إِعرَاب اَلقُرآن الكرِيم
Ir al canal en Telegram
Mostrar más
El país no está especificadoLa categoría no está especificada
325
Suscriptores
Sin datos24 horas
+27 días
+1930 días
Archivo de publicaciones
ويروى أنه قيل لمالكِ بنِ أنس: إنَّ أهلَ الشامِ يقرؤون ستةً وثلاثين موضعاً: إبراهام بالألف، فقال: أهلُ دمشقِ بأكل البطيخ أبصرُ منهم بالقرآءة. فقيل: إنَّهم يَدَّعون أنها قراءةُ عثمانَ، فقال: هذا مصحفُ عثمانَ فَأَخْرجه فوجَدَه كما نُقِل له. الثالثة: إبراهِم بألفٍ بعد الراء وكسرِ الهاءِ دون ياءٍ، وبها قرأ أبو بكر، وقال زيدٌ بن عمرو بن نفيل:
708 - عُذْتُ بما عاذَ به إبراهِمُ ... إذ قالَ وَجْهي لك عانٍ رَاغِمُ
الرابعة: كذلك، إلا أنه بفتحِ الهاءِ. الخامسة: كذلك إلا أنه بضمِّها. السادسة: إبْرَهَم بفتح الهاء من غير ألفٍ وياء، قال عبد المطلب:
709 - نحنُ آلُ اللهِ في كَعْبته ... لم نَزَلْ ذاكَ على عهد ابْرَهَمْ
السابعة: إبراهوم بالواو. قال أبو البقاء: «ويُجْمع على أَباره عند قومٍ وعند آخرين بَراهم. وقيل: أبارِهَة وبَراهِمَة، ويجوز أَبَارهة» وقال المبرِّد: «لا يقال: بَراهِمَة فإنَّ الهمزةَ لا يَجُوز حَذْفُها» . وحكى ثعلب في جمعِه: بَراه، كما يُقال في تصغيره: «بُرَيْه» بحذفِ الزوائدِ.
والجمهورُ على نصبِ «إبراهيم» ورفعِ «ربُّه» كما تقدَّم، وقرأ ابن عباس وأبو الشعثاء وأبو حنيفة بالعكس. قالوا: وتأويلُها دَعَا ربَّه، فسَمَّى دعاءَه ابتلاءً مجازاً لأنَّ في الدعاءِ طلبَ استكشافٍ لِما تجري به المقاديرُ. والضميرُ المرفوعُ في «فَأَتَّمَّهُنَّ» فيه قولان: أحدُهما أنه عائدٌ على «ربه» أي: فأكملهنَّ. والثاني: أنه عائدٌ على إبراهيم أي: عَمِل بهنَّ وَوَفَّى بهنَّ.
قوله: {قَالَ إِنِّي} هذه الجملةُ القولية يجوز أَنْ تكونَ معطوفةً على ما قبلَها، إذا قلنا بأنها عاملةٌ في «إذ» لأن التقديرَ: وقالَ إني جاعِلُكَ إذا ابتلى، ويجوزُ أن تكونَ استئنافاً إذا قلنا: إنَّ العاملَ في «إذ» مضمرٌ، كأنه قيل: فماذا قال له ربُّه حين أتَمَّ الكلماتِ؟ فقيل: قال: إني جاعِلُك. ويجوزُ فيها أيضاً على هذا القولِ أن تكونَ بياناً لقوله: «ابتلى» وتفسيراً له، فيُرادُ بالكلماتِ ما ذَكَره من الإِمامةِ وتَطْهِيرِ البيتِ ورَفْعِ القواعدِ وما بعدَها، نَقَل ذلك الزمخشري.
قوله: {جَاعِلُكَ} هو اسمُ فاعلٍ من «جَعَلَ» بمعنى صَيَّر فيتعدَّى لاثنين أحدُهما: الكافُ وفيها الخلافُ المشهورُ: هل هي في محلِّ نصبٍ أو جرٍّ؟ وذلك أن الضميرَ المتصل باسمِ الفاعلِ فيه ثلاثة أقوال، أحدُها: أنه في محلِّ جرٍّ بالإِضافة. والثاني: أنه في محلِّ نصبٍ، وإنَّما حُذِفَ التنوينُ لشدةِ اتصالِ الضميرِ، قالوا: ويَدُلُّ على ذلك وجودُه في الضرورةِ كقوله:
710 - فما أَدْري وظني كلَّ ظَنِّ ... أَمُسْلِمُني إلى قومي شُراحي
وقال آخر:
711 - هُمُ الفاعلونَ الخيرَ والآمِرُونه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا على تسليمِ كونِ نون «مُسْلِمُني» تنويناً، وإلاَّ فالصحيحُ أنها نونُ وقايةٍ. الثالث - وهو مذهبُ سيبويه -/ أنَّ حكمَ الضميرِ حكمُ مُظْهره فما جاز في المُظْهَرِ يجوزُ في مضمرِه. والمفعولُ الثاني إماماً.
قوله: {لِلنَّاسِ} يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه متعلِّقٌ بجاعل أي لأجلِ الناس. والثاني: انه حالٌ من «إماماً» فإنه صفةُ نكرةٍ قُدِّم عليها. فيكونُ حالاً منها، إذ الأصلُ: إماماً للناسِ، فعلى هذا يتعلقُ بمحذوفٍ. والإِمامُ: اسمُ ما يُؤْتَمُّ به أي يُقْصَدُ ويُتَّبَعُ كالإِزار اسمُ ما يُؤْتَزَرُ به، ومنه قيل لخيط البَنَّاء: «إمام» ، ويكون في غيرِ هذا جَمْعاً لآمّ اسمِ فاعلٍ من أَمَّ يَؤُمُّ نحو: قائم وقِيام: ونائِم ونِيام وجائِع وجِياع.
قوله: {وَمِن ذُرِّيَّتِي} فيه ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها، أَنَّ «مِنْ ذريتي» صفةً لموصوفٍ محذوفٍ هو مفعولٌ أولُ، والمفعولُ الثاني والعاملُ فيهما محذوفٌ تقديرُه: «قال واجْعَلْ فريقاً من ذريتي إماماً» قاله أبو البقاء. الثاني: أنَّ «ومِنْ ذُرِّيَّتي» عطفٌ على الكافِ، كأنَّه قال: «وجاعلُ بعضِ ذريتي» كما يُقال لك: سَأُكْرمك، فتقول: وزيداً. قال الشيخ: «لا يَصِحُّ العطفُ على الكافِ لأنَّها مجرورةٌ، فالعطفُ عليها لا يكونُ إلا بإعادة الجارّ، ولم يُعَدْ، ولأنَّ» مِنْ «لا يُمْكِنُ تقديرُ إضافةِ الجارِّ إليها لكونِها حرفاً، وتقديرُها مرادفةً لبعض حتى تَصِحَّ الإِضافةُ إليها لا يَصِحُّ، ولا يَصِحُّ أن يقدَّرَ العطفُ من باب العطفِ على موضعِ الكاف لأنَّه نصبٌ فَتُجْعَلَ» مِنْ «في موضعِ نصبٍ لأنَّه ليسَ مِمَّا يُعْطَفُ فيه على الموضعِ في مذهبِ سيبويهِ لفواتِ المُحْرِزِ، وليسَ نظيرَ ما ذَكَر لأن الكاف في» سأكرمك «في موضعِ نصبٍ. الثالث: قال الشيخ:» والذي يَقْتضيه المعنى أن يكونَ «مِنْ ذرّيَّتي» متعلقاً بمحذوفٍ، التقديرُ: واجْعَلْ مِنْ ذرِّيّتي إماماً لأنَّ «إبراهيم» فَهِمَ من قولِه: «إني جاعلُك للناسِ إماماً الاختصاصَ، فسأل أَنْ يَجْعل مِنْ ذريتِه إماماً» فإنْ أرادَ الشيخُ التعلُّق الصناعيُّ فيتعدَّى «جاعل» لواحدٍ، فهذا ليسَ بظاهرٍ، وإن أرادَ التعلُّقَ المعنويَّ فيجوزُ أَنْ يريدَ ما
إعراب مفصلالدر المصون للسمين الحلبي سورة البقرة آية ١٢١ قولُه تعالى: {الذين آتَيْنَاهُمُ} : رفعٌ بالابتداء، وفي خبرهِ قولان، أحدُهما: «يَتْلُونه» ، وتكونُ الجملةُ من قولِه «أولئكَ يؤمنون» : إمَّا مستأنفةً وهو الصحيحُ، وإمَّا حالاً على قولٍ ضعيفٍ تقدَّم مثلُه أولَ السورة. والثاني: أنَّ الخبرَ هو الجملةُ من قوله: «أولئك يؤمنون» ويكونُ «يتلونه» في محلِّ نصبٍ على الحالِ: إمّا من المفعولِ في «آتَيْناهم» وإمَّا من الكتاب، وعلى كِلا القَوْلَيْن فهي حالٌ مقدَّرة، لأنَّ وقتَ الإِيتاء لم يكونوا تالين، ولا كانَ الكتابُ مَتْلُوّاً. وجَوَّز الحوفي أن يكونَ «يَتْلونه» خبراً، و «أولئك يؤمنون» خبراً بعد خبر، قال: «مثلُ قولهم:» هذا حلوٌ حامِضٌ «كأنه يريدُ جَعْلَ الخبرينِ في معنى خبرٍ واحدٍ، هذا إنْ أُريد ب» الذين «قومٌ مخصوصونَ، وإنْ أريدَ بهم العمومُ كانَ» أولئكَ يُؤمِنونُ «الخبرَ. قال جماعة - منهم ابنُ عطية وغيرُه -» ويَتْلُونه «حالٌ لا يُسْتَغْنى عنها وفيها الفائدةُ» . وقال أيضاً أبو البقاء: «ولا يجوزُ أن يكونَ» يَتْلُونه «خبراً لئلا يلزَمَ منه أنَّ كلَّ مؤمِنٍ يتلو الكتاب حقَّ تلاوتِه بأيِّ تفسيرٍ فُسِّرَت التلاوةُ» . قال الشيخ: «ونقول ما لَزِمَ من الامتناع مِنْ جَعْلِها خبراً يلزمُ في جَعْلِها حالاً لأنَّه ليس كل مؤمنٍ على حالِ التلاوة بِأيّ تفسير فُسِّرت التلاوة» . قوله: {حَقَّ تِلاَوَتِهِ} فيه ثلاثة أوجه، أحدُها: أنَّه نُصِبَ على المصدرِ وأصلُه: «تلاوةً حقاً» ثم قُدِّم الوصفُ وأُضيفَ إلى المصدرِ، وصار نظير: «ضَرَبْتَ شديدَ الضربِ» أي: ضَرْباً شديداً. فلمّا قُدِّم وصفُ المصدرِ نُصِبَ نَصْبَه. الثاني: أنه حالٌ من فاعل «يَتْلونه» أي: يَتْلُونه مُحِقِّينِ، الثالث: أنه نَعْت مصدرٍ محذوفٍ. وقال ابن عطية: «و» حَقَّ «مصدرٌ والعاملُ فيه فعلٌ مضمرٌ وهو بمعنى أَفَعَل، ولا تجوزُ إضافتُه إلى واحدٍ معرَّفٍ، إنما جازَتْ هنا لأنَّ تَعَرُّفَ التلاوةِ بإضافتِها إلى الضميرِ ليس بتعرُّفٍ مَحْضٍ، وإنما هو بمنزلةِ قولهِم: رجلٌ واحدُ أمِّه ونسيج وحدِه» يعني أنه في قوةِ أفعَلِ التفضيلِ بمعنى أحقَّ التلاوةِ، وكأنه يرى أنَّ إضافةَ أفعل غيرُ محضةٍ، ولا حاجَةَ إلى تقديرِ عاملٍ فيه لأنَّ ما قبله يَطْلُبُه. والضميرُ في «به» فيه أربعةُ أقوالٍ، أحدُها - وهو الظاهرُ -: عَوْدُه على الكتاب. الثاني: عَوْدُه على الرسولِ، قالوا: «ولم