قَنبرُ عَلِيّ | جَوارِس .
前往频道在 Telegram
ـ إنسلخ من أغلال الشهوة حتى ترى تحليق الإنسان ! ـ طالب في الحوزة العلميّة المباركة📚. ـ تواصل 𓏺 @Pi_0ubot
显示更多342
订阅者
无数据24 小时
无数据7 天
+1830 天
帖子存档
تكمله: •#المبحث³٤- عذاب القبر وثوابه: وهو العذاب أو الثواب الحاصل في عالم البرزخ، وهو واقع لا محالة، لإمكانه، ولتواتر السمع بوقوعه بدلالة القرآن الكريم والأخبار الصحيحة عن نبي الهدى (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته المعصومين (عليهم السلام)، كما ورد ذلك في اثبات البرزخ في العنوان السابق.
الهوامش ──────────────────── [١]: الكافي : ج٢، ص٢٤٢ [٢]: ميزان الحكمة : ج١، ص٢٥٢ [٣]: ميزان الحكمة : ج٣، ص٢٤٧٨ [٤]: الكافي : ج٣، ص٢٤٤ [٥]: بحار الانوار : ج٧٤، ص٣٨٨ [٦]: نهج البلاغة : ج٢، ص٢٢٢ [٧]: الكافي : ج٣، ص٢٣٦ [٨]: الامالي الصدوق : ص٤٦٨ [٩]: الكافي : ج٣، ص٢٤١ [١٠]: بحار الانوار : ج٦٦، ص٩📜وَالحَمْدُ لِلّٰهِ إنْتَهَىٰ، وحَسْبُنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل.
•#المبحث²: السنة.١- عن أمير المؤمنين (عليه السلام):(يسلّط على الكافر في قبره تسعة وتسعين تِنِّيناً، فينهشن لحمه، ويكسرن عظمه، ويتردّدن عليه كذلك إلى يوم يبعث، لو أنّ تنِّيناً منها نفخ في الأرض لم تنبت زرعاً أبداً . . .)[١]. ──────────────────── ٢- عن علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) في قوله تعالى: (وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ) قال: (هو القبر، وإن لهم فيه لمعيشة ضنكاً، والله إن القبر لروضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران) [٢]. ──────────────────── ٣- عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إن للقبر كلاما في كل يوم، يقول: أنا بيت الغربة، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الدود، أنا القبر، أنا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار) [٣]. ──────────────────── ٤- عن ابي عبد الله (عليه السلام) عندما سئل عن أرواح المؤمنين؟ فقال: (في حجرات في الجنّة، يأكلون من طعامها، ويشربون من شرابها، ويقولون ربّنا أتمم لنا الساعة وأنجز ما وعدتنا)، وسئل عن أرواح المشركين، فقال: (في النار يعذّبون، يقولون لا تقم لنا الساعة، ولا تنجز لنا ما وعدتنا ولا تلحق آخرنا بأولنا) [٤]. ────────────────────
•#المبحث³: الاهوال البرزخية.عرفنا أنَّ الحياة في عالم الآخرة تبدأ من الموت، فبالموت يولد الانسان في عالم الآخرة، وبعد غمرات الموت يواجه أهوال القبر، وهي كما يلي: ١- وحشة القبر وظلمته: أول أهوال الحياة الاخرى وعالم البرزخ هو القبر المنزل موحش من منازل الطريق إلى المعاد، حيث يودع الميت في حفرةٍ مظلمة ضيقة من غير أنيس إلّا ملائكة الرحمة أو العذاب، ومن غير قرين إلّا العمل، فيه يستبدل الإنسان بظهر الأرض بطناً، وبالأهل غربةً، وبالنور ظلمةً، وبسعة العيش ورفاهيته ضيق القبر ووحشته، فينقطع الأثر، ويُمحى الذكر، وتتغير الصور، وتبلى الأجساد، وتنقطع الأوصال وقد وصفه أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه إلى أهل مصر: (يا عباد الله، ما بعد الموت لمن لا يُغْفَر له أشدّ من الموت القبر فاحذروا ضيقه وضنكه وظلمته وغربته، إنّ القبر يقول كلّ يومٍ: أنا بيت الغربة، أنا بيت التراب، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الدود والهوامّ ...) [٥]، وعنه ايضاً (عليه السلام): (فكم أكلت الأرض من عزيز جسدٍ، وأنيق لونٍ، كان في الدنيا غذيَّ تَرَفٍ، وربيبَ شرفٍ، يتعلّل بالسرور في ساعة حزنه، ويفزع الى السلوة إن مصيبةٌ نزلت به، ضنّاً بغضارة عيشه، وشحاحةً بلهوه ولعبه ..) [٦]. ──────────────────── ٢- ضغطة القبر أو ضمّته: من منازل البرزخ التي وردت في الأخبار أنّ الميت يتعرّض إلى ضغطة القبر، أو ضمّة الأرض، إلى الحدّ الذي تُفري لحمه، وتطحن دماغه، وتذيب دهونه، وتخلط أضلاعه، وتكون بسبب النميمة وسوء الخلق مع الأهل، وكثرة الكلام، والتهاون في أمر الطهارة، وقلّما يسلم منها أحد، إلّا من استوفى شرط الإيمان، وبلغ درجات الكمال، عن أبي بصير: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): (أيفلت من ضغطة القبر أحد؟ فقال: نعوذ بالله منها، ما أقلّ من يفلت من ضغطة القبر ...!) [٧]، وتعرّض لضغطة القبر الصحابي الجليل سعد بن معاذ (رضي الله عنه) (ت ٥ ه) حيث جاء في الروايات أنه لمّا حُمِل على سريره شيعته الملائكة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد تبعه بلا حذاء ولا رداء، حتى لحّده وسوّى اللبن عليه، فقالت أمّ سعد: يا سعد، هنيئاً لك الجنة. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (يا أُمّ سعد مَه، لا تجزمي على ربك، فإنّ سعداً قد أصابته ضمّة) وحينما سُئل عن ذلك قال (صلى الله عليه وآله): (إنه كان في خُلقه مع أهله سوء) [٨]، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ضغطة القبر للمؤمن كفّارة لما كان منه من تضييع النعم) [٩]. ──────────────────── ٣- سؤال منكر ونكير: والمنزل الاخر في عالم البرزخ يُنزّل الله سبحانه على الميّت وهو في قبره ملكين، وهما منكر ونكير، فيقعدانه ويسألانه عن ربه الذي كان يعبده، ودينه الذي كان يدين به، ونبيه الذي أُرسل إليه، وكتابه الذي كان يتلوه، وإمامه الذي كان يتولّاه، وعمره فيما أفناه، وماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، فإنَّ أجاب بالحقّ استقبلته الملائكة بالروح والريحان، وبشّرته بالجنة والرضوان وفسحت له في قبره مدّ البصر، وإنَّ تلجلج لسانه وعيي عن الجواب، أو أجاب بغير الحقّ، أو لم يدرِ ما يقول، استقبلته الملائكة بنُزلٍ من حميم وتصلية جحيم، وبشّرته بالنار، وهناك عدة روايات عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام) تدل على هذه المرحلة من مراحل البرزخ، عن الإمام الصادق (عليه السلام): (من أنكر ثلاثة أشياء، فليس من شيعتنا: المعراج، والمُساءلة في القبر، والشفاعة) [١٠].
معنى البرزخ
البَرْزَخ في اللغة: الحاجز بين شيئين، او الحائل بين الشيئين، كأنّ بينهما برازاً أيّ متّسعاً من الأرض، ثمّ صار كلّ حائل برزخاً، اما في الاصطلاح (وهو العالم المتوسط بين الموت والقيامة، يُنعّم فيه الميت أو يعذّب حتّى تقوم الساعة)، فالبرزخ هو المنزل الأوّل للإنسان بعد مفارقة الدنيا بالموت
﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉
ما بين الدنيا والآخرة: قبل الحشر من وقت الموت إلى البعث، فمن مات فقد دخل البرزخ، فالحياة البرزخيّة هي المرحلة الأُولى من الحياة بعد الدنيا، يظهر أنّه ما اتّفق عليه المسلمون من سؤال الميّت في قبره، وعذابه إن كان طالحاً وإنعامه إنَّ كان مؤمناً صالحاً، صحيحٌ لا غبار عليه، وأنَّ الإنسان الحيّ في البرزخ مسؤول عن أُمور، ثمّ معذّب أو منعّم،
────────────────────
ذكر الشيخ الصدوق في عقائده : (اعتقادنا في المسألة في القبر أنَّها حقّ لا بدّ منها، ومن أجاب الصواب، فاز برَوْحٍ وريحان في قبره، وبجنّة النعيم في الآخرة، ومن لم يجب بالصواب، فله نزل من حميم في قبره، وتصلية جحيم في الآخرة).
────────────────────
وذكر الشيخ المفيد : (جاءت الآثار الصحيحة عن النبي أنّ الملائكة تنزل على المقبورين فتسألهم عن أديانهم، وألفاظ الأخبار بذلك متقاربة، فمنها أنّ ملكين لله تعالى، يقال لهما ناكر ونكير، ينزلان على الميّت فيسألانه عن ربّه ونبيّه ودينه وإمامه، فإن أجاب بالحقّ، سلّموه إلى ملائكة النعيم، وإنَّ ارتجّ سلّموه إلى ملائكة العذاب. وفي بعض الروايات أنَّ اسمي الملكين اللّذين ينزلان على الكافر، ناكر ونكير، واسمي الملكين الذين ينزلان على المؤمن مبشّر وبشير». إلى أنَّ قال:« وليس ينزل الملكان إلّا على حيّ، ولا يسألان إلّا من يفهم المسألة ويعرف معناها، وهذا يدلّ على أنَّ الله تعالى يحيي العبد بعد موته للمسألة، ويديم حياته لنعيم إنَّ كان يستحقّه، أو لعذاب إنَّ كان يستحقّه». وليس المراد من القبر، هو القبر المادي الّذي يدفن فيه الإنسان، ولا يتجاوز جثّته في السّعة، وإنّما المراد منه هو النشأة التّي يعيش فيها الإنسان، بعد الموت وقبل البعث، وإنّما كنّى بالقبر عنها، لأنَّ النزول إلى القبر يلازم أو يكون بدءاً لوقوع الإنسان فيها.
