Hussein.A.Salim
Ir al canal en Telegram
وَنَحنُ نُرَجّي الخُلدَ إِنْ فازَ قِدحُنا.. وَنَرهَبُ قِدحَ المَوتِ إِنْ جاءَ قامِرا..
Mostrar másEl país no está especificadoLa categoría no está especificada
261
Suscriptores
Sin datos24 horas
Sin datos7 días
-630 días
Archivo de publicaciones
وهنا تبرز أهمية عبد القاهر الجرجاني ونظرية النظم التي يطرحها بمصنفاتهِ البلاغيّة، إذ يُعيد صياغة مفهوم البلاغة الفنيّة على ضوء الخصائص الدقيقة للغة. فالجرجاني لم يقم مشروعه ليرجح كفة اللفظ على المعنى، ولا ليعيد الاعتبار إلى المعنى في ذاته، بل ليبين أنّ موطن الفن إنّما يتعيّن في العلاقة التي تنشأ بينهما لحظة انتظامهما في تركيب خاص. فالعمل الشعريّ لا يكتسب خاصيته الجماليّة من مفرداته وحدها، وكذلك ليس لمقاصده الذهنيّة اعتبار قبل أنْ تُصاغ، إنّما الأمر متوقف على الهيئة التي تتآلف بها العناصر داخل نظام يخلع عليها وظيفة جديدة، تتجاوز ما كانت عليه قبل الدخول فيه. بهذا المعنى يغدو الدافع الباطنيّ مهما بلغ شأنه، مادةً أولى لا تستكمل صورتها إلّا بقدر ما تُعاد صياغتها ضمن بناء يُحيلها من حالة وجدانيّة عامّة إلى بنية دلاليّة ذات أثر مخصوص. ومن ثمّ فإنّ المعنى يكتسب اعتباره متسقًا مع شبكة علاقات تجعله عنصرًا في كلّ منتظم، لا موضوعًا قائمًا بنفسه. استكمالًا لما تقدم، يمكن فهم القصور الكامن في المذهبين اللذين يشيعان في تلقي الشعر: ذاك الذي يتتبع المحسنات بوصفها علامات البلاغة القصوى، وذاك الذي يعلق قيمة النص على سمو مضمونه. كلاهما يُبقي الفن خارج حدوده؛ الأول يُشيئ اللغة ويجعلها أداة زينة، والثاني يُجردها إلى مجرد حامل لفكرة سابقة عليها. أما النظم، فيكشف أنّ البلاغة ليست في الإضافة ولا في الإحالة، بل في التحوّل: تحوّل المعنى حين يُنظَم، وتحوّل اللفظ حين يدخل في سياق يُحدد وظيفته ويُعيد تعريفه.
لعل الأدب، والشعر على وجه التحديد، من أكثر الفنون التي يشيع الخلط تجاهها، ومردّ ذلك لوظيفتها المزدوجة، فهي من ناحية تخاطب الحواس، عبر جرس لحنيّ يتمثل بالبنية العروضيّة والألفاظ، ومن ناحية أخرى تخاطب الإدراك عن طريق دلالات المضمون ومعانيه. وعلى الرغم من أنّ بقية الفنون تحمل كذلك ازدواجًا وظيفيًا بقدر ما، إلّا أنّ ما يُميز الشعر هو كونه يعتمدُ في كلتا وظيفتيه على منظومة متصلة، ألا وهي اللغة. ولذلك يمتنع تذوق المنتج الشعريّ دون اجتماع الوظيفتين، بغية الوصول إلى تركيب أكثر بلاغةً عن الحد التقريريّ من البيان. وفيما يتعلق بالخلط الذي يحصل في ذائقة المتلقي، فهو يأخذ اتجاهين بناءً على ما سبق، أحدهما يخال فن الشعر مرتهنًا بالمُحسنات اللفظيّة، التي تعتبر وفقًا له، إحقاقًا لذروة البلاغة، من خلال مظاهرها الشكليّة كالطباق والجناس والمقابلة، أما الاتجاه الآخر، فيرى أنّ العمل الفنيّ مرتبط بالمعنى بذاته، وكلّ بلاغته المنشودة هي مقتفية بالضرورة للقيم الخيرة، لأنّ الخير بتصوره هو مطلق الجمال وحده التام. بالحالة الأولى هناك اختزال للفن، أما في الحالة الثانية فالأمر لا يمت بصلة للاستطيقا الشعريّة! في الحقيقة، إن العيار الفنيّ للشعر متعلق بجوهره بنظم المعاني مع الألفاظ، حيث أنّ المعنى لا يظهر ولا يتمايز إلّا من خلال طريقة نظمه في اللفظ، فهو في الذهن شيء، و بعد صياغته في تركيب فنيّ شيء آخر من حيث الأثر البلاغيّ.