يَجْرِ له ذِكْرٌ لكنَّه معلومٌ» ولا حاجةَ إلى هذا الاعتذارِ فغنه مذكور في قولِه: «أَرْسلناك» ، إلا أنَّ فيه التفاتاً من خطابٍ إلى غَيْبة. الثالثُ: أنَّه يعودُ على اللهِ تعالى، وفيه التِفاتٌ أيضاً من ضميرِ المتكلِّمِ المعظِّمِ نفسَه في قولِه: «أَرْسلناك» إلى الغَيْبة. الرابعُ: قال ابن عطية: «إنه يعودُ على» الهدى «وقَرَّره بكلامٍ حَسَنٍ. قوله: {وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} العاملُ في» إذا «قال. . . العامِلُ فيه» اذكر «مقدراً، وهو مفعولٌ، وقد تقدَّم أنَّه لا يَتَصَرَّفُ. فالأَوْلَى ما ذَكَرْتُه أولاً، وقَدَّره. . . كان كَيْتَ وكَيْتَ، فَجَعَلَه ظرفاً، ولكنَّ عاملَه مقدرٌ. و» ابتلى «وما بعده في محلِّ خفضٍ بإضافةِ الظرفِ إليه. وأصلُ ابتلى: ابتلَوَ، فألفُه عن واوٍ، لأنَّه من بَلا يَبْلو أي: اختبرَ. و» إبراهيمَ «مفعولٌ مقدمٌ، وهو واجبُ التقديمِ عند جمهورِ النحاةِ؛ لأنه متى اتَّصل بالفاعلِ ضميرٌ يعودُ على المفعولِ وَجَبَ تقديمُه لئلا يعودَ الضميرُ على متأخِّرٍ لفظاً ورتبةً. هذا هو المشهورُ، وما جاءَ على خلافِهِ عَدُّوه ضرورةً. وخالَفَ أبو الفتح وقال:» إنَّ الفعلَ كما يَطْلُبُ الفاعلَ يطلُبُ المفعولَ فصارَ لِلَّفظِ به شعورٌ وطَلَبٌ «وقد أنشد ابن مالك أبياتاً كثيرةً تأخَّر فيها المفعولُ المتصلُ ضميرُهُ بالفاعلِ، منها: 706 - لَمَّا عصى أصْحابُه مُصْعَباً ... أَدَّى إليه الكيلَ صاعاً بصاعْ ومنها: 707 - جَزَى بَنُوه أَبا الغَيْلانِ عن كِبَرٍ ... وحُسْنِ فِعْلٍ كما يُجْزَى سِنِمَّارُ وقال ابنُ عطية:» وقَدَّم المفعولَ للاهتمامِ بمَنْ وَقَع الابتلاءُ [به] ، إذ معلومٌ أنَّ اللهَ هو المبتلي، واتصالُ ضميرِ المفعولِ بالفاعلِ موجِبٌ للتقديم «يعني أنَّ الموجِبَ للتقديمِ سببان: سببٌ معنويٌّ وسببٌ صناعي. و» إبراهيم «عَلَمٌ أَعْجَمي، قيل: معناه قبل النقلِ: أبٌ رحيمٌ، وفيه لغاتٌ تسعٌ، أشهرُها: إبراهيم بألف وياء، وإبراهام بألِفَيْن، وبها قرأ هشام وابنُ ذكوان في أحدِ وَجْهَيْهِ في البقرةِ، وانفرَدَ هشام بها في ثلاثةِ مواضعَ من آخرِ النساءِ وموضِعَيْنِ في آخرِ بَراءة وموضعٍ في آخرِ الأنعام وآخرِ العنكبوت، وفي النجم والشورى والذاريات والحديد والأول من الممتحنة، وفي إبراهيم وفي النحل موضعين وفي مريم ثلاثة، فهذه ثلاثة وثلاثون موضعاً منها خمسةَ عشرَ في البقرة وثمانيةَ عشرَ في السور المذكور. ورُوي عن ابن عامر قراءة جميع ما في القرآن كذلك.
ملخص الإعراب{ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( البقرة: 121 ) } ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبنيّ على الفتح في محلّ رفع مبتدأ. ﴿ءَاتَيْنَاهُمُ﴾: فعل ماض مبنيّ على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، و "نا" ضمير متّصل مبنيّ على السكون في محلّ رفع فاعل، و "الهاء": ضمير متّصل مبنيّ على الضمّ في محلّ نصب مفعول به أول، و "الميم": للجمع. ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول به ثان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وجملة "آتيناهم الكتاب" صلة الموصول لا محلّ لها من الإعراب. ﴿يَتْلُونَهُ﴾: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنَّه من الأفعال الخمسة، و "الواو" ضمير متّصل مبنيّ على السكون في محلّ رفع فاعل، و "الهاء": ضمير متّصل مبنيّ على الضمّ في محلّ نصب مفعول به. وجملة "يتلونه" في محلّ رفع خبر المبتدأ "الذين". وجملة المبتدأ والخبر ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب. ﴿حَقَّ﴾: مفعول مطلق منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وحق مضاف. ﴿تِلَاوَتِهِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة، و "الهاء": ضمير متصل مبنيّ على الكسر في محلّ جرّ مضاف إليه. ﴿أُوْلَئِكَ﴾: اسم إشارة مبنيّ على الكسر في محلّ رفع مبتدأ، و "الكاف" حرف خطاب مبني على الفتح لا محلّ له من الإعراب. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون لأنَّه من الأفعال الخمسة، و "الواو" ضمير متّصل مبنيّ على السكون في محلّ رفع فاعل. والجملة "يؤمنون" خبر المبتدأ "أولئك". وجملة المبتدأ والخبر استئنافية لا محلّ لها من الإعراب. ﴿بِهِ﴾: الباء حرف جرّ مبنيّ على الكسر لا محلّ له من الإعراب، والهاء: ضمير متّصل مبنيّ على الكسر في محلّ جرّ بالباء. والجارّ والمجرور متعلّقان بالفعل "يؤمنون". ﴿وَمن﴾: الواو حرف استئناف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، من: اسم شرط جازم مبنيّ على السكون في محلّ رفع مبتدأ. ﴿يَكْفُرْ﴾: فعل مضارع مجزوم؛ لأنَّه فعل الشرط، وعلامة جزمه السكون، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو يعود إلى "من". ﴿بِهِ﴾: جارّ ومجرور متعلقان بالفعل "يكفر". ﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء واقعة في جواب الشرط مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، أولئك: اسم إشارة مبنيّ على الكسر في محلّ رفع مبتدأ، و "الكاف" حرف للخطاب. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ( أو في محلّ رفع مبتدأ ثان. خبره "الخاسرون"، وجملة "هم الخاسرون" خبر المبتدأ "أولئك" ). ﴿الْخَاسِرُونَ﴾: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو؛ لأنَّه جمع مذكر سالم، وجملة "فأولئك هم الخاسرون" في محلّ جزم جواب الشرط، وجملة فعل الشرط وجوابه في محلّ رفع خبر المبتدأ. وجملة "ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون" استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ عِدَّةُ مُؤَكِّدَاتٍ هِيَ: حَرْفُ (إِنَّ) وَالْقَصْرُ، إِذِ الْقَصْرُ تَأْكِيدٌ على تَأْكِيد مَا فِي «الْمِفْتَاحِ» فَهُوَ فِي قُوَّةِ مُؤَكِّدَيْنِ، مَعَ تَأْكِيدِ الْقَصْرِ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ وَهِيَ تَنْحَلُّ إِلَى أَرْبَعَةِ مُؤَكِّدَاتٍ لِأَنَّ الْقَصْرَ بِمَنْزِلَةِ تَأْكِيدَيْنِ وَقَدِ انْضَمَّ إِلَيْهِمَا تَأْكِيدُ الْقَصْرِ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ وَتَأْكِيدُ الْجُمْلَةِ بِحَرْفِ (إِنَّ).
وَقَوْلُهُ: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)
اللَّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وَذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِلْخَبَرِ وَتَحْقِيقٌ لَهُ.
وَعَبَّرَ عَنْ طَرِيقَتِهِمْ هُنَالِكَ بِالْمِلَّةِ نَظَرًا لِاعْتِقَادِهِمْ وَشُهْرَةِ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَعَبَّرَ عَنْهَا هُنَا بِالْأَهْوَاءِ بَعْدَ أَنْ مَهَّدَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى) فَإِنَّ الْهَوَى رَأَيٌ نَاشِئٌ عَنْ شَهْوَةٍ لَا عَنْ دَلِيلٍ، وَلِهَذَا لَمْ يُؤْتَ بِالضَّمِيرِ الرَّاجِعِ لِلْمِلَّةِ وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالِاسْمِ الظَّاهِرِ فَشَمِلَتْ أَهْوَاؤُهُمُ التَّكْذِيبَ بِالنَّبِيءِ وَبِالْقُرْآنِ وَاعْتِقَادَهُمْ أَنَّ مِلَّتَهُمْ لَا يَنْقُضُهَا شَرْعٌ آخَرُ.
وَقَوْلُهُ: (مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) تَحْذِيرٌ لِكُلِّ مَنْ تَلَقَّى الْإِسْلَامَ أَنْ لَا يَتَّبِعَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَهْوَاءَ الْأُمَمِ الْأُخْرَى، جَاءَ عَلَى طَرِيقَةِ تَحْذِيرِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: 65] وَهُوَ جَوَابُ الْقَسَمِ وَدَلِيلُ جَوَابِ الشَّرْطِ لِأَنَّ اللَّامَ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ فَالْجَوَابُ لَهَا.
