🤎🍂 روايات رومنسيه 🍂✨
前往频道在 Telegram
روايات بقلم الكاتبة كلير برجوا 👑 تم إنشاء القناة في 2022/9/1 اي أستفسار @Klirbrjo أرشيف الروايات المكتمله 👇 @Klirbrjoo يقولون إن عصر القراء انتهى ...وأنا أقول بل انه قد بدء ☕️👑 #كلير_برجوا
显示更多944
订阅者
无数据24 小时
+17 天
+1030 天
帖子存档
😎
اعندك واتس أب ومحتار من وين تجيب حالات لا تتجاوز الــ《30》ثانية‼️اليك القناة الرسمية لحالات الوتس📝» ☟ ☟
📝» https://t.me/addlist/Qu2RNDwtSzNiMDRk
😎بوت يوفر ارقام من جميع الدول لتفعيل جميع برامج االتواصل مجانا🌝✨
للحصول على رابط 🔗البوت كلموني ☟
📝» https://t.me/addlist/Qu2RNDwtSzNiMDRk
😎بوت يوفر ارقام من جميع الدول لتفعيل جميع برامج االتواصل مجانا🌝✨
للحصول على رابط 🔗البوت كلموني ☟
📝» https://t.me/addlist/Qu2RNDwtSzNiMDRk
😎بوت يوفر ارقام من جميع الدول لتفعيل جميع برامج االتواصل مجانا🌝✨
للحصول على رابط 🔗البوت كلموني ☟
📝» https://t.me/addlist/Qu2RNDwtSzNiMDRk
😎بوت يوفر ارقام من جميع الدول لتفعيل جميع برامج االتواصل مجانا🌝✨
للحصول على رابط 🔗البوت كلموني ☟
📝» https://t.me/addlist/Qu2RNDwtSzNiMDRk
😎بوت يوفر ارقام من جميع الدول لتفعيل جميع برامج االتواصل مجانا🌝✨
للحصول على رابط 🔗البوت كلموني ☟
📝» https://t.me/addlist/Qu2RNDwtSzNiMDRk
في صباح اليوم التالي، وبعد أن نالت إلينا قسطاً وافراً من الراحة بعد عناء السفر الطويل، وكذلك فعل سيدان الذي استعاد كامل طاقته، نهضت الأميرة بروحٍ متجددة وحماس.
كانت الجدة استلا قد جهزت لحفيدتها فستاناً جنوبياً فاخراً يليق بأجواء البلاد الدافئة؛ فستاناً أحمر صيفياً أنيقاً ينساب بنعومة ومزيناً بجواهر براقة تلمع مع حركة الضوء.
وقفت إلينا أمام المرآة، ووضعت لمسة خفيفة من الحُمرة الكرزية على شفتيها، ثم صففت شعرها الفضي الساحر على شكل جديلة أنيقة استقرت على كتفها، وزينتها بزهور حمراء صغيرة وجميلة.
نظرت إلى انعكاس صورتها؛ كانت تبدو كفتيات الجنوب النبيلات، لكنها بالتأكيد كانت الأجمل والأفتن بينهن جميعاً، كأوركيد نادرة نبتت في غير أرضها.
انفتح باب الغرفة وخرجت بخطواتها الواثقة، لتجد سيدان واقفاً في مكانها كالمعتاد.
كان العملاق قد استيقظ منذ الفجر، وتناول طعامه سريعاً، وأخذ موقعه الصارم يحرس خلوتها.
وما إن وقعت عيناه الحمراوان عليها بهذا المظهر المفاجئ، حتى شعر بدوارٍ حقيقي ضرب رأسه وعصف بكيانه!
تلاشت كل الحصون العسكرية في عقله؛ لم يكن يهمه مظهر الجنوب أو ثيابهم التي يكرهها، لكن حبيبة قلبه كانت تجعل من كل ثوبٍ ترتديه معجزة من الجمال! كان يليق بها كل شيء، وتفتن الروح في كل حركاتها.
وفي أعماق روحه الظامئة، خلف ذلك القناع الصخري الجامد، كان قلبه يصرخ بجنون وهوس مستعر:
«جميلة.. جميلة بكل النواحي! أعشقها، أحبها، جميلة، جميلة، جميلة.. آه.. آه يا حوريتي كم أنتِ جميلة!»
كتم أنفاسه الحارقة وتحرك خلفها بجموده المعتاد وهي تتوجه نحو العربة التي ستقلهما. صعدت إلينا وتبعتها خطاه الضخمة ليجلس في المقعد المقابل، حيث لم يستطع منع عينيه من التلمح خلسة وبشغف لملامحها الخلابة ومنظرها الآسر الذي يسرق الألباب.
كان سيدان يعلم جيداً وجهتهما؛ إنهم ذاهبون إلى قصر "منارد". ومنارد لم تكن أي امرأة نبيلة في عقله؛ بل كانت القائدة الأسطورية السابقة لحرس قلعة الشمال في الزمان الماضي، المحاربة الشرسة التي تخلت عن درعها لتتزوج من نبيل جنوبي.
كان سيدان، كمحارب بربري نشأ على قصص القوة، يحمل احتراماً وتبجيلاً لا حد له لهذه المحاربة العظيمة؛ وفي قرارة نفسه، كان مستعداً تماماً عندما يصل إلى قصرها أن يسلم عليها بوقار وفخر كمحارب أصغر سناً يمتن لسماع قصص حروبها وبطولاتها التي هزت الشمال يوماً!
يتبع ......... 🍂
نظر إلى يدها الممدودة، وصعقت المفاجأة كيانه! امتدت كفه الضخمة المرتجفة لتأخذ الشطيرة من بين أصابعها الرقيقة برقة بالغة وكأنه يستلم روحه، لكنه لم يتناول منها قضم واحدة.
صعدت إلينا إلى العربة بصمت، فتبعها ودخل خلفها وجلس في مقعده المقابل.
بقي مصلّباً في مكانه، يمسك الشطيرة بكلتا يديه ويتأملها بعينين محتقنتين بالهوس كأنها أثمن كنزٍ في الوجود؛ فهذه هي المرة الأولى في حياته التي تعطيه فيها أميرته شيئاً، وأول مكافأة يحصل عليها من يديها الساحرتين! لم يكن قادراً على تفكيكها أو أكلها، بل أراد الاحتفاظ بها كذكرى مقدسة من أميراه الشمالية.
وفي المقابل، كانت إلينا تتناول شطيرتها وهي تراقب جموده وتأمله الغريب للطعام، فداهمها الانزعاج الشديد مجدداً؛ إذ ظنت بغرورها وكبريائها الجريح أنه لا يحب الشطيرة التي أعدتها، أو أنه متقززٌ من طعامها ويرفض أكله! زفرت بضيقٍ شديد وحنق، وحولت نظراتها نحو النافذة وهي تحاول كبح جماح غضبها الشمالي وتحمل ثقالة ظله وتصرفاته الغامضة طوال هذه الرحلة العصيبة.
بعد ساعات طويلة من السير، رفع سيدان الشطيرة ببطء نحو فمه، وبدأ يأكلها بقضمات صغيرة وتلذذ هادئ؛ فقد أدرك في النهاية أن الاحتفاظ بها كذكرى سيكون غباءً محضاً لأنها ستفسد وتضيع.
تناولها بصمت مطبق وهو يشعر بسعادة كامنة تغلغلت في أعماق روحه لأنها من صنيع يديها.
وفي تلك الأثناء، كانت إلينا تتجاهله تماماً ولا تنظر إليه، بل كانت ممسكة بكتاب تقرأ سطوره بتركيز.
وعندما انتهى من تناول الشطيرة اللطيفة واللذيذة، عادت عيناه لتراقبا معشوقته بهدوء. لكن جسده المرهق من حراسة الليل بطوله خانه؛ وبدون أن يشعر، أُغلقت عيناه الثقيلتان ونام بعمق شديد في مكانه.
