673
订阅者
无数据24 小时
-17 天
+1030 天
帖子存档
يا عبد الله
يا مَن تقرأ في كل يوم سبع عشرة مرة: ﴿اهدِنا الصِّراط المُستقِيم صِراط الذين أنعَمتَ عليهم غير المَغضُوب عليهم ولا الضالِّين﴾
حِرصُك على إدخال فلان الكافر الجنة وألا يُخلَّد في جهنم، إنَّما يكون بدعوته إلى الإسلام وتعريفه به فيستبين له بطلان مُعتقدِه.
أما مُخادعتُك إيَّاه بتركه يهلَك على باطِله، وتحريفك دينك وردّك حكم ربك وعسفك معاني الآي والأحاديث، فمآله خلودك معه في النار!
وليس بعاقل ولا ذي رأي مَن رام إنقاذ غيرِه بغشِّه وإهلاك نفسِه معه.
عجبتُ لمن يُنادي بأقومية وحيٍ قد جزم بأنَّ سبيل الرُّشد والهدى لا تُدرك ولا تُنال سوى بتقفُّر إيمان نقلَته واقتفاء آثار حملَته، ثم هذا المنادي نفسه يُجوِّز –كجواز طلوع الشمس مِن مشرقها غداً– كون المُتقدِّمين أدنى منه علماً وفهماً وتحقيقاً وكشفاً لمُراد الآي!
وأعجب منه عندي تزلُّف معارِض للآنف، عالمٍ بكون المسطور مِن تقعيدات الزنادقة، ثم يُؤثِر التصدِية والتقام القَضيض على أنْ يذبَّ عن دين الله تعالى أو يذَر الذابِّين دون همز.
وإنَّ امرأ يحسَب ثُلمة الإسلام محصورة في غير منتسِب إليه لمُؤاخٍ جند إبليس، وكائن لهم كأحسن المطايا مُواتاة وهو لاهٍ غافل.
المُستدِل على مَن غزَت الحقوقية قلبَه بـ"حقوقه في الإسلام وتكريمه له" أحمقُ من هبنَّقة وإن رام خيراً؛ إذ عِلة ضلال هؤلاء هي عين هذا الخطاب المنفكِّ عن تقرير الاستسلام لرب العالمين، ومخاطبة منعدم التسليم بما يُذكي جذوة استحقاقيته ويُعميه عن كونه عبداً مربوباً لا رباً معبوداً جهل وسفه وإفساد في الأرض مغبَّته اللازمة تحريف الشريعة وقلب مفهوم العبودية.
كثير ممَّن ينتحِل أبا العباس رحمه الله يأخذ بكلامه حينما يُوافق ثقافة معاصرة غالبة ابتلعَها وتغلغلت فيه حتى بدَت على اسمه وسمته، هو نفسه مَن يردُّه كأن لم يسمَعْه متى أزعج صداه هذا الهوى المألوه.
ويا خذلان متهوِّك يصِف مخطوط السلف في مُتعلَّقات الاعتقاد ولوازِمه بأنه قد علاه ما علاه من التخبُّط والتناقض والبعثرة، فيُضلَّل لإعذار مُحرِّفةِ الدين حملَتُه ويُجهَّل للمماحَكة نَقلَتُه، ثم هو يُصوِّب فيما ادعى غفلتَهم عن الحق فيه قروناً مَن هو عالة عليهم لا يصدُر إلا عن علومهم ولا ينطلِق إلا مِن فهومهم!
أقول: ما أسمج ذاك وما أقبحه؛ فإنْ عجَز المُتقدِّمون التُّقاة المُهتدون عن ضبط وتقعيد أصولِ مسائل ذاتِ صلة بما استقَوه كلهم مِن مِعين واحد تطابقت فيه عباراتهم مع تباعُد أقطارهم واختلاف أزمانهم، حتى إنه لا يسَع الحصيف المُقسِط سوى الإذعان عاقداً مُغلَّظَ الأيمان بأنَّ ذلك ما كان ولا يكون إلا مِن مِشكاة واحدة، فالذي جاء بعدهم بقرون وقرون هو عن جميع ذلك أضعَف وأعجَز.
