es
Feedback
كُنَّاشة من دروس السيد المددي

كُنَّاشة من دروس السيد المددي

Ir al canal en Telegram

قناة تُعنى بجمع الفوائد العلمية، والترجمات المختارة من دروس الأستاذ آية الله السيد أحمد المددي الموسوي/ جمعها مصطفى زهير السوداني

Mostrar más
El país no está especificadoLa categoría no está especificada
712
Suscriptores
+124 horas
+377 días
+4030 días
Archivo de publicaciones
🔴 6 - النتيجة وخلاصة القول أنّ أحاديث ابن أبي جمهور متفرّدة من حيث الأسانيد، ولم ترد – حتى بصيغٍ ضعيفة أو سقيمة – في شيءٍ من مصادر الشيعة أو أهل السنّة. ولو التزمنا بالقواعد العلمية الصرفة، فإنّ علماء الرجال عند أهل السنّة يعدّون مثل هذه الكتب من الموضوعات (المجعولات)، ولا يرون لها أدنى قيمة. ومع ما لدى المؤلف من تخصّص في التاريخ، والرجال، والحديث، فهو يرى أنّ هذه الروايات مصنوعة، إلا أنّه يتحفّظ عن نسبة الوضع (الجعل) مباشرةً؛ لأنّها تهمة ثقيلة لا يجوز إطلاقها بسهولة. ولذلك يرجّح تفسيراً آخر، وهو أنّ ابن أبي جمهور كان يعيش في إحدى قرى الأحساء، ولم يكن من أهل الاختصاص بعلم الحديث، فجمع أوراقاً خطيةً متفرقة وغير مكتملة، تضمّ أحاديث متفرقة، ثم ألّف بينها وربطها بأسانيد عامة كانت لديه، فخرج الكتاب بهذه الصورة. ومن هنا، يرى المؤلف أنّ روايات «عوالي اللآلي» في غاية الضعف، إلى الحدّ الذي لا تستحق معه حتى مجرّد البحث أو صرف الوقت الثمين في دراستها. ويصف الكتاب بأنّه مجموعةٌ غريبةٌ مضطربة، لا يمكن الاطمئنان إلى مسانيده ولا إلى مراسيله. ولهذا السبب، فإنّ صاحب الحدائق – مع أنّه قبل كثيراً من الروايات الضعيفة – لم يقبل كتاب «عوالي اللآلي» نفسه، ولا مؤلفه. ومن جهةٍ أخرى، فإنّ اسم الكتاب هو «عوالي اللآلي»، مع أنّ بعض العلماء غيّروه إلى «غوالي اللآلي»؛ لأنّ اللؤلؤ يوصف بالغالي (النفيس)، لا بالعالي. غير أنّ النسخة الخطية الأصلية المحفوظة في مكتبة العتبة الرضوية المقدسة في مشهد تثبت أنّ اسم الكتاب هو «عوالي اللآلي»، فلا يصحّ الادعاء بأنّ هذه التسمية ناشئة عن خطأ في النقل أو النسبة. -------------_---------------------------------- 1. إذا قيل: إن غاية ما في الأمر أن هؤلاء من المجاهيل، قلنا: إن المجهول على قسمين: مجهول نسبي ومجهول مطلق. فالمجاهيل النسبيون قد ذُكرت أسماؤهم في كتب أخرى وكتب الرجال؛ فمثلاً جمع المامقاني سبعة عشر ألف اسم، وهم أيضاً من المجاهيل، إلا أن المشكلة في مجاهيل كتاب عوالي اللآلي أنهم لم تُذكر أسماؤهم في أي مصدر آخر. 2. ينظر: البحراني، الحدائق الناضرة، ج1، ص99.

5. ثناء بعض الأعلام عليه ونقد ذلك في الطبعة الأولى من هذا الكتاب، كُتب مقدّمة أثنى فيها على ابن أبي جمهور بأوصافٍ من قبيل: «الجليل الحر النبيل، المحدّث المتكلّم، العارف المثالي، الزاهد الورع التقي...»، ثم دافع عنه. غير أنّ هذا الثناء – بحسب المؤلف – صدر عن حسن ظنّ وصفاء نيّة، وإلّا فإنّ الكتاب يفتقر إلى القيمة العلمية. ولو احتكمنا إلى المعايير العلمية المحضة، فإنّ هذه الروايات ساقطة عن الاعتبار من أصلها، وليست المشكلة في كونها مرسلة أو مسندة، كما توهّم بعضهم. كما أنّ المحدّث النوري، رغم ما بذله من جهد، أصرّ على قبول هذا الكتاب، لكنه اعترف بأنّ مقدمة الكتاب شديدة الاضطراب والخلل. وكذلك فإنّ صاحب روضات الجنات افتتح ترجمة ابن أبي جمهور بأوصافٍ مثل: «الشيخ الفاضل المحقق، والحر الكامل المدقق...»، لكنه انتهى إلى القول بأنّ وثاقته ومؤلفاته محلّ كلام. وقد استغرب المحدّث النوري من هذا التباين في كلام صاحب الروضات، ولعلّه كتب هذين الحكمين في زمنين مختلفين.

4. سندٌ مختلّ إلى العلّامة الحلي ذكر ابن أبي جمهور سبعةً من مشايخه، وروى عنهم الأحاديث بواسطة العلّامة الحلي وأصحابه. ثم نقل عن العلّامة أحاديث لا وجود لها في شيءٍ من مؤلفات العلّامة، كما أنّ أحداً غيره لم ينقلها عنه. فمن ذلك أنّه يروي عن العلّامة، عن زرارة، عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) حديثاً في باب تعارض الأخبار، يشبه مقبولة عمر بن حنظلة، مع أنّنا لا نجد في أيٍّ من مصادر أصحابنا، سواء السابقة على العلّامة أو اللاحقة له، حديثاً بهذا السند: «عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)» في موضوع التعارض، ولو بمقدار نصف هذا الحديث أو ربعه. وكذلك ينقل عن النبي (صلى الله عليه وآله) حديث «الناس مسلطون على أموالهم»، وحديث «ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك كلُّه»، مع أنّ هاتين الروايتين لا وجود لهما بهذا الإسناد في المصادر المعروفة، وإنما ظهرتا – بحسب هذا النقل – في تراث متأخر يرجع إلى القرن الحادي عشر الهجري. كما نقل ابن أبي جمهور عن كتاب «الاحتجاج»، ونسبه إلى أمين الإسلام الطبرسي صاحب «مجمع البيان»، مع أنّ كتاب «الاحتجاج» هو من تأليف أحمد بن علي الطبرسي، ولا صلة له بأمين الإسلام الطبرسي. وقد ذكر آقا بزرك الطهراني – فيما يبدو – أنّ صاحب «عوالي اللآلي» قد اشتبه فنسب الكتاب إلى أمين الإسلام، لكنّ الأمر – بحسب المؤلف – ليس مجرد اشتباه، بل يدلّ على عدم التخصص وقلة الإلمام بالكتب والمؤلفين؛ ولذلك نسب الكتاب إلى غير مؤلفه الحقيقي.

3. الأسانيد المجهولة إلى «صحيفة الرضا» يذكر ابن أبي جمهور عشرة أسانيد تمتدّ من عصره إلى «صحيفة الرضا»، إلا أنّ جميع هذه الأسانيد – باستثناء راوٍ أو راويين في آخر السند – تعاني من المشكلة نفسها. فلو افترضنا أنّ كل سند يشتمل على ثمانية عشر راوياً، فإنّ معظم هؤلاء الرواة مجهولون جهالةً مطلقة، ولا نجد أسماءهم في أيٍّ من كتب الرجال أو المصادر المعروفة. وعليه، فإنّ هذه الروايات مسندة من حيث الصورة والشكل، إلا أنّها – من جهة القيمة العلمية والاعتبار الرجالي – أسوأ حالاً من الروايات المرسلة؛ لأنّ الإسناد وإن كان متصلاً ظاهراً، إلا أنّه قائم على سلسلة من الرواة المجهولين الذين لا يُعرف لهم ذكرٌ ولا حال.

2. سندٌ مجهول إلى الكليني ينقل كتاب «عوالي اللآلي» أحياناً سنداً متصلاً إلى الشيخ الكليني، إلا أنّ رجال هذا السند غير معروفين، بل إنّ أسماءهم لم ترد في كتب الرجال عندنا. فابن أبي جمهور، وهو من علماء القرن التاسع الهجري، يذكر سلسلة إسناد تمتد إلى القرن الرابع الهجري، غير أنّ رجالها من هذا القبيل. ومن ذلك قوله: > «عن الشيخ محمد بن يعقوب الكليني، عن محمد بن محمد بن محمد بن محبوب...» مع أنّ محمد بن محمد بن محمد بن محبوب لا نجد له ذكراً في أيٍّ من كتب الرجال، ومن غير المعقول أن يكون قد امتلك شيئاً من تراث الكليني لم يطّلع عليه أحدٌ قبله؛ إذ إنّ كتب الكليني ومشايخه معروفة ومحددة. صحيح أنّ للكليني أربعة أو خمسة من المشايخ الذين لا يُعرف حالهم جيداً، مثل أحمد بن مهران وأبي داود، لكن هؤلاء غير محمد بن محمد بن محبوب. كما أنّ ابن أبي جمهور ينقل عن الكليني رواياتٍ لا نجد أسانيدها ولا متونها في شيءٍ من كتب الكليني، ولا في غيرها من المصادر. ومن هنا، فالمشكلة ليست في الإرسال، بل إنّ السند نفسه مختلٌّ من أساسه، ولا يمكن الاعتماد عليه.

1. عدم وجود المؤلِّف في سلسلة إجازات الأصحاب كان ابن أبي جمهور من أهل الأحساء، وكان يفد إلى مشهد مرةً كل عام، وينزل في دار متولّي الحرم، وهو السيد محسن الرضوي. ولم يمنح ابن أبي جمهور إجازةً حديثية لأحدٍ من علماء عصره، سوى هذا الشخص، الذي كان متولّي الحرم ومن أعيان الأشراف. وهذا الرجل لم تُعرف له إجازة عن أحد، ولم يُعرف أنّه أجاز أحداً، ولم يكن من أهل العلم أساساً، وإنما كان شخصيةً محترمة، فأعطاه ابن أبي جمهور إجازةً تبركية. وكذلك، لم يتلقَّ أحدٌ إجازةً لرواية كتاب «عوالي اللآلي». أما ابن أبي جمهور نفسه، فلم تُعرف له إجازة إلا من أبي الحسن علي بن هلال الجزائري، وكان مقيماً في لبنان، وقد لازمه ابن أبي جمهور مدة شهر أثناء رحلة الحج. ويذكر ابن أبي جمهور لنفسه سبعة مشايخ يروي عنهم بواسطة العلّامة الحلي وأصحابه، إلا أنّه – باستثناء علي بن هلال – لا يُعرف لأيٍّ منهم ذكرٌ في كتبنا الرجالية، بل إنّ أسماءهم نفسها لا نجدها في أي مصدر آخر. ومن بين هؤلاء السبعة والده، ولم نعرفه إلا من خلال قول ابن أبي جمهور: «أجازني والدي»، وإلا فلا نجد له ذكراً في أي موضع آخر. وهذا كلّه يكشف عن أنّ ابن أبي جمهور لم يكن ذا حضورٍ علمي بارز حتى في عصره، أو أنّ مشايخه لم يكونوا من الشخصيات المعروفة في الأوساط العلمية آنذاك.

مشكلات كتاب «عوالم اللآلي» كتب بعضُ الباحثين أنّ جميع روايات كتاب «عوالم اللآلي» مرسلة، إلا أنّ هذا الكلام غير صحيح. والأقرب أن يُحمل على أنّ قائليه لم يطّلعوا على الكتاب مباشرة، أو ليست لهم خبرة حديثية كافية، فلم يدركوا منهج صاحب «العوالي» وما الذي قام به في كتابه. فكتاب «عوالم اللآلي» يشتمل على مقدّمة وبابين، ولكلٍّ منهما فصول وأبواب. وهذه المجموعة الروائية ليست على نسقٍ واحد؛ فبعض رواياتها لها أصول معروفة، وقد نُقلت عن مصادر مشهورة. فمثلاً، في آخر الكتاب أورد المؤلف أحاديث كثيرة مرسلةً عن كتاب «التهذيب»، مع التصريح بمصدرها. وعليه، فهي في الحقيقة ليست مراسيل بالمعنى الدقيق؛ لأنّ «التهذيب» قد رواها بأسانيده، وأسانيدها موجودة فيه.