رفعت إلينا عينيها عن الكتاب لتجده غارقاً في نومه، ولمحت على شفتيه بقايا طعام صغيرة.
ظلت تنظر إليه بهدوء ولمدة ساعات، وخلال تلك الساعات الطويلة من تأمله، بدأت تتردد في عقلها كلمات والدتها المزعجة التي أخبرتها بها سابقاً:
— «سيدان مجنون بكِ يا إلينا.. إنه ينظر إليكِ بحب خالص يا ابنتي، لقد كان والدكِ كاسيس مثل سيدان تماماً، يحبني بتلك الطريقة الصامتة والقوية.»
نظرت إليه بانزعاج وهو نائم، وزفرت من أعماقها بضيق متمتمة في نفسها:
— «من الغباء حقاً الاعتقاد بأن هذا الغوريلا يحبني! إنه لا يطيقني بتاتاً. أين الحب في تصرفاته الجافة وتلك اللهجة الباردة الساخرة التي حدثني بها بالأمس؟! إنه حتى لم يلمس جسدي عندما سقطت في حضنه.. أليس من يحب يقتنص أي فرصة للمس من يحبها؟ لكن هذا الغوريلا لا يطيق حتى لمس أطرافي! يبدو أن أمي ذو العيون الثاقبة كانت مخطئة هذه المرة، ولم تكن تقول الحقيقة.»
انقلبت خيوط الشك في عقل الأميرة، وكبرياؤها الأنثوي جعلها تفسر خوفه المهووس من تدنيسها وعجزه عن الكلام على أنه جفاء ونفور، بينما كان هو غارقاً في نومه كطفل أرهقه العشق الحارق.
بعد ساعات طويلة من السير، وفي تمام الساعة الرابعة عصراً، وصلت العربة الملكية أخيراً إلى قصر الأرشيدوق؛ ذلك القصر المهيب الذي أصبح الآن مقراً للجدة "استلا" التي تعيش فيه بمفردها.
ومع أول هزة لتوقف عجلات العربة، انفتحت عينا سيدان فجأة كصقر بربري مترقب! كان يملك تلك الغريزة العسكرية الحادة التي تجعله يستيقظ فوراً عند أي تغيير في الحركة أو المحيط.
نظرت إليه إلينا بصمت وجفاء، وما إن صاح السائق معلناً الوصول، حتى دفعت الباب وخرجت من العربة لتتنفس الصعداء.
عند خروجها، لمحت جدتها استلا واقفة عند الباب الكبير تستقبلها بملامحها الدافئة.
لم تتماسك الأميرة؛ بل ركضت نحوها وألقت بنفسها في حضنها بعمق، قائلة بنبرة مليئة بالشوق:
— «أوه.. جدتي! لقد اشتقتُ إليكِ للغاية!»
احتضنتها استلا بحنان شديد وربتت على ظهرها :
— «وأنا سعيدة جداً برؤية حفيدتي الجميلة، لقد كبرتِ وأصبحتِ فاتنة يا إلينا.»
في هذه الأثناء، ترجل سيدان من العربة بخطوات ثقيلة وموزونة، ليأخذ مكانه فوراً كظلٍ لإلينا، فارضاً هيبته وضخامته المرعبة في المكان.
ابتسمت استلا وهي تلمح الحارس العملاق، ثم قادت حفيدتها إلى داخل القصر، وأرشدتها مباشرة إلى غرفة الجلوس الدافئة لتستريحا من عناء السفر.
هذه المرة، لم يقف سيدان خلف الأبواب المغلقة كما كان يفعل في قصر الشمال؛ فالأوامر الآن صارمة وهو حارسها الشخصي الملازم لها.
دخل خلفهما بخطوات صامتة، ووقف بشموخ خلف الأريكة التي جلست عليها إلينا تماماً، ليكمل دور درعها المنيع.
بدأت إلينا تتحدث بسعادة غامرة مع جدتها، متناسية تعب الطريق، بينما كانت الجدة ترتشف الشاي بهدوء وتستمع لعناد حفيدتها اللطيف.
وفجأة، التفتت إلينا وقالت بحماس:
— «جدتي، سأذهب غداً إلى قصر "منارد".. لقد اشتقتُ إليها كثيراً وأريد رؤيتها.»
أنزلت استلا فنجان الشاي، وابتسمت لها قائلة:
— «بالطبع يا عزيزتي، يمكنكِ الذهاب وقتما تشائين.»
---
بعد ساعات طويلة ومرهقة من السير وسط الأجواء المشحونة، فجأة وبدون سابق إنذار، صعدت عجلات العربة فوق مطبٍ صخريٍ قاصٍ، مما جعل المقطورة تهتز وتتحرك بعنفٍ شديد اختل معه توازن إلينا بالكامل.
لم تستطع التمسك، لتجد نفسها تسقط بقوة ومباشرة في أحضان سيدان الجالس أمامها!
في تلك اللحظة الصاعقة، تناثر شعرها الفضي الحريري فوق وجه سيدان وعينيه، وأصبح عنقها الناصع قريباً من شفتيه إلى حدٍّ مهلك.
شعر سيدان وكأن وعيه ينسحب منه وكأنه سيغمى عليه من فرط الصدمة والجمال؛ رائحتها العطرة والساحرة تغلغلت في أعماق رئتيه، وقربها هذا الذي تمناه واشتهاه أكثر من حياته ونفسه بات حقيقة ملموسة بين يديه.
ارتجف جسده الفولاذي بالكامل، ورفع كفيه الضخمتين في الهواء لتستقرا مقابل خصرها النحيل مباشرة؛ كان يريد بشدة أن يمسكها ليعيدها إلى مقعدها أو حتى ليساعدها على النهوض، لكنه لم يتجرأ على تدنيس جسدها بلمسة من يده الخشنة دون إذنها.
وبسبب ارتباكه الهائل وخوفه من ملامستها، خرج صوته الجشّ المرعب والعميق بنبرة حادة وصارمة لم يقصد أبداً أن تبدو بتلك الطريقة الجافة، قائلاً:
— «هل أنتِ بخير.. يا أميرة؟»
تسمرت إلينا في مكانها؛ كانت هذه هي المرة الأولى التي تسمع فيها صوته يوجهه إليها مباشرة ويتحدث معها وجهاً لوجه.
لكن، بسبب ارتباكه، ذعرت إلينا وظنت خطأً أن نبرته تحمل سخريةً واستهزاءً بكبريائها الملكي بعد سقطتها المفاجئة.
رفعت عينيها الزمرديتين إليه بغضبٍ عارم، وكانت لا تزال في وضعيتها تلك؛ مستقرة في حضنه، قريبة جداً منه، وعيناها تخترقان عينيه بقوة ومباشرة، بينما أنفاسها الحارة والمتسارعة تضرب وجهه الخشن.
نظر إليها سيدان بملامح جامدة كالصخر وقناع عسكري صارم، لكنه في أعماق روحه كان يذوب ويموت جزئياً من فرط العشق والارتباك.
لمحت إلينا هذا الجمود، فالتوت شفتاها بابتسامة ساخرة كاملة، وقالت بنبرة لاذعة وهي تحاول استعادة كبريائها:
— «أنا بخير أيها الغوريلا البربرية! من العجيب حقاً أنك تستطيع التحدث الآن.. هه!»**
تأملت إلينا ملامح سيدان عن قرب لأول مرة، ولدهشتها، لم يكن قبيحاً كما توقعت؛ بل كان رجلاً وسيماً يمتلك جمالاً شمالياً خشناً وخاصاً به.
لكن خصلات شعره الأسود الكثيف والمتمرد كانت تنسدل بغزارة لِتُغطي جبينه وتلك العينين الحمراوين الحادتين، بينما برزت ندبة طويلة تمتد على طول أنفه كخطٍّ زاد ملامحه حدة وغموضاً.
زفرت إلينا بضيق وهي ترى كيف أشاح بنظراته سريعاً نحو الأرض، متسمراً في مكانه كالصنم، وقد أعاد كفيه الضخمتين إلى ركبتيه دون أن يجرؤ على ملامسة طرف ثوبها طوال فترة سقوطها في أحضانه.
داهمها شعورٌ مفاجئ بالقهر والغضب، وظنت بقرارة نفسها أنه لا يطيق حتى لمسها أو القرب منها، لكنها كتمت غضبها الأنثوي في صدرها وكبريائها الجريح يشتعل.
وفي تلك اللحظة المشحونة، توقفت العربة فجأة، ودوى صوت السائق من الخارج وهو يصرخ بأدب:
— «مولاتي الأميرة.. لقد وصلنا إلى أحد الفنادق في الطريق لأجل الراحة وقضاء الليلة.»
رمقت سيدان بنظرة غضبٍ أخيرة وحادة، ثم اندفعت خارجة من العربة بخطوات متكبرة.
كان سيدان يتبعها بالخارج كظلها المطيع، وما إن صعدت إلى نزلها حتى حجزت غرفة خاصة بها، ودخلت غاضبة ثم أغلقت الباب بعنف في وجهه.
بمجرد أن أُغلق الباب الخشبي، تلاشت هيبة المحارب الشرس؛ وانهار سيدان تماماً أمام باب غرفتها.
جلس على الأرض الباردة مستنداً بظهره العريض إلى الجدار، ورفع كفيه الضخمتين اللتين كانتا ترتجفان برعشة جنونية لا يملك السيطرة عليها.
كان وجهه محمراً للغاية من فرط الحرارة والارتباك والأدرينالين الذي تدفق في عروقه بعد أن عاش حلم حياته بوقوعها في أحضانه وشمّ رائحتها العطرة.
أغمض عينيه بهوسٍ شديد يعصف بكيانه، ووضع كف يده فوق قلبه الذي كان يطرق صدره بعنف وجنون كأنه يحاول تحطيم ضلوعه، وأخذ يتنفس بصعوبة، محاولاً بكل قوته استعادة تحكمه بنفسه والسيطرة على هذا العشق البربري المهلك الذي بات يهدد بفضحه أمام أميرته في كل ثانية!
مرّت تلك الليلة الطويلة كأنها دهرٌ كامل، وظل سيدان واقفاً كحارسٍ ودرعٍ منيعٍ أمام باب غرفتها؛ لم يذق طعم النوم، ولم يرفّ له جفنٌ واحد، بل بقي مستيقظاً يحرس أنفاس حوريته الفضية حتى خيوط الصباح الأولى.
وعندما أشرقت الشمس، انفتح الباب وخرجت إلينا من غرفتها بكامل أناقتها الملكية، وتوجهت مباشرة نحو العربة.
كانت تحمل بطلبٍ منها سلة نزهتها، وفي يدها شطيرة لحم أعدتها بنفسها.
رأت سيدان يقف خلفها تماماً كظلها المطيع عند العربة، فالتفتت إليه ببرود يخفي خلفه تقديراً بسيطاً؛ فهي تعلم في قرارة نفسها أنه قضى ليلته واقفاً يحرس بابها كجزءٍ من عمله الصارم.
فتحت إلينا سلتها، وأخرجت منها شطيرة لحم أخرى، ثم مدّت يدها بها نحوه دون أن تنطق بكلمة.
كان غارقاً في دموع روحه غير المرئية، مظهراً جانباً شديد الضعف والهوس ، وهو لا يعلم بعد أن قراراً ملكياً قد صدر للتو، سيجعله الظل الرسمي الذي سيسير خلف خطواتها في عقر دار الجنوب!
اندفع الحارس إلى داخل المطبخ يلهث، وبصوتٍ مرتفع قطع سكون بؤس العملاق، صاح:
— «سيدان! الحاكم يستدعيك إلى قاعة العرش فوراً!»
في جزء من الثانية، انتفض جسد سيدان "الميت" ونفض عنه غبار اليأس، ليعود ذلك المحارب الصلب الحاد.
غادر المطبخ بخطوات عاصفة، وحين دلف إلى قاعة العرش، انحنى بكل هيبة ووقار، وركع على ركبة واحدة واضعاً قبضة يده الفولاذية على الأرض الجليدية، خافضاً رأسه الشامخ وقال بنبرة طاعة عميقة:
— «أمرك وطاعتك يا جلالة الحاكم.. أنا بين يديك.»
نظرت إليه الملكة إلانور بابتسامة دافئة تحمل في طياتها دهاءً يعرف الخبايا، بينما رمقه كاسيس بملامحه الصارمة من فوق عرشه، وقال بصوت جهوري هز أركان القاعة:
— «سيدان.. ابنتي الغالية إلينا ستغادر غداً إلى أراضي الجنوب. ولقد اخترتك أنت بالذات لتكون حارسها الشخصي ودرعها المنيع. واجبك أن تحميها بدمك ولحمك، وأقسم لك.. إن مسّها سوء هناك، سأكون أنا من يمزق دمك ولحمك بيدّي هاتين!»
عند سماع هذه الكلمات، شعر سيدان وكأن الروح قد رُدّت إلى جسده، وأن أبواب السعاده قد فُتحت أمامه! أخفض رأسه أكثر، فانسدلت خصلات شعره الأسود الكثيف والمتمرد على جبينه وعينيه، لتخفي وجهه الذي غمرته سعادة عارمة وفرحة لامتناهية لا تسعها الأرض.
وارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة المفترسة، المنتصرة.. ابتسامة وحشٍ حصل أخيراً على صيده الأثمن: رخصة رسمية ليكون الظل الملازم لأميرة الشمال !
كاسيس لم يلحظ تلك الابتسامة خلف خصلات الشعر، لكن عينّي إلانور الحادتين التقطتا كل تفصيلة؛ كانت الملكة تدرك تماماً أن سيدان يحب ابنتها بجنون مستعر، وأن اختيارها له كان في محله تماماً، فلن يحمي الذئبة سوى وحشٍ يرى في رضاها حياته.
رفع سيدان رأسه، وغلّف صوته بجدية المحارب القاتل وهو ينظر لكاسيس، قائلاً بنبرة أقوى من الصخر:
— «أمرك مطاع يا جلالة الحاكم.. أقسم بدمي وعظامي أنني سأكون ظلها الذي لا يفارقها، ولن أسمح لأي مخلوق على وجه الأرض أن يمس طرف ثوبها بسوء.. وإلا، سأكون أنا من يرسل روحه إلى الجحيم بيديّ هاتين!»
أشرقت شمس الصباح الباردة لتعلن عن بدء الرحلة المنتظرة. كانت العربة الملكية الفاخرة جاهزة ومعدة تماماً أمام بوابة القلعة.
ورغم أن الملكة إلانور كانت قد أخبرت ابنتها بالأمس أن حارساً شخصياً سيرافقها في هذه الرحلة لحمايتها، إلا أنها تعمدت بذكاء ألّا تذكر لها أنه سيدان.
لم تهتم إلينا بالأمر كثيراً، فكل ما كان يشغل بالها هو الابتعاد وتغيير الأجواء.
بدأت إلينا بوداع عائلتها؛ عانقت والدتها وقبلت الجميع، ثم انحنت لتقبل شقيقها الأصغر بحنان، مودعةً دفء عائلتها قبل أن تتجه بخطوات وقورة نحو العربة.
لكن، ما إن وصلت إلى الباب حتى تجمدت الدماء في عروقها، واتسعت عيناها بذهول ممتزج بالغيظ!
أمام باب العربة مباشرة، كان يقف ذلك "العملاق اللعين" بكامل هيبته وضخامته، مرتدياً درعه الشمالي الصارم.
