2 184
订阅者
-124 小时
+57 天
-1130 天
帖子存档
عن عبد السلام بن نعيم قلت لأبي عبد اللّه عيه السلام : إني دخلت البيت فلم يحضرني شيء من الدعاء إلا الصلاة على النبي وآله فقال عليه السلام : (ولم يخرج أحد بأفضل مما خرجت). ثواب الأعمال،ص187.
جوارهر الخطابة (24)
تمويه الشهرة
إن بعض الوقائع التي تحيط بالإنسان تجعله يعيش حالة الغفلة تجاه مستواه العلمي ، ومن ضمن تلك الوقائع والعوارض التي تحيط به الشهرة وثناء المحيطين به ؛ ولذا كان يُوهم بعض الخطباء بشهرته وكثرة حضَّار مجلسه ، ثم يتصور أن سبب هذه الشهرة هو المجالس القيمة ذات المستوى المطلوب فلا يحتاج بعدها أن يُطالع ويترقى في مستواه .
وتمويه الشهرة من الأمور الخادعة والسراب الكاذب الذي ينطلي على بعض الخطباء وغيرهم خصوصاً إذا رافقه بعض المدح من أهل الملق والكلام غير المسؤول . ولربما يندفع أكثر إذا كان الخطيب من الشباب ويضيف إلى ذلك غرور الشباب.
إن مما يُفترض التنبه إليه هو أن الشهرة وعدد الحضور والثناء لم يكن دائماً مداراً للتقييم السديد خصوصاً في زمان انتشار الجهل وتغييب الحقائق وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام : (من مدحك فقد ذبحك)([1])
حيث من إيحاءات الأثر الشريف إلى كون الذبح يوجب الفتور والتوقف عن العمل لمن وقع عليه (الذبح) فيتباطأ ويتوانى الممدوح في إتقان عمله إذا بلغ الثناء أثره فيه .
وعنه عليه السلام : (كم من مفتون بالثناء عليه)([2])
(كم من مغرور بحسن القول فيه)([3])
إذ يدل كلا الخبرين على أن الثناء يفتن الممدوح ويصرفه عن إتقان شؤونه ويوجب له الغرور بذاته وأعماله فلا يلتفت لإصلاحها وكمالها بقدر ما يُصدِق ويُغَرر بالثناء عليه ، نظير من ينصرف عن المطالعة ويطوي صفحتها مسوغاً لنفسه تسويفها بكثرة الانشغال أو كبر السن أو لكونه مارس الخطابة لسنوات عديدة فلم يكن من شأنه المطالعة وإنما هو في غنًى عنها ، أو نحوها من المبررات التي تجعله يعيش السبات العلمي والذي يناله ضرره قبل أن يؤثر على غيره .
وبعض لا يطالع إلا عند أيام المجالس وتكون حينها مطالعة العجول الذي همه تهيئة المجالس كيف ما كان ، وهذا يؤثر كثيرا على صناعة الخطيب الذي يحمل هموم وأعباء فكر أهل البيت عليهم السلام . وسبب ذلك ضعف الهمة والعجز الفكري حيث يمنعان عن مواكبة المسيرة العلمية والتطلع لآفاق جديدة في المعرفة .
(وتفضل ...وعلى المتعلمين بالجهد و الرغبة)([4])
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] غرر الحكم ودرر الكلم ، حكمة : 10734 .
[2] غرر الحكم ودرر الكلم ، حكمة : 10732 .
[3] غرر الحكم ودرر الكلم ، حكمة : 10731 .
[4] فقرة من دعاء نقله الشيخ الكفعمي رحمه الله في مصباحه وقال عنه : دعاء مروي عن المهدي (صلوات الله وسلامه عليه).
