذَلِكَ: * خَفِّضْ صَوْتَكَ فِي الْبَيْتِ وَالطَّرِيقِ وَوَسَائِلِ النَّقْلِ، وَرَاعِ أَحْوَالَ الْمَرْضَى وَالْأَطْفَالِ وَكِبَارِ السِّنِّ. * لَا تَجْعَلْ خِلَافَاتِكَ الْأُسَرِيَّةَ مَصْدَرَ إِزْعَاجٍ لِلْجِيرَانِ، وَلَا تَسْتَخْدِمِ الصَّوْتَ الْمُرْتَفِعَ وَسِيلَةً لِفَرْضِ رَأْيِكَ. * إِذَا نَبَّهَكَ جَارُكَ إِلَى إِزْعَاجٍ، فَاسْتَمِعْ إِلَيْهِ بِإِنْصَافٍ، وَأَصْلِحْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنْ خَطَئِكَ، فَإِنَّ رُقِيَّ الْأَخْلَاقِ يَظْهَرُ فِي قَبُولِ النَّصِيحَةِ كَمَا يَظْهَرُ فِي حُسْنِ إِسْدَائِهَا. ### الْعُنْصُرُ الْخَامِسُ: حُسْنُ الْهَيْئَةِ وَالنَّظَافَةُ؛ جَمَالٌ بِلَا كِبْرٍ وَلَا إِسْرَافٍ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ! إِنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ الْجَمَالِ وَالِاعْتِدَالِ؛ فَلَا يَدْعُو إِلَى الْإِهْمَالِ وَالتَّقَذُّرِ، وَلَا يَدْعُو إِلَى الْإِسْرَافِ وَالتَّفَاخُرِ، وَإِنَّمَا يُعَلِّمُ الْإِنْسَانَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ حُسْنِ الْهَيْئَةِ وَتَوَاضُعِ الْقَلْبِ، وَبَيْنَ النَّظَافَةِ وَالْقَصْدِ، وَبَيْنَ الْجَمَالِ وَحِفْظِ النِّعَمِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ \[الْأَعْرَافِ: ٣١\]. وَجْهُ الدَّلَالَةِ: تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّزَيُّنِ الْمُنْضَبِطِ بِالشَّرْعِ، وَتَدُلُّ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الْإِسْرَافِ؛ فَالْمُسْلِمُ يَعْتَنِي بِنَظَافَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، مِنْ غَيْرِ تَكَبُّرٍ وَلَا مُبَالَغَةٍ وَلَا تَضْيِيعٍ لِلْمَالِ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ». فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. فَقَالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَجْهُ الدَّلَالَةِ: بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ مُجَرَّدَ مَحَبَّةِ حُسْنِ الثِّيَابِ وَالْهَيْئَةِ لَيْسَ كِبْرًا، وَأَنَّ الْكِبْرَ الْمَذْمُومَ هُوَ رَدُّ الْحَقِّ وَاحْتِقَارُ النَّاسِ؛ فَيَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْتَنِيَ بِمَظْهَرِهِ، مَعَ تَوَاضُعِهِ وَاحْتِرَامِهِ لِلْخَلْقِ. يَا عِبَادَ اللَّهِ! لَيْسَ الْجَمَالُ فِي ثَوْبٍ غَالٍ يَلْبَسُهُ الْإِنْسَانُ، وَإِنَّمَا الْجَمَالُ أَنْ يَكُونَ نَظِيفَ الثَّوْبِ، طَيِّبَ الرَّائِحَةِ، حَسَنَ الْهَيْئَةِ، مُتَوَاضِعَ الْقَلْبِ، لَا يَتَعَالَى عَلَى فَقِيرٍ، وَلَا يَسْخَرُ مِنْ مُحْتَاجٍ، وَلَا يَحْكُمُ عَلَى قِيمَةِ الْإِنْسَانِ بِثَمَنِ مَا يَلْبَسُهُ. وَمِنْ سُوءِ الذَّوْقِ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْإِنْسَانُ مَا يُنَفِّرُ مَنْ حَوْلَهُ مِنْ رَوَائِحَ كَرِيهَةٍ أَوْ إِهْمَالٍ لِلنَّظَافَةِ، لَا سِيَّمَا فِي الْمَجَالِسِ وَالْمَسَاجِدِ وَأَمَاكِنِ الِاجْتِمَاعِ. وَمِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ أَنْ يُرَاعِيَ الْمُسْلِمُ نَظَافَةَ ثِيَابِهِ وَبَدَنِهِ، وَأَنْ يَتَجَنَّبَ مَا يُؤْذِي النَّاسَ مِنْ رَوَائِحَ وَمَظَاهِرَ وَتَصَرُّفَاتٍ. وَفِي الْمُقَابِلِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْمَرْءُ الْمَظْهَرَ سَبَبًا لِاحْتِقَارِ الْفُقَرَاءِ، أَوْ أَنْ يَسْخَرَ مِنْ إِنْسَانٍ لَا يَمْلِكُ ثَمَنَ الثِّيَابِ الْغَالِيَةِ؛ فَإِنَّ الْقِيمَةَ عِنْدَ اللَّهِ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ الْمَالِ، وَلَكِنَّهَا بِالتَّقْوَى وَصَلَاحِ الْقَلْبِ وَالْعَمَلِ. وَمِنْ تَطْبِيقَاتِ ذَلِكَ: 1\. احْرِصْ عَلَى النَّظَافَةِ وَالطَّهَارَةِ وَحُسْنِ الْهَيْئَةِ بِقَدْرِ اسْتِطَاعَتِكَ، مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَلَا إِسْرَافٍ.

يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنَّ الْمَكَانَ الَّذِي تَتْرُكُهُ وَرَاءَكَ يَشْهَدُ عَلَى تَرْبِيَتِكَ، وَالطَّرِيقَ الَّذِي تَعْبُرُهُ لَيْسَ مِلْكًا خَاصًّا لَكَ، وَالْمَقْعَدَ الَّذِي تَجْلِسُ عَلَيْهِ فِي حَافِلَةٍ أَوْ قِطَارٍ لَيْسَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ تُفْسِدَهُ ثُمَّ تَتْرُكَهُ لِغَيْرِكَ. وَمِنْ صُوَرِ الذَّوْقِ الْعَامِّ أَنْ تَحْتَرِمَ مَمَرَّاتِ الْمُشَاةِ، وَأَلَّا تَسُدَّ مَدَاخِلَ الْبُيُوتِ وَالْمُسْتَشْفَيَاتِ، وَأَلَّا تَقِفَ بِمَرْكَبَتِكَ فِي مَكَانٍ يُعَطِّلُ حَرَكَةَ النَّاسِ، وَأَنْ تُفْسِحَ الطَّرِيقَ لِسَيَّارَاتِ الْإِسْعَافِ وَالطَّوَارِئِ، وَأَنْ تَحْتَرِمَ قَوَاعِدَ الْمُرُورِ؛ فَإِنَّ مُخَالَفَةَ النِّظَامِ الَّذِي يَحْفَظُ الْأَنْفُسَ وَالْحُقُوقَ لَيْسَتْ شَطَارَةً، وَإِنَّمَا قَدْ تَكُونُ سَبَبًا فِي ضَرَرٍ عَظِيمٍ. وَمِنْ أَبْشَعِ صُوَرِ سُوءِ الذَّوْقِ أَنْ يَجْعَلَ الْإِنْسَانُ حَاجَتَهُ الشَّخْصِيَّةَ فَوْقَ حَاجَاتِ الْجَمِيعِ؛ فَيَقِفَ فِي الصَّفِّ ثُمَّ يَتَجَاوَزَ النَّاسَ، أَوْ يَسْتَأْثِرَ بِمَا لَيْسَ لَهُ، أَوْ يُزَاحِمَ كَبِيرَ السِّنِّ وَالْمَرِيضَ وَذَا الْإِعَاقَةِ، كَأَنَّ حُقُوقَ النَّاسِ لَا قِيمَةَ لَهَا. إِنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُهَذَّبَ لَا يَسْأَلُ فَقَطْ: مَاذَا أُرِيدُ أَنَا؟ بَلْ يَسْأَلُ أَيْضًا: هَلْ فِي فِعْلِي ضَرَرٌ عَلَى غَيْرِي؟ هَلْ أَحْرِمُ إِنْسَانًا مِنْ حَقِّهِ؟ هَلْ أُسَبِّبُ لِمَرِيضٍ أَلَمًا، أَوْ لِمُسِنٍّ مَشَقَّةً، أَوْ لِأُسْرَةٍ ضِيقًا؟ وَمِنْ تَطْبِيقَاتِ ذَلِكَ: 1\. لَا تُلْقِ مُخَلَّفَاتِكَ فِي الطَّرِيقِ، وَاحْرِصْ عَلَى تَرْكِ الْمَكَانِ نَظِيفًا كَمَا تُحِبُّ أَنْ تَجِدَهُ. 2\. احْتَرِمْ نِظَامَ الْمُرُورِ وَالدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَالصُّفُوفِ، وَلَا تَجْعَلْ حَاجَتَكَ مُبَرِّرًا لِلتَّعَدِّي عَلَى حُقُوقِ النَّاسِ. 