جرت إلينا على أسنانها بغضب مكتوم، وشتمته في سرها؛ فهي لا تزال تتذكر خرسه الطفولي معها وكيف أهان كبرياءها بصمته في ساحة التدريب.
ومع ذلك، كتمت غيظها ولم تنطق بكلمة واحدة لكي لا تفسد رحلتها، وصعدت إلى العربة بجفاء وصمت مطبق.
تحرك سيدان خلفها مباشرة بخطوات واثقة، ودخل إلى المقطورة، ثم جلس على المقعد المقابل لها تماماً.
وبحركة عجلات العربة فوق الجليد، بدأ الصمت المتوتر والمشحون يفرض سيطرته على الأجواء داخل هذا الحيز الضيق.
إلينا، من جهتها، تظاهرت بعدم الاهتمام تماماً؛ لفت ذراعيها حول صدرها بحركة دفاعية متكبرة، ووجهت نظراتها بالكامل نحو النافذة تراقب تراجع طبيعة الشمال الثلجية، متجاهلة وجوده.
أما في المقعد المقابل.. فقد كان سيدان يعيش جحيماً من المتعة والجنون!
كان يقبض يديه الضخمتين فوق ركبتيه بقوة حتى كادت عظام معصميه تنفجر، وهو يشعر بحرارة جسده ترتفع وتشتعل كأنه أُلقي في وسط موقد من النيران.
إنه هنا.. في نفس المكان الضيق، تفصله إنشات قليلة عن حبيبة روحه وأميرته الشماليه!
لم يعد قادراً على كبح جماحه؛ رفع عينيه المحتقنتين بالهوس، وبدأ يلتهم تفاصيلها بنظراته الجائعة والمستعرة.
كانت هذه هي المرة الأولى في حياته التي يتأملها فيها عن قرب شديد، ولقرب مسافة تتيح له البقاء معها لساعات طويلة.
أخذ يتأمل خصلات شعرها الفضي التي تداعب وجهها، شفتيها الكرزيتين المكتنزتين، وأنفها الصغير الشامخ.
كان قلبه يطرق جدران صدره بعنف شديد وجنون كطبول الحرب، ولم يجد سبيلاً للسيطرة على أنفاسه المتسارعة سوى أن يعض على شفتيه بقوة، غارقاً حتى أذنيه في حب هوسي وعشق بربري يكاد يدفعه لارتكاب حماقة وجذبها إلى صدره في أي لحظة!
🍂جميلتي إلانور 🍂
🤍 معشوقتي إلينا 🤍
🪽الجزء الثالث 🪽
ملاحظه قد تكون هناك بعض الكتابات الغير المرغوبه بها لذا لا تقراء 🙂🌷
P³⁴
مرت الأيام كأنها دهر في قصر الشمال، كان التوتر لا يزال مخيماً على أجواء القلعة، خاصة في المسافة غير المرئية بين إلينا وسيدان.
في إحدى الظهيرات الهادئة، كانت إلينا تجلس في مكتبة القلعة الضخمة، ذلك الصرح المعرفي الذي بناه والدها كاسيس خصيصاً للملكة إلانور، والذي اتسعت أرففه لتضم كنوزاً من المعرفة.
جلست إلينا بجانب والدتها، وتأملت ملامح إلانور الهادئة، ثم سألتها بفضول ممزوج بمسحة من الحزن:
— «أمي.. أخبريني، كيف بدأ حبكما؟ كيف كان حبك أنتِ ووالدي ؟ هل كان سهلاً؟»
ابتسمت إلانور ابتسامة دافئة، ابتسامة تحمل ذكريات سنوات من الصمود والعشق، لكنها لم تدخل في تفاصيل الحكايات، بل اكتفت بأن تربت على كف ابنتها بحنان وقالت:
— «يا صغيرتي، الشيء الوحيد الذي سأخبركِ به هو أن الحب الحقيقي لا يختبئ خلف الأقنعة. أنظري دائماً للقلوب، لصدق النوايا، ولا تغتري أبداً بالمظاهر مهما كانت براقة أو صلبة.»
زفرت إلينا بضيق، وشعرت أن كلام والدتها عامٌ جداً ولا يواسي قلبها الذي لا يزال محطماً من "برود الرجال".
فتحت كتاباً كانت تحمله، ثم نظرت لأمها بعزم وقالت:
— «لقد سئمت يا أمي، سئمت من كل شيء هنا. سأذهب إلى الجنوب بمفردي لزيارة جدتي "استلا"، أحتاج إلى تغيير نفسيتي بعيداً عن هذا الجليد وعن هؤلاء الغرباء.»
ابتسمت إلانور لتصميم ابنتها، وأومأت برأسها بموافقة :
— «لا بأس بذلك يا عزيزتي، السفر قد يمنحكِ الرؤية التي تفتقدينها الآن. سأتكفل أنا بإقناع والدكِ ، فهو لن يرفض لي طلباً.»
بينما كانتا تتحدثان، كان ثمة ظلٌ ضخم يقف خلف أعمدة المكتبة العالية، يسمع كل كلمة. تجمد سيدان في مكانه، وقلبه الذي كان ينبض بهدوء انتفض وكأن طعنة خنجر أصابته. "الجنوب؟ إلينا ستغادر إلى الجنوب؟"
في عقله، كانت الفكرة كالجحيم؛ ففي الجنوب يوجد أولئك المتغطرسون، وفي الجنوب لا يستطيع حمايتها تحت ظله، وفي الجنوب قد تضيع منه للأبد.
قبض على مقبض سيفه تحت رداء الحراسة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، والعالم من حوله بدأ يضيق. لم يعد الأمر مجرد إهانة، بل كان تهديداً بضياع وجوده كله.
---
في قاعة العرش المهيبة، كانت خيوط الشمس الذهبية تتسلل عبر النوافذ الشاهقة لتضفي هالة من الدفء على الحاكم كاسيس وزوجته الملكة إلانور.
كان كاسيس يجلس بقامته الفولاذية، لكنه أمام زوجته تحول إلى محبٍ ولهان؛ انحنى بوقار وقبّل كف يدها برقة وعشق باللغين، بينما كانت إلانور تنظر إليه بابتسامة لطيفة مليئة بالدهاء الأنثوي.
استغلت إلانور هذه اللحظة الدافئة، وقالت بنبرة ناعمة:
— «كاسيس.. ابنتنا الغالية إلينا تريد الذهاب إلى الجنوب في رحلة قصيرة لزيارة والدتي "استلا"، لتغير نفسيتها قليلاً.»
في تلك الثانية، تجمد كاسيس في مكانه، واختفت علامات اللين من وجهه الصخري.
كيف لأميرته المدللة وحبيبة قلبه أن تذهب بمفردها إلى الجنوب؟ إلى ذلك المكان الذي يراه "وكر الثعابين" والغدر؟!
انتفض كاسيس واشتعلت عيناه برفضٍ قاطع، وزأر بصوت جهوري:
— «مستحيل! لن تطأ قدم ابنتي أرض الجنوب بمفردها أبداً! لقد رأيتِ بنفسكِ قذارة نبلائهم قبل أيام!»
لكن إلانور، التي تعرف تماماً كيف تروض غضب التنين الشمالي، اقتربت منه وربتت على صدره، وقالت بخبث ممتع وذكاء:
— «اهدأ يا زوجي العزيز.. هل تعتقد أنني سأسمح لفلذة كبدي أن تذهب وحيدة؟ بالطبع لا. سأرسل معها "سيدان" ليكون حارسها الشخصي الملازم لها في كل خطوة، ولن تظل هناك سوى أسبوع واحد فقط لا غير.»
عند سماع اسم "سيدان"، تراجع غضب كاسيس وهدأ روعه؛ فهو يرى في هذا الشاب العملاق أقوى جنوده، وحشاً كاسراً لا يهاب الموت، ومستعداً لإحراق الجنوب بأكمله إن مُست الأميرة بأذى. زفر كاسيس بارتياح وقال:
— «إذا كان سيدان معها.. فأنا موافق. فهو حائط صدّ لا يمكن اختراقه.»