فكيف والحال أنَّ المُنتحَل يرد هذه السبيل الباطلة ويُصرِّح بأنَّ تحقيق هذه المسائل وما لفَّ لفَّها إنما يكون بالأخذ عمَّن استقى منهم لا عنه هو؟
والله المستعان.
ما مِن عبد أُشرِب حبَّ البدعةِ قلبُه واجتهد لها وأقبل بُكليِّته عليها إلا بَعُد عن السَّنة وزهِد في المأثور وتكاسل عما شرعه الله له بقدر ما استفرغه من وسعٍ في اتباع مُعارِضات الوحي. ذلك أنَّ الشرائع قوت القلوب كما أنَّ المطعومات غذاء الأجساد، وقد عُلِم أن الذي ملأ بطنه بفاسد الأقوات لم يعد لحَسَنها فيها موضِع، بل تُسقِمه وتُفسِد عليه ذائقته حتى يُورِثه اعتيادها نُفرة وعِيافاً مِن الطعام النافع. ألا ترى المرء يُستحدَث له الذَّوق بحسب ما اعتاده مِن مأكول، فيستطيب ما ألِف وإنْ ضرَّه ويكره غير المألوف وإنْ نفَعه؟ فكذلك حال القلب مع البدع والمُحدثات.
Repost from أوَّاب بن مُحمَّد
『 تجلِّيـات الجلال والجمال في تقدِيـر الأهـوال 』
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
روى ابن أبي شيبة في مصنفه بسند مستقيم عن صفية بنت أبي عبيد زوجِ ابن عمر رضي الله عنهما قالت:
«زُلزِلت الأرض على عهدِ عمر حتى اصطفقت السُّـرر وابن عمر يُصلِّي فلم يدرِ بها ولم يُوافِق أحداً يُصلِّي فدرى بها، فخطبَ عمر النَّاس، فقال: [ أحدثتُم، لقد عجلتُم ] ، قالـتْ: ولا أعلمُـه إلا قال: [ لئن عـادتْ لأخـرجـنَّ مِن بين ظهرانَـيكـم ] » .
يُرسِل الله بالآيات تخويفاً وإنذاراً ويُقدِّرها على العِباد بحكمته تذكيراً واعتِباراً، والعاقِل مَن لم يَقصُر على السَّبب المادي نظَرَه بل أمعَنَ وأعمَلَ الخاطِر في معنى الاتِّعاظ والتَّذكُّر وسبَرَه، فتجدَّد لديه إدراك مفاهِيم عظيمة كقوةِ الله عز وجل وقدرتِه عليه وعلى سائر الخلق، وأنَّه عز وجل إنْ شاء أهلكهم مُستحقِّين لذلك وللمالِك في مملوكه ما شاء، ومع جلالِ كمالِ القوَّة والقُدرة يتجلَّى جمالُ كمالِ الرَّحمة والمغفِرة؛ ومما يوضح ذلك أن يعلم أن المخلوق قد يحلُم لجهلٍ وذهولٍ أو يعفو عن عجز أو تحصِيلاً لمصلحة وانتِفاع ومداهنة وغير ذلك، أما الخالق عز وجل فليس كذلك قد تنزَّه عن جميع النَّقائص بل يحلم ويعفو عن علم تام وقُدرة كامِلة .