3\. اجْعَلْ لَكَ نَصِيبًا مِنْ نَفْعِ النَّاسِ: أَزِلْ أَذًى عَنِ الطَّرِيقِ، أَوْ أَعِنْ عَاجِزًا، أَوْ أَرْشِدْ تَائِهًا، أَوْ سَاعِدْ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الْمُسَاعَدَةِ. ### الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: حُقُوقُ الْجَارِ وَحُرْمَةُ الْإِزْعَاجِ؛ لَا تَجْعَلْ رَاحَتَكَ شَقَاءً لِغَيْرِكَ يَا عِبَادَ اللَّهِ! مِنْ أَدَقِّ مَعَانِي الذَّوْقِ الْعَامِّ أَنْ يَتَذَكَّرَ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ لَيْسَ وَحْدَهُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ لِلنَّاسِ حَقًّا فِي الرَّاحَةِ وَالسَّكِينَةِ، وَأَنَّ حُرِّيَّتَهُ لَا تَعْنِي أَنْ يَفْرِضَ صَوْتَهُ وَرَغْبَتَهُ عَلَى مَنْ حَوْلَهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ وَصِيَّةِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ \[لُقْمَانَ: ١٩\]. وَجْهُ الدَّلَالَةِ: فِي الْآيَةِ تَوْجِيهٌ إِلَى الِاعْتِدَالِ فِي الصَّوْتِ وَتَرْكِ رَفْعِهِ بِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَهَذَا مِنْ مَكَارِمِ الْأَدَبِ وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ؛ فَلَا يَجْعَلُ الْمُسْلِمُ صَوْتَهُ أَدَاةً لِإِزْعَاجِ الْآخَرِينَ أَوْ فَرْضِ نَفْسِهِ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَجْهُ الدَّلَالَةِ: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ كَفَّ الْأَذَى عَنِ الْجَارِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْإِيمَانِ، فَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَعَمَّدَ إِزْعَاجَ جَارِهِ أَوْ إِضْرَارَهُ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ مِنَ الضَّوْضَاءِ وَرَفْعِ الْأَصْوَاتِ وَالتَّعَدِّي عَلَى رَاحَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ، بِحَسَبِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ ضَرَرٍ. تَأَمَّلُوا، رَحِمَكُمُ اللَّهُ، فِي حَالِ مَرِيضٍ يَتَأَلَّمُ فِي بَيْتِهِ، أَوْ طِفْلٍ يَنَامُ بَعْدَ لَيْلَةٍ شَاقَّةٍ، أَوْ طَالِبٍ يَسْتَعِدُّ لِامْتِحَانِهِ، أَوْ عَامِلٍ يَعُودُ إِلَى بَيْتِهِ مُتْعَبًا يَرْجُو سَاعَةً مِنَ السُّكُونِ؛ ثُمَّ يَأْتِي مَنْ يُحَوِّلُ اللَّيْلَ إِلَى ضَجِيجٍ، وَيَرْفَعُ الْأَصْوَاتَ، وَيُشَغِّلُ الْأَجْهِزَةَ بِصَوْتٍ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ بَيْتِهِ! فَأَيْنَ مُرُوءَةُ الْمُؤْمِنِ؟ وَأَيْنَ شُعُورُهُ بِالنَّاسِ؟ وَأَيْنَ مَعْنَى الْجِوَارِ الَّذِي أَوْصَى بِهِ الْإِسْلَامُ؟ وَمِنْ صُوَرِ الْإِزْعَاجِ أَيْضًا أَنْ يَتَحَدَّثَ الْإِنْسَانُ فِي وَسَائِلِ النَّقْلِ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ، أَوْ يُشَغِّلَ مَقَاطِعَ صَوْتِيَّةً تُضَايِقُ مَنْ حَوْلَهُ، أَوْ يَتَجَاوَزَ فِي الْمَجَالِسِ حُدُودَ الْأَدَبِ وَالْخُصُوصِيَّةِ، أَوْ يَسْتَخْدِمَ مُكَبِّرَاتِ الصَّوْتِ بِطَرِيقَةٍ تُؤْذِي النَّاسَ.