ثمّة خلط يبرز كثيرًا في التعامل مع مقول الإخلاص للفن، يتمثل بعدم الفصل ما بين الواعز الباطنيّ للأعمال، وما بين الصناعة الفنيّة التي تنتظم بأثره. فالمعنى الميتافيزيقيّ الذي يتبطنه الفنان يُعدُ دافعًا مُتخارجًا عن الغاية الجماليّة للعمل، لأنّه يقبع وراءه لا فيه، وإنْ أدخله في مضمونه ومادته كمحاكاة ذاتيّة. ذلك أنّ المعاني وجنسها، قد يؤثران في الإجادة التي يبلغها الفنان بلا شك، ولا سيما إذا كان المعنى يجس مناطق خاصة من الوجدان، غير أنّ هذا التأثير لا يُعول عليه في الاعتبارات المعياريّة للفن، كونه لا يدخل ضمن خصيصة الشيء الجميل، والذي يُلزم ما سواه به، مميزًا فنًا عن نظيره، وثيمة عن أخرى. فالمعنى بطبيعته عموميّ، تحوزه القوى التعبيريّة بمختلف حقولها، ولا يُنظر له بعين الأهمية إلّا بقدر ما تفرزه المفاعيل الجماليّة ضمن تركيبها الخاص، أي بوصفهِ مضمونًا منضويًا داخل المنتج الفنيّ. لننظر في معنى "الفقد" على سبيل المقاربة، ولنخصصه في موت قريب منا: سنلاحظ في حال الكشف عنه تحققه العام بعدة صيغ إبداعيّة، يأخذ الموت فيها مشتركًا موضوعيًا، مؤكدًا امتناع حصره بمجال فنيّ واحد. ففي الموسيقى نرى الألحان الجنائزيّة، وعند قراءة الأدب، نرصد المرثيات شعرًا ونثرًا، وفي المسرح تبرز لنا التراجيديا بشكلها الأكثر مأساويّة، وهكذا دواليك. الموت هنا، ربّما يكون مُلهمًا، بصفتهِ حالة ملحميّة يمر بها الموجود، وقد يجد فيه مضمون خصب لطاقاته الكامنة، لكن هل هو من يجعل الفن فنًا؟
في اللذة الفنيّة: كُلّ الأغراضِ الأخلاقيّة سواسية من جهة كونها معنىً يركب الدلالة، أي أنّها ليست على أي حالٍ عيارًا جماليًا يُمكن اعتباره، ولذا فإنّ الفنان الحقّ هو الذي يسبك المعنى-مهما كان غرضه-في قالبٍ يستوفي الجمال ذاته، بغض النظر عن أي جنبةٍ قيميّة أخرى. وفق هذا التأسيس أجدني كثيرًا ما أميلُ لأعمال إبداعية منافية لمُسلَّماتي ومبادئي العُليا، بل أصل فيها إلى حد الولع والافتتان وأحيانًا الإدمان، كما هو الأمر تجاه لوحات الكتدرائيَات المسيحيّة في العصر الباروكيّ، والتي تتضارب بالضرورة مع مواقفي الأخلاقيّة من الدين المسيحي وتأثيراته الغنوصيّة على الحضارة الحديثة، فضلًا عن استلذاذي الشديد بأعمال الميثولوجيا الدينيّة الخاصة بالكتاب المقدس، كأساطير القديس ماثيو، ومريم المجدليّة، والشهيد مار جرجس. والحال نفسه لا يختلف بتاتًا إزاء العقيدة الشيعيّة وإفرازاتها الفنيّة، فأنا من هواة الشعر الذي يكتبه أبو فراس الحمداني، وكُميت الأسدي، والفرزدق، ودعبل الخُزاعي وصولًا إلى المتأخرين منهم. وممّن يطربني أشد طربٍ بالوقت الراهن هو الشاعر بدر الدريع، الذي لم يكن شديد الوقعِ فقط عليَّ في قصيدتهِ: «سطا حُسنًا» المُدرجة أعلاه، إنّما حرضني للبكاء فورما قرأتها لأول مرة قبل عدة أعوام، إذ أنّ المسألة هنا لا تتعلق بمدى إيماني بشخصية الممدوح في قصيدة الدريع، بل هي مقرونة ببراعة الشاعر لجعل تلك الشخصية موضِعًا يُعتدُّ بهِ داخل الهياج الفنيّ، وهذا يلتقي مع ما أورده ابن رشيق القيرواني ذات مرة بكتابهِ (العُمدة في محاسنِ الشِعرِ وآدابهِ): «سُئِّلَ بعض أهل الأدب: من أشعر الناس؟ فقال: من أكرهك شعره على هجو ذويك ومدح أعاديك!».