• #مبحث¹: اثبات عالم البرزخ.هناك آيات وروايات يستفاد منها وجود حياة واقعيّة للإنسان في تلك النشأة الاخرى: اولاً: الآيات الكريمة . ١- قال تعالى: ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، والآية ظاهرة الدلالة على أن هناك حياة متوسطة بين حياتهم الدنيوية وحياتهم بعد البعث . ﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉ ٢- قال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ لإِماتة عن الحياة الدنيا والإِحياء للبرزخ ثم الإِماتة عن البرزخ والإِحياء للحساب يوم القيامة فالآية تشير إلى الإِماتة بعد الحياة الدنيا والإِماتة بعد الحياة البرزخيّة وإلى الإِحياء في البرزخ والإِحياء ليوم القيامة ولولا الحياة البرزخيّة لم تتحقق الإِماتة الثانية لأن كلاً من الإِماتة والإِحياء يتوقف تحققه على سبق خلافه . ﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉ ٣- قوله سبحانه: ﴿مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا﴾ وهذه الآية تدلّ على أنّهم دخلوا النار بعد الغرق بلا فصل للفاء في قوله: ﴿فَأُدْخِلُوا...﴾. ولو كان المراد هو نار يوم القيامة لكان اللازم الإتيان بـ « ثمّ » أوّلاً، وارتكاب التأويل في قوله: ﴿فَأُدْخِلُوا....﴾، حيث وضع الماضي مكان المستقبل لأجل كونه محقّق الوقوع، وهو خلاف الظاهر . ﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉ ٤- قوله سبحانه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. وهذه الآية نص في اثبات البرزخ لأنّ العطف بالواو يقتضي المغايرة لما قبله، فقد ذكر أولاً أنهم يعرضون على النار غدوّاً وعشيّاً، ثم عطف بعده بذكر ما يأتي يوم تقوم الساعة، ولهذا عبّر عن الأول بالعرض، وعن الثاني بالإدخال . ▸ وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسيرها أنه قال: (إن كانوا يعذّبون في النار غدوّاً وعشياً، ففيما بين ذلك هم من السعداء. لا ولكن هذا في البرزخ قبل يوم القيامة، ألم تسمع قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾. وهذه الآية تحكي عرض آل فرعون على النار صباحاً ومساءً، قبل يوم القيامة، بشهادة قوله بعد العرض: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾. ولأجل ذلك، عبّر عن العذاب الأوّل بالعرض على النار، وعن العذاب في الآخرة، بإدخال آل فرعون أشدّ العذاب، حاكياً عن كون العذاب في البرزخ، أخفّ وطأً من عذاب يوم الساعة.
▢ عَالَمُ الْبَرْزَخ .Alam al-Barzakh ──────────────────── بَحث مَعرفيّ في عالم البرزخ، في إثباته شرعاً وعقلاً، وشرح أحوال الأرواح بعد الموت، وتحليل حقيقة النعيم والعذاب البرزخي وأبعادهما الوجوديّة.
•#المبحث⁶: عظمة الكعبة وشرفها.إنّ التوجّه إلى الكعبة المشرّفة ليس توجّهًا جغرافيًّا محضًا، بل هو توجهٌ نحو أقدس بقعة على وجه الأرض، وقد استمدّت شرفها من تاريخها الرباني ورسالتها التوحيدية. ١- أوّل بيتٍ وُضع للناس تستمدّ الكعبة مكانتها من كونها أوّل بيتٍ للعبادة على الأرض، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾. ويذهب الفكر الإسلامي -كما ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام)- إلى أنّ الكعبة هي مركز الأرض ونقطة انطلاق التوحيد، وأنّ بناءها ارتبط بالملائكة، ثم بجملة من الأنبياء حتى أعاد إبراهيم الخليل وإسماعيل (عليهما السلام) بناءها. ٢- رمزية الكعبة في الفكر الإسلامي الكعبة هي رمز التوحيد الخالص، لا يشوبها أي ارتباط بديانات محرّفة. وعلى خلاف بيت المقدس -الذي كان قبلة لأهل الكتاب- تمثّل الكعبة عودة خالصة إلى الخطّ الإبراهيمي النقيّ، بما يطهّر العبادة من شوائب التداخلات الدينية السابقة.
•#المبحث⁷: الأحكام الفقهية المتعلّقة بالتوجّه للقبلة.يرتبط تحويل القبلة بجملة من الأحكام الفقهية التي قرّرها فقهاء الإماميّة لتنظيم العبادات وسائر التوجّهات: ١- حكم التوجّه إلى بيت المقدس بعد التحويل • إنّ استقبال القبلة شرطٌ لصحة الصلاة، وبعد نزول آية التحويل أصبح استقبال الكعبة المشرفة واجبًا تعبديًّا لا تصحّ الصلاة بدونه. • حكم الصلاة إلى بيت المقدس: من صلّى متعمّدًا إلى غير الكعبة بعد نزول الحكم، فصلاته باطلة بالإجماع عند الإمامية، لانتفاء شرط الاستقبال. ٢- أحكام فقهية أخرى متعلّقة بالقبلة وضعت الشريعة أحكامًا متفاوتة بين الوجوب والحرمة والاستحباب في شأن التوجّه للقبلة، منها: • الذبح والنحر: يشترط في الذبيحة أن تُستقبل فيها القبلة، وإلا فهي غير محلّلة . • قضاء الحاجة: يُحرّم استقبال القبلة أو استدبارها حال قضاء الحاجة، تعظيمًا لشأنها. • الدعاء وقراءة القرآن: يُستحب استقبال القبلة فيهما، لما في ذلك من تعظيمٍ للعبادة وإقبالٍ على الله تعالى. ──────────────────── #الخاتمة إنّ تحويل القبلة يمثّل منعطفًا تشريعيًّا وتنظيميًّا عظيمًا في تاريخ الإسلام، أرسى قواعد الاستقلال التشريعي، وبيّن أنّ الطاعة المطلقة لله ورسوله هي مدار الإيمان. فلم يكن التحويل مجرّد تغيير في الاتجاه، بل كان إعلانًا لهوية الأمة، وتمحيصًا لعقائدها، وإظهارًا لسلطان التشريع الإلهي، وتأكيدًا على أنّ الأحكام الشرعية خاضعة للمصالح التي يقدّرها الله تعالى. لقد تجلّى في هذا الحدث جوهر العبادة: التسليم المطلق، ولو خالف المألوف، وهو مبدأٌ لا يزال يؤسّس لروح الإسلام حتى يومنا هذا.