لا يزال سبحانه يرزق عِباده ويُمِدُّهم بالطَّيِّبات ويُنزِل عليهم القَطر ويُعافِيهم على ما يقَع منهم مِن البلايا على مراتبها، فخلْقٌ مع إيمانهم به زلوا فعصَوه واجتَرحوا مِن السَّيِّئات والخطايا ثم تابوا مِن قريب وتضرَّعوا فتابَ عليهم وهداهم سُبُلهم وغفر لهم بل تفضَّل عليهم الكريم فأبدَلَهم أجراً وثواباً، وخلْقٌ مِن الناس بهم خِسة وجرأة على ضعفهم ترى فردهم تعدَّى وفجَر حتى أشرَك به وكفَر فسبَّه وآذاه سبحانه ناسِباً إليه الصَّاحِبة والولد والأنداد، وهو رغم ذلك حليم بهم صابِر عليهم .
وفي صحيح الإمام البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنَّ النبي ﷺ قال: «ليس أحد - أو ليس شيء - أصبَر على أذى سمِعه مِن الله؛ إنهم ليدعون له ولداً وإنه ليُعافِيهم ويرزقهم!» .
ومما يُستأنَس به مِن الأثر في هذا المعنى - مع ما تواترت به النُّصوص - قول الفُضَـيل بن عيـاض رحمه الله أنه عز وجل يقول: «...مَن أعظم منِّي جُوداً وكرماً، وأنا الجوَاد الكريم؟ عبيدِي يبِيتُونَ يُبارِزونَنِي بالعظائم، وأنا أكلؤهم في مضاجِعهم، وأحرُسُهم على فُرُشِهِم» .
وللإمام ابن القيِّم رحمه الله في ما ذكرنا كلام بديع إذ قال: [ وأما صبره سبحانه فمُتعلِّق بكفر العِباد وشِركهم ومَسبَّتهم له سبحانه وأنواع معاصِيهم وفجورِهم فلا يُزعِجه ذلك كلُّه إلى تعجيل العقوبة بل يصبِر على عبدِه ويُمهِله ويسْتصلِحه ويرفُق به ويحلُم عنه حتى إذا لم يبقَ فيه موضِع لصنِيعه ولا يصلُح على الإمهال والرِّفق والحلم ولا يُنِيب إلى ربِّـه ويدخل عليه لا مِن بـاب الإحسان والنِّعم ولا مِن باب البلاء والنِّقم أخَـذَه أخـذ عزيـز مُقتِـدر بعد غاية الإعذار إليه وبذل النَّصيحة له ودعائه إليه من كل باب وهذا كله مِن موجبات صِفة حلمه وهى صِفة ذاتية له لا تزول ] .
وتعقَّب رحمه الله البعض بعد ذلك فقال أنهم:
[ اشتَغلوا بالكلام فى صبر العبدِ وأقسامِه، ولو أنَّهم أعطوا هذا الاسم حقَّه لعلِموا أنَّ الرَّب تعالى أحقُّ به مِن جميع الخلق كما هو أحقُّ باسِم العلِيم والرَّحيم والقدِير والسَّمِيع والبصِير والحيِّ وسائِر أسمائه الحسنى مِن المخلوقين، وأنَّ التَّفاوت الذي بين صبرِه سبحانه وصبرِهم كالتَّفاوت الذي بين حياتِه وحياتِهم وعِلمه وعِلمهم وسمعِه وأسماعِهم وكذا سائر صِفاته ] .
ثم قال رحمه الله:
[ ولما عُلِم ذلك أعرَفُ خلقِه به قال: «لا أحد أصبر على أذًى سمِعه من الله» ، فعِلم أرباب البصائر بصبرِه سبحانه كعِلمهم برحمته وعفوِه وستره مع أنَّه صبرٌ مع كمال علم وقُدرة وعظَمة وعِزة وهو صبر مِن أعظم مصبور عليه؛ فإنَّ مُقابلة أعظَم العظماء وملك الملوك وأكرم الأكرمين ومَن إحسانه فوق كل إحسان بغايةِ القبح وأعظمِ الفجور وأفحش الفواحِش ونسبتِه إلى كلِّ ما لا يلِيق به:
▪︎ والقدحِ في كماله وأسمائه وصِفاته
والإلحاد في آياته .