وَجِيءَ بِ (إِنِ) الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي تَأْتِي فِي مَوَاقِعِ عَدَمِ الْقَطْعِ بِوُقُوعِ شَرْطِهَا لِأَنَّ هَذَا فَرْضٌ ضَعِيفٌ فِي شَأْنِ النَّبِيءِ [1] وَالْمُسْلِمِينَ.
وَالْوَلِيُّ الْقَرِيبُ وَالْحَلِيفُ.
وَالنَّصِيرُ كُلُّ مَنْ يُعِينُ أَحَدًا عَلَى مَنْ يُرِيدُ بِهِ ضُرَّا وَكِلَاهُمَا فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ.
وَعَطْفُ النَّصِيرِ عَلَى الْوَلِيِّ احْتِرَاسٌ لِأَنَّ نَفْيَ الْوَلِيِّ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ كُلِّ نَصِيرٍ إِذْ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ وَلِيٌّ لِكَوْنِهِ دَخِيلًا فِي قَبِيلَةٍ وَيَكُونُ أَنْصَارُهُ مِنْ جِيرَتِهِ.
وَكَانَ الْقَصْدُ مِنْ نَفْيِ الْوِلَايَةِ التَّعْرِيضَ بِهِمْ فِي اعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ فَنَفَى ذَلِكَ عَنْهُمْ حَيْثُ لَمْ يَتَّبِعُوا دَعْوَةَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نَفَى الْأَعَمَّ مِنْهُ وَهَذِهِ نُكْتَةُ عَدَمِ الِاقْتِصَارِ عَلَى نَفْيِ الْأَعَمِّ.
وَقَدِ اشْتَمَلَتْ جُمْلَةُ (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ) إِلَى آخِرِهَا عَلَى تَحْذِيرٍ مِنَ الطَّمَعِ فِي اسْتِدْنَاءِ الْيَهُودِ أَوِ النَّصَارَى بِشَيْءٍ مِنَ اسْتِرْضَائِهِمْ طَمَعًا فِي إِسْلَامِهِمْ بِتَأَلُّفِ قُلُوبِهِمْ فَأَكَّدَ ذَلِكَ التَّحْذِيرَ بِعَشَرَةِ مُؤَكِّدَاتٍ وَهِيَ الْقَسَمُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللَّامِ الْمُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ.
وَتَأْكِيدُ جُمْلَةِ الْجَزَاءِ بِـ (إِنَّ) وَبِلَامِ الِابْتِدَاءِ فِي خَبَرِهَا.
وَاسْمِيَّةُ جُمْلَةِ الْجَزَاءِ وَهِيَ (مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ).
وَتَأْكِيدُ النَّفْيِ بِمِنْ فِي قَوْلِهِ مِنْ وَلِيٍّ.
وَالْإِجْمَالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ بِذِكْرِ اسْمِ الْمَوْصُولِ وَتَبْيِينِهِ بِقَوْلِهِ مِنَ الْعِلْمِ.
وَجَعْلُ الَّذِي جَاءَ (أَيْ أُنْزِلَ إِلَيْهِ) هُوَ الْعِلْمُ كُلُّهُ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِغَيْرِهِ لِنُقْصَانِهِ.
وَتَأْكِيدُ (مِنْ وَلِيٍّ) بِعَطْفِ (وَلا نَصِيرٍ) الَّذِي هُوَ آيِلٌ إِلَى مَعْنَاهُ وَإِنِ اخْتَلَفَ مَفْهُومُهُ، فَهُوَ كالتأكيد بالمرادف.
__
[1] الأولى أن تكون العبارة هكذا: لِأَنَّ هَذَا فَرْضٌ [محال] فِي شَأْنِ النَّبِيءِ، وَضَعِيفٌ فِي شَأْنِ الْمُسْلِمِينَ.] لمكان عصمته - صلى الله عليه وسلم -. اهـ
فائدةكتاب التحرير والتنوير سورة البقرة آية ١٢٠ (وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (120) عَطْفٌ عَلَى قَوْله: (وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ) [الْبَقَرَة: 119] أَوْ عَلَى (إِنَّا أَرْسَلْناكَ) [الْبَقَرَة: 119] وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْكَلَامُ الْمُؤَيِّسُ مِنْ إِيمَانِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ قَبْلَهُ التَّأْنِيسَ وَالتَّسْلِيَةَ عَلَى نَحْوِ مَجِيءِ الْعِتَابِ بَعْدَ تَقْدِيمِ الْعَفْوِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) [التَّوْبَة: 43] وَهَذَا مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالنَّفْيُ بِـ (لَنْ) مُبَالغَة فِي التأييس لِأَنَّهَا لنفي الْمُسْتَقْبل وتأبيده. وَمَعْنَى الْغَايَةِ فِي (حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) الْكِنَايَةُ عَنِ الْيَأْسِ مِنِ اتِّبَاعِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ يَوْمَئِذٍ لِأَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا لَا يَرْضَوْنَ إِلَّا بِاتِّبَاعِهِ مِلَّتَهُمْ فَهُمْ لَا يَتَّبِعُونَ مِلَّتَهُ، وَلَمَّا كَانَ اتِّبَاعُ النَّبِيءِ مِلَّتَهُمْ مُسْتَحِيلًا كَانَ رِضَاهُمْ عَنْهُ كَذَلِكَ عَلَى حَدِّ (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ) [الْأَعْرَاف: 40] وَقَوْلُهُ: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) [الْكَافِرُونَ: 2، 3] وَالتَّصْرِيحُ بِلَا النَّافِيَةِ بَعْدَ حَرْفِ الْعَطْفِ فِي قَوْلِهِ: (وَلَا النَّصارى) لِلتَّنْصِيصِ عَلَى استقلالهم بِالنَّفْيِ وَعدم الِاقْتِنَاعُ بِاتِّبَاعِ حَرْفِ الْعَطْفِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُظَنُّ بِهِمْ خِلَافُ ذَلِكَ لِإِظْهَارِهِمْ شَيْئًا مِنَ الْمَوَدَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى) [الْمَائِدَة: 82] وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيءِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّبِعٍ مِلَّتَهُمْ وَأَنَّهُمْ لَا يُصَدِّقُونَ الْقُرْآنَ لِأَنَّهُ جَاءَ بِنَسْخِ كِتَابَيْهِمْ. قَوْلُهُ: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى) وَالْمَعْنَى أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ الْهُدَى وَمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ لَيْسَ مِنَ الْهُدَى لِأَنَّ أَكْثَرَهُ مِنَ الْبَاطِلِ. فَإِضَافَةُ الْهُدَى إِلَى اللَّهِ تَشْرِيفٌ، وَالْقَصْرُ إِضَافِيٌّ. وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ حَرَّفُوهُ وَوَضَعُوهُ، فَيَكُونُ الْقَصْرُ إِمَّا حَقِيقِيًّا ادِّعَائِيًّا بِأَنْ يُرَادَ هُوَ الْهُدَى الْكَامِلُ فِي الْهِدَايَةِ فَهُدَى غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى هُدَى الْقُرْآنِ كَلَا هُدًى لِأَنَّ هُدَى الْقُرْآنِ أَعَمُّ وَأَكْمَلُ فَلَا يُنَافِي إِثْبَاتَ الْهِدَايَةِ لِكِتَابِهِمْ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدًى وَنُورٌ) [الْمَائِدَة: 44] وَقَوْلُهُ: (وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ) [الْمَائِدَة: 46] وَإِمَّا قَصْرًا إِضَافِيًّا أَيْ هُوَ الْهُدَى دُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ مِلَّةٍ مُبْدَلَةٍ مَشُوبَةٍ بِضَلَالَاتٍ وَبِذَلِكَ أَيْضًا لَا يَنْتَفِي الْهُدَى عَنْ كَثِيرٍ من التعاليم والنصائح الصَّالِحَةِ الصَّادِرَةِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَأَهْلِ الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ وَالتَّجْرِبَةِ لَكِنَّهُ هُدًى نَاقِصٌ. وَقَوْلُهُ: (هُوَ الْهُدى) الضَّمِير ضمير فصل. وَالتَّعْرِيفُ فِي الْهُدَى تَعْرِيفُ الْجِنْسِ الدَّالِّ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ مِنْ طُرُقِ الْحَصْرِ هُمَا ضَمِيرُ الْفَصْلِ وَتَعْرِيفُ الْجُزْأَيْنِ وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا إِفَادَةُ تَحْقِيقِ مَعْنَى الْقَصْرِ وَتَأْكِيدِهِ لِلْعِنَايَةِ بِهِ فَأَيُّهُمَا اعْتَبَرْتَهُ طَرِيقَ قَصْرٍ كَانَ الْآخَرُ تَأْكِيدًا لِلْقَصْرِ وَلِلْخَبَرِ أَيْضًا. وَالتَّوْكِيدُ بِـ (إِنَّ) لِتَحْقِيقِ الْخَبَرِ وَتَحْقِيقِ نِسْبَتِهِ وَإِبْطَالِ تَرَدُّدِ الْمُتَرَدِّدِ لِأَنَّ الْقَصْرَ الْإِضَافِيَّ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ رَدَّ اعْتِقَادِ الْمُخَاطَبِ قَدْ لَا يَتَفَطَّنُ الْمُخَاطَبُ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ فَزِيدَ هُنَا مُؤَكَّدٌ آخَرُ وَهُوَ حَرْفُ (إِنَّ) اهْتِمَامًا بِتَأْكِيدِ هَذَا الْحُكْمِ.
إعراب مفصلالدر المصون للسمين الحلبي سورة البقرة آية ١٢٠ قوله تعالى: {هُوَ الهدى} : يجوزُ في «هو» أَنْ يكونَ فَصْلاً أو مبتدأً وما بعدَه خبرُه، ولا يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ «هدى الله» لمجيئِه بصيغةِ الرفعِ، وأجازَ أبو البقاء فيه أن يكونَ توكيداً لاسم إنَّ، وهذا لا يجوزُ فإن المضمَر لا يؤكِّدُ المُظْهَرَ. قوله: {وَلَئِنِ اتبعت} هذه تسمَّى اللامَ الموطِّئَةَ للقسم، وعلامتُها أَنْ تقعَ قبلَ أدواتِ الشرطِ، وأكثرُ مجيئِها مع «إنْ» وقد تأتي مع غيرِها نحو: {لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ} [آل عمران: 81] ، {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} [الأعراف: 18] وسيأتي بيانُه، ولكنها مُؤذِنةٌ بالقسم اعتُبر سَبْقُها فَأُجيبَ القَسَمُ دونَ الشرطِ بقوله: {مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِيٍّ} وحُذِفَ جوابُ الشرط. ولو أُجيب الشرطُ لَوَجَبَتِ الفاءُ، وقد تُحْذَفُ هذه اللامُ ويُعْمَلُ بمقتضاها/ فيجابُ القَسَمُ نحو قوله تعالى: {وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ} [المائدة: 73] . قوله: «من العِلْم» في محلِّ نصب على الحال من فاعل «جاءك» و «مِنْ» للتبعيض، أي جاءَكَ حالَ كونِه بعضَ العلم.
