قناة الإخوة السلفية
前往频道在 Telegram
قناة الإخوة السلفية تحب الشيخين العلامة محمد بن هادي المدخلي والعلامة المجدد محمد بن علي فركوس حفظهما الله وجميع مشايخ أهل السنة والجماعة ونكره الصعافقة والمخذلين رابط للدعوة: https://t.me/+7XyayHmHJJNkNTM8 https://t.me/Raba2mg
显示更多1 620
订阅者
无数据24 小时
+17 天
-1030 天
帖子存档
1 618
📌 فوائد حديثيّة من مجلس شيخنا فركوس -حفظه الله- (الأربعاء ٣٠ المحرّم ١٤٤٨ هـ)
السؤال:
أحسن الله إليكم شيخنا..
ما ضابط التفريق بين الزيادة الشاذّة، وزيادة العدل الثقة في العمل؟!
الجواب:
"أقول وبالله التوفيق:
زيادة الثقة هل هي مقبولة أو غير مقبولة؟! على تفصيل، ذكره العلماء، موجود في شرح الإشارة للباجيّ مفصّلا.
الفرق بين زيادة الثقة والشذوذ، أنّ الشذوذ أن تكون رواية الثقة مخالفة لمن هو أوثق منه من نفس المسألة، وأنّها لم تتكرّر.
فإن تكرّرت يؤخذ من الطرفين، وليس فيه شذوذ، لاحتمال أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلم- فعل هذا وهذا، كقوله: (.. إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربّنا ولك الحمد..)، وجاءت رواية أخرى: (اللّهمّ ربّنا لك الحمد..)، فيها أربع روايات، كلّها يُحتَمل أنّه فعلها، لأنّ صلاته كثيرة بالناس، وفي اللّيل، وذوات الأسباب، وغيرها..
كما إذا روى حديثا، وقال أنّه قال كذا.. أو جاء في مواضع متكرّرة كحديث جابر -رضي الله عنه-، قاله في مكّة، وفي المدينة.. قال: سمعت رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- عام الفتح بمكة يقول: أن الله ورسوله حرّم بيع الخمر، والميتة، و الأصنام.. ويذكر ابن حجر أنّه قالها في مواطن كثيرة غير موطن فتح مكّة.
إذا كانت في غير الموضع قد تكون زيادات، هذه ليس معناها أنّها مردودة، لأنّه قالها عدّة مرّات.. لذا يُفرق بين ما إذا جاءت من واقعة واحدة، أو من وقائع مختلفة، في هذه الحال نحكم أنّها مقبولة، وإن خالفها من هو أوثق، لأنّ هذه سمعها في هذا الموضع، وهذا سمعها في موضع آخر.
أمّا إذا كانت في موضع واحد، كصلاة الكسوف، صلّاها مرّة واحدة، وجاءت رواية أنّه صلّاها سرّا، ورواية أخرى جهرا، فيمكن أن تجمع، بأنّ الّذي روى الجهر كان قريبا، والآخر كان بعيدا..
يمكن أن تجمع، هناك رواية ابن عمر، وبلال -رضي الله عنهم- أنّ النبي -صلّى الله عليه وسلّم- دخل الكعبة وصلّى ركعتين، ورواية ابن عباس قال: كنت معه ولم أرَ أنّه قد صلّى.. هذا ينفي، والآخر يُثبت، ولا يُمكن إعمال قاعدة: (المثبت مُقدّم على النافي)، لأنّ كليهما مثبت، هذا يُثبت النفي، وهذا يُثبت الإثبات.
تعمل بالقاعدة إذا كان النفي عامّا، أمّا بالتحقّق فيصبح إثباتا، في مثل هذه الحال يجب أن تخرج عن القاعدة، وتنظر الأصل.. ما لم تكن شواهد ومتابعات تُرجّح بعضهم من الناحيّة الحديثيّة.
أمّا من حيث التفصيل:
- ينظر أولا إلى الوقائع.
- وثانيا إلى الأشخاص:
إذا كانوا جماعة ففيه زيادة، وقدّمنا الجماعة لأنّها أقوى في الحفظ، هذا إذا كانت وقعت واقعة واحدة، في هذه الحالة نأخذ بزيادة الثقة مقبولة، لأنّها مثبتة، والحفظ يكون في جماعة أكثر.
وإذا كان العكس، راوي الزيادة فرد، والنفاة أكثر، فالحفظ عندهم أكثر، فزيادة الثقة غير مقبولة، وهي شاذّة، هذا دائما في واقعة واحدة.
إذا كان كلاهما فرد، فننظر أكثرهما حفظا، و أشهرهما عدالة.. والآخر دونه، قدّمنا هذا على هذا.
وإذا تعادلا، فنعمل بزيادة الثقة في الحديث مقبولة.
تفصيلها تجده في كتاب شرح الإشارة.."
1 618
📌 فوائد أصوليّة وعقديّة من مجلس شيخنا فركوس -حفظه الله- (الأربعاء ٣٠ المحرّم ١٤٤٨ هـ)
السؤال:
قال حافظ حكمي -رحمه الله- في منظومة له:
أدلة الشرع الشريف أربعة .. مُحْكَم آيٍ، سُنّة مُتّبعة
والثالث الإجماع حيث ينجلي .. والرابع القياس واخْصُص الجليّ
ولا رأي في الدين ولا استحسانا .. فالله قد أكمله تبيانا
وما لغير الله حكم أبدا .. ولا سوى الشرع سبيل للهدى
فالشرك في التشريع منه ينفجر .. شرك العباد بالعزيز المقتدر
ما تعليقكم على قوله: فالشرك في التشريع..؟!
الجواب:
"أولا: ما في الأبيات الأولى تُعدّ المصادر الأصليّة للتشريع، وهي: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والقياس، وهذا عند أهل السنّة والجماعة مُتّفَق عليه، خلافا للظاهريّة الّذين لا يَرَوْن العمل بالقياس، والتعليل.. ولا يَرَوْن العمل بمفاهيم الموافقة، والمخالفة، مع أنّها داخلة في النص -الكتاب والسنّة- وهي من أصل الخطاب..
هذه الأربعة: الكتاب، السنّة، الإجماع، والقياس، إذا درست الأصول على ما هي عليه، وإلّا فكُلّها راجعة إلى الكتاب.
بمعنى: ذكر الأربعة، وغيرها من الأدلّة الّتي نفى بعضها في مذهبه، كالاستحسان، وقول الصحابيّ، والمصالح المرسلة، وشرع من قبلنا، وغيرها.. وهي مصادر تبعيّة..
إذا نظرنا إلى الأصليّة، فالتبعيّة بمعنى تابعة للأصول، وقد تكون تبعيتها صحيحة، وقد تكون مرفوضة، لكن كلّها راجعة إلى الكتاب إذا أمعنت النظر، لأنّ السنّة دالّة على الكتاب، وهي إخبار عن الله -عز وجلّ- في ما أمر به، وفي ما ونهى عنه وزجر، تدلّ على الكتاب، والكتاب يدلّ عليها..
قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه..} الآية، {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} الآية، {من يطع الرسول فقد أطاع الله} الآية، آيات كثيرة.. لكن الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- لمّا يأتي بالشرع فإنّه من عند الله، يخبر عن الله، ويُبلّغ عن الله..
الإجماع: مُستَندُه الكتاب والسنّة، الكتاب ظاهر، والسنّة راجعة إليه.
القياس: مُستَنَده التمسّك بمعقول النصّ والإجماع.
والنصّ: هو الكتاب والسنّة، والاجماع في مستنده راجع إلى الكتاب والسنّة، فكان القياس راجعا إلى الكتابة.
إذًا، هذه الأدلّة كلّها راجعة إلى الكتاب، فإذا وجدت في القرآن ذكر الكتاب مطلقا شمل كل الأدلّة وما تبعها، وإذا كان مفصّلا فبحسب التفصيل، هذا الأمر الأول.
الأمر الثاني: ردّ على الاستحسان، هذا بحسب مذهبه، لكن فيه تفاصيل في الأدلّة التبعيّة.
المسألة الثانية:
إذا نظرت إلى كلّ الشرك، في الأصل يرجع إلى الحُكْم، لأنه إذا نظرت إلى العبادة فهي مشرّعة من الله -عزّ وجلّ-، فيجب أن تأتي بها على الوجه الّذي أمر به الشرع، وتصرفها لله -عزّ وجلّ- لا لغيره، هذا الّذي أمرك به الشرع هو حُكم أم لا؟!
هل التوحيد حكم أم لا؟!
إذا كان حُكما فهو تشريع.
إذا تكلّمتَ على الحكم أنّه أساس، أو جوهر.. يقولون قطبيّ.. هم لا يفهمون.. ماذا نفعل..
الأحكام كلّها راجعة للحكم، أنزله الله بحقّ في كتابه، وكلّ ما في كتابه أحكام، إمّا تعمل بها أنت، أو تحكم بها على الغير، أو تسوس بها الأمّة.. فلا تنظر فقط إلى القضاة، هناك مجلس كهذا تحكم بين الطرفين بالتنزيل، فهذا حكم.. والتوحيد (لا معبود بحقّ إلّا الله) حكم شرعيّ..
إذًا كلّه مرجعه إلى الحكم، والله تعالى قال: {إن الحكم إلّا لله أمر ألّا تعبدوا إلّا إيّاه}، جعل الحكم من العبادة.. {أمر أمر ألّا تعبدوا إلّا إيّاه} أي لا تعبدوا إلّا الله، وبما شرع، وهو الحكم، وليس للعبد أن يشرّعه، قال الله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله}.
