ch
Feedback

不要被骗子欺骗!Telemetrio 会找到并标记这些频道 👉 如果想查看标记,请订阅

أ. مُحِب للأدب.

أ. مُحِب للأدب.

前往频道在 Telegram

أيُّ تشابُهٍ بين هذا المحتوى والواقع هو مسؤولية الواقع وحده.

显示更多
未指定国家未指定类别
1 448
订阅者
无数据24 小时
+47 天
+1630 天
帖子存档
كفى بالشمس عبثًا؛ أن تشرق كلَّ هذا الشروق، وتملأ وجهَ العالم نورًا، ثم تعجز — في غيابكِ — عن أن تمنح قلبي ضوءًا واحدًا. | مُصطفىٰ كَـامل.

«ولكنّها بلادي؛ لا أبكي من القلب، ولا أضحك من القلب، ولا أموت من القلب؛ إلّا فيها.»
+1
«ولكنّها بلادي؛ لا أبكي من القلب، ولا أضحك من القلب، ولا أموت من القلب؛ إلّا فيها.»

أنتِ لا تعرفينني كما تظنين؛ لكن من حظّكِ أنني بارعٌ في إخفاءِ الأشياء، فأتركُ لكِ منّي ما يكفي لتطمئنّي، وأحتفظُ لنفسي بما يكفي لأظلَّ غريبًا حتى عنّي. تعرفين اسمي، بعضَ عاداتي، وطريقةَ غضبي، والعبارات التي أستعملها حين أشتاق، لكنَّكِ لا تعرفين الرجل الذي يقف خلفَ ذلك كلّه. أنتِ تعرفين نسخةً مهذَّبةً منّي، نسخةً صاغتها صحبتُكِ، وهذّبت أطرافَها محبّتي، ثم قدّمتُها إليكِ على أنها أنا. أما أنا الحقيقي، فأقلُّ اتزانًا مما تظنين، وأكثرُ خوفًا مما أُظهر، وأشدُّ تعلقًا بكِ مما يليقُ برجلٍ يدّعي أنه يعرف كيف يرحل. بل إنكِ لا تعرفينني أصلًا، لكن من الإنصاف أن أعترف: أنا أيضًا لم أعد أعرفني منذ عرفتكِ. فكلُّ ما كنتُ أظنه طبعًا فيَّ اكتشفتُ أنه كان مجرّد عادة، وكلُّ ما حسبتُه قوّةً ظهر لي عندكِ على حقيقته: خوفًا بارعًا في التنكّر. ولذلك لا تقولي إنكِ تعرفينني. أنتِ لم تعرفي الرجل الذي أحبّكِ؛ أنتِ فقط كنتِ المرأة الوحيدة التي جعلتني أكتشفه. | مُصطفىٰ كَـامل.

يُحصي ندوبَ يديه كما يُحصي التاجرُ أرباحَه، فكلُّ جرحٍ فيها يحملُ اسمَ معركة..

صفعاتٌ تتوالى؛ أولاها من الأهل، وأفجعُها من الحبيب، وما تبقّى منها يتكفّل به الأصدقاء. حتى غدوتُ أخشى أن يكون نصيبي من القرب أن يأتي الأذى دائمًا من اليد التي حسبتُها أرفقَ بي. ولا أدري كيف ينجو المرء من خيباتٍ كهذه؛ فقد بلغ بي الأمرُ أن أرتابَ من اليد التي تمتدُّ إليّ بالسلام. | مُصطفىٰ كَامل.