ملخص الإعراب{ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ( البقرة: 120 ) } ﴿وَلَنْ﴾: الواو حرف استئناف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، لن: حرف نفي ونصب مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿تَرْضَى﴾: فعل مضارع منصوب بلن وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف للتعذر. ﴿عَنْكَ﴾: حرف جرّ مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب، و "الكاف" ضمير متّصل مبنيّ على الفتح في محلّ جرّ بعن. والجارّ والمجرور متعلّقان بالفعل "ترضى". ﴿الْيَهُودُ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. وجملة "لن ترضى" استئنافية لا محلّ لها من الإعراب. ﴿وَلَا﴾: الواو حرف عطف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، لا: حرف زائد مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿النَّصَارَى﴾: معطوف على اليهود، مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر. ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية وجر مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿تَتَّبِعَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد "حتى"، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. والمصدر المؤول من "أن تتبع" في محلّ جرّ بحرف الجرّ. والجارّ والمجرور متعلّقان بـ"ترضى". ﴿مِلَّتَهُمْ﴾: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وهو: مضاف. و "الهاء": ضمير متّصل مبنيّ على الضمّ في محلّ جرّ مضاف إليه، والميم: علامة جمع الذكور. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر مبنيّ على السكون والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. وجملة "قلْ" استئنافية لا محلّ لها من الإعراب. ﴿إِنَّ﴾: حرف توكيد ونصب مشبّه بالفعل مبنيّ على الفتح. ﴿هُدَى﴾: اسم "إنّ" منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف للتعذر، وهو: مضاف. ﴿اللَّهِ﴾: لفظ الجلالة مضاف إليه مخفوض، وعلامة خفضه الكسرة الظاهرة. ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبنيّ على الفتح في محلّ رفع مبتدأ. أو لا محلّ له من الإعراب. ﴿الْهُدَى﴾: خبر المبتدأ مرفوع، ( أو خبر "إنّ" مرفوع إذا اعتبرنا "هو" لا محلّ له من الإعراب )، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر. وجملة المبتدأ والخبر في محلّ رفع خبر "إنّ". وجملة "إنّ" واسمها وخبرها في محلّ نصب "مقول القول". ﴿وَلَئِنِ﴾: الواو حرف استئناف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، و "اللام": موطئة للقسم، والقسم محذوف دلت عليه اللام، إن: حرف شرط جازم مبنيّ على السكون. وقد ترك بالكسر لالتقاء الساكنين. ﴿اتَّبَعْتَ﴾: فعل ماض مبنيّ على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، والتاء ضمير متّصل مبنيّ على الفتح في محلّ رفع فاعل، والفعل الماضي في محلّ جزم لأنَّه فعل الشرط. ﴿أَهْوَاءَهُمْ أهواء﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو: مضاف، و "الهاء": ضمير متّصل مبنيّ على الفتح في محلّ جرّ مضاف إليه، و "الميم": للجمع. ﴿بَعْدَ﴾: ظرف زمان منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، متعلِّق بالفعل "اتبعت"، وهو مضاف. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبنيّ على السكون في محلّ جرّ مضاف إليه. ﴿جَاءَكَ﴾: جاء: فعل ماض مبنيّ على الفتح والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو يعود إلى "ما"، و "الكاف" ضمير متّصل مبنيّ على الفتح في محلّ نصب مفعول به. وجملة "جاءك" صلة الموصول لا محلّ لها من الإعراب. ﴿مِنَ﴾: حرف جرّ مبنيّ على السكون، وقد ترك بالفتح منعا لالتقاء الساكنين لا محلّ له من الإعراب. ﴿الْعِلْمِ﴾: اسم مجرور بمن، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. والجارّ والمجرور متعلّقان بمحذوف حال من الفاعل المستتر في "جاء". ﴿مَا﴾: حرف نفي مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿لَكَ﴾: اللام: حرف جرّ مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، و "الكاف" ضمير متّصل مبنيّ على الفتح في محلّ جرّ باللام، والجارّ والمجرور متعلّقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مِنَ﴾: حرف جرّ مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿اللَّهِ﴾: لفظ الجلالة اسم مخفوض بمن وعلامة خفضه الكسرة الظاهرة. والخافض والمخفوض متعلّقان بمحذوف حال من "وليّ". ﴿مِنْ﴾: حرف جرّ زائد. ﴿وَلِيٍّ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحلّ بحركة حرف الجرّ الزائد. وجملة "ما لك من الله من وليّ" لا محلّ لها من الإعراب؛ لأنها جواب قسم محذوف، وجواب الشرط محذوف دلّ عليه جواب القسم. ﴿وَلَا﴾: الواو حرف عطف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، لا: حرف زائد لتأكيد النفي. ﴿نَصِيرٍ﴾: معطوف على "ولي" مجرور تبعًا للفظه، وعلامة الجرّ الكسرة الظاهرة.
فائدةكتاب التحرير والتنوير سورة البقرة آية ١١٩ (إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (119) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ حِكَايَاتِ أَحْوَالِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، الْقَصْدُ مِنْهَا تَأْنِيسُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ أَسَفِهِ عَلَى مَا لَقِيَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّا يُمَاثِلُ مَا لَقِيَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ كَانَ يَوَدُّ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ فَيَتَأَيَّدُ بِهِمُ الْإِسْلَامُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَإِذَا هُوَ يَلْقَى مِنْهُمْ مَا لَقِيَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَوْ أَشَدَّ وَقَدْ قَالَ «لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنَ الْيَهُودِ لَآمَنَ بِي الْيَهُودُ كُلُّهُمْ» فَكَانَ لِتَذْكِيرِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِأَنَّهُ أَرْسَلَهُ تَهْدِئَةً لِخَاطِرِهِ الشَّرِيفِ وَعَذَرَ لَهُ إِذْ أَبْلَغَ الرِّسَالَةَ وَتَطْمِينٌ لِنَفْسِهِ بِأَنَّهُ غير مَسْئُول عَنْ قَوْمٍ رَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِالْجَحِيمِ. وَفِيهِ تَمْهِيدٌ لِلتَّأْيِيسِ مِنْ إِيمَانِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَجِيءَ بِالتَّأْكِيدِ وَإِن كَانَ النَّبِي لَا يَتَرَدَّدُ فِي ذَلِكَ لِمَزِيدِ الِاهْتِمَامِ بِهَذَا الْخَبَرِ وَبَيَانِ أَنَّهُ يُنَوِّهُ بِهِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ تَنْوِيهِ شَأْنِ الرَّسُولِ. وَجِيءَ بِالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ ضَمِيرُ الْجَلَالَةِ تَشْرِيفًا لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعِزِّ الْحُضُورِ لِمَقَامِ التَّكَلُّمِ مَعَ الْخَالِقِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ كَأَنَّ اللَّهَ يُشَافِهُهُ بِهَذَا الْكَلَامِ بِدُونِ وَاسِطَةٍ فَلِذَا لَمْ يَقُلْ لَهُ إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ. وَقَوْلُهُ: (وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ) قَرَأَ نَافِعٌ وَيَعْقُوبُ بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ اللَّامِ عَلَى أَنَّ (لَا) حَرْفُ نَهْيٍ جَازِمٌ لِلْمُضَارِعِ وَهُوَ عَطْفُ إِنْشَاءٍ عَلَى خَبَرٍ وَالسُّؤَالُ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي الِاهْتِمَامِ وَالتَّطَلُّعِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَالِ مَجَازًا مُرْسَلًا بِعَلَاقَةِ اللُّزُومِ لِأَنَّ الْمَعْنَى بِالشَّيْءِ الْمُتَطَلِّعِ لِمَعْرِفَةِ أَحْوَالِهِ يَكْثُرُ مِنَ السُّؤَالِ عَنْهُ، أَوْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ فَظَاعَةِ أَحْوَالِ الْمُشْرِكِينَ وَالْكَافِرِينَ حَتَّى إِنَّ الْمُتَفَكِّرَ فِي مَصِيرِ حَالِهِمْ يَنْهَى عَنِ الِاشْتِغَالِ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَحْوَالٌ لَا يُحِيطُ بِهَا الْوَصْفُ وَلَا يَبْلُغُ إِلَى كُنْهِهَا الْعَقْلُ فِي فَظَاعَتِهَا وَشَنَاعَتِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ السُّؤَالِ يَرِدُ لِمَعْنَى تَعْظِيمِ أَمْرِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ نَحْوَ قَوْلِ عَائِشَةَ: «يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلُ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ» وَلِهَذَا شَاعَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلْقَاءُ الْمَسَائِلِ الصَّعْبَةِ بِطَرِيقَةِ السُّؤَالِ نَحْوَ (فَإِنْ قُلْتَ) لِلِاهْتِمَامِ. وَقَرَأَهُ جُمْهُورُ الْعَشَرَةِ بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَرَفْعِ اللَّامِ عَلَى أَنَّ (لَا) نَافِيَةٌ أَيْ لَا يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ وَهُوَ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ (إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ) وَالسُّؤَالُ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُؤَاخَذَةِ وَاللَّوْمِ مِثْلُ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وكلكم مَسْئُول عَنْ رَعِيَّتِهِ» أَيْ لَسْتَ مُؤَاخَذًا بِبَقَاءِ الْكَافِرِينَ عَلَى كُفْرِهِمْ بَعْدَ أَنْ بَلَّغْتَ لَهُمُ الدَّعْوَةَ. وَمَا قِيلَ إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي نَهْيِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السُّؤَالِ عَنْ حَالِ أَبَوَيْهِ فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ اسْتِنَادٌ لِرِوَايَةٍ وَاهِيَةٍ وَلَوْ صَحَّتْ لَكَانَ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ مُجَافِيًا لِلْبَلَاغَةِ إِذْ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ قَوْلَهُ: (إِنَّا أَرْسَلْناكَ) تَأْنِيسٌ وَتَسْكِينٌ فَالْإِتْيَانُ مَعَهُ بِمَا يُذَكِّرُ الْمُكَدِّرَاتِ خُرُوجٌ عَنِ الْغَرَضِ وَهُوَ مِمَّا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِفساد الْوَضع.