بعيداً عن قاعة العرش، وفي زاوية معتمة من المطبخ الملكي الكبير، حيث كانت شعلة النيران تتراقص ووالدة سيدان الطباخة تعمل بجد، كان المشهد مختلفاً تماماً ويمزق القلوب.
كان سيدان العملاق الشرس يجلس على الطاولة الخشبية، لكنه لم يكن يأكل هذه المرة؛ بل كان يرمي برأسه الضخم وجسده المحطم على الطاولة بيأس، وشعره الأسود الكثيف والمتمرد متناثر بعشوائية فوق السطح الخشبي.
كان مستغرقاً في غياهب هوسٍ وحزنٍ أسود يعتصر أعماق روحه؛ فالفكرة كانت تنهش عقله كالنار: «هي ستذهب.. ستغادر هذا الجليد.. لن أراها من جديد.. ستغيب عن عيني!»
بدأت الأسئلة تتردد في عقله بجنون كالطبول: «لماذا؟ لماذا؟ لماذا تتركينني؟! أرجوكِ لا تذهبي.. هل يجب عليّ أن أستقيل من عملي كحارس شمالي؟ هل أرمي درعي وهويتي، وأذهب خلفكِ لأصبح "جنوبياً لعيناً" ومقززاً فقط لأكون قريباً منكِ؟! ماذا أفعل.. أخبريني ماذا أفعل يا حوريتي الفاتنة وقاتلتي؟!»
لكن سيدان ظل متصلباً كتمثالٍ من الجليد وسط ساحة التدريب، واكتفت عيناه المحتقنتان بالهوس بالنظر إليها بصمتٍ مرعب عاجز عن الحراك، والأنفاس تكاد تخنقه أمام رفاقه الذين راقبوا الموقف بذهول.
زفرت إلينا بحنقٍ شديد ونظرة تملؤها الخيبة والانزعاج، ثم أدارت جسدها الفاخر بفستانها الكحلي، وابتعدت بخطوات عاصفة وسريعة مغادرةً الساحة بالكامل، وهي تشعر برغبة عارمة في البكاء من فرط القهر والغموض الذي يغلف هذا الحارس.
بقي سيدان واقفاً في مكانه، وعيناه تلاحقان طيف فستانها وفراءها الأبيض وهو يختفي بين ممرات القلعة.
وفي تلك اللحظة بالذات، انفجر بركانٌ من المقت والندم داخل صدره العريض؛ أخذ يلعن نفسه في داخله بأقسى العبارات، يلعن صمته، ويلعن لسانه الذي ينطلق مع الجميع ويتحجر أمامها هي فقط، ويلعن غباءه الخالص الذي جعل حبيبة روحه وغزالته الشمالية تظن ولو للحظة واحدة أنه يكرهها أو يراها عدوةً له!
كان مستعداً لمواجهة جيوش الجنوب بأكملها وسحق عظام عتاتهم بيديه العاريتين، لكنه يقف الآن مهزوماً، محطماً، وضائعاً في جنون عشقه، فقط لأن حروف اسمها تجعل نبضه يتوقف ولسانه ينعقد عجزاً عن التعبير.
يتبع ......... 🍂
تأففت إلينا بنفاذ صبر وهي تراه واقفاً أمامها كالجبل الأصم، عاجزاً عن نطق حرف واحد، وعيناه تلاحقانها بذلك البريق الغريب الذي عجزت عن تفسيره.
خطت خطوة للأمام، وجذبت كفه الضخمة المجروحة برقة لم تتوقعها هي نفسها، وتفحصت الشقوق العميقة في جلده، ثم رفعت رأسها تنظر إليه بشك وقالت:
— «أنت غريب الأطوار حقاً.. تكسر نبيذي، وتقدم وجهك لتتلقى الضرب، والآن تقف كالأبكم ويداك مهشمتان! أقسم أنك تخفي شيئاً أيها العملاق الاحمق.»
سحبت يدها ببطء، وذهبت لتجلس مجدداً على السلة الخشبية، وفتحتها لتخرج شطيرة صغيرة وبدأت تأكلها بعبوس طفولي، بينما عيناها لا تزالان تراقبانه بريبة.
في هذه الأثناء، كان صمت سيدان يخفي إعصاراً؛ فملامسة كفها الناعمة لجلده الخشن جعلت قشعريرة دافئة تسري في كامل جسده الفولاذي.
تراجع خطوة إلى الخلف محاولاً استعادة جموده العسكري، لكن عقل الأميرة الذكية بدأ يربط الخيوط ببعضها.. تذكرت كيف كان سيدان يقف خلف الباب بالأمس، وتذكرت الشتائم التي وجهها لها الأمير الجنوبي، والآن.. يدا حارسها ممزقتان وكأنهما طحنتا عظاماً صلبة!
اتسعت عينا إلينا فجأة، وتوقفت عن المضغ.
نظرت إلى قطع الزجاج المتناثرة والشراب الأحمر الذي يلوث الثلج، ثم أعادت النظر إلى كفيّ سيدان، وهمست بنبرة متفاجئة خفت فيها صوت الغضب ليحل محله الذهول:
— «سيدان.. الأمير الجنوبي غادر القلعة بالأمس بوجه مهشم.. لكن الشائعات تقول إن فارساً ملثماً اعترض طريقه في عتمة الليل وصنع به ما لم يصنعه أركان وكاسيس.. أخبرني بالحق، هل لك صلة بما حدث له؟»
تحجرت الدماء في عروق سيدان مجدداً، وعادت يداه لترتجفا خلف ظهره؛ فالسر الذي دفنه في جليد الشمال أوشك أن ينكشف أمام عيني ذئبته الفضية!
تراجع سيدان إلى الخلف بخطوات هادئة مغلّفة ببرودٍ صخري مصطنع، والتف بجسده الضخم ليغادر الحديقة وينسحب من أمامها بصمت.
راقبته إلينا وهو يبتعد، ثم زفرت بضيقٍ شديد ونفضت الأفكار من رأسها وهي تهمس لنفسها باستهزاء:
— «يا لي من غبية! ما هذا الذكاء المفرط الذي هبط عليّ فجأة؟! إنه مجرد أخرس بربري لا يعرف كيف يركب جملة واحدة أو يتحدث! ما صلته هو بالأمير والجنوب؟ إنه حتى لا يحترمني كأميرة، ولا يهتم لأمري بتاتاً ليفعل شيئاً كهذا.. يا له من غباء!»
عادت إلينا لتناول طعامها بهدوء، وامتدت نزهتها وحيدة في أرجاء الحديقة لساعات طويلة استمتعت فيها بهدوء الطبيعة وسكون الثلوج، ولم تشعر بالوقت إلا وخيوط الشمس الدافئة بدأت تذوب وتعلن عن الغروب.
نهضت من مكانها وحملت سلتها عائدة إلى القلعة، وفي طريق عودتها، مرت فجأة بساحة التدريب الكبرى للمحاربين.
تملكتها الرغبة في إلقاء نظرة، لكن خطوتها تسمرت في مكانها وعيناها اتسعتا بذهول صاعق!
كان سيدان يقف وسط زملائه الفرسان، ولم يكن صامتاً كالعادة؛ بل كان يبتسم ويضحك بخفة رجولية دافئة تفاعلاً مع تعليق ساخر ألقاه أحد زملائه، بل والأدهى من ذلك، أنه فتح فمه وتحدث بصوتٍ جشّ، عميق، ورجولي طاغٍ قائلاً لزميله بنبرة حازمة وممازحة:
— «توقف عن الهراء الآن.. وعُد إلى التدريب.»