عزيزتي يامنة، أمّا الليلة الماضية، فقد جمعتني وصديقًا لي خصومةٌ فيكِ، وفي شأننا الذي طال به المقام بين الرجاء والريبة، حتى غدا أمرًا أجدني عاجزًا عن تسميته، شديدَ العجز عن التخلّي عنه. أطال صاحبي القول، وأمعن في تأويل ما بيننا؛ فرأى في صنيعكِ تلاعبًا، وفي صمتي عنكِ غفلةَ مغرمٍ أضناه الهوى، وزعم أنكِ لا تريدينني في حياتكِ، وأنني أستبقي في قلبي حكايةً انقضى أوانها، ثم أُلبس أطلالها من الأمل ما لا تحتمل. كنتُ أسمع كلامه، وأرى وجوه حججه، غير أن ذهني كان يفرّ مني إليكِ؛ كلما أورد عليّ حجةً، فتشتُ في ذكراكِ عن شاهدٍ ينقضها، وكلما ضيّق عليّ مخرجي، احتميتُ بصورةٍ لكِ لا أعرف كيف أتّهمها بالكذب. ولذلك لم أستطع أن أجادله كما ينبغي لمن يريد الظفر في خصومة؛ إذ كان في ناحيةٍ من المجلس رجلٌ يحاول أن يدفع عنكِ كلامًا قيل في غيابكِ، وفي ناحيةٍ أخرى قلبٌ منشغلٌ بكِ، لا بصحّة ما يُقال. وحين انفضّ حديثنا، بقيتُ وحدي مع كلماته. فكّرتُ فيها طويلًا، وراودني خاطرٌ أثقل عليّ من الخصومة نفسها: ماذا لو كان قد رأى ما عجزتُ أنا عن رؤيته؟ لهذا أكتب إليكِ. أنصفيني يا يامنة، ولو لهذه المرة. لا أريد منكِ وعدًا تستثقلينه، ولا كلمةً تُنتزع من موضعها إرضاءً لي، ولا أطلب أن تصطنعي من قلبكِ ما ليس فيه. أريد منكِ علامةً واحدة، صادقةً لا تحتاج إلى تأويل؛ شيئًا صغيرًا أضعه في كفّ قلبي، ثم أعود به إلى صاحبي فأقول له: أخطأتَ في ظنك. خيّبي أمله فيّ. فإنني أحتمل أن أخسر جدالًا، وأحتمل أن أسمع منه ما يسرّه، وأحتمل حتى أن يطول بيننا الحديث؛ غير أنني لا أحتمل أن تطول عينيه عليّ بذلك النظر الذي يقول قبل لسانه: «لقد حذّرتك.» فلا تتركيني، يا يامنة، وحيدًا أمام تلك الكلمة. | مُـصطفىٰ كَـامل.

أغربُ ما في الإنسان أن أقربَ الأشياء إليه قد تكون أبعدَها عنه. يسكنُ نفسه عمرًا كاملًا، ويحملُها معه أينما ارتحل، ويألفُ ملامحها حتى يحسبَ أنه يعرفها؛ ثم تأتي لحظةٌ واحدة ينظرُ فيها إلى أعماقه، فلا يهتدي إلى اسمِ الذي يسكنُ خلف عينيه. ولذلك، حين طلبتُ منكِ أن تفهميني، كنتُ أطلبُ منكِ ما عجزتُ أنا عن بلوغه. فكيف أطلبُ من قلبٍ آخر أن يقرأ كتابًا لم أستطع أنا أن أقرأه؟ وكيف أرجو منكِ أن تعرفي ما يضطربُ في داخلي، وأنا كلما أمعنتُ في نفسي ازددتُ بها جهلًا؟ لقد ظننتُ يومًا أن المحبةَ أن يجدَ الإنسانُ قلبًا يقرأه من غير بيان، ثم عرفتُ أن في النفس أبوابًا لا يملك المرءُ نفسه مفاتيحها. لهذا لم أعد أريدُ منكِ أن تفهميني. يكفيني ألا تسيئي فهمَ صمتي. | مُصطفىٰ كَامل.