وَيَا لَكَ مصقَعًا لَمْ يَلْقَ أُذُنًا..
فَأَخْجَلَ صَمْتُهُ الدُّنْيَا عِتَابَا..
@Hu222ein
تلك الفانتازيا التي تخال النخب العلميّة أشبه بالأدوات الخادمة للأخلاق والقيم النبيلة، سِيما إذا كان النخبوي غربيًا؛ عندئذٍ سيزدادُ التصور انكشاقًا للأفق، نظرًا للنزعة الدفينة-أو الظاهرة-التي ترى الغرب كترسانة عملاقة في المؤسسات الأكاديميّة، وبالتالي افتراضية إسقاط الرؤية عينها حتى على الجانب الأخلاقيّ، رغم لا ملازمة بينهما، خصوصًا وأنّ العلوم الحديثة بل والمعرفة برمتها تتجردُ عن الإلهام المتعالي أخلاقيًا-إذا لم تكن تُحقره في مواضع شتى-مما يسلب الجدوى من محاكمة الشخصيات الأكاديمية بناءً على تصور خارج عن حيثيات عملها، وكذا الحال ينطبق على تجارب مماثلة لهذا، ومنها على سبيل الذكر: قضية جيفري إبستين (جزيرة الانحرافات الجنسيّة) التي كشفت تورط العديد ممن يُشار لهم بالتقدير-مشاهير حول العالم-في جرائم كثيرة، وعلى مقدمتهم الفيزيائي المُعاق ستيفن هوكينغ، وهو الآخر لم تتمكن نخبنا من النظر له دونما إقحام الإرهاصات الأخلاقيّة؛ فالتقدميون كانوا يرون فيه السوبرمان فعليًا! (رغم أنّه لا يوجد سوبرمان يشبه العجينة)، علاوةً على مدح ضعفه وشلله باعتبارهما كفاح إنسانيّ قلّ نظيره. وأما الاتجاه المناوئ لذلك، أي المحافظين وأرباب التقليديّة، فمنذُ انتشار خبر جزيرة إبستين؛ ومجمل خطاباتهم تشبه ذاك الصياد البائس: الذي علقَ في سنارتهِ شسع نعل ممزق، فظنهُ سمكة كارب! كلاهما يشتركان بالهرمون الأخلاقيّ غير اللائق، والمقتحم لما لا يناسبه وظيفيًا، فلا فائدة من التشكيك في المكانة العلميّة لهوكينغ-كما ذهب بعضهم-على اعتبارِ المسألة غير ممتنعة أخلاقيًا، سواء كان في أقصى الأعلميّة أو أدناها.فيما يخص جيفري إبستين وهوكينغ، هذا مقتطف من مقال، قد كتبته منذ عامين، مُضمِنًا بعض ما يُثار حول هذه القضية مُذ بدأت شرارتها الأولى، والتي عادت هذه الأيّام كما في السابق، بصفتها ردود فعل لا توازي الفعل نفسه!