لهذا تجد الّذين يفهمون يضعها في بيت شعري هكذا، وينصرف، وأنت بحسب ما تفهم.
إذًا، الحكم فقط في النظام داخل في الجملة، لكنّه حكم شرعيّ، كلّه حكم شرعيّ.
تارة يقول هل حكّمت حكم الله فيك؟! بمعنى: تعرف الحكم الشرعيّ ولم تأتِ به.. إذا غيّرته واتّخذت معبودا غير الله، فأنت مشرك، وتارك الصلاة - مثلا- يقول أتركها لأسباب، ويعترف أنّه يجب أن يوجّهها لله.. فنحكم عليه بالمعصيّة.. إن قال لا أصلّي لأنّي أشكّ في المعبود فهذا يبطل إسلامه، وهذا حكم، ولم نذهب إلى القضاء.."
1 618
ولفظُ المتنِ عند التِّرمذيِّ في «البِرِّ والصِّلة» بابُ ما جاء في معالي الأخلاق (٢٠١٨) مِنْ حديثِ جابرٍ رضي الله عنه، وتمامُه عنده: «وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ». انظر: «السِّلسلة الصَّحيحة» للألباني (٧٩١).
ولعلَّ مِنْ أتمِّ ألفاظِه وأجمَعِها: ما في «جامعِ مَعمَرِ بنِ راشد» (١١/ ١٤٤) رقم: (٢٠١٥٣) عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ مُرسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي؟»، قَالُوا: «بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ»، قَالَ: «أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أكْنَافُهُمْ، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بأبْغَضِكُمْ إِلَيَّ وَأبعدِكُمْ مِنِّي؟»، قَالُوا: «بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ»، قَالَ: «الثَّرْثَارُونَ الْمُتَشَدِّقُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ»، قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ عَرَفْنَا: الثَّرْثَارُونَ الْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟» قَالَ: «الْمُتَكَبِّرُونَ».
(٥) فعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ [بنِ مسعودٍ] ـ قَالَ: لَا أَدْرِي: أَرَفَعَهُ أَمْ لَا؟ ـ قَالَ: «مَا أَحَلَّ اللهُ حَلَالًا أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلَاقِ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى كَتَبَ الْجِهَادَ عَلَى الرِّجَالِ وَالْغَيْرَةَ عَلَى النِّسَاءِ، فَمَنْ صَبَرَ مِنْهُنَّ كَانَ لَهَا مِثْلُ أَجْرِ الْمُجَاهِدِ». أخرجه عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» (١٣٢٧٠)؛ ورفَعَ الطَّبرانيُّ محلَّ الشَّاهد في «الكبير» (١٠٠٤٠) مِنْ طريقِ علقمةَ عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه مرفوعًا، دون ذِكرِ الطَّلاق، وفيه: الشَّهداء بدلَ: المجاهد؛ وهذا المرفوعُ ضعَّفه الألبانيُّ في «ضعيف الجامع» (٢٣٥) رقم: (١٦٢٦)، وانظر: «السِّلسلة الضَّعيفة» (٨١٣)؛ وطريقُ الطَّبرانيِّ غيرُ طريقِ عبدِ الرَّزَّاق الموقوفِ على أبي عُبيدة، فافترقا؛ وقد ورَدَ محلُّ الشَّاهدِ عن مُجاهدٍ وغيرِه، إلَّا أنَّ مجاهدًا قال: أجرُ نصفِ مجاهدٍ؛ [«النَّفقة على العيال» لابن أبي الدُّنيا (٢/ ٧٤٦) رقم: (٥٥١)].
1 618
احتِياجاتِها هُوَ أبرزُ عاملٍ في المحافظةِ على الأُسرَةِ بالصِّبغةِ التَّعدُّديَّةِ، وبالصُّورةِ الصِّحِّيَّة، ولأنَّ الإخلالَ بهذا العامِلِ سيؤدِّي ـ حتمًا ـ إلى تفاقُمِ المشاكِلِ وانهيارِ العلاقاتِ الزَّوجيَّةِ بانحلالِهَا، ثمَّ ينتهي التَّعدُّدُ بفشلٍ ذريعٍ في تحقيقِ غايَتِهِ وحِكمَتِهِ السَّاميَةِ.
كما أنصحُ الزَّوجَةَ أَنْ تصبِرَ على ضَرَّتِها، فعسى أَنْ يجعل اللهُ لها فيها خيرًا كثيرًا، ولا تُبدِيَ عدمَ رِضَاها على حُكمِ التَّعدُّدِ بِدَعوَى العَاداتِ أو غيرِها، ولا تسوءَ أخلاقُها مع زوجِها، لأنَّ التَّعدُّدَ شرَعَهُ اللهُ حقًّا للزَّوجِ القادِرِ على العَدلِ، وليسَ لها أَنْ تَحرِمَهُ مِنْ حُقوقِه، ولا أَنْ تُنفِّرَه وتُؤذِيَه حتَّى يُفارِقَ زوجَتَهُ الأُخرى، أو تُطالِبَه بالطَّلاقِ ولا سِيَّما طلاقِ أخواتِها لِتَكفَأَ ما في صِحافِهنَّ(٣)، أو تُنازِعَه أَمْرَ التَّعدُّدِ ما دامَ الزَّوجُ قد أدَّى الحقَّ الَّذي عليهِ تُجاهَ أزواجِهِ بالعَدلِ والإنصافِ، بل عليها أَنْ تَرضَى بقَضاءِ الله، وتتعلَّمَ المُعامَلَةَ الأَخلاقيَّةَ الطَّيِّبَةَ المطلوبَةَ في هذا المَقامِ لِتَظفَرَ بمَنزلَةِ أهلِ الأخلاقِ الفاضِلَةِ في قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا»(٤)؛ ولْتَتزوَّدْ ـ أيضًا ـ بالعلمِ الشَّرعيِّ النَّافعِ علمًا وعمَلًا لتكونَ على بَصيرةٍ بشَرعِ ربِّها وتتَّصِفَ بالصَّلاحِ والتَّقوَى، وبه يحصُلُ الفضلُ والتَّمييزُ، وعليه يتنافَسُ المُتنافِسون؛ ولْتَحْتَسِبْ صبرَها وما ينالها مِنَ الغَيْرةِ عند الله إذا اتَّقَتْ ولم تَبْغِ(٥).
والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.
الجزائر في: ٣٠ صـفـر ١٤٤٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٤ أغسطس ٢٠٢٥م
(١) أخرجه بهذا اللَّفظِ أو قريبٍ منه: أحمد في «مُسنَده» (١٢٦١٣، ١٣٥٦٩) مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه؛
وأخرجه أبو داود في «النِّكاح» باب النَّهي عن تزويج مَنْ لم يَلِدْ مِنَ النِّساء (٢٠٥٠)، والنَّسائيُّ في «النِّكاح» بابُ كراهِيَةِ تزويج العقيم (٣٢٢٧)، مِنْ حديثِ مَعقِل بنِ يسارٍ رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ [الأُمَمَ]».
وأخرجه ابنُ ماجه ـ أيضًا ـ مِنْ حديثِ عائشةَ وأبي هريرة رضي الله عنهما بألفاظٍ أخرى؛ والحديثُ رُوِيَ عن جماعةٍ مِنَ الصَّحابة، وصحَّحه ابنُ حِبَّانَ والحاكمُ ووافقه الذَّهبيُّ والألبانيُّ ومُحقِّقُو طبعةِ الرِّسالة مِنَ «المسند» (٢٠/ ٦٣، ٢١/ ١٩٢). [انظر تخريجَ الحديثِ في: «التَّلخيص الحبير» لابن حجر (۱۱۵/ ۳)، «التَّمييز» للشَّيباني (۷۰)، «كشف الخفاء» للعجلوني (۱/ ٣١٠)، «المقاصد الحسنة» للسَّخاوي (٢٦٨)، «إرواء الغليل» للألباني (٦/ ١٩٥)].
وأمَّا ما ورَدَ بلفظِ: «تَناكَحوا تَكثُروا؛ فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الأُمَمَ يومَ القيامة»؛ فهو مُرسَلٌ مِنْ حديثِ سعيدِ بنِ أبي هلالٍ: أخرجه عبدُ الرَّزَّاق (١٠٣٩١) وغيرُه، انظر: «الأجوبة المَرْضيَّةِ فيما سُئِل السَّخاويُّ عنه مِنَ الأحاديث النَّبويَّة» (١/ ٣٥٦) و«المقاصد الحسنة» (٢٦٨) كلاهما للسَّخاوي؛ فقَدْ ضعَّفه الألبانيُّ في «ضعيف الجامع الصَّغير» (٢٤٨٤).
(٢) وفي بعض الحالات: بالافتراء والكذب والنَّميمةِ وسُوءِ الظَّنِّ قد تسعى بعضُ الزَّوجات إلى إفسادِ علاقةِ زوجِها بزوجاته الأُخرَيَاتِ: إمَّا مِنْ جهتِه كتزهيده فيهنَّ أو الافتراءِ عليهنَّ وربَّما سألته أَنْ يُطلِّقهنَّ، وإمَّا مِنْ جهتِهنَّ حيث تتظاهر أمامَهنَّ أنَّه يُؤثِرُها في القسمةِ ويعطيها ما لا يعطيهنَّ فيَضطَغِنَّ عليه دون سببٍ صحيحٍ.