▪︎ وتكذيب رسُله عليهم السَّلام ومُقابلتهم
بالسَّب والشَّتم والأذَى .
▪︎ وتحريق أوليائه وقتْلِهم وإهانتهم .
= أمر لا يصبِر عليه إلا الصَّبور الذي لا أحد أصبَر مِنه ولا نِسبة لصبرِ جميع الخلق مِن أوَّلهم إلى آخِرهم إلى صبرِه سبحانه ] .
فسُبحان الحليم العظيم، يا عبد الله، أما آنَ لقلبك أنْ يلين؟ أما آنَ لكَ أنْ تستحِي مِن مبارَزة مَن لو شاء لخسف الأرض بمَن عليها؟
قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في «ثلاثةِ الأصول»:
«والطواغيت كثيرون ورؤوسهم خمسة: إبليس –لعنه الله– ومن عُبِد وهو راضٍ، ومن ادعى شيئاً مَن علِم الغيب...».
قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله –جامع مجموع فتاوى ابن تيمية– في «حاشيته على ثلاثةِ الأصول»:
«[أما الذي عُبِد راضياً] بتلك العبادة الصادرة من العابد بأي نوع من أنواعها، فهو طاغوت من رؤساء الطواغيت وكبرائهم.
[وأما التالي] ممن يُقِر الغلو والتعظيم بغير حق، كفرعون ومشائخ الضلال الذين غرضهم العلو في الأرض والفساد واتخاذهم أرباباً، والإشراك بهم مما يحصل في مغيبهم وفي مماتهم، وحُكِي عن بعض أئمة الضلال أنه قال: (مَن كان له حاجة، فليأتي إلى قبري وليستغِث بي)».
..........................
• ما بين المعكوفَين زيادة –ليست من الأصل– للاتساق.
وانظر عِظم استنكار الشافعي في الخاتمة، وزمن الأئمة أهون شراً وأحسن حالاً من زماننا بكثير فتراه هنا ذكَر مجرد التفضيل ثم وصفه بما وصفه من السوء، فتأمَّل يا رعاك الله إن كانت هذه الخصلة قد انطبقت على محضِ تطفيف ميزان الفضل، فكيف بمن رمى الميزان أرضاً ثم أحرقه؟
وهذه الآفة إن لم تُعالج خبُثَت إثرَها النفس وزاد شرها فتعدت إلى ما هو أنكى، ولا يزال المرء يقدم مصلحة متوهمة بعد أخرى متذرعاً بالدين مُتلطِّفاً في مخالفة أصول الدين نفسه حتى يضمحِل عنده الحد الفاصل بين مقبول المصالح ومردودها بالكلية، فيكون الأمر عنده تقديم المصلحة الدنيوية بإطلاق دون اكتراث لعِصمة الزخارف اللفظية كما كان، فيبيع آخرته لعرَض من الدنيا قليل، وكل الدنيا في الآخرة يسير فكيف ببعضِها؟
وفساد الميزان القلبي أمر جلل يستجلِب عند المؤمن الوجَل، فرحِم الله يحيى بن معاذ الذي رُوِي عنه: إنَّ الدنيا لو كانت تِبراً يفنى وكانت الآخرة خزَفاً يبقى لكان ينبغي للعاقل إيثار الخزَف الباقي على التِّبر الفاني، فكيف والدنيا خزَفٌ فانٍ والآخرة تِبرٌ باقٍ؟!
وكما أنَّ الإمام الشافعي أشار إلى عتبة الابتداء في سلم الانتكاس السلوكي، فقد كان ماثلاً أمام ناظرَي شيخه الإمام مالك بن أنس رحمهما الله مُنتهى ما يؤول إليه المرء، ومَن لطيف الموافقات أن اللفظ بعينه كان حاضراً عنده، فقد روى ابن المُقرئ في معجمه بإسناده إلى ابن أبي أويس قال: سمعتُ مالك بن أنس يقول: قال ربيعة الرأي: يا مالك، مَن السَّفلة؟ قال: قلتُ: «مَن أكل بدينه» ، قال: فمَن سفلة السَّفلة؟ قال: «مَن أصلح دنيا غيره بفساد دينه».
