فوائد في علم النفس وعلم الاجتماع
前往频道在 Telegram
أنا آدم، وهذه قناة أنتقي فيها ما يروقني في علم النفس والاجتماع الغربي. قناتي الرئيسية @adambno78
显示更多1 423
订阅者
-124 小时
+47 天
-530 天
帖子存档
ظاهرة التيسير الاجتماعي Social Facilitation
ترجع أصول البحث في التيسير الاجتماعي Social Facilitation إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين نشر عالم النفس الأمريكي نورمان تريبلت Norman Triplett سنة 1898م بحثه الشهير The Dynamogenic Factors in Pacemaking and Competition.
وقد بدأ تريبلت بملاحظة سجلات سباقات الدراجات، فوجد أنَّ المتسابقين يحققون أداءً أسرع حين يسابقون غيرهم أو يسيرون خلف مُنظِّم للسرعة، مقارنةً بأدائهم منفردين؛ ثم نقل المسألة إلى المختبر، فاختبر الأطفال في مهمة إدارة بَكَرَات الصيد، وقارن أداءهم منفردين بأدائهم في حال المنافسة. ومن هنا نشأ أحد أقدم الأسئلة التجريبية في علم النفس الاجتماعي: هل مجرد وجود إنسان آخر يغيّر مقدار ما يستطيع الفرد أداءه؟
ثم جاء فلويد ألبورت Floyd Allport، فدرس منذ سنة 1920م أثر العمل في حضور شركاء يؤدون المهمة نفسها، ثم أدخل مفهوم Social Facilitation في بنائه لعلم النفس الاجتماعي في عشرينيات القرن العشرين. واتسع بذلك محل البحث من «المنافسة» إلى صورتين أعم: المشاركة في الأداء Co-action، بأن يعمل أشخاص متجاورون في المهمة نفسها، وحضور الجمهور Audience Presence، بأن يؤدي الفرد عمله وهو تحت مشاهدة الآخرين.
ويُعرَّف التيسير الاجتماعي، على التحقيق، بأنه تغيّر أداء الفرد بسبب الحضور الاجتماعي، بحيث يقوى أداؤه عادةً في المهام السهلة أو المألوفة أو المتقنة، ويضعف في المهام الصعبة أو الجديدة أو غير المتقنة. ولذلك فلفظ «التيسير» قد يوهم إذا أُخذ على إطلاقه؛ إذ ليست القاعدة أنَّ وجود الآخرين يحسّن العمل، بل القاعدة الأدق أنَّ وجودهم يقوّي الاستجابة الغالبة Dominant Response: فإن كانت الاستجابة الغالبة صحيحةً تحسن الأداء، وإن كانت خاطئةً ازداد الاضطراب.
وهذا هو وجه المسألة الذي حرره روبرت زايونك Robert Zajonc في مقالته المؤسسة سنة 1965م. فقد كانت الدراسات قبل ذلك تبدو متناقضة: بعضها يجد تحسناً في حضور الآخرين، وبعضها يجد تدهوراً. فجمع زايونك الطرفين في قانون واحد: الحضور الاجتماعي يرفع الاستثارة، والاستثارة تقوي ما هو أغلب وأرسخ من الاستجابات. والمهمة السهلة أو شديدة التدريب تكون الاستجابة الصحيحة فيها هي الغالبة، فيظهر التيسير الاجتماعي Social Facilitation، وأما المهمة الجديدة المركبة فتغلب فيها الاستجابات الناقصة أو الخاطئة، فيظهر الكف الاجتماعي Social Inhibition. ثم اختبر زايونك وسيلز Zajonc & Sales هذا الفرض سنة 1966م، فوجدا أن وجود الجمهور زاد صدور الاستجابات التي سبق ترسيخها بوصفها «غالبة»، وخفض الاستجابات التابعة الضعيفة.
ومن ثَمَّ فليست العبرة في هذه الظاهرة بأنَّ الناس «يبذلون جهداً أكبر أمام الناس» فحسب؛ فإنَّ زيادة الجهد لا تفسر لماذا يفسد الأداء أحياناً. وإنما أدقُّ تصوير لها أنَّ الحضور الاجتماعي يضخّم ما هو حاضر أصلاً في نظام الأداء: الماهر ينتفع به لأن الصحيح عنده قد صار تلقائياً، والمبتدئ قد يتضرر به لأن الخطأ والتردد هما الاستجابة الأقرب إليه. ولهذا يستطيع العازف المتقن أو الرياضي المحترف أن يبلغ أمام الجمهور ما لا يبلغه في التدريب، بينما قد يعجز المتعلم عن مسألة أو حركة كان يستطيعها وحده.