إعراب مفصلالدر المصون للسمين الحلبي سورة البقرة آية ١١٩ قولُه تعالى: {بالحق} : يجوزُ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ مفعولاً به أي: بسببِ إقامةِ الحقِّ. الثاني: أَنْ يكونَ حالاً من المفعولِ في، «أَرْسلناك» أي: أَرْسلناك ملتبساً بالحقِّ. الثالث: أن يكونَ حالاً من الفاعل أي: ملتبسين في الحقِّ، قوله: «بَشيراً ونذيراً» يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما: ان يكونَ حالاً من المفعول، وهو الظاهرُ. الثاني: أن يكونَ حالاً مِن «الحقِّ» لأنه يُوصف أيضاً بالبِشارة والنِّذارة، وبشير ونذيرِ على صيغة فَعيل، أمَّا بشير فتقولُ هو من بَشَر مخففاً لأنه مسموعٌ فيه، وفَعِيلُ مُطَّردٌ من الثلاثي، وأمَّا «نذير» فمن الرباعي ولا يَنْقاس عَدْلُ مُفْعِل إلى فعيل، إلا أنَّ له هنا مُحَسِّناً. قوله: {وَلاَ تُسْأَلُ} قرأ الجمهور: «تُسْأَلُ» مبنياً للمفعول مع رفعِ الفعلِ على النفي. وقُرىء شاذاً: «تَسْأَلُ» مبنياً للفاعل مرفوعاً أيضاً، وفي هذه الجملةِ وجهان: أحدُهما: أنه حالٌ فيكونُ معطوفاً على الحال قبلها، كأنه قيل: بشيراً أو نذيراً وغيرَ مسؤول. والثاني: أن تكونَ مستأنفةً. وقرأ نافع «تُسْأَلْ» على النهي وهذا مستأنفٌ فقط، ولا يجوزُ أن تكونَ حالاً لأنَّ الطَلَبَ لا يَقعُ حالاً. والجحيمُ: شدَّةُ تَوَقُّدِ النار، ومنه قيل لعين الأسد: «جَحْمة» لشدَّة توقُّدِها، يُقال: جَحِمَتِ النارُ تَجْحَمُ، ويقال لشدة الحر: «جاحم» ، قال: 704 - والحربُ لا يَبْقى لِجَا ... حمِها التخيُّلُ والمِراحُ والرِّضا: ضدُّ الغضَبِ، وهو من ذَواتِ الواوِ لقولِهم: الرُّضْوانِ، والمصدر: رِضا ورِضاء بالقصرِ والمَدّ ورِضْواناً ورُضْواناً بكسرِ الفاء وضمِّها، وقد يَتَضَمَّن معنى «عَطَفَ» فيتعدَّى ب «على» ، قال: 705 - إذا رَضِيَتْ عليَّ بنو قُشَيْرٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والمِلَّةُ في الأصلِ: الطريقةُ، يقال: طريقٌ مُمِلٌّ: أي: أثَّر فيه المَشْيُ ويُعَبَّر بها عن الشريعة تَشْبيهاً بالطريقةِ، وقيل: بل اشْتُقَّت من «أَمْلَلْتُ» لأنَّ الشريعةَ فيها مَنْ يُملي ويُمْلَى عليه.
ملخص الإعراب{ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ( البقرة: 119 ) } ﴿إِنَّا﴾: إن حرف توكيد ونصب مبنيّ على الفتح، "نا": ضمير متّصل مبنيّ على السكون في محلّ نصب اسم "إنّ". والأصل: "إننا". ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾: فعل ماض مبنيّ على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك، و "نا" ضمير متّصل مبنيّ على السكون في محلّ رفع فاعل، و "الكاف" ضمير متّصل مبنيّ على الفتح في محلّ نصب مفعول له. وجملة "أرسلناك" في محلّ رفع خبر "إنّ". وجملة "إنّ" واسمها و خبرها استئنافية لا محلّ لها من الإعراب. ﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء: حرف جرّ مبنيّ على الكسر لا محلّ له من الإعراب، الحق: اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة. والجارّ والمجرور متعلّقان بمحذوف حال من الفاعل، أو من المفعول، أي: ملتبسًا ومصاحبًا للحق. ﴿بَشِيرًا﴾: حال منصوبة، وعلامة نصبها الفتحة الظاهرة ( حال من الكاف ). ﴿وَنَذِيرًا﴾: الواو حرف عطف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، نذير: معطوف على بشيرا منصوب مثله، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. ﴿وَلَا﴾: الواو واو الحال حرف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، لا: حرف نفي مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿تُسْأَلُ﴾: فعل مضارع مبنيّ للمجهول مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. ﴿عَنْ﴾: حرف جرّ مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿أَصْحَابِ﴾: اسم مجرور بعن، وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجارّ والمجرور متعلّقان بالفعل "تسأل"، وأصحاب مضاف. ﴿الْجَحِيمِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. وجملة "لا تسأل" في محلّ نصب حال من الكاف.
فائدةكتاب التحرير والتنوير سورة البقرة آية ١١٨ (وَقالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) و (لَوْلا) هُنَا حَرْفُ تَحْضِيضٍ قُصِدَ مِنْهُ التَّعْجِيزُ وَالِاعْتِذَارُ عَنْ عَدَمِ الْإِصْغَاءِ لِلرَّسُولِ اسْتِكْبَارًا بِأَنَّ عَدُّوا أَنْفُسَهُمْ أَحْرِيَاءَ بِالرِّسَالَةِ وَسَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا مُبَالَغَةٌ فِي الْجَهَالَةِ لَا يَقُولُهَا أَهْلُ الْكِتَابِ الَّذِينَ أَثْبَتُوا الرِّسَالَةَ وَالْحَاجَةَ إِلَى الرُّسُلِ. وَقَوْلُهُ: (أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ) أَرَادُوا مُطْلَقَ آيَةٍ فَالتَّنْكِيرُ لِلنَّوْعِيَّةِ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ مُكَابَرَةٌ وَجُحُودٌ لِمَا جَاءَهُمْ مِنَ الْآيَاتِ وَحَسْبُكَ بِأَعْظَمِهَا وَهُوَ الْقُرْآنُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ التَّنْكِيرِ وَقَدْ سَأَلُوا آيَاتٍ مُقْتَرَحَاتٍ (وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا) [الْإِسْرَاء: 90] الْآيَاتِ. وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّ الْآيَاتِ هِيَ عَجَائِبُ الْحَوَادِثِ أَوِ الْمَخْلُوقَاتِ وَمَا دَرَوْا أَنَّ الْآيَةَ الْعِلْمِيَّةَ الْعَقْلِيَّةَ أَوْضَحُ الْمُعْجِزَاتِ لِعُمُومِهَا وَدَوَامِهَا وَقَدْ تَحَدَّاهُمُ الرَّسُولُ بِالْقُرْآنِ فَعَجَزُوا عَنْ مُعَارَضَتِهِ وَكَفَاهُمْ بِذَلِكَ آيَةً لَوْ كَانُوا أَهْلَ إِنْصَافٍ. وَالْمُرَادُ بِالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهْمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَدْ قَالَ الْيَهُودُ لِمُوسَى: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) [الْبَقَرَة: 55] وَسَأَلَ النَّصَارَى عِيسَى هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ) [الْمَائِدَة: 112]. وَفِي هَذَا الْكَلَام تَسْلِيَة للنبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ مَا لَقِيَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِثْلُ مَا لَاقَاهُ الرُّسُلُ قَبْلَهُ وَلِذَلِكَ أُرْدِفَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِقَوْلِهِ: (إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ) [الْبَقَرَة: 119] الْآيَةَ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ جُعِلَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مُمَاثِلَيْنِ لِلْمُشْرِكِينَ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَعْرَقُ فِيهَا إِذْ هُمْ أَشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ فَلَيْسَ ادِّعَاؤُهُمْ وَلَدًا لِلَّهِ بِأَكْثَرَ مِنِ ادِّعَائِهِمْ شَرِكَةَ الْأَصْنَامِ مَعَ الله فِي الإلهية فَكَانَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مُلْحَقَيْنِ بِهِمْ لِأَنَّ دَعْوَى الِابْنِ لِلَّهِ طَرَأَتْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ تَكُنْ مِنْ أَصْلِ مِلَّتِهِمْ وَبِهَذَا الْأُسْلُوبِ تَأَتَّى الرُّجُوعُ إِلَى بَيَانِ أَحْوَالِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ الْخَاصَّةِ بِهِمْ وَذَلِكَ مِنْ رَدِّ الْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ. وَجِيءَ بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ فِي (يُوقِنُونَ) لِدَلَالَتِهِ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالِاسْتِمْرَارِ كِنَايَةً عَنْ كَوْنِ الْإِيمَانِ خُلُقًا لَهُمْ فَأَمَّا الَّذِينَ دَأْبُهُمُ الْإِعْرَاضُ عَنِ النَّظَرِ وَالْمُكَابَرَةِ بَعْدَ ظُهُورِ الْحَقِّ فَإِنَّ الْإِعْرَاضَ يَحُولُ دُونَ حُصُولِ الْيَقِينِ وَالْمُكَابَرَةُ تَحُولُ عَنِ الِانْتِفَاعِ بِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فَأَصْحَابُ هَذَيْنِ الْخُلُقَيْنِ لَيْسُوا مِنَ الْمُوقِنِينَ.
إعراب مفصلالدر المصون للسمين الحلبي سورة البقرة آية ١١٨ قوله تعالى: {لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا الله} : «لولا» و «لَوْما» يكونانِ حَرْفي ابتداءٍ، وقد تقدم ذلك عند قوله {فَلَوْلاَ فَضْلُ الله} [البقرة: 64] ، ويكونان حَرْفَيْ تحضيضٍ بمنزلة: «هَلاَّ» فيختصَّان بالأفعالِ ظاهرةً أو مضمرةً كقوله: 702 - تَعُدُّون عَقْرَ النِّيْبِ أفضلَ مَجْدِكُم ... بنى ضَوْطَرِى لولا الكَمِيَّ المقنَّعا أي: لولا تَعُدُّون الكميَّ، فإنْ وَرَدَ ما يُوهم وقوعَ الاسمِ بعدَ حرفِ التحضيض يُؤَوَّل كقوله: 703 - ونُبِّئْتُ ليلى أَرْسَلَتْ بشفاعةٍ ... إليَّ فهلاَّ نفسُ لَيْلى شَفِيعُها ف «نفسُ ليلى» مرفوعٌ بفعلٍ محذوفٍ يفسِّره «شفيعُها» أي: فَهَلاَّ شَفَعَتْ نفسُ ليلى. وقال أبو البقاء: «إذا وَقَعَ بعدَها المستقبلُ كانَتْ للتحضيضِ وإنْ وَقَعَ [بعدها] الماضي كانَتْ للتوبيخ» وهذا شيءٌ يقولُه علماءُ البيانِ، وهذه الجملةُ التحضيضيةُ في محلِّ نصبٍ بالقول. قوله: {كَذَلِكَ قَالَ الذين} قد تقدَّم الكلامُ على نظيرِه فَلْيُطْلَب هناك. وقرأ أبو حَيْوة وابن أبي إسحاق: «تَشَّابَهَتْ» بتشديد الشين، قال الداني: «وذلك غيرُ جائز لأنه فعلٌ ماض» يعني أن التاءَيْن المزيدتين إنما تجيئان في المضارع فَنُدْغِم، أمَّا الماضي فلا.