🔴🔴 معنى «قرب الإسناد» ومدى اعتباره كان بعضُ المشايخ في أواخر أعمارهم يؤلّفون كتباً تُسمّى «قرب الإسناد». فربما كان شخصٌ قد سمع حديثاً أو كتاباً من شيخٍ كبير في السنّ وهو في الخامسة عشرة من عمره، ثم يرويه لغيره عندما يبلغ الثمانين، وبهذه الطريقة تُختصر مسافة زمنية تقارب مائةً وخمسين سنة بواسطة راويين فقط. ولهذا سُمّيت هذه الكتب بـ «قرب الإسناد»، وهي معروفة لدى الشيعة وأهل السنّة. فمثلاً، لدى البخاري أسانيد تُعرف بـ أقرب الأسانيد، وكذلك عند الكليني، ومن أشهرها ثلاثيات الكليني، وهي الروايات التي يرويها عن الإمام الصادق (عليه السلام) بثلاث وسائط فقط. كما ألّف عبد الله بن جعفر الحميري (المتوفى نحو 297هـ) في أواخر عمره كتاب «قرب الإسناد»، وقد وردت فيه بعض الروايات عن الإمام الكاظم (عليه السلام) (ت 183هـ) بوسيطين فقط، أحدهما أستاذه عبد الله بن الحسن، حفيد علي بن جعفر، والآخر علي بن جعفر نفسه، فيكون السند: عبد الله بن الحسن بن علي بن جعفر، عن جدّه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)، وبهذا اختُصرت مسافة تقارب قرناً كاملاً بواسطة راويين فقط. ويُعدّ «قرب الإسناد» من الكتب المهمة والمشهورة، وكان متداولاً في قم، وموجوداً لدى الشيخ الصدوق، وهو من تأليف عبد الله بن جعفر الحميري (الأب). أمّا ابنه فهو محمد بن عبد الله الحميري، وكلاهما من الأعلام. والتوقيعات المشهورة المنسوبة إلى الحميري إنما وُجّهت إلى الابن محمد بن عبد الله بن جعفر، وهو من شيوخ الكليني، وقد روى عنه الكليني في الكافي في مواضع عدّة، والمقصود هناك هو الحميري الابن، فلا ينبغي الخلط بين الأب والابن. والكتب التي تُعدّ في اصطلاح المحدّثين من «المصنَّفات» لا يكون غرضها عادةً التمييز بين الروايات الصحيحة والضعيفة، بل تجمع الروايات جميعها. ولذلك يقول الشيخ الصدوق في مقدمة كتاب «من لا يحضره الفقيه»: > «ولم أقصد فيه قصد المصنّفين في إيراد جميع ما روي، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به، وأحكم بصحته، وأعتقد فيه أنه حجّة فيما بيني وبين ربّي». أي إنه لم يقصد تأليف كتابٍ يجمع كل ما رُوي، وإنما انتخب الروايات التي يفتي بمضمونها، ويحكم بصحتها، ويعتقد أنها حجّة بينه وبين الله تعالى. وعلى العكس من ذلك، فإنّ الشيخ الصدوق في كتاب «الخصال» لم يكن بصدد التحقق من صحة الأسانيد، وإنما كان هدفه جمع الروايات بحسب الأعداد؛ ففي باب «الواحد» يورد كل حديث ورد فيه لفظ «واحد»، وفي باب «الثلاث» كل حديث ورد فيه لفظ «ثلاث»، وكذلك في أبواب «الأربع» و«الخمس»، ولا ينظر – إلا في موارد نادرة – إلى صحة السند أو ضعفه. وهذا المنهج معروف منذ القديم، وليس أمراً مستحدثاً؛ إذ كانوا يطلقون على هذا النوع من المؤلفات اسم «المصنَّف»، ويُعبَّر عنه في الاصطلاح المعاصر بـ «الموسوعة» أو «دائرة المعارف». وعلى هذا الأساس، ليس من المعلوم أن عمل الحميري في كتاب «قرب الإسناد» كان قائماً على انتقاء الروايات الصحيحة أو تصحيح أسانيدها، وإنما المقصود من «قرب الإسناد» هو جمع الروايات التي تقلّ فيها الوسائط بين المؤلف والإمام الصادق أو الإمام الكاظم (عليهما السلام) أو غيرهما من الأئمة. وبما أنّ الكتاب من المصنَّفات، فإنّ طبيعته تقتضي جمع الروايات بحسب هذا المعيار، ولا يصحّ اعتبار مجرد إيراد الرواية فيه دليلاً على تصحيح الحميري لها. https://t.me/KunnashatAlMaddadi

🔴 3. تأثير العلّامة الحلي في المتأخرين عنه، كصاحب المدارك والمحقق الأردبيلي ثمّ، ومع مرور الزمن، أصبح الباب الذي فتحه العلّامة #الحلي سبباً في انفتاحٍ نسبي في الآفاق الفكرية. فمثلاً، يُعدّ صاحب جامع المقاصد من العلماء الذين كان لهم أثر في هذا الاتجاه؛ إذ امتاز بشيءٍ من التحرّر الفكري، وناقش بعض الآراء التي كانت تُعدّ إلى ذلك الحين من المسلّمات المشهورة. إلّا أنّ أوسع المناقشات في تراث المتقدمين ظهرت في آثار المحقق الأردبيلي؛ فقد ناقش كثيراً دعاوى الإجماع، كما ناقش أسانيد الروايات ودلالاتها، ويمكن القول إنّه أحدث في الفقه الشيعي موجةً علميةً كبيرة، لعلّ حجمها الحقيقي لم يُدرك بعد كما ينبغي. وقد تجلّت هذه المناقشات في تلميذيه، وهما صاحب المعالم وصاحب المدارك، وكانت أوضح في كتابات صاحب المدارك. غير أنّ المشكلة في كتاب المدارك أنّه – مع الأسف – غير مكتمل، إذ لم يتجاوز فيه إلى كتاب الحج. ولا أريد بذلك أن أقول إنّ جميع آرائه صحيحة؛ لأنّ صاحب المدارك طبّق بعض مباني العلّامة في الفقه بدقةٍ وظرافة، مع شيءٍ من التشدد والالتزام بها، فخرجت مبانيه الفقهية ذات طابعٍ خاص، واتّسمت آراؤه بكثير من الحدة، بخلاف المحقق الأردبيلي، فإنّ مناقشاته – وإن كانت واسعة – لم تبلغ هذه الدرجة من التشدد. وعلى أيّ حال، فإنّ كتب المحقق الأردبيلي، مثل «مجمع الفائدة والبرهان» و«آيات الأحكام»، تُعدّ من المصادر القيّمة التي يمكن الإفادة منها كثيراً في هذا المجال. كما كان المحقق #الأردبيلي أوّل من طعن في أسانيد الروايات الواردة في الغناء، وقد سبق أن ناقشنا هذه المسألة بالتفصيل في الأبحاث السابقة. https://t.me/KunnashatAlMaddadi