جواهر الخطابة (23)
ضرورة الإعراض عن ذكر الخصوصيات
إن المنبر الحسني ذو رسالة سماوية تقتفي خطى الأنبياء والأوصياء عليهم السلام تدعو إلى الله عز وجل وتنشر معالم الدين ؛ ولذا ذكر الخصوصيات وما له صلة بشخصه وشؤون حياته الخاصة لا تندرج تحت وظيفة المنبر وأهدافه ، وهي عادة ما تصدر بسبب تضخم الأنا والغرور عند صاحبها ومن كانت عادته هذه تجده لا يتحرج حتى في نقل رؤياه في المنام .
ونقل الخصوصيات يؤثر سلباً على منبره حيث ينشغل بها ونحوها من الصغائر وينصرف عن التحضير والخوض في الأبحاث المثمرة ، مضافا إلى أنها توجب الاستخفاف به وطرحه ، ويعرضه لسوء الظن والغيبة والإعراض عن منبره ، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام :
(من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن)([1]).
(من وقف بنفسه موقف التهمة فلا يلومن من أساء به الظن)([2]).
(من وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومن من أساء به الظن)([3]).
نعم لا بأس بنقل بعض الخصوصيات التي فيها عبرة وفائدة للحاضرين أحياناً بحيث لا تطغى على منبره ، وإذا كان يميل لنقل الحكايات والسير فليلتجأ إلى سيرة الأنبياء والأئمة عليهم إذ فيها الغنى والكفاية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] روضة الكافي،ج8،ص152.
[2] أمالي الصدوق،ص380.
[3] نهج البلاغة،ج4،ص41.
جواهر الخطابة (22)
محق المفاهيم على حساب مفاهيم أُخر
إن وظيفة الخطيب الحسيني التبليغ الإسلامي ونشر معارف أهل البيت عليهم السلام ، وهذه من الأمور التي لا تخفى وأوضح مما يبرهن عليها ؛ فإذا كان له تخصص في أحد العلوم التجريبية وغيرها عليه أن لا يقحم تخصصه في المنبر حيث إن هذه العلوم تطرح في المكان المناسب لها ولا يليق أن يجعل من تخصصه محاضراتٍ يلقيها على المنبر لأنه بذلك يمحق الوظيفة الأساسية الملقاة على عاتقه . نعم لا ضير من الإشارات العابرة أثناء حديثه إذا كانت لها مناسبة معينة.
ولا يناسب جعل المنبر عبارة عن سرد الأخبار ونقل الأحداث التي تقع في شرق الأرض وغربها كما تفعل المحطات الإخبارية والقنوات الإعلامية . ولا يليق أيضا تكريس المنبر للقضايا السياسية وتحليل ملابساتها من غير فائدة ترجى كما هو الغالب في ذلك ، وإن كان لا بأس على نحو الإشارة أو التنبيه لحدث معين من غير أن يبتعد عن وظيفة المنبر في واد آخر.
كما أنه لا ينبغي جعل المنبر مطية لشرح مطالب الفلسفات الدخيلة على الإسلام والتمجيد برموزها إذ وظيفة المنبر التبليغ عن الإسلام لا عن تلك الفلسفات بل الانحدار بالمنبر في هذا الاتجاه خلاف الغرض المرجو منه .
جواهر الخطابة (21)
النهضة الحسينية عِبرة وعبَرة
إن الصورة المتكاملة للنهضة الحسينية المباركة تستند إلى محورين أساسيين محور الفكر والعاطفة ، أو قل العِبرة والعَبرة ، والمنبر الحسيني رؤيته ومسيرته وفق هذين المحورين . وأما الاتجاه بالمنبر نحو القضايا الفكرية وإقصاء جانب العاطفة ــ الذي حث عليه وأسس له أئمة الهدى عليهم السلام في أخبار كثيرة ــ يعتم على ركن وثيق له دور جسيم في التأصيل للنهضة المباركة ونشر أهدافها غضة طرية ؛ فهي : (عبِرة وعبَرة) لا كما يتوهم بعضهم ويقول بقصد لغرض سيء أو بغير قصد : (الحسين عبِرة لا عبَرة) حيث يريدون سلب العاطفة من مضمار واقعة الطف الأليمة .
وقد كان جانب العَبرة والعاطفة إعلام صادع وصوت ناطق على مر العصور ، إذ إن الفكر من غير عاطفة فكر جامد ليس فيه روح ولم تكن له قابلية التجدد والاستمرار ، وما يكاد يلبث إلا أن يموت ويزول ؛ فلا يمكن للفكر مهما بلغت أهميته أن يحل بديلاً عن العاطفة لِما لها من دور خاص في البناء الروحي وتجسيد الولاء عملياً لأهل البيت عليهم السلام ، ولِما لها من دور فعال في المحافظة على نفس الفكر وإيصاله للأمة . ولذا كان الأئمة يؤكدون على البكاء وشد الناس عاطفياً نحو النهضة الحسينية . وهذا من بعد نظرهم وحكمتهم في إدارة الأحداث التي كل الكثيرون عن الإحاطة بكنه مغزاها.
والخطيب الواعي هو الذي يجمع ما بين ترسيخ مبادئ تلك النهضة العظيمة في نفوس الناس ، ويبلغ أثره في تهييج عواطفهم من خلال استعراض الواقعة وما يكتنفها من أحداث أليمة بشكل صحيح معتمداً على المصادر متجنباً ما لا أصل له ، ولا أعني بذلك اقتصاره في النقل على صحيح السند ، وإنما أقصد أن لا ينقل ما لا وجود له في المصادر ، ولا يخفى وجود صنف من هذا القبيل حيث ينقل ما لا وجود له في أي مصدر من مصادر المسلمين.
الإمام الباقر عليه السلام : (ما من شيء يعبد الله به يوم الجمعة أحب إلي من الصلاة على محمد وآل محمد) أصول الكافي،ج2،ص433.
جواهر الخطابة (20)
ما بين الخوف والرجاء وعدم الإغراء بالمعاصي
إن البكاء على الإمام الحسين وزيارته عليه السلام يحط الذنوب العظام كما روي عن الإمام السجاد عليه السلام : (أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي عليهما السلام دمعة حتى تسيل على خده بوأه الله بها في الجنة غرفا يسكنها أحقابا)([1]).
وعن الإمام الصادق عليه السلام : (من ذكر الحسين عليه السلام عنده فخرج من عينيه من الدموع مقدار جناح ذباب ، كان ثوابه على الله عز وجل ، ولم يرض له بدون الجنة)([2]).وعن الإمام الرضا عليه السلام : (فعلى مثل الحسين فليبك الباكون ، فإن البكاء يحط الذنوب العظام)([3]).وعنه عليه السلام : (يا بن شبيب إن بكيت على الحسين عليه السلام حتى تصير دموعك على خديك غفر الله لك كل ذنب أذنبته ، صغيرا كان أو كبيرا قليلا كان أو كثيرا)([4]).
ومما روي في ثواب زيارة الإمام الحسين فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام : (من خرج من منزله يريد زيارة قبر الحسين بن علي عليهما السلام إن كان ماشيا كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحى عنه سيئة ، حتى إذا صار في الحائر كتبه الله من المفلحين المنجحين ، حتى إذا قضى مناسكه كتبه الله من الفائزين ، حتى إذا أراد الانصراف أتاه ملك فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله يقرؤك السلام ويقول لك : استأنف العمل فقد غفر لك ما مضى)([5]).
ولا يخفى أن الأحاديث في فضل البكاء على سيد الشهداء عليه السلام وزيارته كثيرة جدا مما يُقطع بصدور بعضها على أقل تقدير ولست بصدد استقصائها أجمع.ولكن قد يُعترض أن ذكر الثواب في البكاء على الإمام الحسين عليه السلام وزيارته فيه إغراء للناس لارتكاب الذنوب.