غير أنَّ الخلاف بقي في الآلية التي تجعل الحضور مؤثراً. فذهب زايونك إلى مجرد الحضور Mere Presence: إن وجود فرد آخر من النوع نفسه يرفع اليقظة والاستثارة ولو لم يكن بصدد تقييمنا. واعترض كوتريل Cottrell بأن الإنسان قد تعلم أن الآخرين مصادر للثواب والعقاب والحكم، وأن المؤثر الحقيقي هو خشية التقييم Evaluation Apprehension؛ ولذلك يشتد الأثر إذا علم الفرد أن الجمهور قادر على تقويم أدائه. ووجدت بعض التجارب دعماً لهذا المعنى، إذ ازداد الأثر مع ارتفاع إمكان التقييم.
ثم جاء روبرت بارون Robert Baron بنظرية صراع الانتباه Distraction–Conflict Theory، فقرر أنَّ حضور الآخرين يجاذب الانتباه بين أمرين: العمل الذي بين يدي الفرد، والآخرون المحيطون به. وينشأ من هذا التنازع تضييقٌ لمجال الانتباه؛ فيكون نافعاً أحياناً في المهمة البسيطة التي لا تحتاج إلا إلى عدد قليل من المثيرات، وضاراً في المهمة المركبة التي تتطلب توزيع الانتباه على معلومات كثيرة. وقد خلصت مراجعات هذا الاتجاه إلى أنَّ آليات الانتباه قد تفسر قسطاً مهماً من الظاهرة تفسيراً أدق من ردِّ كل شيء إلى «الاستثارة» المجردة.
وقد ثبت في التحليل التلوي meta-analysis الذي أجراه بوند وتايتس Bond & Titus سنة 1983م على 241 دراسة تضم قرابة أربعة وعشرين ألف مشارك. فقد ثبتت الصورة العامة: وجود الآخرين يسرّع أداء المهام البسيطة، ويبطئ المهام المركبة، ويضعف دقة الأداء المركب؛ لكن حجم التأثير في المتوسط كان صغيراً، فلم يفسر الحضور الاجتماعي في التجربة النموذجية إلا نحو 0.3% إلى 3% من التباين في الأداء. كما لم يجد التحليل دعماً قوياً لكون «خشية التقييم» وحدها هي المفسر العام للظاهرة. وهذا يمنع من جعل التيسير الاجتماعي قانوناً حتمياً؛ فهو أثر حقيقي، لكنه مشروط بطبيعة المهمة، ودرجة إتقانها، وكيفية حضور الآخرين، وما يستثيره ذلك الحضور من انتباه وتقييم واستثارة.
وحاصل الظاهرة أنَّ الجمهور لا يخلق المهارة، ولكنه يكشف قوة الاستجابة التي استقرت عند الفرد ويزيد غلبتها. ولهذا كان حضور الآخرين أصلح غالباً لإظهار المهارات المتقنة منه لتعلم المهارات الجديدة: فمرحلة التعلم تحتاج إلى فسحة للخطأ والتجريب وقلة الضغط، وأما مرحلة الأداء بعد الإتقان فقد تنتفع بالمنافسة والمشاهدة والتقييم. وعلى هذا يمكن تلخيص القانون كله في عبارة واحدة: كلما كانت الاستجابة الصحيحة أرسخ في الفرد، كان الحضور الاجتماعي أقرب إلى تحسين أدائه؛ وكلما كانت المهمة جديدةً مركبةً والاستجابة الصحيحة فيها غير مستقرة، كان الحضور نفسه أقرب إلى إفساد الأداء.
وقد أقرت الشريعة ما في الحضور والمنافسة والاجتماع من بعث الهمة وتقوية الأداء. فمن أصرح ذلك قول أبي موسى الأشعري رضي الله عنه للنبي ﷺ، لما أثنى على حسن قراءته: «لو علمتُ مكانك لحبَّرتُ لك تحبيرًا»؛ أي: لزدتُها تحسينًا وإتقانًا، فدلّ على أن علمه بحضور مستمع جليل كان سيزيد جودة أدائه.
وكذلك قال عمر رضي الله عنه في الصدقة: «اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا»، فحملته منافسة النظير على مزيد بذل. ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، وقال: ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.