(٣) لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «وَلَا تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «البيوع» باب: لا يبيع على بيعِ أخيه، ولا يسوم على سَوْمِ أخيه، حتَّى يأذنَ له أو يترك (٢١٤٠)، ومسلمٌ في «النِّكاح» (١٤٠٨)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه]؛ ولفظُ مسلمٍ فيه: «.. لِتَكْتَفِئَ صَحْفَتَهَا، وَلْتَنْكِحْ، فَإِنَّمَا لَهَا مَا كَتَبَ اللهُ لَهَا».
(٤) جزءٌ مِنْ حديثٍ مُتَّفَقٍ عليه: أخرجه مُختصَرًا البخاريُّ في «المناقب» بابُ مناقبِ عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه (٣٧٥٩)، ومسلمٌ في «الفضائل» (٢٣٢١) بلفظ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَقَالَ: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ [وعند مسلم: خِيَارِكُمْ] أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا»».
1 618
هذا، ويَمضي تعدُّدُ الزَّوجاتِ في الجزائرِ ـ سابقًا وحاليًّا ـ مَع كثيرٍ مِنَ المُعدِّدينَ بِزَوجَتينِ أو أكثرَ ـ وهُم قِلَّةٌ ـ على وجهٍ عاديٍّ بل مَرْضِيٍّ في الجُملَةِ، ويُخفِقُ آخَرُونَ فيه ويفشَلونَ؛ ويمكِنُ أَنْ تَعودَ أسبابُ إخفاقِ تعدُّدِ الزَّوجاتِ وفَشلِه في الجزائرِ إلى عِدَّةِ اعتباراتٍ في طَليعَتِها: ما تُعانِيه بعضُ الزَّوجاتِ مِنَ الشُّعورِ بالنُّقصان مِنْ أنَّها دون الزَّوجةِ الأخرى في الكمالِ والجمالِ، فتُبدِي عدمَ الرِّضا والاكتِئابَ أو القلقَ والغيرةَ وغيرَها مِنَ المشاكلِ النَّفسِيَّةِ بسببِ ضُغوطِ تعدُّدِ الزَّوجاتِ مِنْ جهةٍ، ولعدمِ تربيةِ المجتمع ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ على تقبُّلِ ذلك، حيث إنَّه طرَأَتْ على المجتمع في السَّنَواتِ الأخيرة في ما بعد الاستعمارِ طوارئُ مِنَ الثَّقافةِ الغربيَّةِ تُصوِّرُ التَّعدُّدَ على أنَّه ظُلمٌ للمرأةِ ومساسٌ بمساواتِها بالرَّجل؛ ولذلك يلتَجِئنَ ـ غالبًا ـ إلى التَّذرُّعِ بالعاداتِ الحادثةِ المُستَحكِمَةِ في المجتَمعِ الَّتي قَد تكونُ مَوْروثَةً مِنْ عاداتِ المُجتَمعِ الفِرنسيِّ في عدمِ قبولِه لها، أو بالثَّورة على العادات القديمة ـ زعموا ـ مع أنَّها مِنَ الدِّين، وهي ـ في الغالب ـ لمصلحةِ الزَّوجةِ الأولى وضرائرِها قبل أَنْ تكون لمصلحةِ الرَّجل، وعلى الرغمِ مِنْ إباحَةِ التَّعدُّدِ في قانونِ الأُسرَةِ الجزائريِّ إلَّا أنَّ هذه العاداتِ الاجتماعيَّةَ الحادثةَ تفرِضُ نفسَها، وتأبَى فِكرةَ تعدُّدِ الزَّوجاتِ وترفُضُها وتَعُدُّها ظاهرَةً سَلبيَّةً، ورُبَّما تَكايَسَ بعضُهم فحمَلَ الآيةَ السَّابقةَ على حالِ الضَّرورةِ كمرضِ الزَّوجةِ الأولى أو عجزِها أو عُقمِها مع تضييقهم في هذه الحالةِ ـ أيضًا ـ لعدمِ إمكان العدل بزعمِهم، مُستدلِّين بقوله تعالى: ﴿وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِ﴾ [النِّساء: ١٢٩]، وهذا التَّفسيرُ والتَّعليلُ يردُّه فِعلُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم والإجماعُ الَّذي سبَقَ؛ ولو سلكوا هذا المسلكَ المتشدِّدَ مع غيرِه مِنَ المسائل لكان أَوْلى لهم، بل تقِفُ عامَّةُ الأُسَرِ وقفَةً عاطِفِيَّةً مع الزَّوجَةِ الأولَى مُستَنْكِرَةً تعدُّدَ زوجِها عليها حتَّى لو كانت مُفرِّطةً في حقِّه وكانت هي مَنْ أدَّت به إلى التَّفكير في التَّعدُّد؛ ممَّا يؤثِّرُ ـ مَع طول الزَّمنِ ـ على صِيتِ الرَّجلِ وسُمعةِ أُسرَتِه، ويتسبَّبُ في زعزَعَةِ الاستقرارِ العائليِّ، ويَحُولُ دونَ استِمرارِهِ.
ومِنْ أسبابِ فشلِ التَّعدُّدِ: تكاليفُ المعيشَةِ المرتفِعَةُ الَّتي تُثقِلُ كاهِلَ العامِلِ مِنْ ذوي الدَّخلِ المحدودِ، وتجرُّه إلى نفقاتٍ زائدَةٍ لا قِبَلَ له بها، ممَّا يُحدِثُ اضطِرابًا في حياةِ زوجاتِه وأبنائِه؛ وذلك بسَببِ زيادَةِ الأعباءِ وقِلَّةِ المالِ وصُعوبَةِ جَلْبِهِ، مع تفاقُمِ حاجياتِ أُسرَتِه المُتنامِيَةِ، خاصَّةً إذا كان الزَّوجُ ذا عيَالٍ وأولادٍ، فكيف إذا انضمَّ إلى ذلك سوءُ التَّدبير أو كانت إحدى الزَّوجات أو الأولادِ مِنْ ذوي التَّبذير؟!
ومِنْ أسبابِ ذلك ـ أيضًا ـ: عدمُ العدلِ بينَ الزَّوجاتِ في النَّفقَةِ والمَبيتِ، وكذلك غيابُ المُساواةِ بينَ الأولادِ في عُمومِ المصاريفِ والهدايَا والرِّعايَةِ وتحقيقِ الأغراضِ والمَطالِبِ الَّتي يصعُبُ على بعضِ الأزواجِ تحقيقُ العدلِ فيها؛ الأمرُ الَّذي يجعَلُ تكيُّفَ الزَّوجَةِ مَع ضَرَّتِها بعيدَ المَنالِ، لِاستِياءِ الزَّوجاتِ والأولادِ مِنْ عدمِ تحقُّقِ العَدلِ والتَّوازُنِ في العَلاقاتِ الأُسَريَّةِ المُتعدِّدَةِ؛ فيتولَّدُ الإحساسُ بالظُّلمِ والتَّهميشِ وسوءِ التَّصرُّفِ مِنَ المَسؤولِ عنهم الَّذي لا يُقَدِّرُ المَسؤوليَّةَ حقَّ التَّقدِيرِ؛ فتَنشَأ مشاعرُ الحسدِ والغَيرةِ والضَّغينَةِ بين الزَّوجاتِ أو الأولادِ فيما بينهم، ويُفضي كُلُّ ذلك إلى خِلافاتٍ ونِزاعاتٍ وصِراعاتٍ داخِلَ أُسرَةِ الرَّجلِ(٢)، الَّذي يتعذَّرُ عليه إقامَةُ علاقاتٍ متَّزِنَةٍ وحِبِّيَّةٍ بينَهُنَّ بنجاحٍ في انسجامٍ ومودَّةٍ ووِئامٍ، لأنَّ «فاقدَ الشَّيءِ لا يُعطِيهِ»؛ الأمرُ الَّذي يُضعِفُ الدَّافِعَ للبقاءِ في حياةِ التَّعدُّديَّةِ والاستمرارِ عليها.
هذا، ونَصيحَتِي للمُعَدِّدينَ أَنْ يُحَكِّموا العَدلَ بين الزَّوجاتِ والأولادِ، فلا يَترُكوا مجالًا للأحاسيسِ بالإجحافِ وعدمِ الإنصافِ بينَهُم، وأَنْ يُقدِّرُوا الأمانَةَ الَّتي تحمَّلوها حقَّ التَّقديرِ، ذلك لأنَّ القُدرةَ على العدلِ، وإحداثِ التَّوازُنِ الحسنِ أو القريبِ مِنَ الحسنِ بين جميعِ أفرادِ الأُسرَةِ ممَّنْ يقدِرُ على تحمُّلِ مسؤوليَّةِ تعدُّدِ الزَّوجاتِ وتلبيَةِ
1 618
الفتوى رقم: ١٤١٨
الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ الحقوق المنفردة.