📜وَالحَمْدُ لِلّٰهِ إنْتَهَىٰ، وحَسْبُنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل.
•#المبحث⁴: موقفُ الصحابةِ في التحويل.كان موقفُ الصحابة من تحويل القبلة مقياسًا حقيقيًّا لصدق الإيمان وعمق الولاء للرسول (صلى الله عليه وآله)، إذ كشف الحدثُ الفاصل عن جوهر النفوس، وفرّق بين من استقرّ الإيمان في قلبه وبين من تلوّثت سريرته بالنفاق أو الاعتراض. وقد تميّز موقفُ الخُلّص منهم بـ التسليم الفوريّ والاستجابة المطلقة لأمر الله تعالى. ١- الاستجابةُ الفورية (قصة مسجد القبلتين) تذكر المصادر التاريخية والتفسيرية -ومنها رواية تفسير القمّي- أنّ التحويل وقع أثناء صلاة الظهر في مسجد بني سَلِمة، الذي عُرف بعد ذلك بـ مسجد القبلتين. وقد ورد أنّ جبرائيل (عليه السلام) أخذ بيد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحوّله نحو الكعبة، فاستدار النبي أولاً، ثم استدار المأمومون تبعاً له. وهذا التفصيل تُبيّن بدقّة أنّ الحركة كانت ابتداءً من الإمام المعصوم، والمأمومون تابعون له في كلّ حركة وسكون. وبهذا تُزال الشبهة الفقهية حول كيفية استدارة المأمومين من دون الإمام، إذ الإمام هو الأصل، وما بعده فرع، كما يؤكّد المفسّرون. فالاستجابة لم تكن فقط صحيحة فقهيًّا، بل كانت مثالًا رفيعًا للطاعة الفورية دون انتظار تبرير أو نقاش. ──────────────────── ٢- التمييزُ بين المخلصين والسفهاء أظهر الحدث انقسامًا بيّنًا في ردود الأفعال، كما نصّ عليه القرآن الكريم: أ- المخلصون من الصحابة الأوفياء هؤلاء سارعوا إلى الامتثال دون تردّد أو تساؤل، يمثّلهم قوله تعالى: ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾. فطاعتهم لم تكن تعبّدًا جسديًّا فحسب، بل ولاءً روحيًّا، واستعدادًا للتسليم لكلّ ما يأتي من عند الله ورسوله، مهما خالف المألوف والعادة. ﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉ ب- السفهاء والمنافقون وهم الذين اعترضوا وأثاروا الشبهات، وردّ القرآن اعتراضهم بقوله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾. وقد فسّر علماء الإمامية (السفهاء) بأنهم اليهود والمنافقون، الذين وجدوا في هذا التحويل فرصة لزرع الشكوك، فكان سؤالهم ليس بحثًا عن حقيقة، بل طعنًا في النبوّة واعتراضًا على التشريع. وهكذا ظهر الفرق بين من يستسلم لله ولرسوله، وبين من يُظهر الإيمان ويُبطن الاعتراض. ────────────────────
•#المبحث⁵: الآثارُ الإيجابية والعبادية في هذا التحويل.إنّ الآثار التي ترتّبت على تحويل القبلة كانت واسعة الأبعاد، عميقة الأثر، وشملت الجوانب العبادية والاجتماعية والفقهية، ويمكن توضيحها على النحو الآتي: ١- الأثرُ العبادي: التمحيص وتأكيد النسخ أ- التمحيص الإيماني: كان تحويل القبلة بمنزلة الغربلة الحقيقية للصفوف؛ إذ أظهر إخلاص الطائعين الذين قدّموا الامتثال على الاعتراض، في مقابل من اضطرب قلبه ووقع في دائرة الشكّ أو ردّ التشريع. وبهذا تجلّى معنى قوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾، أي ليظهر صدق الإيمان بالفعل لا بالادّعاء. ﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉﹉ ب- تأكيد سلطة التشريع: أثبت التحويل أنّ الشارع هو الله وحده، وأنّ الأحكام الشرعية ليست خاضعة لعرفٍ أو عادةٍ أو رغبة بشرية، بل هي منوطة بالإرادة الإلهية المطلقة، تظهر وقت يشاء الله، وتُنسخ حين تنتهي مصلحتها. وهذا من أعظم دروس التعبّد في الإسلام. ──────────────────── ٢- الأثر الاجتماعي: توحيد الهوية لقد شكّل تحويل القبلة إعلانًا واضحًا لاستقلال الهوية الدينية الإسلامية، وتمييزها عن اليهود والنصارى، الذين كانوا يتّخذون من التوجّه إلى قبلتهم ذريعة للطعن في النبوّة. فكان التحويل تثبيتًا لمبدأ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ كما ربط المسلمين بالكعبة، رمز التوحيد الإبراهيمي، وأعاد وصل الأمة بجذورها الأصيلة الممتدة إلى إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام)، مؤكّدًا أنّ الرسالة المحمدية امتدادٌ للرسالات التوحيدية الكبرى.