وقد عبّر ابن حجر عن هذا المعنى بعبارة جامعة فقال في الاجتماع على إمام واحد في القيام: «الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلين». فالشريعة تقرّ أن الإنسان قد ينشط بحضور غيره، ويقوى بمنافسته، ويحسن أداءه إذا علم أنه منظور إليه؛ غير أنها تهذّب هذا الباعث، ليكون عونًا على الإحسان لا غايةً للعمل.
Repost from بَبْلُوغْرَافِيَا إِعَادَةِ الذَّاكِرَةِ
موسوعة_بلومزبري_في_فلسفة_الطب_النفسي.pdf11.51 MB
وحاصل الأمر أنك إذا خِفتَ شيئًا لا ضررَ فيه، ففَرَرْتَ منه، ازدادَ خوفُك منه أبدًا. وإن واجهْتَه وصبرْتَ عندَه حتى يهدأَ روعُك، ضعُفَ خوفُك شيئًا فشيئًا حتى يزولَ. فالمُواجهةُ دواءٌ، والفرارُ داءٌ. قِوامُها أن يُعرَّضَ العليلُ لما يُثيرُ قلقَه — إمَّا في الواقعِ (in vivo)، أو في التخيُّلِ (imaginal)، أو للإحساساتِ البدنيةِ التي يخافُها (interoceptive) — تعريضًا مُتدرِّجًا في الغالبِ من الأيسرِ إلى الأشقِّ، مع منعِه من سلوكِ التجنُّبِ والاحترازِ، وإبقائِه في الموقفِ حتى يَخمُدَ القلقُ. ويُرتَّبُ لذلك سُلَّمٌ من المواقفِ (hierarchy) من أدناها هَوْلًا إلى أعلاها.
وقد اختلفَ النظرُ في عِلَّةِ نجاعتِه على مذهبينِ:
- مذهبُ الاعتيادِ والإطفاءِ (habituation / extinction): أنَّ الخوفَ ينحطُّ لتكرارِ التعريضِ حتى يخبوَ، وأنَّ مِلاكَ الأمرِ انحطاطُ القلقِ ضِمنَ الجلسةِ وبينَها.
- مذهبُ تعلُّمِ الكفِّ (inhibitory learning)، وهو الأحدثُ الأدَقُّ عندَ المُحقِّقينَ كـكريسكه (Craske): أنَّ الرابطةَ القديمةَ (شيءٌ ⟵ خطرٌ) لا تُمحَى، بل يُنشَأُ فوقَها تعلُّمٌ كافٌّ جديدٌ (شيءٌ ⟵ أمانٌ) يَغلِبُها. ومَناطُ الشفاءِ على هذا ليس انحطاطَ القلقِ في الجلسةِ، بل مُخالَفةُ التوقُّعِ (expectancy violation): أن يتوقَّعَ العليلُ مكروهًا فلا يقعَ، فينكسِرَ توقُّعُه. ويُبنَى على هذا المذهبِ تنويعُ سياقاتِ التعريضِ وأماكنِه لتقويةِ التعلُّمِ الجديدِ وتعميمِه، إذ الرابطةُ الكافَّةُ مُقيَّدةٌ بسياقِها، بخلافِ الرابطةِ القديمةِ المُرسَلةِ.
ويفترضُ هذا المفهومُ تصوُّرًا خاصًّا للنفسِ: أنَّها ذاتُ نظامينِ متمايزينِ، نظامٌ عاقلٌ يُذعِنُ للحُجَّةِ، ونظامٌ انفعاليٌّ لا يُذعِنُ إلا للتجرِبةِ المُعادَةِ. ويفترضُ أنَّ المعرفةَ الانفعاليةَ إجرائيةٌ بدنيةٌ تُكتَسَبُ بالمُباشَرةِ، لا خبَريةٌ لفظيةٌ تُكتَسَبُ بالإخبارِ. فهو قائمٌ على أنَّ للجسدِ عِلمًا سوى عِلمِ اللسانِ، وأنَّ اليقينَ الانفعاليَّ لا يُنالُ إلا بالفعلِ لا بالقولِ.