في مسألةِ تعدُّدِ الزَّوجات وحالتِه في الجزائر
السُّؤال:
قد وقَعَ في مُجتَمعِنا الجزائريِّ كثيرٌ مِنَ المشاكلِ العائليَّةِ بسببِ التَّعدُّد، حتَّى أصبحَ الواحِدُ منهم ينقلِبُ مِنِ استِقرارِه العائليِّ ـ في الجملَةِ ـ إلى اضطرابٍ بسببِ تزوُّجِه بالثَّانيةِ؛ وبِغَضِّ النَّظرِ عن الأسبابِ الأُخرى كالظُّروفِ المادِّيَّةِ والسَّكنيَّةِ، فإنَّ زوجَتَهُ الأولى ـ بمجرَّدِ معرِفَتِها بتعدُّدِه ـ تُبدي عدَمَ رِضاها وتَسوءُ أخلاقُها، وتبدأُ المشاكِلُ عليه مِنْ كُلِّ جانبٍ، فلا تَهدَأُ إلَّا أَنْ يُطلِّقَها، فتُصيِّر ما كان يَنعمُ به مِنْ حياةٍ هنيَّةٍ إلى حياةٍ تعيسَةٍ مُكَهرَبَةٍ مليئَةٍ بالضَّجرِ والصَّخبِ والتَّهديدِ بالطَّلاقِ لعدمِ تحمُّلِ الزَّوجةِ وُجودَ ضَرَّةٍ في حياتِها؟! فما هي أسبابُ فشلِ تعدُّدِ الزَّوجاتِ؟ وما نصيحَتُكم للمُعدِّدين؟ وجزاكُم الله خيرًا.
الجواب:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
فلا يَخفى على كُلِّ مسلمٍ أنَّ الأصلَ في التَّعدُّدِ ـ بشرطِه الشَّرعيِّ ـ الجوازُ، وأنَّه معلومٌ مِنْ دينِ الإسلامِ بالضَّرورَةِ؛ ومُستَنَدُ هذا الحُكمِ قولُ الله تعالى: ﴿فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً﴾ [النِّساء: ٣]، ولِمَا تَواترَ قطعًا بعد نُزولِ الآيةِ مِنْ تعديدِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم بِما طابَ لهم مِنَ النِّساءِ، حيثُ كانُوا يَجمَعون بينهنَّ: مَثنَى وثُلاثَ ورُباعَ، معَ فِعلِه صلَّى الله عليه وسلَّم وعِلْمِه بفعلِ أصحابِه وإقرارِه لهم، ولا يزالُ العملُ به إلى يومِنا، وأَطبقَتْ عليه الأمَّةُ إجماعًا، ولم يُخالِف في ذلك أحدٌ ألبتَّةَ.
علمًا أنَّ الإسلامَ لم يُنشِئ تعدُّدَ الزَّوجاتِ ولَم يَبْتَدِعْهُ ولم ينْفَرِدْ بإِباحَتِه، بلْ كُلُّ الشَّرائِع القديمَةِ السَّابقةِ عليه قد أباحَتْه سماويُّها وغيرُ سماويِّها؛ لكنَّ الإسلامَ أكَّدَ جوازَهُ وحدَّدَهُ بأربعِ زوجاتٍ مِنْ غيرِ مزيدٍ، وقيَّدَهُ بقُدرَةِ الرَّجُلِ على الإنفاقِ وعلى قُدرتِهِ على العدل في النَّفقَةِ والمَبيتِ، كما أُجيزَ للزَّوجةِ الأولى أَنْ تجعَلَ مِنْ شُروطِها على زوجِها في عقدِ النِّكاحِ ألَّا يتَزوَّجَ عليها على الصَّحيح، فيَسَعُها ـ والحالُ هذِه ـ إِنْ خالفَ الشَّرطَ أَنْ تَفُكَّ العِصمَةَ الزَّوجيَّةَ إِنْ شاءَتْ، فهذه جملةٌ مِنَ الشُّروطِ والضَّوابِطِ قيَّدَ بها الإسلامُ التَّعدُّدَ بغرضِ إصلاحِ ما دخَلَ في التَّعدُّدِ الشَّائعِ في كثيرٍ مِنْ أهلِ الشَّرائعِ السَّابقَةِ مِنْ فسادٍ وظلمٍ بسببِ الاضطِرابِ والفَوضَى، خاصَّةً في الشَّرائعِ المُبتدَعةِ أو المبدَّلة.
فالبُعدُ التَّشريعيُّ في جوازِ التَّعدُّدِ هو تحقيقُ حِكمةِ اللهِ المُتمثِّلةِ في مصالحِ العبادِ ومنافعِهم منها:
ـ تَكثيرُ النَّسلِ والأولادِ في هذه الأُمَّةِ، وهو أمرٌ مطلوبٌ مقصودٌ؛ لأنَّه مِنْ أسبابِ القُوَّة والتَّمْكينِ، لقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ [بِكُمُ] الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ»(١).
ـ ومِنْ منافعِ التَّعدُّدِ: مُساعدَةُ المجتَمعِ في حَلِّ مُشكِلَة العُنوسَةِ، والقضاءِ على العُزوبَةِ، وخاصَّةً مع زِيادَةِ عدَدِ النِّساءِ الأرامِلِ أو المطلَّقاتِ أو العوانس، وإلَّا أضحَى المُجتمَعُ ـ بعد انسدادِ بابِ الحلالِ ـ مَحلًّا للفاحِشَةِ والرَّذيلَةِ.
ـ ومِنْ منافِعِه ـ أيضًا ـ: إعفافُ الرَّجلِ الَّذي قَد لا تَكفِيهِ زوجَةٌ واحِدَةٌ، وتَلبيَةُ حاجةِ الرَّجُل للولدِ وللذُّرِّيَّةِ أو رغبَتِه فيهما في حالِ عُقمِ الزَّوجَةِ أو عدمِ قُدرَتِها على المزيدِ مِنَ الإنجابِ.
ـ ويدخُلُ في منافعِهِ كذلكَ: إعانَةُ النِّساءِ الأرامِلِ المُحتاجاتِ إلى النَّفقَةِ، والتَّقارُبُ بينَ الأُسَرِ وتوثيقُ روابِطها مِنْ خلالِ المُصاهَرَة، وتخفيفُ الأعباءِ عَن الزَّوجَةِ الأولى وخاصَّةً إِنْ كانت تَشُقُّ عليها أعمالُ البيتِ والقيامُ على الزَّوج، كما أنَّ أولادَ زوجِها ولو مِنْ غيرها يكونون كأولادِها يَبَرُّونها كما يَبَرُّون أُمَّهم لأنَّ مِنْ بِرِّهم بأبيهم أَنْ يَبَرُّوا أهلَ وُدِّه، كالقيام بهما وبِشُؤونِهما عندَ حالِ الكِبَرِ والعَجزِ، وكم مِنِ امرأةٍ أرادت السَّفرَ للحجِّ ونحوِه ولم يكن عند أولادِها وقتٌ
لشُغلِهم أو لم يكن لها أولادٌ أصلًا، فكان مَحرَمُها مِنْ أولادِ زوجِها أو أولادِهم، وما إلى ذلك مِنَ حِكَمِ تَشريعِهِ.
1 618
ولفظُ المتنِ عند التِّرمذيِّ في «البِرِّ والصِّلة» بابُ ما جاء في معالي الأخلاق (٢٠١٨) مِنْ حديثِ جابرٍ رضي الله عنه، وتمامُه عنده: «وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ». انظر: «السِّلسلة الصَّحيحة» للألباني (٧٩١).
ولعلَّ مِنْ أتمِّ ألفاظِه وأجمَعِها: ما في «جامعِ مَعمَرِ بنِ راشد» (١١/ ١٤٤) رقم: (٢٠١٥٣) عَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ مُرسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي؟»، قَالُوا: «بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ»، قَالَ: «أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أكْنَافُهُمْ، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بأبْغَضِكُمْ إِلَيَّ وَأبعدِكُمْ مِنِّي؟»، قَالُوا: «بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ»، قَالَ: «الثَّرْثَارُونَ الْمُتَشَدِّقُونَ الْمُتَفَيْهِقُونَ»، قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ عَرَفْنَا: الثَّرْثَارُونَ الْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟» قَالَ: «الْمُتَكَبِّرُونَ».
(٥) فعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ [بنِ مسعودٍ] ـ قَالَ: لَا أَدْرِي: أَرَفَعَهُ أَمْ لَا؟ ـ قَالَ: «مَا أَحَلَّ اللهُ حَلَالًا أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلَاقِ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى كَتَبَ الْجِهَادَ عَلَى الرِّجَالِ وَالْغَيْرَةَ عَلَى النِّسَاءِ، فَمَنْ صَبَرَ مِنْهُنَّ كَانَ لَهَا مِثْلُ أَجْرِ الْمُجَاهِدِ». أخرجه عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» (١٣٢٧٠)؛ ورفَعَ الطَّبرانيُّ محلَّ الشَّاهد في «الكبير» (١٠٠٤٠) مِنْ طريقِ علقمةَ عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه مرفوعًا، دون ذِكرِ الطَّلاق، وفيه: الشَّهداء بدلَ: المجاهد؛ وهذا المرفوعُ ضعَّفه الألبانيُّ في «ضعيف الجامع» (٢٣٥) رقم: (١٦٢٦)، وانظر: «السِّلسلة الضَّعيفة» (٨١٣)؛ وطريقُ الطَّبرانيِّ غيرُ طريقِ عبدِ الرَّزَّاق الموقوفِ على أبي عُبيدة، فافترقا؛ وقد ورَدَ محلُّ الشَّاهدِ عن مُجاهدٍ وغيرِه، إلَّا أنَّ مجاهدًا قال: أجرُ نصفِ مجاهدٍ؛ [«النَّفقة على العيال» لابن أبي الدُّنيا (٢/ ٧٤٦) رقم: (٥٥١)].