قَبْلَ أَنْ تَرْفَعَ صَوْتَكَ عَلَى إِنْسَانٍ، تَذَكَّرْ أَنَّكَ لَسْتَ وَحْدَكَ الَّذِي يَشْعُرُ وَيَتَأَلَّمُ. وَقَبْلَ أَنْ تَسْخَرَ مِنْ شَخْصٍ لِضَعْفِهِ أَوْ فَقْرِهِ أَوْ خَطَئِهِ، تَذَكَّرْ أَنَّ لَهُ كَرَامَةً حَفِظَهَا اللَّهُ. وَقَبْلَ أَنْ تُعَيِّرَ إِنْسَانًا بِمَاضِيهِ، تَذَكَّرْ أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا عَبْدٌ لَكَ ذُنُوبٌ تَسْتُرُهَا رَحْمَةُ اللَّهِ. وَكَمْ مِنْ أَبٍ جَرَحَ ابْنَهُ بِكَلِمَةٍ، فَبَقِيَ أَثَرُهَا فِي نَفْسِهِ سِنِينَ! وَكَمْ مِنْ زَوْجٍ أَهَانَ زَوْجَتَهُ أَمَامَ أَوْلَادِهَا، فَتَرَكَ فِي قَلْبِهَا جُرْحًا لَا يَمْحُوهُ سُهُولَةُ الِاعْتِذَارِ! وَكَمْ مِنْ مُعَلِّمٍ سَخِرَ مِنْ طَالِبٍ، فَأَضْعَفَ ثِقَتَهُ بِنَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَرْجُو مِنْهُ التَّشْجِيعَ وَالْإِرْشَادَ! فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ هَدْيِ الْقُرْآنِ؟ وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ أَدَبِ النُّبُوَّةِ؟ إِنَّ الذَّوْقَ لَا يَعْنِي أَنْ تُجَامِلَ النَّاسَ فِي الْبَاطِلِ، وَلَا أَنْ تَتْرُكَ النَّصِيحَةَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَلَكِنَّهُ يَعْنِي أَنْ تَقُولَ الْحَقَّ بِحِكْمَةٍ، وَأَنْ تَنْصَحَ بِرِفْقٍ، وَأَنْ تَسْتُرَ مَا اسْتَطَعْتَ، وَأَنْ تَفْصِلَ بَيْنَ رَفْضِ الْخَطَأِ وَإِهَانَةِ صَاحِبِهِ. فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُصَحِّحَ خَطَأً، فَلَا تَجْعَلْ مِنَ النَّصِيحَةِ فَضِيحَةً، وَلَا مِنَ الْإِرْشَادِ إِذْلَالًا، وَلَا مِنَ الْحَقِّ سُلَّمًا لِلتَّعَالِي عَلَى الْخَلْقِ. وَمِنْ تَطْبِيقَاتِ ذَلِكَ: * إِذَا أَخْطَأَ إِنْسَانٌ فِي حَقِّكَ، فَاطْلُبْ حَقَّكَ بِعَدْلٍ، وَلَا تَجْعَلْ غَضَبَكَ سَبَبًا لِلْفُحْشِ وَالظُّلْمِ. * إِذَا رَأَيْتَ مُنْكَرًا، فَأَنْكِرْهُ بِالطَّرِيقَةِ الْمَشْرُوعَةِ، وَرَاعِ الْحِكْمَةَ وَالْقُدْرَةَ وَمَآلَ الْأَمْرِ. * إِذَا جَلَسْتَ فِي مَجْلِسٍ، فَلَا تَجْعَلْ فُكَاهَتَكَ قَائِمَةً عَلَى السُّخْرِيَةِ مِنَ النَّاسِ، وَلَا تَجْعَلْ ضَحِكَ الْحَاضِرِينَ ثَمَنًا لِكَرَامَةِ غَائِبٍ. ### الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: نَظَافَةُ الْمَكَانِ وَحُقُوقُ الطَّرِيقِ مِنْ عُنْوَانِ رُقِيِّ الْمُسْلِمِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ! إِنَّ مِنْ خَطَأِ الْفَهْمِ أَنْ يَظُنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْعِبَادَةَ تَنْحَصِرُ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى نَظَافَةِ الطَّرِيقِ، وَإِزَالَةَ الْأَذَى عَنِ الْمَمَرَّاتِ، وَاحْتِرَامَ حُقُوقِ الْمَارَّةِ أُمُورٌ صَغِيرَةٌ لَا تَسْتَحِقُّ الْعِنَايَةَ. كَلَّا وَاللَّهِ! إِنَّ دِينَ اللَّهِ دِينُ الطَّهَارَةِ وَالْجَمَالِ، وَدِينُ حِفْظِ الْحُقُوقِ وَمَنْعِ الْأَذَى، وَدِينُ الْمَسْؤُولِيَّةِ الَّتِي تَبْدَأُ مِنْ أَصْغَرِ تَصَرُّفَاتِ الْإِنْسَانِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ \[الْمُدَّثِّرِ: ٤\]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ \[الْبَقَرَةِ: ٢٢٢\]. وَجْهُ الدَّلَالَةِ: تَدُلُّ هَذِهِ النُّصُوصُ عَلَى فَضْلِ الطَّهَارَةِ وَالتَّطَهُّرِ، وَهِيَ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي تَرْبِيَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى النَّظَافَةِ وَالْعِنَايَةِ بِمَا حَوْلَهُ، مَعَ مُرَاعَاةِ أَنَّ تَفْصِيلَ أَحْكَامِ النَّظَافَةِ وَالْبِيئَةِ يَشْمَلُ أَبْوَابًا مُتَعَدِّدَةً مِنَ الشَّرِيعَةِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ. وَجْهُ الدَّلَالَةِ: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِزَالَةَ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةً، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ نَفْعَ النَّاسِ وَدَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهُمْ مِنْ أَبْوَابِ الْأَجْرِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَكْتَفِي بِأَنْ يَكُفَّ أَذَاهُ، بَلْ يَسْعَى أَيْضًا فِي تَهْيِئَةِ الطَّرِيقِ لِلنَّاسِ وَحِمَايَتِهِمْ مِنَ الضَّرَرِ. تَأَمَّلُوا، رَحِمَكُمُ اللَّهُ، كَيْفَ يَرْبِطُ الْإِسْلَامُ بَيْنَ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ وَالْأَجْرِ الْعَظِيمِ! قَدْ تَرَى شَيْئًا مُؤْذِيًا فِي الطَّرِيقِ، فَتَرْفَعُهُ فَتَدْفَعُ بِهِ ضَرَرًا عَنْ إِنْسَانٍ لَا تَعْرِفُهُ، وَلَا يَعْرِفُكَ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَشْكُرَكَ؛ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا صَنَعْتَ، وَيَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِكَ مِنْ رَحْمَةٍ. وَفِي الْمُقَابِلِ، تَأَمَّلُوا حَالَ مَنْ يَأْكُلُ فِي الطَّرِيقِ ثُمَّ يُلْقِي بِالْأَوْرَاقِ وَالْأَكْيَاسِ عَلَى الْأَرْضِ، أَوْ مَنْ يَرْمِي الْمُخَلَّفَاتِ مِنْ نَافِذَةِ سَيَّارَتِهِ، أَوْ مَنْ يَتْرُكُ الْمَكَانَ الَّذِي جَلَسَ فِيهِ مُتَّسِخًا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ كَأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا!

أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ بِعَظَمَةِ الْخُلُقِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى شَرَفِ الْأَخْلَاقِ وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهَا، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَسَّى بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي رِفْقِهِ وَتَوَاضُعِهِ وَحُسْنِ مُعَامَلَتِهِ، فَلَا يَجْعَلُ عِبَادَتَهُ مُنْفَصِلَةً عَنْ سُلُوكِهِ مَعَ النَّاسِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَجْهُ الدَّلَالَةِ: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ حُسْنَ الْخُلُقِ مِنْ عَلَامَاتِ خِيَارِ النَّاسِ، فَلَا يَكْفِي أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ حَسَنَ الْمَظْهَرِ أَوْ كَثِيرَ الْكَلَامِ عَنِ الْفَضَائِلِ؛ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ حُسْنُ خُلُقِهِ فِي تَعَامُلِهِ، وَاحْتِرَامِهِ لِلنَّاسِ، وَكَفِّ أَذَاهُ عَنْهُمْ. يَا عَبْدَ اللَّهِ! إِنَّ اخْتِبَارَ أَخْلَاقِكَ لَيْسَ فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي تَجْلِسُ فِيهِ وَأَنْتَ مُكْرَمٌ، وَلَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَحْتَفِي فِيهِ النَّاسُ بِكَ؛ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ مَعْدِنُكَ حِينَ تَغْضَبُ، وَحِينَ تَخْتَلِفُ، وَحِينَ تَكُونُ قَادِرًا عَلَى أَنْ تَأْخُذَ حَقَّكَ، وَحِينَ تَتَعَامَلُ مَعَ إِنْسَانٍ لَا تَرْجُو مِنْهُ مَنْفَعَةً. هُنَاكَ تَظْهَرُ حَقِيقَةُ التَّرْبِيَةِ! فَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ يَبْتَسِمُ لِلْغَنِيِّ، وَيُعْرِضُ عَنِ الْفَقِيرِ! وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ يُحْسِنُ الْكَلَامَ مَعَ الْغُرَبَاءِ، ثُمَّ يَقْسُو عَلَى أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَزَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ! وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ يَطْلُبُ احْتِرَامَ النَّاسِ، وَلَا يَحْتَرِمُ مَوَاعِيدَهُمْ، وَلَا يَحْفَظُ مَشَاعِرَهُمْ، وَلَا يَكُفُّ لِسَانَهُ عَنْهُمْ! إِنَّ الْأَدَبَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَتَجَزَّأُ؛ فَمَنْ تَرَبَّى عَلَى الرَّحْمَةِ رَحِمَ، وَمَنْ تَرَبَّى عَلَى التَّوَاضُعِ تَوَاضَعَ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ يَرَاهُ اسْتَحْيَا أَنْ يَظْلِمَ عِبَادَهُ أَوْ يُؤْذِيَهُمْ. وَمِنْ تَطْبِيقَاتِ ذَلِكَ فِي حَيَاتِنَا: * أَنْ تُحْسِنَ الْكَلَامَ مَعَ الْعَامِلِ وَالْحَارِسِ وَالْبَائِعِ، كَمَا تُحْسِنُهُ مَعَ صَاحِبِ الْمَنْصِبِ وَالْمَالِ. * أَنْ تَحْتَرِمَ مَنْ يُخَالِفُكَ، وَلَا تَجْعَلَ الْخِلَافَ سَبَبًا لِلشَّتْمِ وَالتَّجْرِيحِ. * أَنْ تَبْدَأَ إِصْلَاحَ الْمُجْتَمَعِ بِنَفْسِكَ، فَلَا تُطَالِبَ النَّاسَ بِالنِّظَامِ وَأَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يُخَالِفُهُ، وَلَا تُطَالِبَهُمْ بِالْأَدَبِ وَأَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يَجْرَحُهُمْ. ### الْعُنْصُرُ الثَّانِي: الذَّوْقُ فِي الْكَلَامِ؛ كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ تَبْنِي، وَكَلِمَةٌ خَبِيثَةٌ تَهْدِمُ عِبَادَ اللَّهِ! إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَظَاهِرِ الذَّوْقِ الْعَامِّ أَنْ يَحْفَظَ الْمُسْلِمُ لِسَانَهُ، وَأَنْ يَزِنَ كَلِمَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا؛ فَإِنَّ الْكَلِمَةَ قَدْ تَرْفَعُ إِنْسَانًا، وَقَدْ تَكْسِرُ قَلْبًا، وَقَدْ تُصْلِحُ بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ، وَقَدْ تُشْعِلُ عَدَاوَةً تَبْقَى سِنِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ \[الْبَقَرَةِ: ٨٣\]. وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقَوْلِ الْحَسَنِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ أَمْرٌ يَشْمَلُ حُسْنَ الْعِبَارَةِ، وَاجْتِنَابَ الْفُحْشِ وَالْإِهَانَةِ، وَمُرَاعَاةَ أَحْوَالِ الْمُخَاطَبِينَ؛ فَالْمُسْلِمُ لَا يَجْعَلُ لِسَانَهُ سَبَبًا فِي إِذْلَالِ النَّاسِ أَوْ إِحْزَانِهِمْ. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ \[الْإِسْرَاءِ: ٥٣\]. وَجْهُ الدَّلَالَةِ: لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ الْحَسَنِ، بَلْ أَرْشَدَ إِلَى اخْتِيَارِ الْأَحْسَنِ مِنَ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الْعِبَارَاتِ الْجَافَّةَ قَدْ تَفْتَحُ أَبْوَابَ النِّزَاعِ، وَأَنَّ الْكَلِمَةَ اللَّطِيفَةَ قَدْ تُغْلِقُ بَابَ الشَّيْطَانِ، وَتَحْفَظُ الْمَوَدَّةَ بَيْنَ النَّاسِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَجْهُ الدَّلَالَةِ: رَبَطَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَضَبْطِ اللِّسَانِ، فَجَعَلَ الْمُؤْمِنَ مُخَيَّرًا بَيْنَ كَلَامٍ فِيهِ خَيْرٌ وَنَفْعٌ، وَبَيْنَ الصَّمْتِ عَمَّا لَا خَيْرَ فِيهِ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَا يُعْرَفُ يُقَالُ، وَلَا كُلُّ مَا يُقَالُ يَنْبَغِي نَشْرُهُ، وَلَا كُلُّ مَا يَخْطُرُ بِالْبَالِ يَصْلُحُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ اللِّسَانِ. يَا عَبْدَ اللَّهِ!

خطبة الجمعة الذَّوْقُ الْعَامُّ: رُقِيُّ السُّلُوكِ وَجَمَالُ الْأَخْلَاقِ الْخُطْبَةُ الْأُولَى: حِينَ يَتَحَوَّلُ الْإِيمَانُ إِلَى أَدَبٍ وَسُلُوكٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ فَسَوَّاهُ وَعَدَلَهُ، وَهَدَاهُ سَبِيلَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَأَمَرَهُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ، وَجَعَلَ حُسْنَ الْخُلُقِ زِينَةً لِلْإِيمَانِ، وَجَمَالًا لِلْإِنْسَانِ، وَسَبَبًا لِلْمَحَبَّةِ وَالْقَبُولِ بَيْنَ الْعِبَادِ. نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ الْعَظِيمَةِ، وَنَشْكُرُهُ عَلَى آلَائِهِ الْعَمِيمَةِ، وَنَسْتَغْفِرُهُ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، وَنَسْأَلُهُ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا، وَخُلُقًا كَرِيمًا. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً نَرْجُو بِهَا النَّجَاةَ يَوْمَ نَلْقَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَأُسْوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَمُعَلِّمًا لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَكَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَأَطْيَبَهُمْ قَوْلًا، وَأَرْفَقَهُمْ بِالنَّاسِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَإِنَّ التَّقْوَى لَيْسَتْ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، وَلَا مَظَاهِرَ تُرَى، وَلَا شَعَائِرَ تُؤَدَّى فَحَسْبُ، وَلَكِنَّهَا إِيمَانٌ يَسْكُنُ الْقَلْبَ، وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ عَلَى اللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ، وَيُرَى نُورُهُ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالْأَخْلَاقِ. يَا عِبَادَ اللَّهِ! مَا أَجْمَلَ الْإِسْلَامَ حِينَ يَجْمَعُ بَيْنَ طَهَارَةِ الْقَلْبِ وَجَمَالِ السُّلُوكِ! وَمَا أَعْظَمَهُ حِينَ يُعَلِّمُ الْإِنْسَانَ كَيْفَ يَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ خَاشِعًا، وَكَيْفَ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ مُتَوَاضِعًا، وَكَيْفَ يَتَكَلَّمُ فَيُحْسِنُ الْكَلَامَ، وَكَيْفَ يَخْتَلِفُ فَلَا يَظْلِمُ، وَكَيْفَ يَمْلِكُ الْقُدْرَةَ فَلَا يَبْطِشُ، وَكَيْفَ يَسْتَطِيعُ الْإِيذَاءَ فَيَكُفُّ أَذَاهُ رَحْمَةً بِعِبَادِ اللَّهِ! إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ فِي زَمَانِنَا أَنْ نُعِيدَ إِلَى حَيَاتِنَا جَمَالَ الْأَدَبِ، وَأَنْ نُحْيِيَ فِي نُفُوسِنَا مَعْنَى احْتِرَامِ الْآخَرِينَ، وَأَنْ نَفْهَمَ أَنَّ رُقِيَّ الْمُجْتَمَعَاتِ لَا يُقَاسُ بِعُلُوِّ الْبُنْيَانِ، وَلَا بِكَثْرَةِ الْمَرَاكِبِ وَالْأَمْوَالِ، وَلَا بِجَمَالِ الشَّوَارِعِ وَالْمَيَادِينِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا يُقَاسُ أَيْضًا بِمَا فِي قُلُوبِ أَهْلِهَا مِنْ رَحْمَةٍ، وَمَا فِي أَلْسِنَتِهِمْ مِنْ طِيبِ الْكَلَامِ، وَمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ كَفِّ الْأَذَى، وَمَا فِي تَصَرُّفَاتِهِمْ مِنْ مُرَاعَاةِ حُقُوقِ الْعِبَادِ. وَمِنْ هُنَا نَقِفُ الْيَوْمَ مَعَ قَضِيَّةٍ قَدْ يَسْتَصْغِرُهَا بَعْضُ النَّاسِ، وَهِيَ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ أَهْلِ الْمُرُوءَاتِ عَظِيمَةٌ: إِنَّهَا قَضِيَّةُ الذَّوْقِ الْعَامِّ، وَرُقِيِّ السُّلُوكِ، وَجَمَالِ الْأَخْلَاقِ. ### الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: الذَّوْقُ الْعَامُّ ثَمَرَةُ الْإِيمَانِ وَعَلَامَةُ حُسْنِ الْخُلُقِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ! لَيْسَ الذَّوْقُ الْعَامُّ مُجَرَّدَ عَادَاتٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ، وَلَا مَظَاهِرَ شَكْلِيَّةٍ، وَلَا أَلْفَاظًا مُنَمَّقَةً يَتَجَمَّلُ بِهَا الْإِنْسَانُ أَمَامَ النَّاسِ؛ بَلْ هُوَ مِرْآةٌ لِمَا فِي النَّفْسِ مِنْ تَرْبِيَةٍ وَإِيمَانٍ، وَدَلِيلٌ عَلَى مِقْدَارِ مَا يَحْمِلُ الْمَرْءُ مِنْ شُعُورٍ بِحُرْمَةِ الْآخَرِينَ وَحُقُوقِهِمْ. قَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ، وَلَكِنَّهُ يُؤْذِي جَارَهُ، أَوْ يَجْرَحُ أَهْلَهُ، أَوْ يَسُبُّ مَنْ خَالَفَهُ، أَوْ يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ فِي طُرُقَاتِهِمْ؛ فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَفْهَمَ أَنَّ الْعِبَادَةَ الصَّحِيحَةَ تَدْعُوهُ إِلَى تَهْذِيبِ نَفْسِهِ، وَأَنَّ التَّدَيُّنَ لَا يَكْتَمِلُ فِي مَظْهَرٍ يَجْذِبُ الْأَنْظَارَ، مَا لَمْ يُصَاحِبْهُ خُلُقٌ يَحْفَظُ الْحُقُوقَ وَيَصُونُ الْكَرَامَاتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ نَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ \[الْقَلَمِ: ٤\]. وَجْهُ الدَّلَالَةِ:

خطبة الجمعة القادمة

+1
record.ogg10.92 MB

record.ogg12.75 MB