وعلى هذا الأساس، لا يعود التعاطي مع الأنساق مرتهنًا بقدرتها على تقديم حلول مكتملة أو وعود نهائيّة، بقدر ما يُقاس بمدى ما يطيلها من نقد سالب. فحينما يدّعي النسق الاكتمال، يتعيّن على الجدل أنْ يتدخل بوصفه ممارسة كشف لا مصالحة، وحركة توتير لا تسوية. إنّ قيمة الجدل هنا لا تكمن في ما يُنتج من بدائل، بل في ما يحول دون تحول البديل ذاته إلى نسق آخر، أي عندما يغدو التفكير النقديّ فعل مقاومة دائمة لمنطق الاكتمال. حيث يعمل الجدل السالب كحركة تقويض مستمرة لكلّ ادعاء بالانسجام، وكفعل نقديّ يُصير النسق دون انغلاقه على ذاته. ووفقًا لهذا المعنى، لا يمكن اعتبار النقد موقفًا عابرًا من نسق بعينه، بل إدراكًا دائمًا بحدود كلّ نسق، وإصرارًا على إبقاء التفكير مفتوحًا مقابل الدمج، عصيًا على التسوية، مهما تنوعت صيغ العقلنة وتبدلت أشكالها.
لا يمثل العبور المتعدد بين نسقٍ وآخرٍ في مجال المعرفة ضياعًا للبوصلة القصديّة بكلّ الحالات، رغم أنّه كثيرًا ما يشي بغياب المعيار الواضح للحكم، لأنّ التنقل ما بين الأنساق؛ يتطلبُ قُدرةً مُسبقةً على هضمِ النسق ضمن إمكانات يشترطها الحس النقديّ، وهو ممّا يتعذرُ على جمع غير قليل من المشتغلين في حقل الفكر. ذلك أنّ التنقل المقصود، بجانب إيعابه لحيثيات النسق ودقائقه، يفترض كذلك تجاوزًا لبُنى النسق ذاته، الأمر الذي يستلزم استحضارًا لما هو خارج عنه، وأعني الأنداد المُباشرة لكينونتهِ، فنقد النسق وتجاوزه لن يستقيما دونما الاستعانة بأدوات الأنساق الأخرى، سيما تلك التي تُشكل ضدًا وجوديًا له! تكمن أهمية هذا المسار النقديّ في قدرته النادرة على المناورة بمختلف الجهات، من غير الانتساب لجهة دون سواها، كونه يقدم الخطاب بوصفهِ جدلًا طليقًا، لا من النسق المُنتقَد فحسب، بل حتّى من باقي الأنساق، والتي تُستعمل وظيفيًا خلال عملية النقد الموجهة. وبهذا، يكون الجدل لوحده قيمة خاصة، تستقل عن الحلول الجاهزة التي يبشر بها النسق، مهما بلغت درجة التشابه والتضاد معه. لعل هذا ما يمنح ثيودور أدورنو مكانة بارزة في نموذجه النقديّ: (جدلية السلب) فهو الآخر لا يضع قصديّة إصلاحية تهدفُ إلى تسوية ما، إنّما يشرع في كتاباته الناقدة إلى التعرض للأنساق ومكاشفة مثالبها، دون القبول بالتسويات المصطنعة التي تفرضها العقلية النسقيّة. ولذلك نراه مُندفعًا في نقد الديالكتيك الهيغلي وتفكيكه مرارًا، فجدلية هيغل بالنسبة له تمثل القصور العقلانيّ بأجلى صوره، لأنّها تفترض بعد نفي النسق؛ تركيبًا عقلانيًا يحوي الصراعات القائمة، عن طريق نسق خطيّ يتناغم مع نهاية التاريخ، بينما أدورنو يرى أنّ هذه الطريقة تميل إلى تسوية التناقضات بطريقة تُخفي الصراع الحقيقيّ في الواقع، فضلًا عن إعادتها إنتاج النسق المُعارض لروح الجدل وسلبيته.
«لقد استطاعوا أنْ يجعلوا موتهم سلاحًا مطلقًا ضد نظام يحيا من استبعاده الموت، ومثاله هو صفر من القتلى، كلّ نظام يقوم على صفر من الموتى، هو نظام حصيلته: عدم! وكلّ وسائل الردع والدمار لن تكون مجدية ضد عدو سبق له أنْ جعل موته سلاحًا هجوميًا مُضادًا. هكذا إذًا، كلّ شيء هنا منوط بالموت، وليس فقط الانبثاق المفاجئ للموت عبر البث المباشر والزمن الواقعيّ، بل عبر انبثاق موت أكثر من واقعي بكثير: موت رمزيّ وشعائريّ، أي الحدث المطلق الذي لا راد له. تلك هي ذهنية الإرهاب. الامتناع عن مهاجمة النظام بمعايير موازين القوى. فمثل هذا هو المثال الثوريّ الذي لا تُكتب له الحياة إلّا إذا داوم على استدراج مهاجميه للقتال على أرض الواقع، التي هي لطالما كانت أرضه بل نقل الصراع إلى الدائرة الرمزيّة حيث القاعدة. هي قاعدة التحدي والارتكاس والمزايدة، بحيث لا يكون ممكنًا الرد على الموت إلّا بموت مماثل أو أشد».