مثال: رجلٌ يخافُ رُكوبَ المصعدِ، فيصعَدُ السلالِمَ أبدًا. كلَّما فرَّ إلى السلالِمِ تأكَّدَ عندَه أنَّ المصعدَ مَهلَكةٌ. فلو أخبرْتَه ألفَ مرةٍ أنَّه آمِنٌ لم يُغْنِ عنه، إذ لم يشهَدْ ذلك بنفسِه قطُّ. فإذا أدخلْناه المصعدَ ومكَثَ فيه — وقلبُه يخفِقُ ويظنُّ الهلاكَ داهِمًا — ثم انفتحَ البابُ سالِمًا، انكسرَ توقُّعُه الأولُ. فإذا كرَّرَ ذلك في مصاعدَ شتَّى، رسخَ عندَه علمٌ انفعاليٌّ بالأمانِ. ولو أنَّه دخلَ المصعدَ وهو يُحكِمُ قبضتَه على الحديدِ، ويُردِّدُ أدعيةً بعينِها يعتقِدُ أنَّها تعصِمُه من السقوطِ — فإنَّ هذا احترازٌ خفيٌّ (safety behavior) يُفسِدُ العلاجَ، إذ يَنسِبُ سلامتَه إلى فعلِه لا إلى أمانِ المصعدِ، فيبقى التوقُّعُ الكاذبُ على حالِه.
مثالٌ يُبيِّنُ حدودَه: رجلٌ يعملُ في تعدينٍ، يخافُ انهيارَ النفقِ خوفًا شديدًا. فهذا الخوفُ ليس مَرَضيًّا يُعالَجُ بالتعريضِ، بل هو إدراكٌ صحيحٌ لخطرٍ واقعٍ. فمَن أرادَ أن يُعرِّضَه لهذا حتى «يعتادَه» فقد أخطأَ المَناطَ؛ إذ التعريضُ إنما يُقوِّمُ الخوفَ الزائدَ على الحقِّ، لا الخوفَ المُطابِقَ للحقِّ.
قد يُقالُ: لِمَ اشتُرِطَ البقاءُ في الموقفِ، ولم يَكفِ مجرَّدُ الدخولِ؟ والجوابُ: لأنَّ الخائفَ إذا دخلَ ثم فرَّ عندَ اشتدادِ القلقِ، خرجَ والقلقُ في أوجِه، فتأكَّدَ عندَه أنَّ الفرارَ نجَّاه، فكانَ الدخولُ زيادةً في العِلَّةِ لا نقصًا منها. فالبقاءُ حتى تُخالَفَ التوقُّعاتُ ركنٌ لا يُستغنَى عنه.
وقد يُقالُ: لِمَ اشتُرِطَ كفُّ التجنُّبِ والاحترازِ؟ والجوابُ: لأنَّ بقاءَ الاحترازِ يُبقي للنفسِ مَعذَرةً تُعلِّقُ بها سلامتَها، فلا يُنسَبُ الأمانُ إلى الشيءِ في ذاتِه. فلو رُفِعَ هذا الشرطُ اختلَّ المقصودُ، إذ يبقى الوهمُ مُعتصِمًا بحيلةٍ.
وأمَّا اشتراطُ التدريجِ، فليس ركنًا لازمًا في ذاتِه، بل هو رِفقٌ يُعينُ على الاحتمالِ ويُرغِّبُ في المُثابَرةِ. وقد يُعرَّضُ بالإغراقِ دفعةً (flooding) فيصِحُّ، لكنَّ التدريجَ أرفَقُ وأبقَى.
في العلاج بالتعريض exposure therapy
إنَّا نجدُ من الناسِ من يستولي عليه الخوفُ من أمرٍ لا ضررَ فيه في نفسِ الأمرِ. فيَفزَعُ من دخولِ الأماكنِ المنغلقةِ، أو من مخالطةِ الجمعِ، أو من رؤيةِ حيوانٍ صغيرٍ لا بطشَ عندَه، فَزَعًا يُقعِدُه عن مصالحِه، ويُحيلُ حياتَه ضِيقًا. وهو مع ذلك عالمٌ بعقلِه أنَّ خوفَه لا يُطابقُ الواقعَ، مُقِرٌّ بأنَّ العنكبوتَ لا يقتلُه، والحُجرةَ لا تخنقُه، والجمعَ لا يفترسُه. فها هنا مُعضِلةٌ عجيبةٌ: علمٌ صحيحٌ في العقلِ، مع انفعالٍ كاذبٍ في النفسِ، لا يُذعِنُ الثاني للأولِ.