ملخص الإعراب{ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( البقرة: 118 ) } ﴿وَقَالَ﴾: الواو حرف استئناف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، قال: فعل ماض مبنيّ على الفتح. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبنيّ على الفتح في محلّ رفع فاعل. وجملة "قال" استئنافية لا محلّ لها من الإعراب. ﴿لَا﴾: حرف نفي مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿يَعْلَمُونَ﴾: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون؛ لأنَّه من الأفعال الخمسة، و "الواو" ضمير متّصل مبنيّ على السكون في محلّ رفع فاعل. والجملة "يعلمون" صلة الموصول لا محلّ لها من الإعراب. ﴿لَوْلَا﴾: حرف تحضيض مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿يُكَلِّمُنَا﴾: يكلم: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، و "نا": ضمير متّصل مبنيّ على السكون في محلّ نصب مفعول به. ﴿اللَّهُ﴾: لفظ الجلالة فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. وجملة "لولا يكلمنا الله" في محلّ نصب "مقول القول". ﴿أَوْ﴾: حرف عطف مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿تَأْتِينَا﴾: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل، و "نا": ضمير متّصل مبنيّ على السكون في محلّ نصب مفعول به. ﴿آيَةٌ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. وجملة "تأتينا آية" معطوفة على جملة "لولا يكلمنا الله" في محلّ نصب. ﴿كَذَلِكَ﴾: الكاف حرف تشبيه وجر مبنيّ على الفتح، ذا: اسم إشارة مبنيّ على السكون في محلّ جرّ بالكاف و "اللام": للبعد و "الكاف" حرف خطاب لا محلّ له من الإعراب. والجارّ والمجرور متعلّقان بمحذوف مفعول مطلق، والتقدير: قال الذين لا يعلمون قولًا كذلك. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض مبنيّ على الفتح الظاهر على آخره. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبنيّ على الفتح في محلّ رفع فاعل. وجملة "قال" استئنافية لا محلّ لها من الإعراب. ﴿مِنْ﴾: حرف جرّ مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿قَبْلِهِمْ﴾: اسم مجرور بمن، وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والهاء: ضمير متّصل مبنيّ على الضمّ في محلّ جرّ مضاف إليه، و "الميم": علامة جمع الذكور، والجارّ والمجرور متعلّقان بمحذوف صلة الموصول. ﴿مِثْلَ﴾: مفعول به لقال منصوب وعلامة نصبه الفتحة وهو مضاف. ﴿قَوْلِهِمْ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والهاء": ضمير متّصل مبنيّ على الكسر في محلّ جرّ مضاف إليه، و "الميم": للجمع. ﴿تَشَابَهَتْ﴾: فعل ماض مبنيّ على الفتح، والتاء للتأنيث حرف مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿قُلُوبُهُمْ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، و "الهاء": ضمير متّصل مبنيّ على الضمّ في محلّ جرّ مضاف إليه، و "الميم": للجمع. وجملة "تشابهت قلوبهم" استئنافية لا محلّ لها من الإعراب. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿بَيَّنَّا﴾: فعل ماض مبنيّ على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك. و "نا" ضمير متّصل مبنيّ على السكون في محلّ رفع فاعل. وجملة "بيتا" استئنافية لا محلّ لها من الإعراب. ﴿الْآيَاتِ﴾: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة عوضًا عن الفتحة؛ لأنَّه جمع مؤنث سالم. ﴿لِقَوْمٍ﴾: اللام: حرف جرّ مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، قوم: اسم مجرور باللام، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. والجارّ والمجرور متعلّقان بالفعل "بيّنّا". ﴿يُوقِنُونَ﴾: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنَّه من الأفعال الخمسة، و "الواو" ضمير متّصل مبنيّ على السكون في محلّ رفع فاعل. وجملة يوقنون" في محلّ جرّ نعت لـ"قوم".
فائدةفوائد بلاغية من كتاب التحرير والتنوير سورة البقرة آية ١١٧ (بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) وَالْبَدِيعُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِبْدَاعِ وَهُوَ الْإِنْشَاءُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ إِنْشَاءِ الْمُنْشَآتِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ وَذَلِكَ هُوَ خَلْقُ أُصُولِ الْأَنْوَاعِ وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْ مُتَوَلِّدَاتِهَا، فَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ إِبْدَاعٌ وَخَلْقُ الْأَرْضِ إِبْدَاعٌ وَخَلْقُ آدَمَ إِبْدَاعٌ وَخَلْقُ نِظَامِ التَّنَاسُلِ إِبْدَاعٌ. وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ. وَوَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِبَدِيعِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مُرَادٌ بِهِ أَنه بديع مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ وَفِي هَذَا الْوَصْفِ اسْتِدْلَالٌ عَلَى نَفْيِ بُنُوَّةِ مَنْ جَعَلُوهُ ابْنًا لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا كَانَ خَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا، فَلَا شَيْءَ مِنْ تِلْكَ الْمَوْجُودَاتِ أَهْلٌ لِأَنْ يَكُونَ وَلَدًا لَهُ بَلْ جَمِيعُ مَا بَيْنَهُمَا عَبِيدٌ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [الْبَقَرَة: 116] وَلِهَذَا رُتِّبَ نَفْيُ الْوَلَدِ عَلَى كَونه (بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْضِ) فِي (سُورَةِ الْأَنْعَامِ) [10] بِقَوْلِهِ: (بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ). وَقَوْلُهُ: (وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) إِلَخْ كَشْفٌ لِشُبْهَةِ النَّصَارَى وَاسْتِدْلَالٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَّخِذُ وَلَدًا بَلْ يُكَوِّنُ الْكَائِنَاتِ كُلَّهَا بِتَكْوِينٍ وَاحِدٍ وَكُلُّهَا خَاضِعَةٌ لِتَكْوِينِهِ وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَى تَوَهَّمُوا أَنَّ مَجِيءَ الْمَسِيحِ مِنْ غَيْرِ أَبٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ تَكْوِينَ أَحْوَالِ الْمَوْجُودَاتِ مِنْ لَا شَيْءَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى التَّكْوِينِ وَالتَّقْدِيرِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَا وُجِدَ بِوَاسِطَةٍ تَامَّةٍ أَوْ نَاقِصَةٍ أَوْ بِلَا وَاسِطَةٍ قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمرَان: 59] فَلَيْسَ تَخَلُّقُ عِيسَى مِنْ أُمٍّ دُونَ أَبٍ بِمُوجِبِ كَوْنِهِ ابْنَ الله تَعَالَى.
وأمَّا ما انفرَدَ به ابنُ عامر في هذه المواضع الأربعة فقد اضطرب كلامُ الناس فيها وهي لعمري تحتاج إلى فضل نظر وتأمل، ولذلك تجرَّأ بعض الناس على هذا الإِمام الكبيرِ، فقال ابن مجاهد:» قرأ ابن عامر «فيكونَ» نصباً وهذا غيرُ جائز في العربية؛ لأنه لا يكونُ الجواب هنا للأمر بالفاء إلا في يس والنحل، فإنه نَسَقٌ لا جوابٌ «، وقال في آل عمران:» قرأ ابن عامر وحدَه: «كن فيكونَ» بالنصب وهو وهمٌ «قال:» وقال هشام: كان أيوبُ بن تميم يقرأُ: فيكونُ نصباً ثم رَجَع فقرأ: فيكونُ رفعاً «، وقال الزجاج:» كن فيكونُ: رفعٌ لا غيرُ «.
وأكثرُ ما أَجابوا بأنَّ هذا مِمَّا رُوعي فيه ظاهرُ اللفظ من غير نظر للمعنى، يريدون أنه قد وُجِد في اللفظ صورةُ أمر فنَصَبْنا في جوابه بالفاء، وأمّا إذا نظرنا إلى جانب المعنى فإن ذلك لا يَصِحُّ لوجهين، أحدهما: أنَّ هذا وإن كان بلفظ الأمر فمعناه الخبرُ نحو:
{فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن} [مريم: 75] أي: فَيَمُدُّ، وإذا كان معناه الخبرَ لم ينتصِبْ في جوابِه بالفاء إلا ضرورةً كقوله:
698 - سَأَتْرُك منزلي لبني تميمٍ ... وأَلحَقُ بالحجازِ فأستريحا
وقول الآخر:
699 - لنا هَضْبةٌ لا يَنْزِلُ الذلُّ وَسْطَها ... ويَأْوي إليها المُسْتجيرُ فَيُعْصَما والثاني: أنَّ مِنْ شرطِ النصبِ بالفاءِ في جوابِ الأمرِ أَنْ يَنْعَقِدَ منهما شرطٌ وجزاءٌ نحو: «ائتني فأكرمك» تقديرُه: إنْ أتيتني أكرمتُك، وههنا لا يَصِحُّ ذلك إذ يَصيرُ التقديرُ: إنْ تَكُنْ تَكُنْ، فيتَّحِدُ فعلا الشرطِ والجزاءِ معنىً وفاعلاً، وقد عَلِمْت أنه لا بُدَّ من تغايرِهما وإلاَّ يلزمْ أن يكونَ الشيءُ شرطاً لنفسه وهو مُحال. قالوا: والمعاملةُ اللفظية واردةُ في كلامهم نحو: {قُل لِّعِبَادِيَ الذين آمَنُواْ يُقِيمُواْ} [إبراهيم: 31] {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ} [الجاثية: 14] وقال عمر ابن أبي ربيعة:
700 - فَقُلْتُ لجَنَّادٍ خُذِ السيفَ واشتَمِلْ ... عليه برفقٍ وارْقُبِ الشمسِ تَغْرُبِ
وأَسْرِجْ لي الدَّهْماءَ واذهَبْ بمِمْطَري ... ولا يَعْلَمَنْ خلقٌ من الناسِ مَذْهَبي
فجعل «تَغْرُبِ» جواباً «ارقب» وهو غير مترتِّب عليه، وكذلك لا يلزمُ من قوله [تعالى] أَنْ يفعلوا، وإنما ذلك مراعاةً لجانبِ اللفظِ.