•#المبحث²: ثانياً: قداسةُ بيتِ المقدس (القبلةِ الأولى)لم يكن التوجّهُ إلى بيت المقدس في صدر الإسلام تشريعًا عابرًا أو اختيارًا ارتجاليًّا، بل كان أمرًا إلهيًّا مقصودًا لحكمةٍ ربّانيةٍ بالغة، تُثبتُ قداسةَ هذا الموضع المبارك ومركزيّته في الوجدان الديني، سواء في المنظور الإسلامي عامّة أو في الرؤية الإمامية خاصّة. ويتجلّى ذلك من خلال النقاط الآتية: ──────────────────── ①. الفضلُ والمكانةُ في الروايات لقد أكّدت روايات أهل البيت (عليهم السلام) رفعةَ شأن بيت المقدس ومقامه العبادي. فقد روى الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه ▸¹ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: (صَلَاةٌ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَعْدِلُ أَلْفَ صَلَاةٍ وصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ تَعْدِلُ مِائَةَ أَلْفِ صَلَاةٍ). وتُظهر هذه الرواية مكانة بيت المقدس في ميزان العبادة، إذ جعلت له فضلاً خاصًا مقرونًا بخصوصية المسجد الحرام. وهذا دليلٌ واضح على أنّ التوجّه إليه كان مبنيًّا على قداسته الواقعية، لا على مجرّد مراعاةٍ لأهل الكتاب كما زعمت بعض الشبهات. فهو مهبط الأنبياء، ومسرى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في رحلته المباركة، ومقامٌ تجلّت فيه آياتُ الله على مرّ العصور. ──────────────────── ②. المدّةُ الزمنيةُ للتوجّه تناول المؤرخون والمفسّرون المدّة التي صلّى فيها المسلمون إلى بيت المقدس، وتعدّدت الأقوال، غير أنّ المشهور في مصادر الفريقين ومنها روايات أهل البيت (عليهم السلام) أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان يستقبل بيت المقدس طوال مقامه في مكة (نحو ١٣ سنة)، ثم استمرّ على ذلك سبعة عشر شهرًا بعد الهجرة إلى المدينة. ويُستفاد من هذا التحديد الزمني أنّ الحكم كان تشريعًا ثابتًا في مرحلة معيّنة، غير أنّه كان مؤقتًا بحدّه التشريعي؛ إذ نُسخ لاحقًا حين صدر الأمر الإلهيّ بالتوجّه إلى الكعبة المشرّفة. وهذا يؤكّد أنّ النسخ جزءٌ من حكمة التشريع، وليس اضطرابًا فيه، وأنّ القبلة الأولى كانت محطَّ قداسة حقيقية حتى انتهاء تكليفها. ────────────────────
•#المبحث³: تحويلُ القبلة.إنّ تحويلَ القبلة من البيت المقدس إلى الكعبة المشرّفة ليس حدثًا شكليًّا في الاتجاه العباديّ، بل هو تشريعٌ عظيم يجمع بين التعبّد المطلق -الذي يقوم على امتثال الأمر الإلهي بلا شرط- وبين العلل التشريعية التي تكشف الحكمة الكامنة وراءه. ويمكن بيان ذلك فيما يأتي: ١- العلّةُ القرآنيةُ الصريحة: الابتلاءُ والتمحيص: صرّح القرآن الكريم بالغاية الأساس من هذا التشريع، وهي الامتحان والتمحيص، إذ قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ . وقد أكّد المفسّرون من الإمامية أنّ المراد من قوله: (لِنَعْلَمَ) هو علمُ الفعل والظهور لا علمُ الانكشاف؛ أي ليظهر المخلص من المنافق، والمطيع من المتردّد. فكان هذا التحويل بمثابة اختبارٍ عمليّ يهزّ القلوب ويكشف ما استبطنته من رسوخ الإيمان أو هشاشته. فمن كان ثابتًا على الطاعة سارع إلى الامتثال، ومن كان ضعيفًا اضطرب أو اعترض . ──────────────────── ٢- الحكمةُ التحليلية: استقلالُ الهويّة وإرضاء النبيّ (صلى الله عليه وآله) بالإضافة إلى العلّة القرآنية الصريحة، يذكر المفسّرون الإمامية حكمتين أساسيتين: •¹ استقلالُ الهويّة الإسلامية كان اليهود في المدينة يتّخذون من توجّه المسلمين إلى قبلتهم ذريعةً للطعن في استقلال شريعة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، مدّعين أنّه تابعٌ لشعائرهم. فجاء التحويل إعلانًا ربّانيًّا بأنّ الإسلام شريعةٌ قائمةٌ بذاتها، لها قبلتها، وشعائرها، ونظامها التعبديّ المستقل. وهكذا انقطعت حجج المعاندين، وتكرّست الهويّة العبادية الخاصّة بالأمّة المسلمة. •² إرضاءُ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان رسول الله يتوجّه بقلبه نحو الكعبة، قبلة أبيه إبراهيم (عليه السلام)، وكان يترقّب نزول الوحي بتحويل القبلة، كما قال تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا). وفي هذا دلالةٌ على علوّ مقام النبيّ (صلى الله عليه وآله) عند ربّه، إذ جعل التحويل تكريمًا له واستجابةً لرغبته، وهي حكمةٌ أشار إليها مفسّرو الإمامية في سياق بيانهم لعناية الله بنبيّه. ──────────────────── ٣- تحويلُ القبلة كنَسخ تشريعي إنّ تحويل القبلة يُعدّ أوضح مثالٍ للنسخ التشريعي في صدر الإسلام؛ فقد كان التوجّه إلى بيت المقدس حكمًا ثابتًا مؤقتًا، ثم نُسخ بالحكم الجديد بالتوجّه إلى الكعبة. وهذا يكشف عن أنّ الشريعة الإلهية مرتبطةٌ بالمصالح والمفاسد، وأنّ النسخ ليس تبديلًا للرأي أو تغيّرًا في إرادة الله -تنزّه عن ذلك- بل هو إظهارٌ لانتهاء مدّة الحكم وابتداء حكمٍ آخر أنسب بمقام المرحلة. وهذا من تمام الحكمة في التشريع .
#المقدّمة
يَعَدّ حادثُ تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرّفة منعطفًا تشريعيًّا عظيمًا في تاريخ الإسلام؛ إذ لم يكن مجرّد انتقال في جهة الصلاة، بل كان امتحانًا إلهيًّا دقيقًا لمدى خضوع الأمّة الناشئة لمبدأ التسليم المطلق وصدق الولاء العقدي. فقد واجه المسلمون آنذاك ضغطًا فكريًّا وعداءً عنيدًا من الداخل والخارج، استخدمت فيه شتّى أدوات التشكيك والإرجاف، ومنها إثارة الشبهات حول التشريعات الإلهية لإضعاف الثقة بالرسالة والرسول.
ومن هنا، فإنّ دراسة هذا الحدث تكشف عن حكمة السماء في بناء مجتمع مؤمن راسخ، يُمتحَن بالتحوّلات ليزداد يقينًا. وقد تناول الوحي هذا الانتقال التشريعي ببيانٍ واضح، مؤكدًا أنّ المقصود منه هو غربلة الصفوف وتمييز من يتّبع الرسول من بعد الشبهة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾
وسيتناول هذا البحثُ الحدثَ الجليل بتفكيك عناصره الأساسية: ابتداءً من الأمر الإلهي بالتوجّه، ومرورًا بخصوصية القبلة الأولى وقداستها، وانتهاءً بالعلل التشريعية والآثار العبادية والفقهية المترتّبة على هذا التحوّل المبارك، بما يُظهر انسجام التشريع الإلهي مع مقاصده الكبرى في تهذيب النفوس وترسيخ الهوية الإيمانية.
────────────────────
•#المبحث¹: الأمرُ بالتوجّه إلى القبلة والغايةُ التعبدية .إنّ الأمر الإلهيّ بالتوجّه إلى القبلة -سواء كانت بيتَ المقدس في المرحلة الأولى أو الكعبةَ المشرفة في المرحلة الثانية- يُعدّ في جوهره أمرًا تعبديًّا محضًا، يُراد به توجيه الأمّة نحو رمزٍ محسوس يجسّد التوجّه الباطني إلى الله تعالى. فالقبلة ليست مجرّد اتجاه جغرافي، بل هي مظهرٌ للطاعة وعلامةٌ على وحدة الأمّة وارتباطها بمرجعٍ واحدٍ يرشدها في مسيرتها العقدية والعبادية. 1. التوجّه شرطٌ للصحة: ورمزٌ للوحدة يُعدّ استقبالُ القبلة شرطًا أساسًا في صحة الصلاة، وقد جاء النصّ القرآنيّ صريحًا في هذا التشريع بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فهذا الأمر لا يراد به تعظيمُ جهةٍ بذاتها، بل تحقيق الطاعة والانقياد، وترسيخ معنى الوحدة الشعائرية؛ إذ تتوجّه الأمّة على اختلاف أمصارها إلى مركزٍ واحد، فينعكس ذلك توحيدًا للقلوب كما يوحّد الأجساد في الموقف الواحد. وقد أكّد المفسّرون من الإماميّة أنّ القبلة رمزٌ لعقيدة التوحيد، وأنّ اجتماع المؤمنين عليها يُحبطُ كلّ مظاهر التشرذم والاختلاف ──────────────────── 2. التوجّه ليس غايةً ذاتية: التعبّد المطلق، إنّ جوهر التشريع في استقبال القبلة قائمٌ على إثبات أنّ الجهة لا تقدّسُ لذاتها، بل لتعلّقها بأمر الله تعالى، وأنّ القداسة إنما تنشأ من الانتساب الإلهي. وقد بيّن القرآن هذا الأصل بقوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ والمعنى كما بينه علماءنا أنّ الأرض كلّها لله، فلا خصوصية في ذات المكان إلا حين يشرّفُه الله بالأمر. فلو شُرِّع التوجّه إلى أيّ جهة غير الكعبة لكانت تلك الجهة قبلةً شرعية تُطاع. وهذا يؤكّد بوضوح قاعدة التعبّد المحض، التي هي من أهمّ أبواب الامتحان الإلهيّ، إذ لا تُبنى على عللٍ عقليةٍ مستقلّة، بل على التسليم لأمر الشارع وامتثال خطابه من غير تردّد. ومن هنا يتبيّن أنّ تحويل القبلة لم يكن تقلبًا في التشريع، بل كشفًا لحقيقة العبودية، وفرزًا بين من يتّبع الرسول (صلى الله عليه وآله) ومن ينقلب على عقبيه بمجرد صدور أمرٍ يخالف ما اعتاد عليه .