– جان بودريار، من مقالة ذهنية الإرهاب
أقول هذا، وأنا أستذكر عيد النصر على تنظيم الدولة الإسلاميّة منذ بضعة أيّام، مستحضرًا شريط الأحداث في تلك الفترة العصيبة، والتي تقهقرت فيها الجيوش النظاميّة وخارت قواها عند توغل هذه العصابات داخل أراضيها، غير أنّ من المفارقات الكثيرة في تلك المعارك الضروس، هو الكيفية التي استعيدت بها الأراضي المسلوبة، وأعني بعد فتوى دينيّة، تُعرف بـ"الجهاد الكفائي" حيث تطوعت جمهرة واسعة من الأفراد في فصائل وميليشيات مُسلحة، شُحنت عقائديًا على نحو مُضاد لما يتبناه العدو، والمُكوِن بحكم ما أوردناه، تهديدًا وجوديًا لمقدساتهم، ولأثمن ما يملكون. الأمر الذي حسم المعركة الميدانيّة لصالحنا، نتيجة للاندفاع الشرس الذي أوقدته العقيدة في نفوس أصحابها، فلم تتوانَ الجموع المقاتلة عن قطف رؤوس جنود الخلافة، وقض مضاجعهم، وتصفيتهم الواحد تلو الآخر. ولئن عولت الدولة وقتذاك على قوات الأمن الحكوميّة وحدها؛ لما حصدت نفس النتائج المأمولة، لأنّ القوى الإرهابيّة بطبيعتها لا تخضع لقواعد الحرب المنظمة، بل هي تمتنع عن مهاجمة النظام "بمعايير موازين القوى" كونها تمتلك طرازها الخاص، وموتها الرمزيّ-الشعائريّ الذي يتنافر مع بنية النظام القيميّة. فهذا الموت وكما يورد جان بودريار في مقالتهِ «ذهنية الإرهاب»: لا يُمكن الرد عليه إلّا بموت مماثل وأشد. ولذلك قد مثلت تلك الفصائل العقائديّة، المُضادة بشكل نوعي لد١عش، إرهابًا عكسيًا، يقوم على الموت الرمزيّ هو الآخر. تختلف غايته بالتأكيد عن تنظيم الخلافة، وكذلك الوجهة التي تقدم القرابين إليها، فالإله المخصيّ ليس نفسه قطعًا، وإنّما الإله هنا هو أقرب للرُّوح الأرضيّة النبيلة، التي تقدس الأضرحة والمراقد وتتعبد لها في سبيله، وتذود عن الأرض التي احتضنت قبور أبطالها وأساطيرها، بنزعةٍ تُشبه الأصول الوثنيّة التي تضرب في أعماق هُوية المُنتمين لها، حيث يُواجَه الإرهاب الإسلاميّ بنفس الشاكلة والوسيلة، مع تباين المآرب النهائية.
لا عَدلَ إلَّا إنْ تَعادَلَتِ القُوى.. وتَصادَمَ الإرهابُ بالإرهابِ..
التنظيمات التي تتبنى السلفيّة الجهاديّة كمنهج عمليّ لها، لا يُمكن اختزالها في خانة الاصطناع، من قبيل نسبها لما هو خارج عن التراث الذي تدعي الانتماء له، فهي ليست حركة أيدلوجيّة مفتعلة بالضرورة، كما يذهب أغلب أندادها، بل هي بالإضافة إلى جنبتها الوضعيّة الواضحة؛ قوة تغذيها العقيدة، وينميها هاجس الفناء في سبيل الرمز المُتخيَّل. وهي تختلف بطبيعة الإيمان، عمّا تتسم به حركات التطهير الرُّوحي، والمتعالية عن الدنيويّ إخلاصًا لترنسندنتالية محضة، إذ تتجه الميول الجهاديّة بشكل واضح إلى «التضحية» عوضًا عن «التطهير الإيمانيّ»، مُبشرةً بعدمية أخرويّة، عمادها لا التهيؤ الذاتيّ المُفترض، إنّما سلب الذات وتوريتها تحت أنقاض المادة. فالإله الذي يتبارك الجهاديون بذكره، هو إله عدميّ، يحتفي بمصرع مؤمنيه، وينتشي برائحة الموت التي تفوح من جثثهم.