🔴 2. بداية المناقشات الرجالية الحديثة في الفقه الشيعي كان العلّامة الحلي أوّل من خرج – إلى حدٍّ ما – عن المنهج المتعارف في التعامل مع التراث الحديثي والفقهي. وكان العمل الذي بدأه ذا طابعٍ حديثي ورجالي بالدرجة الأولى. صحيح أنّه أحدث بعض التغييرات في البنية التحتية للبحث، إلا أنّها لم تُحدث في البداية أثراً علنياً كبيراً، غير أنّه افتتح بهذا العمل مرحلةً جديدة، فقسّم الحديث إلى أربعة أقسام: الصحيح، والضعيف، والحسن، والموثّق، وهو تقسيم لم يكن معروفاً قبل العلّامة. صحيح أنّ لفظ «الصحيح» قد ورد في عبارات الشيخ الصدوق أيضاً، كما إذا أورد روايةً ثم قال: «هذا الخبر صحيح»، إلا أنّ مراده من الصحيح يختلف عن الاصطلاح الذي وضعه العلّامة، فلا ينبغي الخلط بينهما. وكذلك ورد في بعض الروايات بشأن بعض الكتب التعبير: «صحيف فَغَلوبَيَه»، وكلمة «صحيح» هنا أيضاً ليست بالمعنى الاصطلاحي الذي اعتمده العلّامة. ومن المشكلات التي نواجهها في معارفنا الدينية عند المقارنة مع أهل السنّة أنّ بعض المفاهيم قد اختلطت عند أصحابنا. فأهل السنّة بدأوا مناقشة الأسانيد منذ حدود سنة 150هـ، وشرعوا في تمييز الروايات الصحيحة من السقيمة منذ نحو 180–190هـ، بينما لم يبدأ أصحابنا بهذا المسار إلا حوالي سنة 700هـ؛ أي إنّ بين التجربتين نحو خمسمائة سنة من الفارق. وكان العلّامة #الحلي (ت 726هـ) أوّل من قسّم الأحاديث إلى صحيح وسقيم. وإذا اعتبرنا أنّ شهرة مؤلّفاته بدأت نحو سنة 700هـ، فإنّ ذلك يعود إلى أوائل القرن الثامن الهجري. كما كان أوّل من درس طرق الشيخ #الصدوق في كتابٍ فقهي، وذلك في خاتمة كتاب الخلاصة، حيث يقول مثلاً: «طريق الصدوق إلى فلان صحيح، وإلى فلان ضعيف». فالكتاب الفقهي كُتب في القرن الرابع الهجري، لكنّ العلّامة قام بتقويم أسانيده في القرن الثامن، وبينهما فاصلٌ زمني طويل. وكان أيضاً أوّل من وصف روايات الكليني والشيخ الطوسي بالصحة والضعف، فيقول مثلاً: «روى الشيخ في الصحيح» أو «روى الشيخ في الحسن». وهكذا كان العلّامة أوّل من اعتمد هذا التصنيف في علم الرجال، ثم طبّقه في الفقه في كتابه «مختلف الشيعة». بينما كان أهل السنّة قد سبقوا إلى ذلك بقرون، فالإمام البخاري (ت 256هـ) ألّف في النصف الأول من القرن الثالث كتابه «الجامع الصحيح». ولمّا عمد #العلّامة إلى تضعيف عددٍ كبير من الروايات التي وردت في فتاوى الأصحاب وعملوا بها، برز بعده سؤال: كيف نتعامل مع هذه الروايات؟ ومن هنا، ومنذ زمن الشهيد الأول والشهيد الثاني، طُرحت مسألة الانجبار، فقالوا: إنّ الخبر ليس صحيحاً من حيث السند، ولكنّ عمل الأصحاب به يجبر ضعفه. وعليه، فإنّ مسألة جابرية الشهرة أو عدم جابريتها لم تكن مطروحة في الفقه الشيعي ولا في آثار المتقدمين، كالشيخ الطوسي، وإنّما ظهرت ابتداءً من القرن الثامن الهجري، ولذلك تُعدّ من المباحث التي انفرد بها الفقه الإمامي، ولا يوجد لها نظير في المذاهب السنية. ومن هنا ينبغي عند مناقشة أهل السنّة أن نكون حذرين من الخلط بين مباني المدرستين. نعم، كانت الشهرة الروائية تُذكر في مقابل الرواية الشاذة، كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «اترك الشاذَّ الذي ليس بمشهورٍ عند أصحابك»، إلا أنّ جابرية الشهرة المقصودة هنا تعني الشهرة العملية بالعمل بمضمون الرواية، لا مجرد شهرتها في النقل. https://t.me/KunnashatAlMaddadi

