سَلسبيل .
前往频道在 Telegram
﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ هَنا فَتاةٌ تَسعى إِلَى أَن تَكونَ مِنَ الصّالِحِينَ .
显示更多222
订阅者
-224 小时
-57 天
-1330 天
帖子存档
222
ضبط النفس ᥫ ᭡ .
إنّ من أشرف مراتب الإيمان ، وأعلى مقامات العبودية لله ، أن يملك الإنسان زمام نفسه في لحظات الغضب والشهوة ، وأن لا يجعلها تقوده إلى ما يسخط الله تعالى . فالإنسان قد ينتصر على أعدائه في ساحة القتال ، لكنه إذا انهزم أمام غضبه فقد خسر نفسه ، وإذا غلبته شهوته فقد صار أسيراً لهواه.
قال الله سبحانه في كتابه الكريم :
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
، فمدح الكاظمين للغيظ ، وقرنهم بالعافين عن الناس ، ثم ختم الآية بوعد محبته لهم ، وكفى بها منزلة عظيمة أن يكون العبد محبوباً عند ربه .
وروي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنه قال: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب."
ميزان الحكمة - جزء ٣ - صفحة ٢٢٦٦،
ليبيّن أن القوة الحقيقية ليست في غلبة الأجساد ، بل في قهر النفس عند هيجانها.
وعن الامام الصادق عليه السلام : "ما جرع عبد جرعة أعظم أجراً عند الله من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله."
ميزان الحكمة - جزء ٣ - صفحة٢٢٦٧ ، فالذي يكظم غيظه إنما يقدّم لله قرباناً صامتاً ، ويُعان على أن يملأ الله قلبه إيماناً وأمناً يوم القيامة .
وقد جسّد أئمتنا الأطهار عليهم السلام هذه القيم في حياتهم ، فالإمام موسى الكاظم عليه السلام ـ الذي لُقّب بالكاظم لكثرة ما كظم غيظه وعفا عمّن ظلمه ـ لم يكن يرد على المسيء بمثل إساءته ، بل كان يقابل السوء بالإحسان ، حتى تحوّل أعداؤه إلى محبين . وتلك صورة عملية للمؤمن الذي يرى في ضبط النفس طريقاً للسمو لا وسيلة للضعف .
الغضب جَمر من الشيطان يوقدها في القلب ، فيعمي البصيرة ويقود صاحبه إلى ما يندم عليه . ولهذا أوصى أهل البيت عليهم السلام بوسائل عملية لإطفاء ناره : أن يستعيذ المرء بالله من الشيطان ، وأن يغيّر حاله من القيام إلى الجلوس أو العكس ، وأن يتوضأ بالماء البارد ، فإن الماء يطفئ النار ، وأن يصمت إذا هاج غضبه ، فإن أول ما ينفلت عند الإنسان هو لسانه .
والمؤمن إذا ضبط نفسه حاز خير الدنيا والآخرة؛ يعيش مطمئن القلب ، راضي النفس ، محبوباً بين الناس ، وينال محبة الله عز وجل . بل ورد في الروايات أنّ من كظم غيظه وهو قادر على إنفاذه ، أعطاه الله ثواب الشهيد ، وملأ قلبه إيماناً ورضاً .
فليكن المؤمن حكيماً في لحظات انفعاله ، وليتذكر أنّ كلمة في ساعة غضب قد تهدم ما بُني في سنين ، وأنّ موقفاً واحداً قد يُفقده صديقاً أو يقطع رحماً . وليكن شعارنا كما أرشدت كلماتهم الطاهرة : من ملك نفسه ملك دنياه وآخرته ، ومن صارت نفسه سيّدة عليه صار عبداً لهواه ، وتلك هي الخسارة المبينة .
ومن المواقف المضيئة : أن شاميا رآه الحسن راكبا فجعل يلعنه، والحسن عليه السلام لا يرد، فلما فرغ أقبل الحسن عليه السلام فسلم عليه وضحك، فقال: أيها الشيخ أظنك غريبا، ولعلك شبهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وإن كنت جائعا أشبعناك، وإن كنت عريانا كسوناك، وإن كنت محتاجا أغنيناك، وإن كنت طريدا آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حركت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك، كان أعود عليك، لأن لنا موضعا رحبا وجاها عريضا ومالا كثيرا.
فلما سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال: أشهد أنك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إلي، [والآن أنت أحب خلق الله إلي] وحول رحله إليه، وكان ضيفه إلى أن ارتحل، وصار معتقدا لمحبتهم
بحار الأنوار - ج ٤٣ - الصفحة ٣٤٤
يقول تعالى في كتابه العزيز :
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40-41].
فالله جعل الجنة مأوى لمن استطاع أن ينهى نفسه عن شهواتها ويضبط هواها ، وهذه بشارة عظيمة لمن يجاهد نفسه .
إنّ النفس إذا تُركت بلا تهذيب صارت مثل الفرس الجامح ، تجر صاحبها إلى التهلكة . أمّا إذا روّضها بالإيمان والتقوى صارت وسيلة توصله إلى الله . ولهذا نجد أهل البيت عليهم السلام يحذرون من الانقياد الأعمى للغضب ، لأنه يفتح أبواب الشيطان ، ويُذهب الحكمة ، ويجرّ إلى القطيعة والظلم .