مساء الخير يا حبايبي معانا صفحة فيسبوك وقناة تليجرام، الاتنين كبار ومعروفين، والأسعار تحفة ومميزة جدًا اللي حابب يشتري أي واحدة فيهم أو عايز يعرف التفاصيل، يكلمني على اليوزر . @Abunuwas9

إني كثيرًا ما عجبت من أمر الشرف؛ فإن الناس قد جعلوا له هيئةً يعرفونه بها، فإذا رأوا الرجل عزيز الجانب، ماضي العزيمة، لا يلين لخصم ولا يطأطئ رأسه لأحد، قالوا: هذا رجلٌ شريف. وما أظنهم أصابوا موضع الشرف. فما أكثر من رفع رأسه كبرياءً وهو في داخله ذليل، وما أكثر من ردّ الإهانة بإهانةٍ أشد، ثم ظن أنه قد استرد كرامته؛ كأن النفس تُطهَّر بأن تلوّث غيرها. أما أنا فأحسب الشرف أغمض من ذلك وأشدّ؛ إنه الشيء الذي يبقى للمرء حين تسقط عنه كل الأشياء التي كان يستمد منها قدره. فإذا ذهب المال، وانصرف الأصحاب، وخذله الحظ، وأصبح بينه وبين ما يشتهي بابٌ لا يستطيع فتحه، ثم بقي قادرًا على أن يقول: «لا» حين يكون ثمن «نعم» نفسه، فهناك يبدأ الشرف. وقد شهدت يومًا رجلًا أضنته الحاجة، وكان له عند رجلٍ من أهل السلطان مسألة. فلما دخل عليه، وجد المجلس غاصًا بالناس، والعيون متعلقةً به؛ فوقف الرجل بين أيديهم وقوف من جاء وفي يده رجاء، وليس في جيبه إلا الفاقة. سأله صاحب السلطان عن حاجته، فذكرها. فأطرق الرجل ساعة، ثم أشار إلى المال وقال: خذه، ولكن اشهد لهؤلاء أنني صنعت بك معروفًا، وأنك ما كنت لتنجو لولا يدي. نظر الرجل إلى المال، وكان يستطيع به أن يسد دينًا طال به عهده، وأن يرد عن بيته خصاصةً أثقلت أهله، وكان الفقر يومئذٍ أقرب إليه من أن يمد يده. ثم رفع عينيه وقال: أما المال فأنا محتاج إليه، وأما المعروف الذي تريد أن أشتريه منه فلا حاجة لي به. ثم ردّ المال وانصرف. خرج من المجلس خالي اليدين، ولكنني رأيته يومئذٍ أغنى من الرجل الذي بقي جالسًا على كرسيه وبين يديه خزائن لا تنفد؛ لأن أحدهما كان يملك ما في يده، والآخر كان يملك نفسه. ومنذ ذلك الحين وأنا أسأل: أيكون الشرف في أن لا تحتاج؟ كلا، فالحاجة من طبع البشر، والمرء قد يأتي عليه يومٌ يستجدي فيه ما كان يظن أنه لن يستجديه قط. وليس العار أن تمد يدك، وإنما العار أن تُسلِّم معها ما لا يجوز لك أن تسلّمه. وأيكون الشرف في ألا تنحني؟ كلا؛ فإن في الدنيا أشياء تستحق أن ينحني لها أعظم الرجال. ينحني للعقل إذا بان له خطؤه، وللحق إذا ظهر له بعد طول مكابرة، ولطفلٍ صغير إذا مدّ يده إليه، ولأمّه إذا أثقلها العمر. إنما أسأل عن تلك الانحناءة التي لا يقوم بعدها الظهر كما كان؛ تلك التي لا يراها الناس، ولكن صاحبها يعرفها، ويظل يسمع صوتها في نفسه كلما خلا إليها. فقد يبيع الرجل صمته خوفًا من أن يخسر منصبه، ويبيع رأيه طمعًا في رضا من فوقه، ويبيع حقه كي لا يخسر امرأةً يحبها، ثم يهون عليه الأمر في أوله؛ يقول: إنها مرة، وهذه ضرورة، وسأسترد ما فقدته حين تهدأ الأيام. ثم تمضي الأيام، ولا يسترد شيئًا؛ لأن الإنسان إذا اعتاد أن يساوم على نفسه، صار كل شيء عنده قابلًا للمساومة. ولهذا لا أتعجب من رجلٍ فقير يرفض مالًا، بقدر ما أتعجب من رجلٍ غني يرضى أن يعيش مملوكًا لما يملك. ولا أخشى على المرء من أن يخسر شيئًا في الدنيا كما أخشى عليه من أن يربح شيئًا لا يستطيع الاحتفاظ به إلا إذا خسر نفسه. فإذا سألتني بعد هذا كله ما الشرف؟ قلت لك: أن تملك القدرة على الخضوع، ثم لا تخضع إلا لما يستحق؛ وأن تملك القدرة على الانتقام، ثم لا تجعل غضبك سيدًا عليك؛ وأن تستطيع أن تأخذ ما تشتهي، ثم ترده حين تعرف أن ثمنه أنت. فإن الرجل لا يُعرف شرفه يوم يكون في موضع القوة؛ فالقوة تغطي عيوب الرجال كما يغطي الليل وجوههم. وإنما يُعرف حين يضعف، حين يُغرى، حين يخاف، حين يُفتح أمامه بابٌ للخلاص، ويُطلب منه في المقابل شيء صغير من نفسه. فإن أعطاه، فقد عرفنا ثمنه. وإن ردّه، فقد عرف نفسه. وربما كان الشرف كله ألا يصفق لك أحد، وألا يعرف أحد أنك انتصرت، ثم تعود آخر الليل إلى غرفتك، وتغلق الباب عليك، وتجلس أمام نفسك؛ فإذا سألتك: «ماذا خسرت اليوم؟» استطعت أن تقول لها: خسرت أشياء كثيرة... ولكنني لم أخسرني. | مُصطفىٰ كَـامل.