فتحت إلينا فمها بصدمة حقيقية تملأ وجهها! طوال هذا الوقت كانت تظن بقرارة نفسها أنه أخرس، أو يعاني من مشكلة تمنعه من النطق، لكن ما تراه وتسمعه الآن يثبت العكس تماماً؛ إنه يتحدث وبطلاقة، لكنه يختار الصمت المطبق والخرس فقط عندما يكون معها هي!
اشتعلت عروقها بغضب عارم، وشعرت بكبريائها كأميرة وكأنثى يُسحق تحت قدمي هذا العملاق. جرّت على أسنانها بغيظ شديد، واندفعت بخطوات عاصفة نحو ساحة التدريب. مع دخولها المفاجئ وثوبها الكحلي الذي يتمايل وسط الثلوج، تجمد كل فارس وبربري في مكانه، وفتحت أفواههم بصدمة وهم يذوبون في جمال طلّتها الشبيهة بجنيات الثلج الفضية.
لكن إلينا لم ترَ أحداً منهم؛ كانت عيناها الزمرديتان مصوبتين كالسهم نحو سيدان فقط.
تقدمت حتى وقفت أمامه مباشرة، ونظرت إلى قامته الشاهقة بعينين تشتعلان شرراً، وصرخت في وجهه بغضب هز الساحة:
— «أنت تتحدث إذن؟! يا للعجب حقاً! طوال هذا الوقت كنتُ أعتقد جازمة بأنك أخرس لا تملك لساناً! هل تكرهني إلى هذه الدرجة حتى ترفض الحديث معي أو الاهتمام بوجودي؟! أخبرني.. هل يا ترى أنا عدوة لك في الخفاء وأنا لا أعلم؟!»
تجمدت الضحكة على شفتي سيدان، وتحول وجهه في ثانية واحدة إلى قطعة من الجليد الصلب.
تراجعت هيبته العسكرية أمام زملائه ليحل محلها ذلك الارتباك الطاغي الذي لا يملكه إلا أمامها؛ أحس أن الأرض تميد به، وأن سحابة غضبها أحرقت كل الكلمات التي كان ينطقها قبل قليل مع رفاقه، ليعود "الأبكم" العاشق الذي سُجن داخل حصون عينيها الزمرديتين مجدداً!
انتظرت إلينا لثوانٍ واقفةً أمامه، وعيناها الزمرديتان تخترقان ملامحه الصخرية، ترجو منه جواباً، تفسيراً، أو حتى دفاعاً عن نفسه.
تقدم نحوها بصمت مطبق، ووقف على بُعد خطوات قليلة، كالسد المنيع أمام جنية الثلج، منتظراً أمرها وجسده يرتعد خفية تحت درعه.
أشارت إلينا بإصبعها الصغير نحو شجرة قريبة، وقالت بنبرة هادئة وعينين زمرديتين متعبتين:
— «انظر هناك.. في أعلى ذلك الجذع يوجد كيس مربوط بإحكام، به زجاجتان من النبيذ وضعتهما هناك بنفسي منذ مدة لتلك الأيام العصيبة. اجلبهما لي الآن.»
أدار سيدان عينيه الحادتين نحو البقعة التي أشارت إليها، ثم عاد لينظر إلى أميرته الفاتنة.
كان يعلم في قرارة نفسه وبخلفيته الصارمة أنها لا تزال في عمر صغير للغاية كي تشرب مثل هذه المسكرات، ولن يسمح لجسدها الناعم أن يتأذى بسموم الجنوب أو الشمال وهي في حضرته.
تجمّدت أطرافه، ولم يستطع التقدم خطوة واحدة لأخذ الزجاجتين وإعطائهما لها أبدًا؛ فبقي واقفاً كتمثال صخري من الجليد، صامتاً، ومصلّب الجسد دون حراك.
اشتعلت إلينا غضباً من جموده وعصيانه الواضح، وصرخت بحنق وهي تعقد حاجبيها:
— «أنت أحمق ومزعج حقاً! لا فائدة منك أبدًا! كيف تجرؤ على عصيان أوامر أميرة الشمال وتقف أمامي كالتمثال؟!»
لم تنتظر منه إجابة، ولم تعد تهتم لوجوده؛ بل اندفعت بنفسها نحو الشجرة وبدأت تتسلقها بعناد وإصرار.
في تلك اللحظة، دبّ الرعب في قلب سيدان؛ تسارعت أنفاسه وتصلبت عضلات جسده بالكامل، فتجهز وفتح ذراعيه الضخمتين خفية خلف ظهرها، مستعداً في أي ثانية لالتقاطها بجسده الفولاذي إن زلّت قدمها أو سقطت من الأعلى.
لكن إلينا كانت بارعة وخفيفة كالسنجاب؛ وصلت للكيس، فكّت رباطه بإحكام، ونزلت إلى الأرض بسلام لتفتح السلة وترتسم على شفتيها الكرزيتين ابتسامة خبيثة ومستفزة، ظناً منها أنها انتصرت على عناده.
لكن قبل أن ترفع الزجاجة الأولى إلى فمها، تحرك "الوحش الشمالي" بسرعة البرق!
بلمح البصر وبحركة خاطفة لم تدركها عيناها، امتدت كف سيدان العملاقة وانتزعت الزجاجتين من يديها الصغيرتين بقوة حازمة، وبكل سرعة وقسوة، رماهما بعنف شديد نحو صخور الحديقة القريبة!
(طراااااااااخ!)
دوى صوت تحطم الزجاج ليتكسر إلى ألف قطعة وقطعة، وتناثر الشراب الأحمر الداكن فوق الجليد الناصع، ملوثاً بياض الثلج كأنه دماء مهدورة.
تراجعت إلينا خطوة إلى الخلف، واتسعت عيناها بصدمة ذهول هائلة، تلاها غضب عارم تملّك كيانها بالكامل، فبدأت تصرخ في وجهه بأقذع اللعائن الشمالية والجنوبية وصوتها يتردد في أرجاء الحديقة:
— «ما خطبك أيها اللعين المعتوه؟! لماذا فعلت ذلك؟! هل جننت تماماً؟! كيف تجرؤ على كسر أشيائي أمامي؟!»
ظل سيدان واقفاً بطوله الشاهق، صدره العريض يعلو ويهبط، وعيناه تشتعلان بغيرة وخوف عليها من خلف خصلات شعره الأسود، متمسكاً ببروده الصخري القاتل أمام بركان غضبها.
صرخت إلينا بمرارة والغضب يعصف بصدرها، ورفعت كفيها الصغيرتين وهي تنظر إلى السماء بقهر:
— «هل صُبّت عليّ لعنة ما في هذا العالم؟! لماذا يحدث كل هذا لي أنا بالذات؟! هل عليّ أن أضربك وأكسر رأسك اليابس هذا لتتعلم كيف تطيع أوامري؟!»
وما إن استقرت كلمات "تريد ضربه" في مسامع سيدان، حتى حدث تحول مرعب ومفاجئ في كيانه.
لمعت عيناه ببريق من الهوس الخالص والجنون العاطفي الطاغي؛ وبدلاً من أن يتراجع خوفاً أو يتصلب دفاعاً، تحرك جسده الضخم تلقائياً نحوها، وانحنى بجسده الشاهق ليقدم وجهه الخشن وملامحه الصخرية أمامها مباشرة!
لقد وضع وجهه على مسافة إنشات قليلة من قبضتها، منتظراً ومرحباً بأن تلكمه، أو تصفعه، أو تفعل به ما تشاء.
وصل حبه وهوسه الجارف بها إلى مرحلة يتمنى معها أي لمسة منها، حتى وإن كانت ضربة قاسية تُدمي وجهه؛ فضرباتها أرحم بقلبه من جفائها وبعدها!
تراجعت إلينا خطوة إلى الوراء بصدمة، ونظرت إليه بغضب ممتزج بالذهول؛ فقد علمت جيداً من حركته أنه يقدم وجهه لها طواعية لتعاقبه وتفرغ غيظها فيه.