تأثير العلّامة الحلي في الحديث والفقه الشيعي 🔴 1. العلّامة الحلي: بداية العمل الواسع بحجّية الخبر إنّ طبيعة التراثين الحديثي
تأثير العلّامة الحلي في الحديث والفقه الشيعي 🔴 1. العلّامة الحلي: بداية العمل الواسع بحجّية الخبر إنّ طبيعة التراثين الحديثي والفقهي عند الشيعة وكيفية تلقّيهما تحتاج إلى شرحٍ مطوّل، غير أنّه يمكن القول بإيجاز: إنّ أساس الفقه الشيعي كان قائماً على حجّية الخبر الموثَّق؛ أي الخبر الذي تقوم عليه الشواهد والقرائن، ولم يكن بحث حجّية خبر الواحد مطروحاً آنذاك. وكان الشيخ الطوسي أوّل من طرح مسألة حجّية خبر الواحد في حدود السنوات 410–420هـ، وأصرّ عليها. ولأنّ بغداد كانت في ذلك العصر مركز العالم العلمي، ولوجود علماء أهل السنّة فيها، وما أنجزوه في هذا المجال، فقد كانت حجّية خبر الواحد قد ترسّخت فيها إلى حدٍّ كبير، ولم يكن يشكّ فيها إلا أفرادٌ قلائل. ومع ذلك، فإنّ الشيخ الطوسي في مقام التطبيق، وفي مؤلّفاته الفقهية، حافظ إلى حدٍّ ما على منهج علماء بغداد، فكان عمليّاً بعيداً عن البناء على حجّية الخبر بهذا المعنى. أمّا العلّامة الحلي، ففي القرن الثامن الهجري فقد التزم عمليّاً بالحجّية التعبّدية للخبر، وقد انعكس أثر ذلك بوضوح في مؤلّفاته. https://t.me/KunnashatAlMaddadi

🔴 الانتقائية في نقل الروايات عند الكليني والصدوق والطوسي، وأهمية الرجوع إلى المصادر الأصلية من الضروري الالتفات إلى أن اختلاف أصحاب الكتب الأربعة في نقل الروايات لا يرجع دائمًا إلى اختلافهم في قبول الحديث أو رده، بل قد يكون ناشئًا عن اختلاف المصادر التي كانت متوافرة لديهم، أو عن اختلاف المنهج الذي اتبعه كل واحد منهم في التصنيف. فالشيخ الكليني، والشيخ الصدوق، والشيخ الطوسي لم يكونوا مجرد ناقلين للروايات، وإنما كانوا يمارسون نوعًا من الاختيار والانتقاء وفقًا للمباني التي يعتمدها كل منهم. ولذلك فإن عدم وجود رواية في أحد هذه الكتب لا يعني بالضرورة أنها لم تكن معروفة، كما أن وجودها في أحدها لا يقتضي بالضرورة شهرتها بين جميع المحدثين. ولهذا لا يصح أن نجعل مجرد انفراد الشيخ الطوسي بنقل رواية سببًا لقبولها أو ردها، بل لا بد من البحث عن أصلها، وعن الكتاب الذي نقلها منه، وعن النسخة التي اعتمدها، وهل كانت تلك النسخة مشهورة أم لا، وهل وافقتها سائر الشواهد والقرائن أم لا. ومن هنا تظهر أهمية الدراسة الفهرستية؛ لأنها تكشف الطريق الذي وصلت به الكتب إلى أصحابها، وتوضح قيمة النسخ المعتمدة، وتميز بين ما ثبتت نسبته إلى مؤلفه وما لم تثبت، وهو ما لا يمكن الوصول إليه بمجرد دراسة الأسانيد على الطريقة الرجالية. ولهذا فإن كثيرًا من الإشكالات التي أثيرت حول بعض روايات التهذيب أو الاستبصار يمكن حلها إذا رجعنا إلى الأصول والكتب التي اعتمد عليها الشيخ الطوسي، بدلًا من الاقتصار على مقارنة الروايات الموجودة في الكتب الأربعة. وبذلك يتضح أن تقييم الروايات يحتاج إلى الجمع بين الدراسة الرجالية والدراسة الفهرستية؛ لأن لكل منهما مجاله الخاص، ولا يغني أحدهما عن الآخر. ومن هنا كانت العناية بالمصادر الأصلية، وبالنسخ، وبطرق انتقال الكتب، من أهم الأسس التي ينبغي أن يعتمدها الباحث في دراسة التراث الحديثي الإمامي. https://t.me/KunnashatAlMaddadi

منهج الشيخ الطوسي في كتاب التهذيب ومقارنته بمنهج الشيخ الكليني والشيخ الصدوق إنّ طرح هذه المسألة يفتح بابًا واسعًا للإشكال على التراث الحديثي الإمامي؛ لأن بعض الباحثين قد يتساءل: إذا كان الشيخ الطوسي قد اعتمد مصادر لم تصل إلينا، فكيف يمكن الوثوق بانفراداته؟ والجواب: إن الشيخ الطوسي لم يكن ينقل اعتباطًا، بل كان يرجع إلى مصادر حديثية متقدمة، ويستفيد منها، ويختار منها ما يراه صالحًا للاعتماد. ومن هنا، فإن الرجوع إلى المصادر الأصلية كلما أمكن هو الطريق الصحيح لفهم منهجه، لا الاقتصار على النظر في كتاب التهذيب وحده. ولهذا نجد أن الشيخ الطوسي أورد في التهذيب عددًا من الروايات التي لا توجد في الكافي ولا في كتب الشيخ الصدوق، وليس معنى ذلك أنها روايات شاذة أو غير معتبرة، وإنما يدل على أنه كان يمتلك مصادر حديثية أخرى لم تكن متوافرة عندهما، أو لم ينقلا عنها. ومن هنا أيضًا تختلف مناهج أصحاب الكتب الأربعة؛ فالشيخ الكليني، والشيخ الصدوق، والشيخ الطوسي، لكل واحد منهم منهج خاص في التعامل مع الروايات. فالكليني والصدوق قد يتركان بعض الروايات التي لا يريانها مناسبة، في حين يذكرها الشيخ الطوسي اعتمادًا على مصادر أخرى. ولعل الشيخ الطوسي كان يرى أن من المناسب حفظ هذه الروايات داخل المصنفات الحديثية، وإن لم تكن جميعها على مرتبة واحدة من حيث القوة والاعتبار؛ لأن المقصود من التهذيب لم يكن مجرد جمع الروايات الصحيحة، بل جمع المادة الحديثية المتعلقة بالأبواب الفقهية مع محاولة الجمع بين الأخبار المختلفة ورفع التعارض بينها. ولهذا لا ينبغي أن نقارن بين أصحاب الكتب الأربعة مقارنةً سطحية، فنحكم بمجرد وجود الرواية أو عدم وجودها في كتاب معين، بل لا بد من دراسة المصدر الذي نقلوا عنه، وطريقة النقل، والنسخة التي اعتمدوها، والقرائن المحيطة بالرواية، حتى يتضح وجه اعتمادها أو عدم اعتمادها. ومن هنا يتبين أن دراسة تراث الشيخ الطوسي لا تنفصل عن دراسة مصادره الحديثية، وأن الحكم على رواياته لا يصح بمجرد المقارنة مع الكافي أو كتب الشيخ الصدوق، بل يحتاج إلى تحقيق فهرستي وحديثي شامل. https://t.me/KunnashatAlMaddadi