مضحكٌ أمرُ اللغة؛ أعرف كيف أملأ عشرين ألف حرفٍ بشكوى إلى خدمة العملاء، ثم تعجز يداي عن كتابة سطرٍ واحدٍ لكِ. | مُصطفىٰ كَامل.

عزيزتي يامنة، كيف حالك الآن؟ أدرك جيدًا أنكِ أردتِني بعيدًا، وأنكِ آثرتِ أن تجعلي بيني وبينكِ من المسافة ما يكفي لأن يستريح كلٌّ منا إلى شأنه، ولكن ها أنا ذا، لا أدري ما أصنع بهذا الشوق الذي لم يتعلم بعد كيف يطيع الغياب، وليس لي منه إلا أن أستجدي كلماتي أن تنصفني هذه المرة، وأن تجد لها منفذًا إلى ذلك الركن من قلبكِ الذي ربما ما زال يعرفني. وها أنا أخطُّ بيدي رسالة أرتجي بها ردًّا، ولو كلمة. عزيزتي يامنة، في إحدى جلساتي التي أطرقت فيها التفكير في ذاك الأمر، قلّبت الحكاية على وجوهها، وفتشت في نفسي عن ذنب أستحق به كل هذا البعد، فلم أرَ لي ذنبًا إلا أنني ذو هوى، وأن الهوى إذا استولى على المرء أفسد عليه شيئًا من صبره، وأقام في نفسه من الأسئلة ما لا يهدأ له خاطر. تريدينني بعيدًا، وهذا حقكِ، ولكن يؤلمني أن أراكِ قريبة من الجميع، ثم أجدني أنا وحدي خارج هذا القرب. تؤلمني ضحكتكِ حين تبلغ أحد أصدقائكِ في مكتب العمل، وتؤلمني كلمة «صباح الخير» حين تسبقين بها إلى عامل البوفيه، وتؤلمني تلك الابتسامة العابرة التي تمنحينها لعامل النظافة، لا لأن في أحدهم ما يدعوني إلى الخصومة، وإنما لأنني أقف بعيدًا، أرى ما تمنحينهم إياه عفوًا، وأتذكر كم تمنيت منكِ شيئًا مثله. ولست أقول إنهم لا يستحقون ذلك، حاشاكِ، وإنما أسأل نفسي: إذا كانت الضحكة لا تكلفكِ إلا لحظة، فلماذا لم تكن لي منها لحظة؟ وإذا كان «صباح الخير» كلمة تمضين بها إلى يومكِ، فلماذا لم يكن صباحي أولى بها؟ وإذا كانت الابتسامة أمرًا عابرًا لا تلتفتين إليه، فلماذا ظل غيابها عني أمرًا ألتفت إليه كل يوم؟ تسعهم ابتسامتكِ، ويسمعون صوتكِ، ويرونكِ في صباحاتهم، ثم يمضي كل واحد منهم إلى شأنه، لا يعلم أن وراء الجانب الغربي من هذه البلاد رجلًا يكاد يجن من فرط ما يصنعه البعد به؛ رجلًا لا يكاد يرى عينيكِ، ولا يسمع صوتكِ، ثم يجد الأشياء التي كان يرجوها منكِ أشياء عادية عند غيره. أليس لي من كرمكِ نصيب؟ ألم يكن لي، على الأقل، بعض النصيب من هذا اللطف الذي تمنحينه عفوًا لمن يمرون بكِ؟ كلمة لا يثقل عليكِ قولها، وابتسامة لا تنقص من فرحكِ شيئًا، وإشارة صغيرة تقول لهذا القلب البعيد إنه لم يكن غريبًا تمامًا عنكِ. لكِ ما أردتِ يا يامنة. سأبقى بعيدًا ما دمتِ تريدينني كذلك، ولن أمد يدي إلى باب اخترتِ أن تغلقيه، ولن أجعل من حبي لكِ حُجّة أتسلط بها على حريتكِ. ولكن اعلمي أن البعد، على ما فيه من قسوة، لا يزيدني إلا تعلقًا، وأنه مهما طال لن يقطع حبل الشوق بيني وبينكِ. وإليكِ السلام، حتى أرى عينيكِ الجميلتين. | مُصطفىٰ كَامل.