•#المبحث⁵: آثار الإيمان بالمعاد .يُستفاد ممّا تقدّم أنّ للإيمان بعالم ما بعد الموت دوراً محوريّاً في حياة الإنسان وأثراً مباشراً في تحديد الأعمال والمعتقدات، ويمكن تلخيص الآثار المترتّبة على الإيمان بالمعاد بما يأتي: ١ - إنّ مثل هذا الإيمان يعمل بالدرجة الأولى على جعل الإنسان حسّاساً تجاه عقيدته وبصيرته، ويدفعه إلى توفير الأرضيّة اللَّازمة للإيمان بما يضمن له النجاة والفلاح وصيانته من الاعتقاد بما يوجب له العذاب والسقوط في جهنّم. ──────────────────── ٢ - إنّ من يؤمن بالمعاد يرى الدنيا مزرعة ألعاب الآخرة، ويعتبر أعماله كالبذور التي سيقطف ثمارها في الآخرة، لذا لا يخطو في الحياة الدنيا إلّا خطواتٍ مدروسة، ويسعى إلى القيام بأعمال حسنة ليحصد نتائج طيّبة. ثمّ إنّ الإيمان بالمعاد يساعد الإنسان على عدم التقصير في أداء التكاليف الإلهيّة وعدم الاستخفاف بالأوامر والنواهي الإلهيّة. ──────────────────── ٣ - إنّ الإيمان بالمعاد يمنح الإنسان المؤمن قوّة حيال الشدائد والمصائب، ويغيّر الوجه القبيح للموت الذي يلقي بظلاله الثقيلة على أفكاره ويصيبه بالكوابيس المستمرّة ويسلبه الراحة والاطمئنان، فالإيمان بالمعاد يهب الموت معنى آخر، ويحولّه من مفهوم الفناء والعدم إلى نافذة صوب عالم أرفع وأجمل. ──────────────────── ٤ - إنّ الإيمان بالمعاد يوسّع أفق الرؤية لدى الإنسان، ويخرجه مِن دائرة العالم المادِّيّ، فلا يعودُ يختزل كلّ شيءٍ في الدنيا المادِّيّة، ولا يواجه الفراغ والخواء في الحياة. وعليه، فالمعاد يمنح حياة الإنسان معنى آخر، في هذه الدنيا أيضاً ويملؤها بنور المعنويّة. ──────────────────── ٥ - من النتائج الأخرى للإيمان بالمعاد، السير نحو هدف محدّد والتخطيط الدقيق للحظات الحياة، فالإنسان المؤمن العارف بمصيره المحتوم وعاقبته الأكيدة لا يحيد عن الطريق، ولا يُفتتن بالألاعيب الواقعة في منتصف الطريق، وإنّما يخطّط جيّداً للوصول إلى المحطّة الأخيرة والهدف النهائيّ بعناية تامّة.