مكانة الشيخ الطوسي بين علماء الشيعة ونقد آرائه لقد انعكس الاعتقاد بحجية انفرادات الشيخ الطوسي في كلمات عدد من الأعلام، حتى قيل: إن ما ينفرد بنقله الشيخ يكون حجةً في نفسه. إلا أنّ هذا المبنى ليس موضع اتفاق بين العلماء؛ فصاحب الجواهر، على سبيل المثال، ينقل هذا الرأي عن بعضهم، ثم يناقشه ولا يرتضيه. ومن أوائل من تعرّض لهذه المسألة الشيخ الطوسي نفسه؛ إذ ناقش دعوى الإجماع في بعض الموارد، وبيّن أن مجرد نقل الشيخ للرواية أو الحكم لا يكفي لإثبات صحته. كما أن الشيخ الكليني يختلف عنه في منهجه، إذ إن لكل واحد منهما طريقته الخاصة في التعامل مع الروايات. وتوجد في كلمات الشيخ الطوسي موارد كثيرة انفرد فيها بنقل نصوص أو آراء، سواء في الاستصحاب أو الجبر أو غيرهما من المسائل، حتى إن الشيخ الصدوق يُعدّ أكثر تحرّزًا منه في هذا الجانب، بينما نجد الشيخ الطوسي أوسع دائرةً في الإفادة من المصادر الحديثية. وبحسب الإحصاءات التي توصّلنا إليها، فإن ما يقرب من 20% من روايات التهذيب لا توجد في كتب الشيخ الصدوق، ونسبةً قريبةً من ذلك لا توجد في الكافي أيضًا. ويرجع السبب في ذلك إلى أن الشيخ الطوسي اعتمد مصادر حديثية إضافية لم تكن معتمدةً عند الكليني أو الصدوق، أو لم تصل إليهما. ولهذا فإن وجود رواية في التهذيب لا يعني بالضرورة أنها كانت مشهورة بين فقهاء الإمامية، كما أن عدم وجودها في الكافي أو في كتب الشيخ الصدوق لا يقتضي ردّها تلقائيًا؛ إذ إن الشيخ الطوسي كان يمتلك عددًا من المصادر التي لم تصل إلينا، وقد نقل عنها ما رآه صالحًا للاعتماد. ومن هنا، فإن بعض الأحاديث التي انفرد الشيخ الطوسي بنقلها قد تكون موجودةً في مصادر مفقودة، وإن كانت تلك المصادر لم تصل إلينا اليوم. ولذلك لا يصح الحكم على هذه الروايات بمجرد انفراد الشيخ بها، بل ينبغي الرجوع إلى مجموع القرائن التاريخية والحديثية لتقييمها. ومع الأسف، فإن كثيرًا من الباحثين المتأخرين تعاملوا مع التهذيب والاستبصار بوصفهما كتابين انتقائيين فحسب، مع أن الشيخ الطوسي كان يعتمد على طائفة واسعة من الأصول والكتب، وقد مارس عملية اختيار وترجيح بين الروايات، وهو ما يفسر وجود روايات لا نجدها في سائر الكتب الحديثية المعروفة. https://t.me/KunnashatAlMaddadi

🔴 انفرادات الشيخ الطوسي وأثره في التراث الإمامي دخل الشيخ الطوسي إلى بغداد سنة 408هـ، وغادرها أواخر سنة 449هـ متوجّهًا إلى النجف. وخلال هذه المدّة التي بلغت إحدى وأربعين سنة من إقامته في بغداد، ترك أثرًا بالغًا في تكوين الفكر الإمامي، ولا سيّما في الفقه التفريعي الذي بسطه ووسّع آفاقه، بخلاف الفقه المأثور الذي كان يغلب عليه الطابع النقلي. كما أن القسم الحديثي من كتابيه التهذيب والاستبصار، وما دوّنه في علم الأصول، إلى جانب مؤلفاته في الرجال والفهرست، قد أثّر تأثيرًا عميقًا في جميع المراحل اللاحقة للفقه والأصول والحديث. ومنذ ما يقرب من ألف سنة اشتهر أن الشيخ الطوسي تفرد بجملة من الآراء والروايات التي لم ينقلها غيره، حتى شاع بين علماء الإمامية أن كل ما ينفرد به الشيخ صحيح. غير أنّ هذا الإطلاق ليس دقيقًا؛ إذ إن الشيخ، على ما يظهر، قد سار على منهج علمي واسع، فاطّلع على مئات المصادر، وانتقى منها ما ارتآه مناسبًا، وربما نقل عن بعض الكتب ما لم ينقله غيره، الأمر الذي لا يقتضي بالضرورة صحة جميع تلك الانفرادات. ولهذا نرى أن أغلب تراث الإمامية بعد الشيخ الطوسي قد بُني على آرائه، بل إن كثيرًا من فتاوى المتأخرين، ولا سيّما أصحاب كتاب منهاج الصالحين، تعود جذورها إلى تحريراته العلمية، وإن لم يُصرّح بذلك. غير أن كلمات صاحب الجواهر تكشف بوضوح أن أصل فكرة حجية انفرادات الشيخ الطوسي ليست محل اتفاق؛ فقد نسبها إلى بعض الأعلام، ثم ناقشها، وبيّن أن مجرد انفراد الشيخ بنقل رواية أو حكم لا يكفي وحده لإثبات صحته، بل لا بد من ملاحظة سائر القرائن والشواهد العلمية التي تؤيد ذلك أو تضعفه. ومن هنا كثرت في كلمات العلماء مناقشة انفرادات الشيخ الطوسي في موضوعات متعددة، كأبواب الاستصحاب والجبر وغيرها. https://t.me/KunnashatAlMaddadi

ومن المؤسف أن كثيرًا من أعلام قم، ولا سيما الأشعريين، لا نعرف عنهم إلا معلومات يسيرة؛ فنعلم - مثلًا - أن أحمد بن محمد بن عيسى كان له أخ في العراق، لكن لا نعرف اسمه، كما نعلم أنه روى عن عدد كبير من المشايخ، إلا أن أخبار كثير منهم لم تصل إلينا. ومن هنا يتضح أن لدينا مشكلة حقيقية في معرفة مشايخ قم، وأن عددًا كبيرًا منهم ما يزال مجهول الحال، مع أنهم كانوا من كبار علماء هذه المدرسة.