وهنا مَكْمَنُ الإشكالِ الذي لو لم يُطرَحْ لَمَا احتاجَ العقلُ إلى هذا المفهومِ أصلًا: إذا كان الخائفُ يعلمُ ببرهانِ عقلِه أنَّ لا خطرَ، فلِمَ لا يزولُ خوفُه بهذا العلمِ؟ وإذا لم يَزُلْ بالعلمِ، فبِمَ يزولُ؟
وقبلَ المضيِّ، أُحرِّرُ حدودَ ما نحن بصددِه:
- الخوفُ المَرَضيُّ (المسمَّى phobia): هو انفعالٌ نفسيٌّ نافرٌ، مُفرِطٌ في مقدارِه على قدرِ الخطرِ الواقعِ، مُلازِمٌ لتصوُّرِ مُثيرٍ بعينِه أو صنفٍ من المُثيراتِ، يبعثُ صاحبَه على الفرارِ منه أو تجنُّبِه، مع بقاءِ العقلِ شاهدًا بأنَّ المقدارَ زائدٌ على الحقِّ.
- التجنُّبُ (avoidance): هو امتناعُ النفسِ عن مُلاقاةِ ما تخافُه، سواءٌ كان بالفرارِ الحِسِّيِّ أو بالاحترازِ الباطنِ.
فالمعضلةُ إذن: انفصالُ حكمِ العقلِ عن حكمِ النفسِ الانفعاليةِ. والعلمُ بأنَّ الشيءَ آمِنٌ لا يُورِثُ الأمانَ. فما وجهُ ذلك؟ وما الطريقُ إلى ردِّ الانفعالِ إلى مقدارِه الحقِّ؟
إنَّ هذا المعنى لم يَتِمَّ دفعةً واحدةً، بل تدرَّجَ عبرَ أجيالٍ، على هذا الترتيبِ:
كان أوَّلُ ما مهَّدَ له ما رصَدَه إيوان بافلوف (Pavlov) الروسيُّ من أنَّ الحيوانَ يقترنُ عندَه مُثيرٌ محايدٌ بمُثيرٍ ذي أثرٍ، حتى يصيرَ المحايدُ باعثًا للفعلِ. وهذا أصلُ «الاقترانِ الشرطيِّ». فعُلِمَ أنَّ الخوفَ قد يُكتسَبُ بالاقترانِ.
ثم جاءَ واطسون (Watson) فبيَّنَ بالتجربةِ أنَّ الطفلَ يُعَلَّمُ الخوفَ من شيءٍ لم يكن يخافُه، إذا قُرِنَ بصوتٍ مُفزِعٍ. فثبتَ أنَّ الخوفَ المَرَضيَّ مُكتسَبٌ مَصنوعٌ، لا فِطريٌّ لازمٌ. وإذا كان مصنوعًا فهو قابلٌ للنَّقضِ.
ثم كان الحَجَرُ الأساسُ على يدِ الطبيبِ يوسف ولبه (Joseph Wolpe) نحوَ سنةِ ١٩٥٨م، إذ لاحظَ في تجاربِه على السنانيرِ التي صُنِعَ فيها الخوفُ أنَّها تُشفَى إذا عُرِّضَتْ لما تخافُه على مقاديرَ متدرِّجةٍ، مع إحلالِ حالةٍ مُضادَّةٍ للخوفِ محلَّه — كالاسترخاءِ أو الطُّعمِ. فسمَّى ذلك «التحسيسَ المُتدرِّجَ المُضادَّ» (systematic desensitization)، وبناه على أصلٍ زعمَه، وهو «الكَبْحُ المُتبادَلُ» (reciprocal inhibition): أنَّ الخوفَ والاسترخاءَ ضِدَّانِ لا يجتمعانِ، فمتى حضرَ أحدُهما ارتفعَ الآخرُ.
ثم جاءَ من بعدِه من نقَّحَ الأصلَ، فتبيَّنَ لهم أنَّ إحلالَ الاسترخاءِ ليس هو مَناطَ الشفاءِ، وأنَّ العُمدةَ إنما هي مُلاقاةُ المخوفِ حتى يخمُدَ الخوفُ بنفسِه. فتحرَّرَ المعنى من قيدِ التدريجِ ومن قيدِ الاسترخاءِ، وبَقِيَ جوهرُه: التعريضُ. وهذا ثمرةُ أجيالٍ من التنقيحِ لا اكتشافُ رجلٍ واحدٍ في يومٍ واحدٍ.
ولنقفْ الآنَ موقفَ المكتشِفِ الأولِ، ونُعِدْ بناءَ المسلكِ العقليِّ كما يكادُ يفرِضُ نفسَه:
- الملاحظةُ: نرصُدُ أنَّ الخائفَ كلَّما لاقى مخوفَه ازدادَ خوفُه في الحالِ، ثم إن صبرَ ولم يفِرَّ، وجدَ خوفَه يفتُرُ بعدَ حينٍ من غيرِ أن يقعَ به المكروهُ.