وحتى تنأى –بُصِّرتَ سبل الهدى– عن مثل المذكور، اجعل دأبَك وعادتك وقوفَك مع نفسك برهة يسيرة تسألها وقت العلم بتؤَدة: كيف أمتثل لهذا العلم؟ وتسألها بعد العمل بصِدق: أعملتُ بما علمتُ؟
أتدري من المسكين المخذول؟
هو منتسبٌ إلى العلم، يبذل أعزَّ أوقاته ويُفني زهرة حياته في مطالعة المتون العقدية وحفظ المنظومات واستشراح المنثور وحلِّ ألفاظ القريض، ثم هو مع ذلك ذو عالمانيةٍ علمية؛ فأثرُ ما تلاه من نصوص الوحيين، ثم ما مرَّ عليه من آثار السلف وأخلاقهم وآدابهم ومناهجهم = منعدمٌ فيه، لا تكاد ترى له في سلوكه أثراً.
فالقول قول تَقِي
والفعل فعل غَوِي
فإن التزم شيئاً من ذلك، لم يلتزِم إلا بما لا يجرُّ عليه إنكارَ الفئات المجتمعية الغالبة حتى وإنْ كانت تخالفه في الاعتقاد والمنهج، وتمقُت ما ينتسب إليه من الحق فيهما.
وهكذا القلب إذا لم يتشرَّب نور الوحي؛ تصير حظوظ النفس وضغوط الواقع هي التي تقوده.
فمثلاً: يوالي المخالفَ في الاعتقاد والمنهج بل وربما الذابَّ عنه والمجادلَ دونه ويرفع من قدرهما؛ فطوامُّهما في عينيه اجتهاد واحتيالهما عنده ورع وإخبات، ومَسُّهُما بسوء فِسق بل يكاد يكون أخا الإلحاد!
مع أن كليهما يشهدان عليه بالضلال في العلم والعمل.
وقد بيَّن الرب تبارك وتعالى حدَّ رضا أهل الباطل عن المخالف فقال: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم﴾ ، فتمام الرضا لا يكون إلا بتمام المُوافقة.
فيُذِل المرء نفسه وما معه مِن الحق فقط لتحصيل عِلة الاجتماع المشؤومة، وهو مع ذلك غير مرضيِّ الحال عندهم!
ثم هذا الذي تراه مُتسوِّلاً فتات ثناء أهل الباطل هو عينُه يجفو ويُعادي عموم الموافقين له في الاعتقاد والمنهج، فأخطاؤهم عنده عظائم وزلاتهم يقيم عندها الأفراح والولائم وحاله معهم بين طعن وحط وثلب وغيبة، فإن شاء تزويقاً ألبس ذلك لَبوس العلم والورع والنصيحة والتحسُّر.
وهذه فرصة أبتهلها لكشف بابٍ لإبليس خبيث؛ إذ يجد فيه بُغيته ويستزِل عامة مَن انتسب إلى العلم. فلتتأمَّل ما وضع عليه يده ابن تيمية الحفيد رحمه الله مِن أفعال قد خرجت مِن قلب دهاه العطَب وأعمل فيه الخنَّاس سُمَّه.
قال رحمه الله:
«ومنهم مَن يُخرِج الغيبة في قوالب شتى، تارة في قالب ديانة وصلاح فيقول: ليس لي عادة أن أذكر أحداً إلا بخير، ولا أحب الغيبة ولا الكذب؛ وإنما أخبركم بأحواله.
ويقول: (والله إنه مسكين أو رجل جيد؛ ولكن فيه كيت وكيت).