(ب) المدارس الحديثية الشيعية والمدرسة الحديثية في قم يمكن تقسيم التراث الحديثي الشيعي إلى ثلاث مراحل رئيسة: المرحلة الأولى: من نحو سنة 80هـ إلى 150هـ، وقد نشأ خلالها ما يُعرف بالتراث الحديثي الأول في بغداد. المرحلة الثانية: ابتداءً من سنة 150هـ، حيث انتقل هذا التراث إلى قم، وفي حدود سنة 200هـ بدأت المدرسة الحديثية في قم مع قدوم إبراهيم بن هاشم ومن معه، واستمرت حتى نحو سنة 380هـ، أي إلى زمن وفاة الشيخ الصدوق. المرحلة الثالثة: ابتداءً من سنة 320هـ، حيث عاد التراث الحديثي الشيعي إلى بغداد، وتكوّنت المدرسة الحديثية البغدادية الثانية، التي استمرت حتى نحو سنة 450هـ. وأكثر ما وصل إلينا اليوم من معارف الشيعة، كعلم الفقه، والأصول، والرواية، والفهارس، والرجال، والتفسير، إنما وصل عن أعلام المدرسة البغدادية الثانية، أمثال الشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، والقاضي سلار، وأبي الصلاح الحلبي. ومع ذلك، فقد كان لكل من المدرسة القمية، والمدرسة البغدادية الأولى، والمدرسة البغدادية الثانية دورٌ أساسي في تنقيح التراث الحديثي وصياغته. وقد اشتهرت قم بهذا الاسم نسبةً إلى الأشعريين الذين استوطنوها، وهم - بحسب الرأي المشهور - من العرب الأشعريين . وبعد إسلام أسلافهم في اليمن، هاجر كبارهم إلى مكة، وكانوا من أوائل الداخلين في الإسلام، ومنهم أبو موسى الأشعري المعروف بحسن صوته، والذي كانت له صحبة للنبي ﷺ. ثم استقر الأشعريون في الكوفة، وكانت آنذاك مدينة حديثة اجتذبت سكان مكة والمدينة، كما انتقلت إليها قبائل كثيرة بعد فتح العراق، مع احتفاظ كل قبيلة بكيانها الاجتماعي، فكان لكل قبيلة حيٌّ خاص بها، كحي مذحج وحي هاني بن عروة. وفي زمن الإمام السجاد (عليه السلام)، وبعد مقتل المختار الثقفي، هاجر الأشعريون إلى قم سنة 80هـ، ثم تبعهم سائر أفراد قبيلتهم، حتى أصبحوا يعرفون بالأشعريين القميين. وكان لهم أثر بالغ في تحويل قم إلى مركز لإنتاج الحديث وتنقيحه ونشره، كما أسهم نفوذهم بين القبائل العربية في ترسيخ مكانة المدينة العلمية. وقبل هجرتهم لم تكن قم سوى تجمع صغير من الخيام، ثم قام الأشعريون بتعميرها وتقسيمها إلى سبع مناطق، واستقر كل بطن منهم في ناحية خاصة، حتى غدت قم أهم مركز سياسي في إيران آنذاك، واشتهر الأشعريون بقوة نفوذهم السياسي، حتى إن بعضهم نسب هذه القوة إلى أحمد الأشعري، إلا أن هذا التفسير غير صحيح، وإنما كان نفوذهم السياسي نتيجة عوامل أخرى. وقد اتُّهم بعض الأشعريين بالكذب، أي بالكذب في طريقة نقل الحديث لا بالكذب المصطلح؛ فمنهم من أُخرج من قم، كـ أحمد البرقي الذي أعيد إليها بعد ذلك، وكذلك سهل بن زياد الذي أُخرج منها ولم يُسمح له بالعودة. أما عيسى بن عبد الله القمي الأشعري، فليس واضحًا أنه كان شيعيًا بالمعنى الاصطلاحي، وإن كان يبدو من الموالين لأهل البيت (عليهم السلام). وقد روي أن الإمام الصادق (عليه السلام) قال له: «صلِّ صلاة الضحى»، وهي صلاة اشتهرت عند أهل السنة، ولذلك عدّها بعضهم من البدع. ويبدو أن عيسى لم يكثر من الرواية، بينما أكثر منها ابنه محمد، ويُحتمل بقوة أنه كان شيعيًا. وفي عصر الإمام الرضا (عليه السلام)، قدم عدد من كبار المحدثين إلى قم حاملين معهم أحاديث العراق، فقام الأشعريون بتنقيحها وتهذيبها، وكان لهم دور بارز في ذلك، حتى إن إسهامهم في إنتاج المعرفة الحديثية كان أوسع من مجرد نقل الروايات. كما وفد جماعة من علماء قم إلى الإمام الرضا (عليه السلام)، ومنهم أحمد الأشعري، وروى عنه، ووصل بعضهم أيضًا إلى الإمامين الجواد والهادي (عليهما السلام). وقد أفرد له النجاشي ترجمة مستقلة، وإذا جُمعت أخباره ظهر أنه قام بأعمال علمية مهمة بصورة مستقلة. واستمرت المدرسة الحديثية في قم حتى حدود سنة 380هـ، أي إلى وفاة الشيخ الصدوق، وبعده لا يُعرف من يمثل المدرسة القمية تمثيلًا واضحًا. ويبدو أن أول من نشط في الإنتاج العلمي فيها زكريا بن آدم، ثم عيسى الذي أدرك الإمام الصادق (عليه السلام). أما آخر مظاهر النتاج العلمي في قم، فهي توقيعات الحميري؛ فقد كان محمد بن عبد الله الحميري أستاذًا للكليني، وكان هو وأبوه من كبار أصحاب ابن فضال. وتشتمل توقيعاته على أسئلة كثيرة تتخللها أجوبة الإمام، ويبدو أنها صدرت نحو سنة 310هـ، وظلت متداولة حتى حدود 320هـ، وقد صرّح النجاشي بأنه رأى هذه التوقيعات بخطها الأصلي. وشهدت قم أيضًا مرحلة تنقيح الروايات؛ فكان أحمد الأشعري يجمع الأحاديث في دفاتر، ثم ينقحها ويصححها، ولم يكن علماء قم مجرد نقلة للروايات، بل كانوا يمارسون النقد والتمييز بين الصحيح وغيره، ولذلك كانت قم مركزًا للإنتاج العلمي، لا مجرد محطة لنقل الحديث. كما بقيت توقيعات مروية عن الإمام العسكري (عليه السلام) عند الشيخ الصدوق، ووصلت إلينا أيضًا توقيعات أخرى عنه.