📜وَالحَمْدُ لِلّٰهِ إنْتَهَىٰ، وحَسْبُنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل
•#المبحث⁴: كيف تبدا المحكمة الالهية؟1. السؤال: وهو واقع على جميع الخلق لقوله تعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٩٢ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ٩٣ ﴾ 2. الحساب: قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ٢٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم ٢٦ ﴾ الحساب: هو المقابلة بين الأعمال والجزاء عليها، والمواقفة للعبد على ما فرط منه، والتوبيخ له على سيئاته، والحمد له على حسناته، ومعاملته في ذلك باستحقاقه. 3. الشهود وتطاير الكتب: وهي من أهوال القيامة المروّعة، لانّ العبد يجد نفسه أمام عدة شهود لا تُدحض حجّتهم، ولا يكذّب قولهم، فلا محيص له إلاّ الإقرار بالذنب والاعتراف بالخطيئة، ومن الشهود: أ- الله سبحانه: فهو تعالى محيط بكلّ شيءٍ علماً، وعلى كلّ شيء شهيد، يشهد على العبد في خلواته، ويعلم ما يكنّه ضميره، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ ب- الأنبياء والأوصياء: دلّ الكتاب الكريم على أنّ الله سبحانه يستشهد كلّ نبي على اُمّته يوم القيامة، ويستشهد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم على اُمّته، قال تعالى: ﴿كَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ ج- الملائكة: جعل الله تعالى على الإنسان حفظةً من الملائكة، يصاحبونه ويسجّلون كلّ أعماله، قال تعالى: ﴿ذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ.. مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. د- الأعضاء والجوارح: وفي بعض مواقف القيامة يختم الله تبارك وتعالى على أفواههم، وتشهد أيديهم وجميع جوارحهم بما كانوا يعملون، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هـ- صحائف الأعمال: ذكرنا أنّ أعمال الإنسان وأقواله تضبط في صحف عند الحفظة من الملائكة، قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ١٠ كِرَامًا كَاتِبِينَ ١١ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ١٢ ﴾ ز- وظهور الأعمال أو تجسّمها: قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ ──────────────────── سادساً: الميزان: ومن مشاهد القيامة نصب الموازين لتمييز أهل الطاعة والإيمان عن أهل الجحود والعصيان، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ──────────────────── سابعاً: الصراط: والصراط من منازل المعاد، ويراد به الجسر الذي يُنصَب على جهنّم، ويُكلّف جميع الخلق المرور عليه، ويكون أدقّ من الشعرة، وأحدّ من السيف، فأهل الجنة يمرون عليه لا يلحقهم خوف ولا غمّ، والكفار يمرون عليه عقوبةً لهم وزيادة في خوفهم، فإذا بلغ كلّ واحدٍ إلى مستقرة من النار سقط من ذلك الصراط. وتتفاوت سرعة العابرين على الصراط بحسب ما قدّموا من أعمال في الدنيا، فالمؤمنون يعبرونه كالبرق الخاطف، والكافرون يتعثّرون من أول قدم، ويتهافتون إلى النار، ▸² قال الإمام الصادق (عليه السلام): (الناس يمرون على الصراط طبقات، والصراط أدق من الشعرة، وأحدّ من السيف، فمنهم من يمرّ مثل البرق، ومنهم من يمرّ مثل عدو الفرس، ومنهم من يمر حبواً، ومنهم من يمرّ مشياً، ومنهم من يمرّ متعلقاً، قد تأخذ النار منه شيئاً وتترك شيئاً)
📙←ميزان الحكمة: ج٢، ص١٦١٠.
• #المبحث³: تعدد أسماء يوم القيامة في القرآن الكريمإنَّ أسماء يوم القيامة تختلف باختلاف الأهوال، والمنازل الشديدة والمواقف العصيبة، لما في ذلك اليوم من شدّة الأهوال، ورهبة الفزع، وطول الوقوف، كما عبر عنه القران الكريم في قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ١ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ٢ ﴾، فمواقف واهوال يوم القيامة مختلفة كما تضمنتها الآيات القرآنية الكريمة وهي كتالي: اولاً: نفخة الصعق، أو صيحة الموت: قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾. ──────────────────── ثانياً: تغيير النظام الكوني: الحياة في الآخرة هي نشأة ثانية تقوم على نظام جديد يكتسب صفة الخلود، ويشتمل على محض السعادة أو الشقاء، ويتمّ ذلك بعد تغيير النظام السائد في النشأة الدنيا القائمة على الزوال والفناء، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ثالثاً: نفخة الإحياء، أو صيحة البعث: وهي النفخة التي تحيا بها جميع الكائنات في النشأة الآخرة، قال تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ٥١ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ٥٢ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ٥٣ ﴾ رابعاً: الحشر: اجتماع الخلق يوم القيامة حيث يحشرون حشراً عاماً لا يستثني أحداً، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدً﴾ ويشمل الوحوش والدوابّ والطيور، لقوله تعالى: (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ)، والحشر من المنازل التي تذهل العقول وتروّع القلوب حتى تبلغ الحناجر، حيث يُساق الخَلْق إلى أرض المحشر في يوم الفزع الأكبر، كما خلقهم ربهم أول مرّة، حفاةً عُراةً غُرلاً، قد ألجمهم العرق من ضيق المكان. ▸¹ عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (وذلك يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين، لنقاش الحساب وجزاء الأعمال، خضوعاً، قياماً، قد ألجمهم العرق، ورجفت بهم الأرض، فأحسنهم حالاً من وجد لقدميه موضعاً ولنفسه متّسعاً)
📙←ميزان الحكمة: ج٣، ص٢١٧٩.──────────────────── فيتبدّل الغيب شهادةً، والسرّ علناً (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) وتظهر كلّ فعلةٍ أو عقيدة خافية ظهوراً بارزاً في أرض الموقف (يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لأ يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ). ويتفاوت حشر الناس بحسب أعمالهم الظاهرة، فيحشر المتقون ركباناً ﴿يَوْمَ نحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إلى الرَّحْمنِ وَفْداً﴾، وعلى وجوههم مظاهر الفرح والسرور ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ٣٨ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ٣٩ ﴾، بما اُعدّ لها من الثواب والفوز العظيم، ولهم نور وبهاء يميزهم عن أهل الموقف ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾ ──────────────────── خامساً: المحكمة الإلهية: قال تعالى: ﴿وأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ تلك هي المحكمة الإلهية التي لا تشبه محاكم الدنيا في شيء، لأنَّ قاضيها يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وشهودها الأنبياء والمرسلون، وأعضاء المتهم، وأعماله التي تتجسّد أمامه، وصحائف الأعمال التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصتها، فأنّى للمتّهم الإنكار والأعمال محضرة، والصحف منشورة، والشهود قائمة، والجوارح ناطقة؟