مساء الخير يا أصدقائي، نص جديد من الروائع. https://www.facebook.com/share/p/19DDvN9UFE/

لن أختصرَ روحي لتتسعَ لكِ، ولن أستأصلَ من طباعي ما يؤلمني كي أبدو في عينيكِ أكثرَ استساغةً؛ لن أروّضَ فوضاي لأمنحَكِ نسخةً مصقولةً منّي، ولا سأُهذّبُ وحشتي كلما خفتِ من أن تريها. لن أستبدلَ يقيني بإرضائكِ، ولا أستعيرُ من أفواهِ الآخرين قاموسًا أُسمّي به الأشياءَ كي لا أُربككِ؛ فما جدوى أن نلتقي، إن كان اللقاءُ مشروطًا بأن أجيءَ إليكِ منزوعَ الملامح، منزوعَ الإعتراض، منزوعَ تلك العُقدةِ الصغيرةِ التي تجعلُني أنا؟ لن أتعاملَ مع المحبّةِ بوصفها مِحرابًا تُعلَّقُ عند عتبتهِ الأنا، ولا أؤمنُ أنَّ الوفاءَ مرادفٌ للذوبان، أو أنَّ الألفةَ تقتضي أن تتشابهَ الأرواحُ حتى تفقدَ كلُّ واحدةٍ منها نبرتها الأولى. سأظلُّ محتفظًا بعزلتي حين أحتاجها، وبصمتي حين تعجزُ اللغةُ عن أداء ما أريد، وبنزقي حين يكونُ الغضبُ أصدقَ من ابتسامةٍ مُدبَّرة. سأصونُ الأشياءَ الصغيرةَ التي أنقذتني من نفسي، حتى لو بدت في ميزانِ العالمِ تافهةً لا تستحقُّ الإلتفات. لن أطلبَ من الحياةِ أن تمنحني ضجيجًا كي أطمئنَّ إلى أنني حيّ، ولا سأستبدلُ السكينةَ التي أنبتُّها في داخلي بحشودٍ عابرةٍ تصفقُ لي ثم تنصرف. وإن أحببتُكِ، فسأحبُّكِ من الموضعِ الذي أنا فيه؛ لا من الصورةِ التي تتمنينها لي، ولا من الرجلِ الذي يصلحُ لأن يُروى عنه في الحكايات. فإن اتسعَ قلبُكِ لهذا الإنسان، فمرحبًا بكِ. وإن ضاقَ به، فلن أكرهكِ على الإقامةِ في بيتٍ لم تختاريه. فأنا لا أريدُ محبّةً تنشأُ من مفاوضاتٍ سرّيةٍ بيني وبين ذاتي؛ أريدُها أن تعرفني كما أنا، ثم تختارني، لا أن تختارَ النسخةَ التي صنعتُها لها. | مُصطفىٰ كَـامل.

عزيزتي يامنة.. أتعلمين ما الذي يستعصي عليَّ في أمركِ؟ أنني أعجزُ عن إيداعكِ في خانةٍ من خاناتِ الزمن. كلُّ ما أعرفه في هذا العالمِ محكومٌ بتاريخٍ ما؛ للمدنِ أعوامُها التي تُؤرِّخُ لازدهارها وانطفائها، وللوجوهِ أعمارُها التي يفضحها تغيُّرُ الملامح، وللحكاياتِ خواتيمُها التي تُغلقُ عليها الأيامُ أبوابها. أما أنتِ، فكلما حاولتُ أن أستخرجكِ من الماضي، وجدتكِ قائمةً في حاضرِي، كأنَّ الذاكرةَ نفسها عجزتْ عن أداء وظيفتها تجاهكِ، فاحتفظتْ بكِ خارجَ تصنيفِها. ومنذ ذلك الحين، وأنا أرتابُ في الذاكرة. لعلنا لا نستعيدُ الأشخاصَ كما كانوا، وإنما نستعيدُ الصورةَ التي عجزتْ حياتُنا عن إتمامها معهم. ولعلَّ الذاكرةَ لا تحفظُ الوقائعَ بقدرِ ما تحفظُ ظلالَ الاحتمالات؛ تلك الحيواتِ الموازيةَ التي كانت قابلةً لأن تُعاش، ثم انطفأتْ قبل أن تجدَ لها موضعًا في الواقع. وهذا، في شأنكِ، أكثرُ ما يُربكني. فأنا لا أعرفُ على وجهِ اليقينِ أيُّنا يقيمُ في الآخر: أأنا الذي أستبقيكِ في ذاكرتي، أم أنَّ حياةً أخرى، لم يُكتب لها أن تقع، هي التي تستبقي شيئًا مني؟ ثمةَ أشياءُ لم تقعْ بيننا، ومع ذلك أجدُ في نفسي حنينًا إليها، كأنَّ القلبَ يمتلكُ قدرةً غريبةً على رثاءِ ما لم يولد. أفتقدُ أحاديثَ لم تُقَل، وطرقاتٍ لم تجمعْ خطانا، وأيامًا لم تُمنحْ لنا كي نختلفَ فيها ونتصالح، وأعوامًا كان يمكنُ أن تستنزفَنا بتفاصيلها الصغيرة؛ ذلك المللُ الحميمُ الذي لا يعرفُ قيمتَه إلا من حُرم منه. وأحيانًا أجدني أحنُّ حتى إلى مستقبلٍ لم يحدث. إلى نسخةٍ أخرى من الحياة، كان يمكنُ أن تكونَ لنا فيها غرفةٌ واحدة، ومواعيدُ يومية، وخلافاتٌ سخيفة، وأشياءُ نشتريها دون حاجة، وأيامٌ عاديةٌ لا تستحقُّ أن تُروى لأحد؛ لكنها، على بساطتها، كانت ستمنحُ الغيابَ معنىً مختلفًا حين يأتي. لعلَّ أفظعَ ما في الفقدِ أنَّ الإنسانَ لا يرثُ منه ما حدثَ وحده، وإنما يرثُ كذلك جنازةَ كلِّ ما كان قابلًا للحدوث. وهذه جنازةٌ لا يحضرها أحد. لا شاهدَ فيها، ولا قبرَ، ولا تاريخَ يمكنُ أن نضعَ تحته خطًّا ونقول: هنا انتهى الأمر. فالحيواتُ الممكنة لا تموتُ بالطريقة التي تموتُ بها الأشياء؛ تظلُّ معلقةً في فضاء الاحتمال، تظهرُ أحيانًا في هيئةِ سؤال، أو ندمٍ عابر، أو تفصيلٍ صغيرٍ يعيدُ إلى المرءِ حياةً كاملةً لم يعشها. ولهذا لا أظنُّ أنَّ الزمنَ قادرٌ على مداواةِ هذا النوعِ من الفقد. وربما لهذا أكتبُ إليكِ الآن. لا أستدعيكِ من ماضٍ انقضى، ولا أستجدي من الأيامِ رجوعًا يستحيلُ عليها؛ إنما أضعُ هذه الكلماتِ حيث تذهبُ الأشياءُ التي عجز الواقعُ عن منحها فرصةً للحياة. أضعُها في ذلك الموضعِ الخفيِّ بين الذاكرةِ والاحتمال. فإن كان للروحِ، بعد هذا العمر، أرشيفٌ لا تطالهُ يدُ النسيان، فربما كانت فيه حياةٌ أخرى لنا؛ حياةٌ لم تُدركها المصادفة، ولم تُبعثرها الطرق، ولم يصلْ إليها الفراقُ قبل أن نبلغَ تمامَها. وربما، في مكانٍ لا أعرفه، ما زالت تلك الحياةُ قائمة. تنتظرُنا دون أن تعرفَ أسماءَنا. ونحن، دون أن نعرفَ طريقَها، ما زلنا نشتاقُ إليها.