«ما أُريده أنْ تكون هذه الأحداث درسًا لمن أراد لنفسهِ أنْ تكون ذات شأن، فالاندفاع والتهور وبراءة الموقف في القضايا الكبرى، والتسرع والارتجال؛ كلّها صفات تؤدي بالمرء إلى المرارة في بيئات تتشابك فيها قبل أي شيء الأحقاد والحزازات والمصالح والعلاقات المتشابكة الغامضة، وهو ما لا أُريده لأي قارىء مهما بعدت المسافة بيني وبينه، ومهما طال الزمن بين كتابة هذه المذكرات وقراءتها».
– الجواهري| مُذكراتي-ج٢-ص١٧٠
واحدة من السير الذاتيّة التي قرأتها مؤخَرًا ومُتأخِرًا في الآن ذاته، كانت مذكرات الشاعر محمد مهدي الجواهري، بجزئيها الطويلين. وأذكر ذلك، لأنّني اقتنيتها منذُ زمنٍ، ولكنني تقاعستُ عنها انشغالًا بسواها. وبالحقيقة لا أُبالغ لو قلتُ بأنّها أفضل عمل محلي-عراقي عُنيّ بالسيرة الخاصة من بين الأعمال التي اطلعتُ عليها. ما يُميز هذهِ المُذكرات، علاوةً على جنبتها الجماليّة الواضحة، هو مكانة وأهمية صاحبها في التاريخ الحديث للبلد، فالجواهري بوصفهِ شاعرًا وفاعلًا داخل الحياة السياسيّة؛ يتجاوز بتأثيرهِ النُخب الأدبيّة، لما تبوأه من مناصب سابقًا داخل النظام المَلَكي، وترأسه كذلك لعدة صحف سياسيّة معارضة، ليكون شاهدًا حيًا، بعمره الذي قارب المئة عام، على أعتى الحوادث وأمرها في العراق خلال القرن الماضي، مُتلقيًا أضدادها الثقيلة على حياته التي تُشبه حياة الشعب المُنتمي له، بجميع أطباعه وانفعالاته. مُذكرات الجواهري ليست تدوينًا كتبه مؤرخ ما، أو توثيق طويل عده صحفي متمرس، ربّما هي تجمع ما بينهما، لكنّها وقبل كلّ شيء عمل أدبي، يصور لنا الجواهري كما هو، دون تصنيمات مثاليّة قد تُلحق بهِ هيامًا أو بغضًا.
إنّ أكثر ما يوقد التفكر عند قراءة السير الذاتيّة هي تلك الألفة التي نتحسسها خلال سردياتها، فكلّما تعمقنا في تمعن هذه الأعمال؛ بدا لنا تقلص الفوارق المعتادة بين سلطة الكاتب وقارئه، كما لو أنّ الهالة التي تكتسي المؤلف تبدأ بالخفوت حينما يتحول الحديث عن حياته الخاصة، إذ تتغير طرق التلقي، تبعًا لهذا الانتقال الذي يجري من اللاشخصيّ المتمثل بالموضوع إلى الخصوصيّ المكون للذات، لتتجه تبعًا لهذا؛ بوصلة التركيز نحو «العادي» عوضًا عن «المثال»! في نهاية الأمر، تبقى المسألة متوقفة على جهود المؤلف نفسه، فهو وحده القادر على إضفاء جماليات المُهمَل من حياته والظفر بحيثيات مفارقاتها، لأّنّ أعمال السيرة الشخصيّة ليست مجرد تدوين للأحداث، ونقل تقريري عمّا طرأ في التاريخ الخاص فحسب، وإنّما هي قبل ذلك كلّه؛ منتوجٌ إبداعيّ، يشترط حسًا نثريًا عاليًا في الأسلوب والصياغة اللغويّة. ولعلّ هذا ما دفع الكثير، حتّى ممّن لديه مَلَكَة الكِتابة، الاستعانة بكُتابٍ مُتخصصين في مؤلفات السيرة الذاتيّة، ليكتبوا مذكراتهم الخاصة. وهنا يتبادر إلى ذهني السياسيّ البريطاني ونستون تشرشل، الذي استعان بالعديد من المحررين والكُتاب أثناء تأليف مذكراته، رغم ما يُعرف عنه من براعة كتابيّة رفيعة البيان.