1 618
احتِياجاتِها هُوَ أبرزُ عاملٍ في المحافظةِ على الأُسرَةِ بالصِّبغةِ التَّعدُّديَّةِ، وبالصُّورةِ الصِّحِّيَّة، ولأنَّ الإخلالَ بهذا العامِلِ سيؤدِّي ـ حتمًا ـ إلى تفاقُمِ المشاكِلِ وانهيارِ العلاقاتِ الزَّوجيَّةِ بانحلالِهَا، ثمَّ ينتهي التَّعدُّدُ بفشلٍ ذريعٍ في تحقيقِ غايَتِهِ وحِكمَتِهِ السَّاميَةِ.
كما أنصحُ الزَّوجَةَ أَنْ تصبِرَ على ضَرَّتِها، فعسى أَنْ يجعل اللهُ لها فيها خيرًا كثيرًا، ولا تُبدِيَ عدمَ رِضَاها على حُكمِ التَّعدُّدِ بِدَعوَى العَاداتِ أو غيرِها، ولا تسوءَ أخلاقُها مع زوجِها، لأنَّ التَّعدُّدَ شرَعَهُ اللهُ حقًّا للزَّوجِ القادِرِ على العَدلِ، وليسَ لها أَنْ تَحرِمَهُ مِنْ حُقوقِه، ولا أَنْ تُنفِّرَه وتُؤذِيَه حتَّى يُفارِقَ زوجَتَهُ الأُخرى، أو تُطالِبَه بالطَّلاقِ ولا سِيَّما طلاقِ أخواتِها لِتَكفَأَ ما في صِحافِهنَّ(٣)، أو تُنازِعَه أَمْرَ التَّعدُّدِ ما دامَ الزَّوجُ قد أدَّى الحقَّ الَّذي عليهِ تُجاهَ أزواجِهِ بالعَدلِ والإنصافِ، بل عليها أَنْ تَرضَى بقَضاءِ الله، وتتعلَّمَ المُعامَلَةَ الأَخلاقيَّةَ الطَّيِّبَةَ المطلوبَةَ في هذا المَقامِ لِتَظفَرَ بمَنزلَةِ أهلِ الأخلاقِ الفاضِلَةِ في قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا»(٤)؛ ولْتَتزوَّدْ ـ أيضًا ـ بالعلمِ الشَّرعيِّ النَّافعِ علمًا وعمَلًا لتكونَ على بَصيرةٍ بشَرعِ ربِّها وتتَّصِفَ بالصَّلاحِ والتَّقوَى، وبه يحصُلُ الفضلُ والتَّمييزُ، وعليه يتنافَسُ المُتنافِسون؛ ولْتَحْتَسِبْ صبرَها وما ينالها مِنَ الغَيْرةِ عند الله إذا اتَّقَتْ ولم تَبْغِ(٥).
والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.
الجزائر في: ٣٠ صـفـر ١٤٤٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٤ أغسطس ٢٠٢٥م
(١) أخرجه بهذا اللَّفظِ أو قريبٍ منه: أحمد في «مُسنَده» (١٢٦١٣، ١٣٥٦٩) مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه؛
وأخرجه أبو داود في «النِّكاح» باب النَّهي عن تزويج مَنْ لم يَلِدْ مِنَ النِّساء (٢٠٥٠)، والنَّسائيُّ في «النِّكاح» بابُ كراهِيَةِ تزويج العقيم (٣٢٢٧)، مِنْ حديثِ مَعقِل بنِ يسارٍ رضي الله عنه مرفوعًا بلفظ: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ [الأُمَمَ]».
وأخرجه ابنُ ماجه ـ أيضًا ـ مِنْ حديثِ عائشةَ وأبي هريرة رضي الله عنهما بألفاظٍ أخرى؛ والحديثُ رُوِيَ عن جماعةٍ مِنَ الصَّحابة، وصحَّحه ابنُ حِبَّانَ والحاكمُ ووافقه الذَّهبيُّ والألبانيُّ ومُحقِّقُو طبعةِ الرِّسالة مِنَ «المسند» (٢٠/ ٦٣، ٢١/ ١٩٢). [انظر تخريجَ الحديثِ في: «التَّلخيص الحبير» لابن حجر (۱۱۵/ ۳)، «التَّمييز» للشَّيباني (۷۰)، «كشف الخفاء» للعجلوني (۱/ ٣١٠)، «المقاصد الحسنة» للسَّخاوي (٢٦٨)، «إرواء الغليل» للألباني (٦/ ١٩٥)].
وأمَّا ما ورَدَ بلفظِ: «تَناكَحوا تَكثُروا؛ فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الأُمَمَ يومَ القيامة»؛ فهو مُرسَلٌ مِنْ حديثِ سعيدِ بنِ أبي هلالٍ: أخرجه عبدُ الرَّزَّاق (١٠٣٩١) وغيرُه، انظر: «الأجوبة المَرْضيَّةِ فيما سُئِل السَّخاويُّ عنه مِنَ الأحاديث النَّبويَّة» (١/ ٣٥٦) و«المقاصد الحسنة» (٢٦٨) كلاهما للسَّخاوي؛ فقَدْ ضعَّفه الألبانيُّ في «ضعيف الجامع الصَّغير» (٢٤٨٤).
(٢) وفي بعض الحالات: بالافتراء والكذب والنَّميمةِ وسُوءِ الظَّنِّ قد تسعى بعضُ الزَّوجات إلى إفسادِ علاقةِ زوجِها بزوجاته الأُخرَيَاتِ: إمَّا مِنْ جهتِه كتزهيده فيهنَّ أو الافتراءِ عليهنَّ وربَّما سألته أَنْ يُطلِّقهنَّ، وإمَّا مِنْ جهتِهنَّ حيث تتظاهر أمامَهنَّ أنَّه يُؤثِرُها في القسمةِ ويعطيها ما لا يعطيهنَّ فيَضطَغِنَّ عليه دون سببٍ صحيحٍ.
(٣) لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «وَلَا تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «البيوع» باب: لا يبيع على بيعِ أخيه، ولا يسوم على سَوْمِ أخيه، حتَّى يأذنَ له أو يترك (٢١٤٠)، ومسلمٌ في «النِّكاح» (١٤٠٨)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه]؛ ولفظُ مسلمٍ فيه: «.. لِتَكْتَفِئَ صَحْفَتَهَا، وَلْتَنْكِحْ، فَإِنَّمَا لَهَا مَا كَتَبَ اللهُ لَهَا».
(٤) جزءٌ مِنْ حديثٍ مُتَّفَقٍ عليه: أخرجه مُختصَرًا البخاريُّ في «المناقب» بابُ مناقبِ عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه (٣٧٥٩)، ومسلمٌ في «الفضائل» (٢٣٢١) بلفظ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَقَالَ: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ [وعند مسلم: خِيَارِكُمْ] أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا»».
1 618
لشُغلِهم أو لم يكن لها أولادٌ أصلًا، فكان مَحرَمُها مِنْ أولادِ زوجِها أو أولادِهم، وما إلى ذلك مِنَ حِكَمِ تَشريعِهِ.
هذا، ويَمضي تعدُّدُ الزَّوجاتِ في الجزائرِ ـ سابقًا وحاليًّا ـ مَع كثيرٍ مِنَ المُعدِّدينَ بِزَوجَتينِ أو أكثرَ ـ وهُم قِلَّةٌ ـ على وجهٍ عاديٍّ بل مَرْضِيٍّ في الجُملَةِ، ويُخفِقُ آخَرُونَ فيه ويفشَلونَ؛ ويمكِنُ أَنْ تَعودَ أسبابُ إخفاقِ تعدُّدِ الزَّوجاتِ وفَشلِه في الجزائرِ إلى عِدَّةِ اعتباراتٍ في طَليعَتِها: ما تُعانِيه بعضُ الزَّوجاتِ مِنَ الشُّعورِ بالنُّقصان مِنْ أنَّها دون الزَّوجةِ الأخرى في الكمالِ والجمالِ، فتُبدِي عدمَ الرِّضا والاكتِئابَ أو القلقَ والغيرةَ وغيرَها مِنَ المشاكلِ النَّفسِيَّةِ بسببِ ضُغوطِ تعدُّدِ الزَّوجاتِ مِنْ جهةٍ، ولعدمِ تربيةِ المجتمع ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ على تقبُّلِ ذلك، حيث إنَّه طرَأَتْ على المجتمع في السَّنَواتِ الأخيرة في ما بعد الاستعمارِ طوارئُ مِنَ الثَّقافةِ الغربيَّةِ تُصوِّرُ التَّعدُّدَ على أنَّه ظُلمٌ للمرأةِ ومساسٌ بمساواتِها بالرَّجل؛ ولذلك يلتَجِئنَ ـ غالبًا ـ إلى التَّذرُّعِ بالعاداتِ الحادثةِ المُستَحكِمَةِ في المجتَمعِ الَّتي قَد تكونُ مَوْروثَةً مِنْ عاداتِ المُجتَمعِ الفِرنسيِّ في عدمِ قبولِه لها، أو بالثَّورة على العادات القديمة ـ زعموا ـ مع أنَّها مِنَ الدِّين، وهي ـ في الغالب ـ لمصلحةِ الزَّوجةِ الأولى وضرائرِها قبل أَنْ تكون لمصلحةِ الرَّجل، وعلى الرغمِ مِنْ إباحَةِ التَّعدُّدِ في قانونِ الأُسرَةِ الجزائريِّ إلَّا أنَّ هذه العاداتِ الاجتماعيَّةَ الحادثةَ تفرِضُ نفسَها، وتأبَى فِكرةَ تعدُّدِ الزَّوجاتِ وترفُضُها وتَعُدُّها ظاهرَةً سَلبيَّةً، ورُبَّما تَكايَسَ بعضُهم فحمَلَ الآيةَ السَّابقةَ على حالِ الضَّرورةِ كمرضِ الزَّوجةِ الأولى أو عجزِها أو عُقمِها مع تضييقهم في هذه الحالةِ ـ أيضًا ـ لعدمِ إمكان العدل بزعمِهم، مُستدلِّين بقوله تعالى: ﴿وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِ﴾ [النِّساء: ١٢٩]، وهذا التَّفسيرُ والتَّعليلُ يردُّه فِعلُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم والإجماعُ الَّذي سبَقَ؛ ولو سلكوا هذا المسلكَ المتشدِّدَ مع غيرِه مِنَ المسائل لكان أَوْلى لهم، بل تقِفُ عامَّةُ الأُسَرِ وقفَةً عاطِفِيَّةً مع الزَّوجَةِ الأولَى مُستَنْكِرَةً تعدُّدَ زوجِها عليها حتَّى لو كانت مُفرِّطةً في حقِّه وكانت هي مَنْ أدَّت به إلى التَّفكير في التَّعدُّد؛ ممَّا يؤثِّرُ ـ مَع طول الزَّمنِ ـ على صِيتِ الرَّجلِ وسُمعةِ أُسرَتِه، ويتسبَّبُ في زعزَعَةِ الاستقرارِ العائليِّ، ويَحُولُ دونَ استِمرارِهِ.