الحمدُ للهِ الذي بيده مفاتيحُ المآرب، وإليه منتهى الرغائب، ومن فيضِ فضله تستمدُّ العزائمُ قوَّتها، ومن جميلِ توفيقه تبلغُ الن
الحمدُ للهِ الذي بيده مفاتيحُ المآرب، وإليه منتهى الرغائب، ومن فيضِ فضله تستمدُّ العزائمُ قوَّتها، ومن جميلِ توفيقه تبلغُ النفوسُ ما تعجزُ عنه وحدها. وبفضلِه سبحانه، انطوت عني صفحةٌ من صفحاتِ الطلب، بعد أعوامٍ تعاقبتْ فيها ساعاتُ الجدِّ والتعب، وتقلّبتْ فيها النفسُ بين رجاءِ بلوغِ الغايةِ وخشيةِ التعثّرِ في سبيلها؛ حتى أذنَ اللهُ للخطوِ أن يبلغَ منتهاه، فتخرّجتُ بتقديرٍ أعدُّه من جميلِ مننه، وأثرًا من آثارِ عنايته. وما أنا اليومَ إلا شاهدٌ على أنَّ المرءَ قد يسعى، ولكنَّ التوفيقَ هو الذي يفتحُ للسعيِ أبوابه، وأنَّ العبدَ قد يطرقُ البابَ طويلًا، غير أنَّ الفتحَ بيدِ الله. فله الحمدُ على ابتداءٍ يسَّره، ومسيرٍ حفظه، وغايةٍ بلّغنيها؛ وله الشكرُ على فضلٍ لو اجتمعتِ العبارةُ كلُّها على استقصائه ما أدّت بعضَ حقِّه.

كنتُ أبحثُ عن تشبيهٍ لكِ، ثم أدركتُ أنَّ التشبيهَ نفسه إهانةٌ خفيّة؛ فهو يجعلُكِ شبيهةً بشيءٍ آخر، وأنتِ لم تُخلقي لتُشبهي أحدًا. | مصطفىٰ كامل.

أحرقتُ كلَّ الرسائل. مزَّقتُ كلَّ الصور. وألقيتُ كلَّ ما كان يدلُّ عليكِ. ثم جلستُ في هدوءٍ... أنتظرُ أن يحترقَ الذي كان يقرأ، وينظر، ويتذكَّر.

ولعلَّ أشدَّ ما يُرهقُ الإنسانَ أن يُكثرَ من محاسبةِ نفسِه؛ فإنها إذا طال استنطاقُها لم تُجبه بالحقِّ كلَّه، بل خلطت له اليقينَ بالظن، والذكرى بالخيال، حتى يرى للباطلِ صورةَ الحقيقة، ويقاسي من الأوهامِ ما لا تُقاسيه النفوسُ من النوائب. | مُصطفىٰ كَامل.