زفرت بضيق شديد وحنق، محاولةً تحويل نظراتها عنه، لكن عينيها وقعتا فجأة على يديه الضخمتين اللتين استقرتا الآن فوق ركبتيه بسبب انحنائه..
تصلبت نظراتها تماماً عندما رأت الكدمات الشديدة، وآثار الجروح، والدماء الجافة التي كانت تغطي كفيّه بالكامل نتيجة انغراس أظافره ليلة أمس في تلك اللحظة الحارقة.
ضاق حاجباها وقالت بنبرة تملؤها الريبة والقلق المفاجئ:
— «ما هذا؟ ما الذي حدث ليديك؟! لماذا هما مجروحتان ومصابتان بهذه الطريقة البشعة؟»
تسمّرت الكلمات في حلق سيدان، وشعر باللعنة العملاقة تطبق على أنفاسه مجدداً.
حاول بكل قوته أن يفتح فمه، وأن يرتجل كذبة، أو يرتب جملة واحدة مبررة، لكنه
«لا يستطيع.. لا يستطيع إطلاقاً!»
انعقد لسانه بالكامل أمام سحر عينيها الزمرديتين وقربها المهلك منه؛ فوقف عاجزاً تماماً، تتسارع أنفاسه بصوت مسموع، وعيناه المحتقنتان بالهوس تنظران إليها من خلف خصلات شعره الكثيفة، بينما ينبض قلبه بعنف كأنه يريد اختراق درعه الفولاذي ليرتمي عند قدميها.
— «أمي.. لقد انتهى الأمر! لم أعد أريد هذا الشيء الذي يسمونه حباً، بل إنني لم أعد أطيق رؤية الرجال أو أريدهم في حياتي بالكامل! كلهم مخادعون ومتغطرسون، يبطنون القبح خلف ستار الكلمات المعسولة والوسامة المزيفة!»
نظرت إليها إلانور بصمت، ولم تقاطعها، بل اقتربت أكثر لتضمها إلى صدرها بحنان .
كانت الملكة تعلم جيداً أن هذا الجرح الصغير هو مجرد بداية لنضج ابنتها، وأن قناع الجنوب قد سقط لتشرق "الذئبة الشمالية" الحقيقية من جديد.
ابتسمت إلانور بخفة وهي تمسح على شعر ابنتها الفضي ا
---
في اليوم التالي، غرق موطن الشمال في هدوءٍ غريب ومهيب بعد رحيل القافلة الجنوبية الذليلة.
خرجت إلينا من غرفتها وهي ترتدي فستاناً هادئاً باللون الكحلّي الداكن، يلتف حول كتفيها فراء ذئاب شمالية بيضاء ودافئة، يبرز بشرتها الناصعة وشعرها الفضي الساحر.
كانت تمشي في الأروقة بخطوات متثاقلة، وعندما انعطفت عند الممر الجانبي ذاته، لمحت في نفس المكان وفي نفس اللحظات شقيقها التوأم أركان وليلى يعيشان قصة عشقهما الدافئة؛ فزفرت بحنق شديد ولعنت في سرّها بانزعاج طفولي غاضب.
غادرت المكان بسرعة هادئة حتى لا يشعرا بوجودها، وهي تتمتم بغضب وصوت خفيض:
— «تباً لهما.. ألا يشبعان أبداً؟ عاشقان أحمقان! ما هو الحب بالنسبة لي أساساً؟ إنه لا يأتي إليّ أبداً.. الحب يكرهني شخصياً، يكرهني!»
وجهت خطواتها الغاضبة نحو المطبخ الملكي الكبير لتهدئة أعصابها بالطعام، وما إن دلفت من الباب وهي تبرطم وتتمتم كالمجنونة، حتى تجمد الشيف وخادمات المطبخ في أماكنهم بصدمة وذهول، ولم يجرؤ أحد على النطق بحرف واحد أمام ملامح أميرتهم العابسة.
لم تهتم إلينا بنظراتهم الصامتة والمتحجرة، بل تقدمت نحو الطاولات، لكن عينيها وقعتا فجأة على مشهدٍ مغاير..
في زاوية المطبخ، كان "سيدان العملاق" يجلس على كرسي خشبي يبدو صغيراً جداً على ضخامته، وهو يتناول فطوراً شمالياً دسمًا؛ فمه كان ممتلئاً باللحم، ووالدته الشيف الطباخة التي تدير مطبخ القلعة واقفة إلى جانبه تضع المزيد من المقبلات لولدها الحارس.
ومع دخول إلينا المفاجئ، تجمدت الوالدة مكانها بذهول، بينما تحجّر سيدان بالكامل في وقفته وجلسته!
بقي سيدان مصلّباً مكانه، فمه ممتلئ بالطعام، ويده الضخمة معلقة في الهواء وهي تحمل قطعة لحم كبيرة؛ إذ لم يكن يستخدم شوكة أو ملعقة، بل يأكل بيديه العاريتين كبربري شمالي حقيقي وبمعنى الكلمة!
وفي وسط هذا التحجر الجماعي والهدوء الذي لفّ المطبخ، لم تنتبه إلينا لتفاصيلهم؛ بل كانت غارقة في عالمها الخاص، وتتمتم مع نفسها بغضب وإحباط وهي تمسك بسلة خشبية وتبدأ بحشوها بالسندوتشات، الحلوى، والعصير بعشوائية وعصبية واضحة.
أخذت السلة الممتلئة، واستدارت لتغادر المطبخ وهي لا تزال تتمتم بكلمات غير مفهومة عن الرجال وعن حظها العاثر.
بمجرد أن اختفى طيف فستانها الكحلي خلف الباب، ابتلع سيدان الطعام بصعوبة، ونهض بجسده العملاق دفعة واحدة كالمستيقظ من حلم.
مسح فمه بسرعة، وتجاهل نظرات والدته المتفاجئة، ثم انطلق بخطوات خفيفة وسريعة خلفها، ليتبع أميرته الغاضبة كظلٍ غير مرئي ككل مرة، يحرس خطواتها الشرسة ويموت في تفاصيل جنونها وعفويتها الشمالية النادرة.
مشيت إلينا بخطواتها الهادئة حتى وصلت إلى عمق حديقة القلعة، وهناك، اختارت شجرة ضخمة تكسو أغصانها طبقات من الجليد الأبيض. جلست برقة فوق الثلج الناصع، فبدا فستانها الكحلي الداكن متناقضاً بسحر مع البياض من حولها، وبدت هي بشعرها الفضي اللامع كأنها جنية ثلج أسطورية خرجت من حكايات الشمال القديمة.
هذا بالضبط ما كان يراه سيدان؛ كان يقف على مسافة بعيدة، مختبئاً خلف جذع شجرة أخرى، يراقبها بهوس وعينين لا ترمشان، وهو يعتقد بقرارة نفسه أنه بعيد بما يكفي وأنه مجرد ظل لا تلاحظه الأميرة أبدًا.
ولكن، على عكس توقعاته، رفعت إلينا عينيها الزمرديتين فجأة، وصوّبت نظراتها مباشرة نحو البقعة التي يقف فيها!
عبست ملامحها الجذابة قليلاً، وضاق حاجبها، ثم نادته بنبرة هادئة ومستاءة ولكنها واضحة:
— «تعال إلى هنا أيها الغوريلا.. أعني، يا محارب الشمال! تعال إلى هنا، أريد منك شيئاً.»
في تلك اللحظة، شعر سيدان وكأن قلبه قد قفز من صدره ليرتطم بضلوعه بعنف؛ أحس برغبة عارمة في الخروج من مكانه من فرط الارتباك والصدمة.
تحرك جسده الضخم تلقائياً تلبيةً لندائها، وتقدم ناحيتها بخطوات وئيدة، بينما بدأت يداه العملاقتان ترجفان بشدة خلف ظهره، فقبضهما بقوة وأخفاهما وراء جسده حتى لا تلاحظ رجفتهما أو ترى آثار الجروح والدماء الجافة التي خلّفتها معركة الأمس.