المحوران الرئيسان في المباحث الفهرستية والرجالية في التراث الحديثي الشيعي (يمكن ـ بصورة عامة ـ تقسيم التراث الحديثي والإسنادي عند الشيعة إلى محورين رئيسين: المحور الأول: محور الروايات، ويشمل كتبًا مثل الكافي والتهذيب والاستبصار، وما تضمنته من روايات في الفقه والتفسير والحديث وغيرها. والمحور الثاني: محور الفهارس، وهو أيضًا يقوم على الأسانيد، إلا أنّ له ضوابطه الخاصة. وأهل السنّة يمتلكون محور الروايات، لكنهم لا يملكون محور الفهارس؛ ولذلك لا ينبغي الخلط بين المباحث الروائية عند أهل السنّة والمباحث الفهرستية عند الشيعة. وفي المحور الفهرستي تُبحث قضايا من قبيل: اسم الكتاب ومؤلفه، وثبوت نسبة الكتاب إلى مؤلفه، وتقويم الكتاب، واشتهار النسخة أو عدم اشتهارها، وتعيين النسخة التي نُقل عنها، والحكم بصحتها أو عدم صحتها. فعلى سبيل المثال، يروي #الشيخ الطوسي كتب #ابن فضّال بهذا الطريق: «عن أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير القرشي، عن ابن فضّال»؛ أي إنّ الكتاب ينتقل من بغداد إلى الكوفة؛ لأنّ كتاب ابن فضّال قد أُلِّف في الكوفة. وربما وصل ابن فضّال نفسه إلى بغداد، إلا أنّه ولا أحدًا من أبنائه قدم إلى قم. فإذا وُجد في قم نقلٌ عن كتاب ابن فضّال، ثار التساؤل: كيف وصل هذا الكتاب إلى قم في ذلك العصر، مع ما كان يحيط بالشيعة من ظروف صعبة وضعف في وسائل الاتصال؟ وكذلك، لا تذكر الفهارس لابن فضّال كتابًا في البيوع والشراء؛ فإذا وردت عنه رواية في هذا الباب، برز سؤال آخر، وهو: من أيّ كتاب من كتبه نُقلت هذه الرواية؟. يتبيّن مما سبق أنّ المباحث الفهرستية والمباحث الرجالية** بينهما فروق ينبغي مراعاتها دائمًا، ولا يصح الخلط بين المصطلحات الرجالية والمصطلحات الفهرستية. فمن ذلك أنّه في كتب أهل السنّة إذا اجتمع لهم سندان يلتقيان عند راوٍ واحد، كالمحقق الحلي، وضعوا حرف (ح) كبيرًا مع خط فوقه، فيكتبون مثلًا: «أخبرني فلان، عن فلان، عن المحقق الحلي»، وهذا الحرف اختصار لكلمة «التحويل» أو «تحويل الإسناد»؛ أي الانتقال من سند إلى سند آخر. ومن ذلك أيضًا ما ورد في كتاب معالم الدين، حيث ذكر المؤلف عدة أحاديث في فضل العلم، ثم بعد أن أورد أحد الأسانيد وضع حرف (ح) كبيرًا، وأتبع ذلك بإسناد آخر ينتهي إلى الموضع نفسه من الإسناد، وهذا ما يُعرف عندهم بـ الحويلة أو تحويل الإسناد، وإن كان المصطلح الأشهر هو الحويلة. وقد طبّق بعض الباحثين هذا المصطلح على بعض أسانيد الكافي؛ فمثلًا عندما يقول #الكليني: «عدة من أصحابنا، عن سهل، وعن علي بن إبراهيم، عن أبيه، وجميعًا عن ابن فضّال»، قالوا: إن هنا سندين: الأول: الكليني، عن عدة من أصحابنا، عن سهل، والثاني: الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، ثم يلتقي السندان عند ابن فضّال، وأن لفظة «جميعًا» تدل على أن سهل بن زياد وإبراهيم بن هاشم كليهما يرويان عن ابن فضّال، ومن ثم عدّوا ذلك من باب التحويل. غير أنّ الظاهر أنّه لا ينبغي إقحام المصطلحات الرجالية في البحوث الفهرستية؛ لأن التحويل مصطلح رجالي معروف في كتب أهل السنّة، أما ما نجده في أحاديثنا فليس من هذا الباب، وإنما هو من باب تعدد نُسَخ الكتب. فقول #الكليني: «عدة من أصحابنا، عن سهل»، ثم: «وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعًا عن ابن فضّال»، لا يدل على تحويل الإسناد، وإنما يشير إلى وجود نسختين من كتاب #ابن فضّال: إحداهما نسخة إبراهيم بن هاشم، والأخرى نسخة سهل بن زياد. ولذلك أرى أن التعبير الأدق في هذا المورد هو: «تعدد النسخ» لا «التحويل». القول السديد في الغناء والموسيقى: تقرير دروس سماحة آية الله السيد أحمد المددي الموسوي، بقلم الشيخ كاظم دليري، ص 418 . https://t.me/KunnashatAlMaddadi