أمَّا ما ذكروه في بيتِ عمر فصحيحُ، وأمَّا الآياتُ فلا نُسَلِّم أنه غيرُ مترتِّبٍ [عليه] ، لأنه أرادَ بالعبادِ الخُلَّصَ، ولذلك أضافهم إليه، أو تقولُ إن الجزمَ على حَذْفِ لأمِ الأمر وسيأتي تحقيقهُ في موضعه. وقال الشيخ جمال الدين بنُ مالك: «إنَّ» أَنْ «الناصبةَ قد تُضْمر بعد الحَصْر بإنما اختياراً وحكاه عن بعض الكوفيين، قال:» وحَكَوْا عن العرب: «إنما هي ضربةٌ من الأسدِ فَتَحْطِمَ ظهرَه» بنصبِ «تَحْطِمَ» فعلى هذا يكون النصبُ في قراءة ابن عامر محمولاً على ذلك، إلا أنَّ هذا الذي نَصَبوه دليلاً لا دليلَ فيه لاحتمالِ أَنْ يكونَ من بابِ العطفِ على الاسمِ، تقديرُه: إنما هي ضربةٌ فَحَطْم، كقوله:
701 - لَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ عيني ... أَحَبُّ إليَّ من لُبْسِ الشُّفُوفِ
وهذا نهايةُ القول في هذه الآية.
إعراب مفصلالدر المصون للسمين الحلبي سورة البقرة آية ١١٧ قوله تعالى: {بَدِيعُ السماوات} : المشهورُ رَفْعُه على أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي: هو بديعُ. وقُرىء بالجرِّ على أنه بدلٌ من الضميرِ في «له» وفيه الخلافُ المشهورُ. وقُرىء بالنصبِ على المَدْحِ، وبديعُ السماواتِ من بابِ الصفةِ المشبهة أضيفَتْ إلى منصوبِها الذي كانَ فاعلاً في الأصلِ، والأصل: بديعٌ سماواتُه، أي بَدُعَتْ لمجيئِها على شكلٍ فائقٍ حسنٍ غريبٍ، ثم شُبِّهَتْ هذه الصفةُ باسمِ الفاعلِ فَنَصَبَتْ ما كانَ فاعلاً ثم أُضِيفَتْ إليه تخفيفاً، وهكذا كلُّ ما جاء من نظائرِه، فالإِضافةُ لا بدَّ وأن تكونَ من نصب لئلاَّ يلزم إضافة الصفةِ إلى فاعلِها وهو لا يجوزُ، كما لا يجوزُ في اسمِ الفاعلِ الذي هو الأصلُ. وقال الزمخشري: «وبديعُ السماواتِ» من باب إضافةِ الصفةِ المشبهةِ إلى فاعلِها «. وردَّ عليه الشيخُ بما تقدَّم، ثم أجابَ عنه بأنه يُحتمل أَنْ يريدَ إلى فاعلِها في الأصلِ قبل أن يُشَبَّه. وأجاز الزمخشري فيه وجهاً ثانياً: وهو أن يكونَ» بديع «بمعنى مُبْدِع، كما أنَّ سميعاً في قولِ عمرو بمعنى مُسْمِعِ نحو: 692 - أمِنْ ريحانةَ الداعي السميعُ ... يُؤَرِّقُني وأصحابي هُجُوعِ إلا أنه قال:» وفيه نظرٌ «. وهذا الوجهُ لم يذكر ابنُ عطية غيرَه، وكأن النظرَ الي ذكر الزمخشري - والله أعلم - هو أنَّ فَعيلاً بمعنى مُفْعِل غيرُ مَقيسٍ، وبيتُ عمروٍ مُتَأَوَّلٌ، وعلى هذا القولِ يكونُ بديعُ السماواتِ من بابِ إضافةِ اسمِ الفاعلِ لمنصوبِه تقديراً. والمُبْدِعُ: المخترِعُ المُنْشِىءُ، والبديع: الشيء الغريبُ الفائقُ غيرَه حُسْناً. قوله: {وَإِذَا قضى أَمْراً} العاملُ في» إذا «محذوفٌ يَدُلُّ عليه الجوابُ من قولِه:» فإنما يقول «، والتقديرُ: إذا قضى أمراً يكونُ، فيكونُ هو الناصبُ له. و» قضى «له معانٍ كثيرةٌ، قال الأزهري:» قضى «على وجوهٍ مَرْجِعُها إلى انقطاعِ الشيء وتمامِه قال أبو ذؤيب: 693 - وعليهما مَسْرودتان قَضَاهُما ... داودُ أو صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ وقال الشماخ: 694 - قَضَيْتَ أموراً ثم غادَرْتَ بعدَها ... بوائِقَ في أَكْمامِها لم تُفَتَّقِ فيكونُ بمعنى خَلَق نحو: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [فصلت: 12] ، وبمعنى أَعْلَمَ: {وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الإسراء: 4] ، وبمعنى أَمَر: {وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإِسراء: 23] ، وبمعنى وفَّى: {فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل} [القصص: 29] ، وبمعنى ألزم: قضى القاضي بكذا، وبمعنى أراد: {وَإِذَا قضى أَمْراً} [البقرة: 117] [وبمعنى] أَنْهى، ويجيءُ بمعنى قَدَّر وأَمْضَى، تقول: قَضَى يقضي قَضاءً قال: 695 - سَأَغْسِلُ عني العارَ بالسيفِ جالِباً ... عليَّ قضاءُ الله ما كانَ جالِبا قوله: {فَيَكُونُ} الجمهورُ على رفعه، وفيه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أن يكونَ مستأنفاً أي خَبَراً لمبتدأ محذوفٍ أي: فهو يكونُ، ويُعزْى لسيبويه، وبه قال الزجاج في أحدِ قولَيْه. والثاني: أَنْ يكونَ معطوفاً على «يقولُ» وهو قول الزجاج والطبري. وردَّ ابن عطية هذا القولَ وجعله خطأً من جهةِ المعنى؛ لأنَّه يَقْتضي أنَّ القولَ مع التكوينِ والوجودِ «انتهى. يعني أنَّ الأمرَ قديمٌ والتكوينَ حادثُ فكيف يُعْطَفُ عليه بما يقتضي تعقيبَه له؟ وهذا الردُّ إنما يلزم إذا قيل بأنَّ الأمرَ حقيقةٌ، أمَّا إذا قيل بأنَّه على سبيلِ التمثيل - وهو الأصحُّ - فلا، ومثلُه قولُ أبي النجم: 696 - إذا قالَتِ الأَنْسَاعُ للبَطْنِ الحَقي ... الثالث: أن يكونَ معطوفاً على» كُنْ «من حيثُ المعنى، وهو قولُ الفارسي، وضَعَّفَ أن يكونَ عطفاً على» يقولُ «، لأنَّ من المواضعِ ما ليس فيه» يقولُ «كالموضع الثاني في آل عمران، وهو: {ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] ، ولم يَرَ عطفَه على» قال «من حيث إنه مضارعٌ فلا يُعْطَف على ماضٍ فَأَوْرد على نفسه: 697 - ولقد أَمُرُّ على اللئيمِ يَسُبُّني ... فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لا يَعْنِيني فقال:» أَمُرُّ بمعنى مَرَرْت. قال بعضُهم: «ويكون في هذه الآيةِ - يعني في آيةِ آل عمران - بمعنى كان فَلْيَجُزْ عَطْفُه على» قال «. وقَرأَ ابن عامر/» فيكونَ «نصبأ هنا وفي الأول من آل عمران، وهي: {لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَيُعَلِّمُهُ} [آل عمران: 47] ، تحرُّزاً من قوله: {كُن فَيَكُونُ الحق مِن رَّبِّكَ} [آل عمران: 59] وفي مريم: {كُن فَيَكُونُ وَإِنَّ الله رَبِّي} [مريم: 35] ، وفي غافر: {كُن فيَكُونُ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُجَادِلُونَ} [غافر: 68] ، ووافقه الكسائي على ما في النحل ويس وهي: {أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [يس: 82] . أمَّا آيتا النحلِ ويس فظاهِرتان لأنَّ قبلَ الفعل منصوباً يَصِحُّ عطفُه عليه وسيأتي.
ملخص الإعراب{ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( البقرة: 117 ) } ﴿بَدِيعُ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو بديع، مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف. وجملة المبتدأ والخبر استئنافية لا محلّ لها من الإعراب. ﴿السَّمَاوَاتِ﴾: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على "السماوات" مجرور مثله، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. ﴿وَإِذَا﴾: الواو حرف استئناف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه مبنيّ على السكون في محلّ نصب مفعول فيه. ﴿قَضَى﴾: فعل ماض مبنيّ على الفتحة المقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر. والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا يعود إلى الله، تقديره: هو. ﴿أَمْرًا﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وجملة "قضي أمرًا" في محلّ جرّ بإضافة "إذا" إليها. ﴿فَإِنَّمَا﴾: الفاء واقعة في جواب "إذا"، حرف مبنيّ على الفتح، إنما: إن: حرف توكيد ونصب مهمل لا عمل له لاتصاله بـ"ما" الكافة. و "ما": حرف زائد مبنيّ على السكون لا محلّ له من الإعراب. ﴿يَقُولُ﴾: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو. وجملة "إنما يقول" جواب شرط غير جاز لا محلّ له من الإعراب. ﴿لَهُ﴾: اللام: حرف جرّ مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، والهاء: ضمير متّصل مبنيّ على الضمّ في محلّ جرّ باللام، والجارّ والمجرور متعلّقان بالفعل "يقول". ﴿كُنْ﴾: فعل أمر تام مبنيّ على السكون والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: أنت. وجملة "كن" في محلّ نصب "مقول القول". ﴿فَيَكُونُ﴾: الفاء: حرف عطف مبنيّ على الفتح لا محلّ له من الإعراب، يكون: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا يعود إلى "أمرة"، والجملة الفعلية "يكون" خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فهو يكون. وجملة المبتدأ والخبر معطوفة على جملة "يقول"، أو استئنافية لا محلّ لها من الإعراب.
وَفَصْلُ جُمْلَةِ (كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ) لِقَصْدِ اسْتِقْلَالِهَا بِالِاسْتِدْلَالِ حَتَّى لَا يَظُنَّ السَّامِعُ أَنَّهَا مُكَمِّلَةٌ لِلدَّلِيلِ الْمَسُوقِ لَهُ قَوْلُهُ: (لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ).