حافظ على قناعه المعتاد؛ فوجهه ظل ككل مرة بارداً كالصخر، وملامحه الخشنة الشمالية هادئة وجامدة لا تفصح عن البركان الثائر في أعماقه، بينما خصلات شعره الأسود الكثيف والمتمرد تتدلى ببطء وتغطي عينيه المحتقنتين ببريق عشقه الهائل لها.
🍂جميلتي إلانور 🍂
🤍 معشوقتي إلينا 🤍
🪽الجزء الثالث 🪽
P³³
- التفت سيدان نحو زميله الحارس الواقف إلى جواره، ونظر إليه بعينين محتقنتين ببريقٍ دموي مخيف. وبصوتٍ جشّ، رجولي، هادئ كصقيع الجليد ومرعب كعاصفة شتوية، قال:
— «هل يمكنك حلّ محلي للحظات؟ سأعود في دقائق معدودة.»
هز الحارس الآخر رأسه بالموافقة دون التجرؤ على نقاشه، بعد أن شعر بهالة الموت التي تنبعث من جسد سيدان الضخم.
تحرك سيدان بسرعة البرق مستغلاً معرفته العميقة بأروقة القلعة، فاندفع نحو غرفته.
وفي ثوانٍ معدودة، ارتدى وشاحاً أسود طويلاً ولف لثمة سوداء داكنة أخفت وجهه بالكامل ولم تترك منه سوى عينيه الحادتين.
تسلل إلى الإسطبلات، واعتلى صهوة أحد الأحصنة الشمالية القوية، ثم انطلق به كالسهم المخترق لضباب الجليد، متعقباً أثر عربة ملك ألاستا وولي عهده التي غادرت القلعة لتوها.
وفي بقعة مظلمة ومقطوعة من الطريق، وبخفة وسرعة مذهلة لا تتناسب مع ضخامة جسده، قفز سيدان بحصانه ليعترض طريق القافلة، واضعاً الجواد كالسد المنيع أمام العربة الملكية مباشرة، مما أجبر الجياد على التوقف العنيف.
اندفع ملك ألاستا من نافذة العربة، وصاح بغضبٍ ممتزج بالخوف وهو ينظر إلى ذلك الفارس الغامض والملثم:
— «ابتعد عن طريقنا أيها الغريب! كيف تجرؤ على اعتراض موكب ملكي؟!»
لكن سيدان لم يكن يستمع إليه؛ فالكلمات السامة التي نطق بها الأمير في حق أميرته كانت ترنّ في عقله كطبول الموت وتنهش خلايا دماغه:
«بربرية.. حيوانة.. مقززة.. عاهرة!»
كانت كلمة "عاهرة" بالذات تحرق روحه، وتتحول في صدره إلى إعصار من الجنون والتعطش للدماء؛ فكل إهانة وُجهت لحبيبة روحه وغزالته يجب أن تُغسل بالدم والألم.
ترجل سيدان عن حصانه، وتقدم نحو العربة كالوحش الكاسر الذي انطلق من أصفاده.
وبحركة خاطفة ومرعبة، اقتحم العربة وامتدت كفه العملاقة لتقبض على ياقة قميص ولي العهد المدمر والمحطم تماماً، وسحبه إلى الخارج ليرميه على الجليد الصلب.
قبل أن يستوعب الأمير ما يحدث، أمسك سيدان بأصابع يد الأمير، وبضغط هائل من قبضته الفولاذية،
كسرها إصبعاً تلو الآخر بقوة سُمع معها صوت تهشم العظام بوضوح!
انطلقت من ولي العهد صرخات مدوية مزقت سكون الليل، بينما انهار الملك بالبكاء والصراخ، وهو يتوسل برعب. حاول الحراس الملكيون الجنوبيون التقدم واستلال سيوفهم، لكن الملك صرخ فيهم بجنون ومنعهم من التحرك؛ فقد كان يرتعد خوفاً من أن يقوم هذا "البربري الغامض" بفصل رأس ابنه عن جسده إن أحس بأي حركة، وكان يظن في قرارة نفسه أن الحاكم كاسيس هو من أرسل هذا السفاح لإنهاء المهمة في الخفاء.
ولم يكتفِ سيدان بكسر الأصابع؛ بل وتحت تأثير الغيرة الحارقة، أمسك بذراع الأمير الأخرى، ولوى معصمه بقوة خارقة حتى
كسر يده بالكامل وطحن عظامها، ليرتمى الأمير أرضاً ويبكي ويتألم كالمحتضر.
وقف سيدان فوقه بكامل ضخامته، ووشاحه الأسود يرفرف مع الريح الباردة، ثم انحنى قليلاً ونظر إليه بعينين حمراوين تشعان بهالة الموت الزؤام، وقال بنبرة باردة كالقبر:
— «لا تخطُ خطوة واحدة نحو أرض الشمال مجدداً.. وإلا في المرة القادمة، سآخذ روحك النجس بدلاً من عظامك.»
أنهى كلماته الفتاكة، واستدار بكل هدوء ووقار، ثم اعتلى صهوة حصانه واختفى وسط الظلام وضباب الليل الشمالي بنفس السرعة التي ظهر بها.
تأهب الحراس الجنوبيون مجدداً للحاق به والانتقام، لكن الملك صرخ فيهم مجدداً والدموع تملأ وجهه، وهو يحتضن ابنه المستلقي على الجليد يئن من العذاب:
— «توقفوا! تراجعوا أيها الحماقة! دعونا نخرج من هذا الجحيم فوراً وننجو بجلدنا، قبل أن يغير حاكم الشمال رأيه ويأمر بقتل ابني الوحيد! أسرعوا بالعربة!»
وتحركت العربة بأقصى سرعتها، مخلّفة وراءها دماء ولي العهد على ثلوج الشمال، بعد أن تلقى درساً في العذاب لن ينساه ما عاش، على يد حارسٍ صامت يعشق أميرته حد الجنون.
---
فتحت الملكة إلانور باب الغرفة بهدوء، ودلفت بخطواتها الواثقة والناعمة لترى ابنتها تقف عند النافذة الكبيرة.
اقتربت منها وفي عينيها بريق دافئ، ورسمت على شفتيها ابتسامة لطيفة مليئة بالحنان، ثم سألتها بنبرة صوتها الاموميه :
— «ابنتي العزيزة.. هل أنتِ منزعجة؟»
كانت إلينا تقف متصلبة، وتنظر ببرود تام من النافذة إلى ساحة القلعة المغطاة بالثلوج، والجمود الشمالي قد عاد ليغلف ملامحها بالكامل بعد أن خلعت قناع الرقة الجنوبية المزيف.
التفتت ببطء نحو والدتها، ولم تستطع كبت الغيظ والألم اللذين يعتصران قلبها؛ فانفجرت تخبر والدتها بكل ما حدث في الحديقة، وكيف أهان ذلك الأمير المتغطرس موطنها وعائلتها، وتجرأ على نعتها بأبشع الألفاظ قبل أن تلقنه درساً بقبضتها وقدمها.
تنهدت إلينا بضيق شديد، وامتزجت ملامحها بخيبة أمل قاسية وهي تقول بنبرة حادة وقطعية:
😎بوت يوفر ارقام من جميع الدول لتفعيل جميع برامج االتواصل مجانا🌝✨
للحصول على رابط 🔗البوت كلموني ☟
📝» https://t.me/addlist/Qu2RNDwtSzNiMDRk
😎بوت يوفر ارقام من جميع الدول لتفعيل جميع برامج االتواصل مجانا🌝✨
للحصول على رابط 🔗البوت كلموني ☟
📝» https://t.me/addlist/Qu2RNDwtSzNiMDRk