وربما يقول: (دعونا منه الله يغفر لنا وله) ؛ وإنما قصده استنقاصه وهضمٌ لجانبه.
ويخرجون الغيبة في قوالب صلاح وديانة يخادعون الله بذلك كما يخادعون مخلوقاً؛ وقد رأينا منهم ألواناً كثيرة من هذا وأشباهه.
ومنهم مَن يرفع غيره رياءاً فيرفع نفسه فيقول: (لو دعوت البارحة في صلاتي لفلان؛ لما بلغني عنه كيت وكيت) ، ليرفع نفسه ويضعه عند من يعتقده.
ومنهم من يحمله الحسد على الغيبة فيجمع بين أمرين قبيحين: الغيبة والحسد. وإذا أثنى على شخص أزال ذلك عنه بما استطاع من تنقصه في قالب دين وصلاح، أو في قالب حسد وفجور وقدح ليُسقِط ذلك عنه.
ومنهم من يُخرِج الغيبة في قالب التعجب فيقول: (تعجبت من فلان كيف لا يفعل كيت وكيت، ومن فلان كيف وقع منه كيت وكيت وكيف فعل كيت وكيت) ، فيُخرَج اسمه في معرض تعجبه.
ومنهم من يُخرِج الاغتمام فيقول: (مسكين فلان، غمني ما جرى له وما تم له) ، فيظن من يسمعه أنه يغتم له ويتأسف، وقلبه منطوٍ على التشفِّي به ولو قدر لزاد على ما به، وربما يذكره عند أعدائه ليشتفوا به.
وهذا وغيره من أعظم أمراض القلوب والمخادعات لله ولخلقه. ومنهم من يُظهِر الغيبة في قالب غضب وإنكار منكر فيُظهِر في هذا الباب أشياء من زخارف القول وقصده غير ما أظهر. والله المستعان».
وإن شئت فاعجب لشدة موافقة هذا الكلام للواقع بقضِّه وقضيضه.
ثم قل لي كيف هو عجبك إن علمتَ أن كل ذلك قد يخرج من المرء تُجاه أناس هم مُعظِّمون للسلف والأئمة المهديين المرضيين مثله، بل يشهدون معه لهم بأنهم خير القرون علماً وعملاً كما جاء بذلك الحديث!
وليس هذا المسلك بِدعاً من الانحراف؛ فقد تعرَّض الوحي لبعض نظائره، قال عز وجل: ﴿ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلاً﴾ ، وفي عموم لفظ الآية بذكر المآل الأخروي وثمرة هذه المجادلة تنبيه للأنفس التي شربت من كؤوس الهوى ما أسكرها وسكَّر أبصارها.
ومما أراه لافتاً للنظر أن الأئمة قد وصفو لنا مبتدأ هذه الحال القميئة قديماً بحذافيرها، ولعل الإمام الشافعي ناله شيء مِن شرِّها فما انقدح وقت السؤال في ذهنه سواها، فحُفِظت لنا عنه هذه الكلمة الجليلة.
روى البيهقي في «مناقب الشافعي» بإسناده إلى المزني –صاحب الإمام الشافعي رحمهما الله– أنه قال: سألت الشافعي، مَن السّفلة؟
فقال رحمه الله: «مَن يكون إكرامه لمخالفيه أكثر من إكرامه لأهل مذهبه، وليس ذلك إلا لقلَّة فضله وعلمه، يريد أن يستكثِر بهم. ومَتى يُوالى العدو؟!».
قال يحيى بن معاذ رحمه الله:
«الدرهم عقرب، فإن لم تُحسِن رقيته فلا تأخذه، فإنه إن لدغك قتلك سمه» ، قيل: ما رقيته؟ قال: «أخذه مِن حلِّه ووضعه في حقِّه».
وقال: «مصيبتان للعبد في ماله عند موته لا تسمع الخلائق بمثلهما» ، قيل: ما هما؟ قال: «يُؤخذ منه كله، ويسأل عنه كله».