ومِنْ أسبابِ فشلِ التَّعدُّدِ: تكاليفُ المعيشَةِ المرتفِعَةُ الَّتي تُثقِلُ كاهِلَ العامِلِ مِنْ ذوي الدَّخلِ المحدودِ، وتجرُّه إلى نفقاتٍ زائدَةٍ لا قِبَلَ له بها، ممَّا يُحدِثُ اضطِرابًا في حياةِ زوجاتِه وأبنائِه؛ وذلك بسَببِ زيادَةِ الأعباءِ وقِلَّةِ المالِ وصُعوبَةِ جَلْبِهِ، مع تفاقُمِ حاجياتِ أُسرَتِه المُتنامِيَةِ، خاصَّةً إذا كان الزَّوجُ ذا عيَالٍ وأولادٍ، فكيف إذا انضمَّ إلى ذلك سوءُ التَّدبير أو كانت إحدى الزَّوجات أو الأولادِ مِنْ ذوي التَّبذير؟!
ومِنْ أسبابِ ذلك ـ أيضًا ـ: عدمُ العدلِ بينَ الزَّوجاتِ في النَّفقَةِ والمَبيتِ، وكذلك غيابُ المُساواةِ بينَ الأولادِ في عُمومِ المصاريفِ والهدايَا والرِّعايَةِ وتحقيقِ الأغراضِ والمَطالِبِ الَّتي يصعُبُ على بعضِ الأزواجِ تحقيقُ العدلِ فيها؛ الأمرُ الَّذي يجعَلُ تكيُّفَ الزَّوجَةِ مَع ضَرَّتِها بعيدَ المَنالِ، لِاستِياءِ الزَّوجاتِ والأولادِ مِنْ عدمِ تحقُّقِ العَدلِ والتَّوازُنِ في العَلاقاتِ الأُسَريَّةِ المُتعدِّدَةِ؛ فيتولَّدُ الإحساسُ بالظُّلمِ والتَّهميشِ وسوءِ التَّصرُّفِ مِنَ المَسؤولِ عنهم الَّذي لا يُقَدِّرُ المَسؤوليَّةَ حقَّ التَّقدِيرِ؛ فتَنشَأ مشاعرُ الحسدِ والغَيرةِ والضَّغينَةِ بين الزَّوجاتِ أو الأولادِ فيما بينهم، ويُفضي كُلُّ ذلك إلى خِلافاتٍ ونِزاعاتٍ وصِراعاتٍ داخِلَ أُسرَةِ الرَّجلِ(٢)، الَّذي يتعذَّرُ عليه إقامَةُ علاقاتٍ متَّزِنَةٍ وحِبِّيَّةٍ بينَهُنَّ بنجاحٍ في انسجامٍ ومودَّةٍ ووِئامٍ، لأنَّ «فاقدَ الشَّيءِ لا يُعطِيهِ»؛ الأمرُ الَّذي يُضعِفُ الدَّافِعَ للبقاءِ في حياةِ التَّعدُّديَّةِ والاستمرارِ عليها.
هذا، ونَصيحَتِي للمُعَدِّدينَ أَنْ يُحَكِّموا العَدلَ بين الزَّوجاتِ والأولادِ، فلا يَترُكوا مجالًا للأحاسيسِ بالإجحافِ وعدمِ الإنصافِ بينَهُم، وأَنْ يُقدِّرُوا الأمانَةَ الَّتي تحمَّلوها حقَّ التَّقديرِ، ذلك لأنَّ القُدرةَ على العدلِ، وإحداثِ التَّوازُنِ الحسنِ أو القريبِ مِنَ الحسنِ بين جميعِ أفرادِ الأُسرَةِ ممَّنْ يقدِرُ على تحمُّلِ مسؤوليَّةِ تعدُّدِ الزَّوجاتِ وتلبيَةِ
1 618
السبت 3 صفر 1448 هـ الموافق لـ 18 يوليو 2026 م 12:45:20
سجل الزوار
بريد الموقع
أهداف الموقع
تعريف بالشيخ
لَقِّم المحتوى
الرئيسة » الفتاوى » في مسألةِ تعدُّدِ الزَّوجات وحالتِه في الجزائر
التبويب الفقهي للفتاوى: فتاوى الأسرة > عقد الزواج | الحقوق الزوجية | الحقوق المنفردة
الفتوى رقم: ١٤١٨
الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ الحقوق المنفردة.
في مسألةِ تعدُّدِ الزَّوجات وحالتِه في الجزائر
السُّؤال:
قد وقَعَ في مُجتَمعِنا الجزائريِّ كثيرٌ مِنَ المشاكلِ العائليَّةِ بسببِ التَّعدُّد، حتَّى أصبحَ الواحِدُ منهم ينقلِبُ مِنِ استِقرارِه العائليِّ ـ في الجملَةِ ـ إلى اضطرابٍ بسببِ تزوُّجِه بالثَّانيةِ؛ وبِغَضِّ النَّظرِ عن الأسبابِ الأُخرى كالظُّروفِ المادِّيَّةِ والسَّكنيَّةِ، فإنَّ زوجَتَهُ الأولى ـ بمجرَّدِ معرِفَتِها بتعدُّدِه ـ تُبدي عدَمَ رِضاها وتَسوءُ أخلاقُها، وتبدأُ المشاكِلُ عليه مِنْ كُلِّ جانبٍ، فلا تَهدَأُ إلَّا أَنْ يُطلِّقَها، فتُصيِّر ما كان يَنعمُ به مِنْ حياةٍ هنيَّةٍ إلى حياةٍ تعيسَةٍ مُكَهرَبَةٍ مليئَةٍ بالضَّجرِ والصَّخبِ والتَّهديدِ بالطَّلاقِ لعدمِ تحمُّلِ الزَّوجةِ وُجودَ ضَرَّةٍ في حياتِها؟! فما هي أسبابُ فشلِ تعدُّدِ الزَّوجاتِ؟ وما نصيحَتُكم للمُعدِّدين؟ وجزاكُم الله خيرًا.
الجواب:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
فلا يَخفى على كُلِّ مسلمٍ أنَّ الأصلَ في التَّعدُّدِ ـ بشرطِه الشَّرعيِّ ـ الجوازُ، وأنَّه معلومٌ مِنْ دينِ الإسلامِ بالضَّرورَةِ؛ ومُستَنَدُ هذا الحُكمِ قولُ الله تعالى: ﴿فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً﴾ [النِّساء: ٣]، ولِمَا تَواترَ قطعًا بعد نُزولِ الآيةِ مِنْ تعديدِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم بِما طابَ لهم مِنَ النِّساءِ، حيثُ كانُوا يَجمَعون بينهنَّ: مَثنَى وثُلاثَ ورُباعَ، معَ فِعلِه صلَّى الله عليه وسلَّم وعِلْمِه بفعلِ أصحابِه وإقرارِه لهم، ولا يزالُ العملُ به إلى يومِنا، وأَطبقَتْ عليه الأمَّةُ إجماعًا، ولم يُخالِف في ذلك أحدٌ ألبتَّةَ.