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَلَكَ وَلَدَهُ أَعْتَقَ عَلَيْهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ نَفْيَ الْوَلَدِيَّةِ بِإِثْبَاتِ الْعُبُودِيَّةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَنَافِي الْمَاهِيَّتَيْنِ وَهُوَ استرواح حسن.
فائدةكتاب التحرير والتنوير سورة البقرة آية ١١٦ (وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (116) الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ بِقَالُوا عَائِدٌ إِلَى جَمِيعِ الْفِرَقِ الثَّلَاثِ وَهِيَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِشَارَةً إِلَى ضَلَالٍ آخَرَ اتَّفَقَ فِيهِ الْفِرَقُ الثَّلَاث. وَقد قرئ بِالْوَاوِ (وَقَالُوا) عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ (وَقالَتِ الْيَهُودُ) [الْبَقَرَة: 113] وَهِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ. وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ بِدُونِ وَاوِ عَطْفٍ وَكَذَلِكَ ثَبَتَتِ الْآيَةُ فِي الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ الْمُوَجَّهِ إِلَى الشَّامِ فَتَكُونُ اسْتِئْنَافًا كَأَنَّ السَّامِعَ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ مَا مَرَّ مِنْ عَجَائِبِ هَؤُلَاءِ الْفِرَقِ الثَّلَاثِ جَمْعًا وَتَفْرِيقًا تَسَنَّى لَهُ أَنْ يَقُولَ لَقَدْ أَسْمَعْتَنَا مِنْ مُسَاوِيهِمْ عَجَبًا فَهَلِ انْتَهَتْ مُسَاوِيهِمْ أَمْ لَهُمْ مَسَاوٍ أُخْرَى لِأَنَّ مَا سَمِعْنَاهُ مُؤْذِنٌ بِأَنَّهَا مَسَاوٍ لَا تَصْدُرُ إِلَّا عَنْ فِطَرٍ خَبِيثَةٍ. وَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَى هَذِهِ الضَّلَالَةِ الْفِرَقُ الثَّلَاثُ كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى مَا قَبْلَهَا، فَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ فَتَكُونُ هَاتِهِ الْآيَةُ رُجُوعًا إِلَى جَمْعِهِمْ فِي قَرَنٍ إِتْمَامًا لِجَمْعِ أَحْوَالِهِمُ الْوَاقِعِ فِي قَوْلِهِ: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ) [الْبَقَرَة: 105] وَفِي قَوْلِهِ: (كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) [الْبَقَرَة: 113]. وَقَدْ خُتِمَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِآيَةٍ جَمَعَتِ الْفَرِيقَ الثَّالِثَ فِي مَقَالَةٍ أُخْرَى وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَقالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ) [الْبَقَرَة: 118] إِلَى قَوْلِهِ: (كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) [الْبَقَرَة: 118]. وَقَوْلُهُ: (سُبْحانَهُ) تَنْزِيهٌ لِلَّهِ عَنْ شَنِيعِ هَذَا الْقَوْلِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْوَلَدِيَّةَ نَقْصٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَتْ كَمَالًا فِي الشَّاهِدِ لِأَنَّهَا إِنَّمَا كَانَتْ كَمَالًا فِي الشَّاهِدِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تَسُدُّ بَعْضَ نَقَائِصِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ وَالْفَقْرِ وَتَسُدُّ مَكَانَهُ عِنْدَ الِاضْمِحْلَالِ وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ فَلَوْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ لَآذَنَ بِالْحُدُوثِ وَبِالْحَاجَةِ إِلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) و (مَا) مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ تَقَعُ عَلَى الْعَاقِلِ وَغَيْرِهِ وَعَلَى الْمَجْمُوعِ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي «الْمُفَصَّلِ» وَاخْتَارَهُ الرَّضِيُّ. وَقِيلَ: (مَا) تَغْلِبُ أَوْ تَخْتَصُّ بِغَيْرِ الْعُقَلَاء وَمن تخْتَص بِالْعُقَلَاءِ وَرُبَّمَا اسْتُعْمِلَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْآخَرِ وَهَذَا هُوَ الْمُشْتَهَرُ بَيْنَ النُّحَاةِ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا وَعَلَيْهِ فَهُمْ يُجِيبُونَ عَلَى نَحْوِ هَاتِهِ الْآيَةِ بِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ التَّغْلِيبِ تَنْزِيلًا لِلْعُقَلَاءِ فِي كَوْنِهِمْ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ بِمَنْزِلَةٍ مُسَاوِيَةٍ لِغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَوْجُودَاتِ تَصْغِيرًا لِشَأْنِ كُلِّ مَوْجُودٍ. وَالْقُنُوتُ الْخُضُوعُ وَالِانْقِيَادُ مَعَ خَوْفٍ وَإِنَّمَا جَاءَ قانِتُونَ بِجَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ الْمُخْتَصِّ بِالْعُقَلَاءِ تَغْلِيبًا لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْقُنُوتِ عَنْ إِرَادَةٍ وَبَصِيرَةٍ. وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ الْمَحْذُوفُ بَعْدَ (كُلٍّ) دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أَيْ كُلُّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيِ الْعُقَلَاءُ لَهُ قَانِتُونَ وَتَنْوِينُ (كُلٍّ) تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ. وَفِي قَوْلِهِ: (لَهُ قانِتُونَ) حُجَّةٌ ثَالِثَةٌ عَلَى انْتِفَاءِ الْوَلَدِ لِأَنَّ الْخُضُوعَ مِنْ شِعَارِ الْعَبِيدِ أَمَّا الْوَلَدُ فَلَهُ إِدْلَالٌ عَلَى الْوَالِدِ وَإِنَّمَا يَبَرُّ بِهِ وَلَا يَقْنُتُ، فَكَانَ إِثْبَاتُ الْقُنُوتِ كِنَايَةً عَنِ انْتِفَاءِ الْوَلَدِيَّةِ بِانْتِفَاءِ لَازِمِهَا لِثُبُوتِ مُسَاوِي نَقِيضِهِ وَمُسَاوِي النَّقِيضِ نَقِيضٌ وَإِثْبَاتُ النَّقِيضِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ مَا هُوَ نَقِيضٌ لَهُ.
إعراب مفصلالدر المصون للسمين الحلبي سورة البقرة آية ١١٦ قوله تعالى: {اتخذ الله وَلَداً سُبْحَانَهُ} : الجمهورُ: «وقالوا» بالواوِ عطفاً لهذِه الجملةِ الخبريةِ على ما قبلَها وهو أحسنُ في الربط. وقيل: هي معطوفةً على قوله: «وسعى» فيكونُ قد عَطَفَ على الصلة مع الفعلِ بهذه الجملِ الكثيرة، وهذا ينبغي أن يُنَزَّه القرآنُ عن مِثْله. وقرأ ابن عامر - وكذلك هي في مصاحف الشام - «قالوا» من غير واوٍ، وذلك يَحْتمل وجهين، أحدُهما: الاستئنافُ. الثاني: حَذْفُ حرفِ العطفِ وهو مرادٌ، استغناء عنه بربطِ الضميرِ بما قبلَ هذه الجملةِ. و «اتَّخَذَ» بجوزُ أن يكونَ بمعنى عَمِل وَصنَع، فيتعدَّى لمفعولٍ واحدٍ، وأن يكونَ بمعنى صَيَّر، فيتعدَّى لاثنين، ويكونُ الأولُ هنا محذوفاً تقديرُه: «وقالوا اتَّخذَ اللهُ بعضَ الموجودات ولداً» إلا أنَّه مع كثرةِ دَوْرِ هذا التركيبِ لم يُذْكَرْ معها إلا مفعولٌ واحدٌ: {وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً} [الأنبياء: 26] ، {مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ} [المؤمنون: 91] {وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} [مريم: 92] . والوَلَدُ: فَعَل بمعنى مَفْعول كالقَبْض والنَّقْص، وهو غيرُ مقيسٍ، والمصدرُ: الوِلادة والوَليديَّة، وهذا الثاني غريبٌ جداً. قوله: {بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض} «بَلْ» إضرابٌ وانتقالٌ، و «له» خبرٌ مقدَّمٌ و «ما» مبتدأ مؤخرٌ، وأتى هنا ب «ما» لأنه إذا اختلَطَ العاقلُ بغيره كان المتكلمُ مُخَيَّراً في «ما و» مَنْ «، ولذلك لَمَّا اعتَبَر العقلاءَ غلَّبهم في قوله» قانتون «فجاء بصيغةِ السلامةِ المختصَّةِ بالعقلاء. قال الزمخشري» فإن قلت: كيف جاءَ ب «ما» التي لغير أولي العلمِ مع قوله «قانتون» ؟ قلت: هو كقولِه: «سبحانَ ما سَخَّركُنَّ» وكأنه جاء ب «ما» دون «مَنْ» تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنِهِمْ، وهذا جنوحٌ منه إلى أنَّ «ما» قد تقع على أولي العلمِ، ولكنَّ المشهورَ خلافُه. وأمَّا قولُه «سبحانَ ما سَخَّركُنَّ لنا» فسبحانُ غَيرُ مضافٍ، بل هو كقوله: 691 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... سبحان مِنْ علقمةَ. . . . . . . . . . . . . . و «ما» مصدرية ظرفية. قوله: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} مبتدأٌ وخبرٌ، و «كلٌّ» مضافَةٌ إلى محذوفٍ تقديراً، أي: كلُّ مَنْ في السموات والأرض، وقال الزمخشري: «ويجوزُ أن يكونَ كلَّ مَنْ جَعَلوه لله وَلَداً» قال الشيخ: «وهذا بعيدُ جداً لأن المجعولَ ولداً لم يَجْرِ له ذِكْرٌ، ولأنَّ الخبرَ يشتركُ فيه المجعولُ [ولداً] وغيرُه» قوله: «لم يَجْرِ له ذِكْر» بل قد جَرَى ذِكْرُه فلا بُعْدَ فيه. وجَمَعَ «قانِتون» حَمْلاً على المعنى لِما تقدَّم من أَنَّ «كُلاًّ» إذا قُطِعَتْ عن الإِضافة جاز فيها مراعاةُ اللفظِ ومراعاةُ المعنى وهو الأكثر نحو: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33] {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل: 87] . ومِنْ مراعاةِ اللفظِ: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ} [الإسراء: 84] {فكُلاًّ أَخَذْنا بذَنْبِه} [العنكبوت: 40] ، وحَسُنَ الجمعُ هنا لتواخي رؤوسِ الآي. والقُنُوت: الطاعةُ والانقيادُ أو طولُ القيام أو الصمتُ أو الدعاءُ.