في الصباحات الماطرة: ثمّة حضور للحنين أكثر من أي زمنٍ آخر، وكأنّ الذاكرة تفلت زمامها قبالة الغيث الهاطل، ففي زخاتهِ استحضار لتلك الأيّام الماضية، حيث توهب السماء عطاياها على أديم الوجود وروحه. وهناكَ وجهكِ، يتراءى بين وابلِ الغيم، ليحاصرني في سرابهِ طويلًا، مُنبِهًا، بل ومُذكِرًا إياي بما حفره الدهرُ من أيّام الأُنس والصبابة. آهٍ يا حبيبتي، كم تنقضي الأعوام سِراعًا، وكم تتشابه شهورها بغيرِ حضنكِ الدافئ. أتذكرين ذلك النص الذي دونتهُ برفقتكِ في مطعمنا المُعتاد وبليلةٍ ماطرةٍ أيضًا؟ كُنتِ غايتهُ الماثلة بحقّ، فما من حرفٍ كُتبَ فيه إلّا وبسمتكِ اليافعة تتجلى قبله، لأنّكِ تعلمينَ مليًا أنّه أُستهلم منكِ، ومن ذاك الزمن الذي يستشعرهُ قلبي ببطء لذيذ معكِ. لا زلت أذكر نظرتكِ الأخاذة وأنتِ تقرأين مقطعه: «برفقة حبيبتي يُمسي كلّ شيء مَيّالًا للإحساس بالكون». لتدسين بعدها أصابعكِ بين كفيَّ حالما انتهيت منهُ، واضعةً جبهتكِ الناعمة على عنقي، لا أُغالي لو قلتُ أنّني شعرتُ بأنّ الأرض أعادت تنظيم نفسها في تلك اللحظة، حيث بدت الموازين مُغايرةً لكلّ أشكالها، بما فيها المطر الذي كان يهطل خارج النوافذ.
في خضمِ تقلباتِ الطقس التي يمنحها الخريف، ثمّة شعور خاص يتوالدُ حسيًا داخل هذا الفصل، يبدو مزيجًا بين البرودة والهواء المُنعش عند مَغيب الشمس، والحرارة الدافئة بعد بزوغها، وكأنّه يستجلبُ ملامحَ الشتاء عند اعتدال نسماته، والصيف لافظًا آخرَ أنفاسهِ اللاهبة. أما الجسد، فهو رهين لذاك التقلب؛ تتمايز أحواله بتغير حالات الجو، وتصطبغ بما تمليه أطياف الطبيعة وتحولاتها. ففي الحرارة تنفتح الحواس على أفق العالم، لأنّ الجسم يعيش أقصى حالات انكشافهِ على مرأى الوجود، كونه أكثر حركةً وانبساطًا ممّا هو عليه في الوضع الخريفيّ الآخر، وهذا يخلق حالة من التعرّض الدائم: الضوء، الحرارة، الروائح، الأصوات، العرق. حيث أنّ الجسد يُدرك العالم عبر الانكشاف والسطوع والاحتكاك بالهواء، ممّا يجعل الإحساس الخارجيّ هو المسيطر، فالعالم يبدو أكثر قربًا من الجلد، بالكاد يفصلنا عنه شيء ما. بينما تحت هيمنة البرد يغدو الجسد متفاعلًا مع الوجود عبر الدفء والانكماش، إذ يُصبح الشعور الداخليّ مركزًا للتجربة عوضًا عن الخارج، لأنّه يكتسب قوته خلال كثافة الموجود وعسر استلابهِ للفضاء البرانيّ، فيتحوّل الجسد من أداة شفافة، لا نحسُّ بها عادة، إلى شيءٍ نحضره إلى وعينا الفرديّ. بمعنى ظاهراتيّ: الجسد يصير مرئيًا لذاته، نعود إلى الإحساس به كشيء حيّ، وليس كوسيلة فقط.