- لو كان الخوفُ يزولُ بالعلمِ، لَزالَ بمجردِ إخبارِ الخائفِ أنَّه آمِنٌ. لكنَّه لا يزولُ. فالعلمُ العقليُّ غيرُ كافٍ. وهذا ما عجزَ عنه تصوُّرُ «المُعالَجةِ بالحُجَّةِ» وحدَها.
- فلا بُدَّ إذن من فرضٍ جديدٍ: أنَّ النفسَ الانفعاليةَ لا تتعلَّمُ الأمانَ بالقولِ، بل بالتجرِبةِ المُعادةِ. أي أنَّها تحتاجُ أن تُباشِرَ المخوفَ فتَشهدَ بذاتِها انتفاءَ الضررِ، مرةً بعدَ مرةٍ، حتى ينحلَّ الاقترانُ الكاذبُ بينَ الشيءِ والخطرِ.
- تولُّدُ الفكرةِ المركزيةِ: وهنا ينكشِفُ سِرُّ الداءِ: أنَّ التجنُّبَ هو الذي يُخلِّدُ الخوفَ. فإنَّ الخائفَ إذا فرَّ، انتفعَ في حالِه براحةٍ، فتَرسَّخَ في نفسِه أنَّ الفرارَ هو الذي نجَّاه، وأنَّ لو بَقِيَ لَهَلَكَ. فيتأكَّدُ عندَه وهمُ الخطرِ، ولا يُتاحُ له قطُّ أن يختبِرَ كذبَه. فالفرارُ دواءٌ عاجلٌ داءٌ آجلٌ.
فتلزَمُ من ذلك ضرورةً: أنَّ الشفاءَ لا يكونُ إلا بنقضِ التجنُّبِ، أي بالبقاءِ في حَضرةِ المخوفِ حتى ينطفئَ الخوفُ من تلقاءِ نفسِه، ويشهدَ الانفعالُ ما شهدَه العقلُ. وهذا هو المفهومُ يفرِضُ نفسَه على الذهنِ فرضًا.
Repost from قناة | مُصْطَفى يُوسُف
الانحياز للسلطة Authority Bias والتنافر المعرفي Cognitive Dissonance بتقرير تقي الدين ابن تيمية تـ728هـ
«ولهذا تجدهم عند التحقيق مقلِّدين لأئمتهم فيما يقولون إنَّه من العقليات المعلومة بصريح العقل؛ فتجد أتباع أرسطو طاليس يتبعونه فيما ذكره من المنطقيات والطبيعيات والإلهيات، مع أنَّ كثيرًا منهم قد يرى بعقله نقيض ما قاله أرسطو، وتجده لحسن ظنِّه به يتوقف في مخالفته، أو ينسب النقص في الفهم إلى نفسه، مع أنَّه يعلم أهلُ العقل المتصفون بصريح العقل أنَّ في المنطق من الخطأ البيِّن ما لا ريب فيه؛ كما ذُكر في غير هذا الموضع.
بل هذا موجود في أتباع أئمة الفقهاء وأئمة شيوخ العبادة، كأصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم؛ تجد أحدهم دائمًا يجد في كلامهم ما يراه هو باطلًا، وهو يتوقف في ردِّ ذلك، لاعتقاده أنَّ إمامه أكمل منه عقلًا وعلمًا ودينًا، هذا مع علم كلِّ واحدٍ من هؤلاء أنَّ متبوعه ليس بمعصوم، وأنَّ الخطأ جائز عليه.
ولا تجد أحدًا من هؤلاء يقول: إذا تعارض قولي وقول متبوعي قدَّمت قولي مطلقًا، لكنَّه إذا تبيَّن له أحيانًا الحقُّ في نقيض قول متبوعه، أو أنَّ نقيضه أرجح منه، قدَّمه؛ لاعتقاده أنَّ الخطأ جائز عليه».