علمًا أنَّ الإسلامَ لم يُنشِئ تعدُّدَ الزَّوجاتِ ولَم يَبْتَدِعْهُ ولم ينْفَرِدْ بإِباحَتِه، بلْ كُلُّ الشَّرائِع القديمَةِ السَّابقةِ عليه قد أباحَتْه سماويُّها وغيرُ سماويِّها؛ لكنَّ الإسلامَ أكَّدَ جوازَهُ وحدَّدَهُ بأربعِ زوجاتٍ مِنْ غيرِ مزيدٍ، وقيَّدَهُ بقُدرَةِ الرَّجُلِ على الإنفاقِ وعلى قُدرتِهِ على العدل في النَّفقَةِ والمَبيتِ، كما أُجيزَ للزَّوجةِ الأولى أَنْ تجعَلَ مِنْ شُروطِها على زوجِها في عقدِ النِّكاحِ ألَّا يتَزوَّجَ عليها على الصَّحيح، فيَسَعُها ـ والحالُ هذِه ـ إِنْ خالفَ الشَّرطَ أَنْ تَفُكَّ العِصمَةَ الزَّوجيَّةَ إِنْ شاءَتْ، فهذه جملةٌ مِنَ الشُّروطِ والضَّوابِطِ قيَّدَ بها الإسلامُ التَّعدُّدَ بغرضِ إصلاحِ ما دخَلَ في التَّعدُّدِ الشَّائعِ في كثيرٍ مِنْ أهلِ الشَّرائعِ السَّابقَةِ مِنْ فسادٍ وظلمٍ بسببِ الاضطِرابِ والفَوضَى، خاصَّةً في الشَّرائعِ المُبتدَعةِ أو المبدَّلة.
فالبُعدُ التَّشريعيُّ في جوازِ التَّعدُّدِ هو تحقيقُ حِكمةِ اللهِ المُتمثِّلةِ في مصالحِ العبادِ ومنافعِهم منها:
ـ تَكثيرُ النَّسلِ والأولادِ في هذه الأُمَّةِ، وهو أمرٌ مطلوبٌ مقصودٌ؛ لأنَّه مِنْ أسبابِ القُوَّة والتَّمْكينِ، لقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ [بِكُمُ] الأَنْبِيَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ»(١).
ـ ومِنْ منافعِ التَّعدُّدِ: مُساعدَةُ المجتَمعِ في حَلِّ مُشكِلَة العُنوسَةِ، والقضاءِ على العُزوبَةِ، وخاصَّةً مع زِيادَةِ عدَدِ النِّساءِ الأرامِلِ أو المطلَّقاتِ أو العوانس، وإلَّا أضحَى المُجتمَعُ ـ بعد انسدادِ بابِ الحلالِ ـ مَحلًّا للفاحِشَةِ والرَّذيلَةِ.
ـ ومِنْ منافِعِه ـ أيضًا ـ: إعفافُ الرَّجلِ الَّذي قَد لا تَكفِيهِ زوجَةٌ واحِدَةٌ، وتَلبيَةُ حاجةِ الرَّجُل للولدِ وللذُّرِّيَّةِ أو رغبَتِه فيهما في حالِ عُقمِ الزَّوجَةِ أو عدمِ قُدرَتِها على المزيدِ مِنَ الإنجابِ.
ـ ويدخُلُ في منافعِهِ كذلكَ: إعانَةُ النِّساءِ الأرامِلِ المُحتاجاتِ إلى النَّفقَةِ، والتَّقارُبُ بينَ الأُسَرِ وتوثيقُ روابِطها مِنْ خلالِ المُصاهَرَة، وتخفيفُ الأعباءِ عَن الزَّوجَةِ الأولى وخاصَّةً إِنْ كانت تَشُقُّ عليها أعمالُ البيتِ والقيامُ على الزَّوج، كما أنَّ أولادَ زوجِها ولو مِنْ غيرها يكونون كأولادِها يَبَرُّونها كما يَبَرُّون أُمَّهم لأنَّ مِنْ بِرِّهم بأبيهم أَنْ يَبَرُّوا أهلَ وُدِّه، كالقيام بهما وبِشُؤونِهما عندَ حالِ الكِبَرِ والعَجزِ، وكم مِنِ امرأةٍ أرادت السَّفرَ للحجِّ ونحوِه ولم يكن عند أولادِها وقتٌ
1 618
يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ»(٤)؛ قالَ أبو العبَّاسِ القُرطُبيُّ ـ رحمه الله ـ: «هو لفظٌ عامٌّ في كُلِّ مَنْ كُلِّفَ حِفظَ غيرِهِ؛ كمَا قالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «كُلُّكُم رَاعٍ، وَكُلُّكُم مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»(٥)، وهكذا الرَّجلُ في أهل بيتِهِ والوَلَد والعبد»(٦).
ولها أَنْ تأخذَ مِنْ مالِهِ ـ إِنْ وُجِدَ ـ ولو بغيرِ علمِهِ، لكِنْ تأخذُ بالمعروفِ مِنْ أجلِ النَّفقةِ على نفسِها وعلى أولادِها لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لهند بنتِ عُتبةَ رضي الله عنها عندَما قالتْ: «إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ»، فَقَالَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ»(٧).
فإِنْ لم يتركْ في البيتِ مالًا، واحتاجتْ إلى مالٍ، فلهَا أَنْ تُطالِبَهُ بحقِّها وحقِّ أولادِها بالنَّفقةِ والسُّكنى، فإِنْ أبى بسببِ إقتارِهِ الماليِّ أو امتنعَ لأسبابٍ أُخرى، فهيَ بالخيارِ: إمَّا أَنْ تَسمعَ لزوجِهَا فيما أمَرَهَا بهِ، وتُحسِنَ عِشرَتَهُ ولا تُخالفَ أمرَهُ، وتطيعَ بالمعروفِ، وتصبرَ على ما هيَ وأولادُها عليه مِنْ حالٍ، عملًا بحديثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قَالَ: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ»(٨)، وحديثِ حُصَيْنِ بنِ مِحصَنٍ، عن عمَّةٍ له رضي الله عنها أتَتِ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فِي حَاجَةٍ فَفَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِها، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ؟» قَالَتْ: «نَعَمْ»، قَالَ: «كَيْفَ أَنْتِ لَهُ؟» قَالَتْ: «مَا آلُوهُ إِلَّا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ»، قَالَ: «فَانْظُرِي أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ»(٩).
وإمَّا أَنْ تُطالبَهُ قضائيًّا أَنْ يدفعَ لها ولأولادِها حقَّهُم في السُّكنَى والنَّفقةِ، فإِنْ رغِبَتْ في الانفِصالِ لإهمالِهِ لِبيتِ الزَّوجيَّةِ فلهَا أَنْ تطلُبَ مِنَ القاضي أَنْ يفسَخَ العقدَ الَّذي بينهُما رفعًا للظُّلمِ بسببِ تضييعِ زوجِها للأسرةِ لعدمِ النَّفقةِ والمسكنِ، وانتفاءِ العدلِ بينَ الزَّوجتَيْنِ فيهما.
والعلمُ عندَ اللهِ تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.
الجزائر في: ٨ ربيع الآخِر ١٤٤٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٥م
(١) انظر الفتوى رقم: (١٤١٨) الموسومة ﺑ: «في مسألةِ تعدُّدِ الزَّوجات وحالتِه في الجزائر» على الموقع الرَّسميِّ.
(٢) «المغني» لابن قدامة (٧/ ٣١٣) [طبعة مكتبة القاهرة].
(٣) جزءٌ مِنْ حديثِ جابرِ بنِ عبد الله رضي الله عنهما الطَّويلِ في حَجَّةِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» (١٢١٨).
(٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» وفي «الإمارة» (١٤٢)، والبخاريُّ في «الأحكام» بابُ مَنِ استُرْعِيَ رعيَّةً فلم ينصح (٧١٥١)، مِنْ حديثِ مَعقِل بنِ يسارٍ المُزَنيِّ رضي الله عنه.
(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأحكام» بابُ قولِ الله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡ﴾ [النِّساء: ٥٩] (٧١٣٨)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٨٢٩)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.
(٦) «المُفهِم» لأبي العبَّاس القرطبي (١/ ٣٥٣).
(٧) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «النَّفقات» باب: إذا لم يُنْفِقِ الرَّجلُ فللمرأة أَنْ تأخذ بغير عِلْمِه ما يكفيها وولدَها بالمعروف (٥٣٦٤)، ومسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٤)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.
(٨) أخرجه مسلمٌ في «الرَّضاع» (١٤٦٧).
(٩) أخرجه أحمد (١٩٠٠٣)؛ وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (١٥٠٩).
1 618
الصنف: فتاوى الأسرة ـ حقوق الزَّوجة.
في وجوبِ القَسْمِ والنَّفقةِ على الزَّوجةِ والأولاد
السُّؤال:
ما حُكمُ امرأةٍ اكترَى لها زوجُها ولأولادِها الخمسةِ بيتًا مؤقَّتًا، وهو لا يمتَلكُ سكنًا، ولمَّا دخَلَهُ نصيبٌ مِنَ المالِ أرادَ التَّعدُّدَ ولم توافِقْ زوجتُهُ عليهِ بسببِ عدمِ قدرتِهِ الماليَّةِ، وسَعَتْ في منعِهِ بإجراءٍ قضائيٍّ؛ غيرَ أنَّه أَصرَّ على ذلكَ وعدَّد بالثَّانيةِ، واستأجرَ لها ـ هي الأُخرى ـ سكنًا، وليسَ له معَها أولادٌ، ثمَّ بعدَما أَفلسَ، وأصبحَ غيرَ قادرٍ على تسديدِ مبلغِ الكِراءِ، ولا النَّفقةِ عليها ولا على أولادِها، ولمَّا لم يبقَ مِنْ مدَّةِ الكِراءِ إلَّا أسبوعٌ؛ أمَرَها زوجُها أَنْ تنتقلَ إلى بيتِ أهلِها وتمكثَ معهُم حتَّى يفتحَ اللهُ تعالى بأرضٍ يقومُ بالبناء عليها، أمَّا الأولادُ الَّذين يدرسونَ فينقلُهُم إلى بيتِ أبوَيْهِ؛ يريدُ أَنْ يشتِّتَها مع أولادِها بهذا التَّصرُّفِ؛ فما قولُكم في أمرِ هذا الزَّوجِ؟ وماذا عساهَا أَنْ تفعلَ معه؟ وجزاكُم اللهُ خيرًا.
الجواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلام على مَنْ أرسلهُ اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آلهِ وصحبِهِ وإخوانِه إلى يومِ الدِّين، أمَّا بعد:
فقَدْ ذكرتُ في فتوَى سابقةٍ أنَّ الإسلامَ أجاز التَّعدُّدَ محدَّدًا بأربعِ زوجاتٍ مِنْ غيرِ مزيدٍ، وقيَّدَهُ بقُدرَةِ الرَّجُلِ على الإنفاقِ وبقُدرتِهِ على العدلِ في النَّفقَةِ والمَبيتِ، كما أُجيزَ للزَّوجةِ الأولى أَنْ تجعَلَ مِنْ شُروطِها على زوجِها في عقدِ النِّكاحِ ألَّا يتَزوَّجَ عليها على الصَّحيح(١)، فيَسَعُها ـ والحالُ هذِه ـ إِنْ خالفَ الشَّرطَ أَنْ تَفُكَّ العِصمَةَ الزَّوجيَّةَ إِنْ شاءَتْ، وأمَّا بخصوص الإجراءِ القضائيِّ المتعلِّقِ بموافقةِ المرأةِ على زواجِ زوجِها، فهو إجراءٌ معدَّلٌ قانونًا تماشيًا مع الشَّريعةِ، حيثُ إنَّ هذهِ المادَّةَ المانعةَ لهُ مِنَ التَّعدُّدِ إلَّا برِضَا زوجتِهِ أُلغِيَتْ قانونًا، أي: يستطيعُ الزَّوجُ الآنَ أَنْ يُعدِّدَ مِنْ غيرِ اشتراطِ إذنِ الزَّوجةِ الأُولى أو رِضَاها إلَّا إِنْ كانتِ اشترطَت عليه ذلك في العَقدِ.
وأمَّا الزَّوجةُ السَّائلةُ فما دامتْ تمكِّنهُ مِنْ نفسِها فلهَا حقُّ النَّفقةِ والكِسوةِ والسَّكنِ على الزَّوجِ مقابلَ تمكينِهِ مِنَ الاستمتاعِ بهَا، لكونِها محبوسةً مِنْ أجلِهِ وفقًا لقاعدةِ: «كُلُّ محبوسٍ مِنْ أجلِهِ فنفقتُهُ عليه»، فإِنْ لم تُمكِّنهُ مِنْ نفسِها أو سافرَتْ في حاجَتِها ـ ولو بإذنِ الزَّوجِ ـ سقَطَ حقُّها في النَّفقةِ ولا قَسْمَ لها معَ الزَّوجةِ الأُخرى؛ قالَ ابنُ قُدامة ـ رحمه الله ـ: «وجُملَةُ الأمرِ أنَّها إذا سافرَتْ في حاجَتِها بِإذنِ زوجِها لتجارةٍ لها أو زيارةٍ أو حَجِّ تطوُّعٍ أو عُمرةٍ، لم يَبْقَ لها حَقٌّ في نفقةٍ ولا قَسْمٍ، هكذا ذَكَرَ الخِرَقِيُّ والقاضي؛ وقال أبو الخطَّابِ: في ذلك وجهانِ، ولِلشَّافعيِّ فيه قولانِ: أَحَدُهما: لا يَسْقُطُ حقُّها؛ لأنَّها سافرَتْ بإذنِه، أَشْبَهَ ما لو سافرَتْ معه.
ولنا: أنَّ القَسْمَ للأُنْسِ، والنَّفقةَ لِلتَّمكينِ مِنَ الاستمتاعِ، وقَدْ تَعذَّرَ ذلك بسببٍ مِنْ جهتِها، فسَقَطَ، كما لو تَعذَّرَ ذلك قبل دخوله بها؛ وفارقَ ما إذا سافرَتْ معه لأنَّه لم يَتعذَّرْ ذلك ... فأمَّا إِنْ أَشخصَها ـ وهو أَنْ يبعثها لحاجته أو يأمرَها بالنُّقْلة مِنْ بلدها ـ لم يسقط حقُّها مِنْ نفقةٍ ولا قَسْمٍ؛ لأنَّها لم تفوِّت عليه التَّمكينَ، ولا فاتَ مِنْ جهتِها، وإنَّما حصَلَ بتَفويتِه، فلم يسقُط حقُّها»(٢).
هذَا، والواجبُ على الرَّجلِ أنَّهُ يقومُ على أمرِ امرأتِهِ وأولادِهِ لقوله تعالى: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ﴾ [النِّساء: ٣٤]، ويُنفِق عليهم لقولِه تعالى: ﴿لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِۦۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ فَلۡيُنفِقۡ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ سَيَجۡعَلُ ٱللَّهُ بَعۡدَ عُسۡرٖ يُسۡرٗا ٧﴾ [الطَّلاق]، وقولِه تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقولِه تعالى: ﴿أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، ولقولِه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «لَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ»(٣)؛ ولا يجوزُ لهُ أَنْ يترُكَها في وضعيَّتِها هذهِ مِنْ غيرِ نفقةٍ ولا عدلٍ في المسكنِ؛ فهو ـ بهذا الفعلِ ـ آثمٌ، لأنَّ الزَّوجَ راعٍ ومسؤولٌ عن رعيَّتهِ، وامرأتُهُ وأولادُهُ مِنْ رعيَّتِهِ؛ وعليهِ أَنْ لا يضيِّعَ ما أُمِرَ بحفظِهِ، وأَنْ لا يقصِّرَ في ذلكَ مع التَّمكُّنِ مِنْ فِعلِ ما يتعيَّنُ عليهِ، لخطورةِ تضييعِ الأمانةِ وزجرِ فاعلِهِ، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَا مِنْ عَبْدٍ
1 618
في الصيف نشتكي من الحر
وفي الشتاء نشتكي من البرد
وفي الجنة
﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾
جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة
1 618
من أحب أن يكون للأنبياء وَارِثا، وَفِي مَزَارِعهمْ حارثا، فليتعلم الْعلم النافع وَهُوَ علم الدّين، فَفِي الحَدِيث: (الْعلمَاء وَرَثَة الانبياء).
وليحضر مجَالِس الْعلمَاء، فَإِنَّهَا رياض الْجنَّة، وَمن أحب أن يعلم مَا نصِيبه من عناية الله فَلْينْظر مَا نصِيبه من الْفِقْه فِي دين الله، فَفِي الحَدِيث: (من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين).
وَمن سَأَلَ عَن طَرِيق تبلغه الْجنَّة فليمش الى مجْلِس الْعلم، فَفِي الحَدِيث: (من سلك طَرِيقا يلْتَمس فِيهَا علما سلك الله بِهِ طَرِيقا الى الْجنَّة).
وَمن أحب ألا يَنْقَطِع عمله بعد مَوته فلينشر الْعلم بالتدوين والتعليم، فَفِي الحَدِيث: (إذا مَاتَ الانسان انْقَطع عمله إلا من ثَلَاث: صَدَقَة جَارِيَة، أوْ علم ينْتَفع بِهِ، أوْ ولد صَالح يَدْعُو لَهُ).
التذكرة، لابن الجوزي (ص/55)
1 618
*إقامَة حَفل لِتَوَلِّي النَّاجِح مَناصِب بعدها فيها مخالفات شرعية أو مَناصِب يُعين بها على الظُّلم بمختَلفِ أنواعِه..*
قال الشيخ فركوس حفظه الله:
فإنَّ عمومَ إقامةِ الأفراح والحفلات بمُختلفِ مناسباتها واختيار الوقت والمكان الأليقِ بها، وإهداء الهدايا فيها وغيرها مِنْ عادات النَّاس فإنَّ حُكمَها العفوُ والإباحة، ما لم يُتعدَّ فيها حدودُ الله بارتكاب المحاذير والمناهي الشرعيَّة فيها، مِثل اقترانِ هذه الأفراحِ بمُعتقَداتٍ فاسدةٍ، أو مُلابَستِها لمظاهر الإسراف والتبذير أو لمفاسدَ خُلُقيَّةٍ مِنَ الاختلاط بالأجانب، أو العري والرقص الفاتن، أو المجاهرة بالسوء، أو سماعِ مزامير الشيطان، أو الإضرار بالنَّاس نتيجةَ أفعال المُحتفِلين كإزعاجهم بأصوات مرتفعة في أوقات النوم أو القيلولة، أو لكونِ المقصود الغالب من التبريك بالنجاح وتقديم الهدايا فيه يظهر في تشجيع الفائز على المُضِيِّ قُدُمًا في العمل بما يخالف حكمًا شرعيًّا أو خُلُقا مَرضيا ، أو لِتَولِّي الناجحِ مَناصِبَ بعدها يعين بها على الظلم بمختَلفِ أنواعِه أو غيرِه مِنَ المعاصي ممَّا يَشمَله التعاونُ على الإثم والعدوان لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢﴾ [المائدة]....
🗒️مِن الفتوى رقم: ١٢٦٥/في حكم إقامة حفلات النجاح في الدراسة