— شيخ الإسلام ابن تيمية | درء تعارض العقل والنقل (1/155)
Repost from فوائد في علم النفس وعلم الاجتماع
مثالي تطبيقي (وهذا موجه لمن ترك المذاكرة زمنا طويلا مثلا، فثقلت نفسه عنها لا المعتاد عليها):
ابدأ بتحديد هدفك غذا تحديدًا بيّنًا، معروف الصفة، مضبوط الوقت والمدة، ثم اعمد إلى غلق أبواب الشواغل، وإبعاد كل ما يشغلك، سواء باختيار منك أو بإكراه نفسك على ذلك. وتحرَّ أن تزيل كل مانع تعلم من نفسك أنه يصدّك عن المذاكرة، كأن تختار وقت سكون لا يشوبه صخب.
ولا يكن نظرك مقصورًا على الهدف الأدنى، بل ليكن في قلبك علمٌ بأن هذا السعي إنما هو جسرٌ تعبر به إلى مرادٍ أعظم، وهو بلوغ غايةٍ تتشوّف إليها النفس، فإن لم تكن لك غايةٌ كهذه، فتفكر حتى تصطنعها، لتكون لك هويةً تروم إدراكها، ويكون لك في سعيك إليها لذةٌ تُنسيك عناء الطريق.
وليكن اخترنا التوقيت: صباحا بعد الفطور، أن تدرس لساعتين؛ فلتقم بتنظيف مكان الدراسة، وتعطيره حتى (وإن شئت استحم)، ثم أعد مشروبك المفضل، واجعل ابتداء الشرب = علامةً على ابتداء المذاكرة، فتقترن اللذةُ بالفعل. وابدأ في أمرٍ هيِّن، يسهل على النفس حمله، ويفتح لها باب الاهتمام، كأن تراجع بابًا تعرفه، أو موضوعًا أثار فيك فضولًا قديما.
ثم إن درستَ ساعةً أو اثنتين، فخذ لنفسك راحةً يسيرة، نحو عشر دقائق، تتحرّك فيها أو تمشي، واحذر أن تشغلها بما يلهي من الشاشات أو ما يفسد المزاج. فإذا فرغت من راحتك، فعد إلى درسك، على نفس النظام، واثبت عليه كلَّ يوم، وزِد من وقتك شيئًا فشيئًا، بحسب ما تحتمل، حتى تبلغ القدر الذي ترضاه، ويصير الدرس عندك عادةً لا تكلّ منها، بل تجد لها شوقًا وارتياحًا.
Repost from فوائد في علم النفس وعلم الاجتماع
علم نفس العادات (المذاكرة مثالا)
العادةُ، في اصطلاح أهل علم النفس، هيئةٌ راسخةٌ تنشأ في الذهن، وتَستتبُّ في الجوارح، تُكتسب بالتكرار المنضبط، وتتكوَّن ضمن سياقٍ زمنيٍّ وبيئيٍّ معين. ولا يحسن عدّها مجرّد تكرارٍ آليّ، بل هي سلوكٌ يُنشئه العقل ضمن ما يُعرف في علوم الأعصاب بـ الحلقة العصبيّة للعادة (Habit Loop)، وهي ثلاثة أركان: الإشارة أو التنبيه (Cue)، ثم الفعل ذاته (Routine)، ثم الجزاء النفسيّ أو المكافأة الشعورية (Reward).
وقد فصّل القولَ في ذلك الباحث تشارلز دُهيغ (Charles Duhigg)، وألحق به جيمس كلير (James Clear) بحثًا أوسع، فبيّن أن استقرار العادة، إنما يكون أشدّ إذا نشأ من هوية الإنسان وذاته، لا من غرضٍ خارجيّ. إذ كلما وافق الفعلُ تصوّر المرء عن نفسه، قَوِي ثباته، حتى كأنّ كلّ تكرارٍ صوتٌ خفيّ يُنتخب به من يكون المرء.
"كلُّ عادةٍ تصويتٌ لهويتك، وكلُّ تكرارٍ يزيد ترسيخك لمن تكون."— جيمس كلير، العادات الذرية وأما مقدار الزمان اللازم لاكتساب عادةٍ حتى تستحكم، فقد بينته دراسة(Lally et al., 2010) فوجدت أن "أتمتة السلوك" — أي رسوخه بحيث يُؤدّى بلا مشقةٍ شعورية — يتطلب ما بين 18 و254 يوماً، بمتوسط 66 يوماً، وذلك باختلاف سهولة الفعل ومكانته في النفس. فالملل، في أصله، خللٌ في نظام المكافأة الدماغي، ينشأ من نقص التحفيز الدوباميني، أو من تكرارٍ مجرّد لا يُصاحبه تجديدٌ ولا جزاءٌ شعوريّ معتبر. وأما الثقل النفسيّ، فهو تَمثّلٌ عقليٌّ لفعلٍ يُتوقَّع أن يكون مرهقًا أو ذا صِلة بتجربة سالبة. وقد أثبتت دراسة سيروا (Sirois, 2014) أن أكثر من 85٪ من الناس إنما يُماطلون لا عجزًا، ولكن فرارًا من شعورٍ سلبيٍّ يتصوّرونه حال القيام بالفعل. وليس فعلُ المذاكرة كتلةً صمّاء، بل هو مركّبٌ من أطوارٍ أربعة: 1- نيّةُ الإقدام: وهي أول الخيط. 2- لحظةُ البدء: وهي أشدّ المواضع مقاومةً على النفس. 3- الاستغراقُ في الدراسة: وفيه تتفاوت الطبائع. 4- الإغلاقُ الشعوري: وهو أثرُ ما بعد الفعل، وبه تُبنى الرغبة أو تنقرض. وليس العجز عن الاستمرار هو الغالب، بل العجز عن الدخول، ولذلك قال بي. جي. فوغ (BJ Fogg): "اجعل أول الفعل أهون من أن يُرفض". وهو أصل ما سُمي بـ العادات الصغيرة (Tiny Habits): أن تشرع في فعلٍ يسيرٍ لا يُثير مقاومةً باطنية، كأن تقول: لا أذاكر ساعة، بل أفتح الكتاب فقط، أو أجلس دقيقةً واحدة. ولا يُحمد بناء العادة بالشدة الصمّاء، بل الأفضل أن تُزَيَّن للنفس حتى تُحبّ. فاجعل للمذاكرة طقسًا محبوبًا: وقتًا ثابتًا (كقبيل الشروق أو بعد قهوة)، ومكانًا مأنوسًا (زاوية ذات نورٍ خافتٍ أو نسيمٍ طيّب)، وروتينًا لا يتغير: فتح الدفتر، تحضير مشروبٍ لطيف، تهيئة المكان. وقد جبلت النفس على محبة ما تأنس له الحواس، وتنفر من الفعل الخالي من اللذّة. فليُجعل للمذاكرة مجلسٌ معلوم، وعطرٌ مخصوص، وأداةٌ بعينها، حتى ترتبط في النفس بالشعور بالأنس. ومن طرائق ذلك ما يسمّى في علم النفس بـ الربط الإغرائي (Temptation Bundling): أن تُقرن الفعل الثقيل بشيء محبوب، فتأنس النفس، ويزول الملل. مثل: أن لا تشرب قهوتك إلا عند بدء المذاكرة، أو أن تقرأ سطرًا وتستمع بعده لمقطعٍ شعريٍّ تحبّه، أو أن تخصّ رائحة بخورٍ أو طيبٍ لموضع التعلم. فقد اتفقت كلمة الباحثين السلوكيين على أن العائق الأكبر ليس نفس العمل، بل عظمته في وهم النفس. فإذا صُغّر العمل، زالت المهابة، وانفتح الباب. وهنا تُستحسن قاعدة الدقيقتين: أن تجعل أول الفعل صغيرًا للغاية — قراءة فقرة واحدة، أو كتابة سطرٍ واحد. وكثير من جلسات الساعتين إنما بدأت بدقيقةٍ واحدة، حتى إذا دخلت النفس، سهُل المقام واستطال. وثبت في علم الأعصاب أن المكافأة الفورية الصغيرة تُطلق في الدماغ موادّ تُسهم في ترسيخ السلوك. وهذا ما يُعرف بـ خطأ توقّع المكافأة (Reward Prediction Error)، وهو مبدأ أن المفاجأة اللطيفة بعد الفعل تزيد ارتباط الدماغ به. ومن طرائق ذلك: أن تضع علامةً إنجاز في دفتر، أو أن تقول: "الحمد لله أن وفقني"، أو أن تكافئ نفسك كل ثلاث جلسات بما تحبّ: ثمرة لذيذة، نزهة قصيرة، فنجان شاي فاخر. وإن من أعظم ما يُذهب الملل، تبديل آلة التعلم؛ فإن النفس تمل إذا طال العهد بآلةٍ واحدة. وقد أظهرت أبحاث الأعصاب أن تنويع الوسيط يُعيد تنشيط مناطق في الدماغ مسؤولة عن الاهتمام. فإن ضجرتَ من كتابٍ، فانتقل إلى فيديو، أو خريطة ذهنية. وإن سئمتَ مجلسك، فقم إلى غيره.