وفي مقام الإجابة عن ذلك أن تكفير الذنوب ورد في القرآن الكريم والحديث الشريف على جملة من الأعمال ولم يكن تكفير الذنوب مختصاً بالبكاء على الإمام الحسين وزيارته عليه السلام ، فمثلا قوله تعالى : [إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ] أو مثل قوله تعالى : [إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ] فهل غفران جميع الذنوب سوى الشرك فيه إغراء بكل المعاصي غير الشرك؟!
والحج من الأعمال التي روي فيها غفران الذنوب حيث روي عن الإمام الصادق عليه السلام : (إن العبد المؤمن حين يخرج من بيته حاجاً لا يخطو خطوة ولا يخطو به راحلته إلا كتب الله له بها حسنة ، ومحى عنه سيئة ، ورفع له بها درجة ، فإذا وقف بعرفات فلو كانت له ذنوباً عدد الثرى رجع كما ولدته أمه ، فقال له : استأنف العمل)([6]).
وأيضا البكاء من خشية الله عز وجل ورد فيه الكثير من الثواب على كل قطرة من ضمنها ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله : (ألا ومن ذرفت عيناه من خشية الله ، كان له بكل قطرة قطرت من دموعه قصر في الجنة مكلل بالدر والجوهر فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر)([7]).
وعنه صلى الله عليه وآله : (من بكى على ذنبه حتى تسيل دموعه على لحيته حرم الله ديباجة وجهه على النار)([8]).وعنه صلى الله عليه وآله : (من خرج من عينيه مثل الذباب من الدمع من خشية الله آمنه الله يوم الفزع الأكبر)([9]).
وأيضا روي تكفير الذنوب والثواب الجزيل في الصلاة والصوم وحسن الخلق والصدقة وإغاثة الملهوف وغيرها من الأعمال الحسنة فهل يمكن أن يعترض على كل تلك الأحاديث ويُقال فيها إغراء لارتكاب المعاصي؟!
وهذا جواب نقضي ويمكن أن يُجاب بأن هذه الأحاديث ترغيب في نفس العمل ، وليس فيها إغراء بالعاصي والذنوب ، كما أنها تفتح باب التوبة وعدم اليأس.ثم إن الأحاديث تشير إلى تكفير الذنوب السابقة لا اللاحقة مما يعني أن ارتكاب الذنوب بعد الأعمال الحسنة مؤاخذ عليها الإنسان ما لم يوفق لتكفيرها فأي أغراء بالذنوب حينها.
ولكن لا بد من التفريق بين رجاء غفران الذنوب في البكاء والزيارة وبين التهاون في المعصية اتكالاً على البكاء والزيارة يوجد فرق بين الاثنين ؛ فينبغي أن لا يُغرر أهل العصيان بما هم عليه من المعاصي ولا يقول ما يتجرأ به على ارتكاب المحارم ، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام : (ألا أخبركم بالفقيه حق الفقيه ؟ من لم يقنط الناس من رحمة الله ، ولم يؤمنهم من عذاب الله ، ولم يرخص لهم في معاصي الله)([10]).وعنه عليه السلام : (لا تؤيس مذنباً ، فكم من عاكف على ذنبه ختم له بخير ، وكم من مقبل على عمله مفسد في آخر عمره ، صائر إلى النار ، نعوذ بالله منها)([11]).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) كامل الزيارات،ص201.
[2] ) كامل الزيارات،ص202.
[3] ) أمالي الصدوق،ص190.
[4] ) أمالي الصدوق،ص192.
[5] ) كامل الزيارات،ص253.
[6] ) تفسير العياشي،ج1،ص100.
[7] ) أمالي الصدوق،ص518.
[8] ) روضة الواعظين،ص452.
[9] ) روضة الواعظين،ص452.
[10] ) أصول الكافي،ج1،ص36.
[11] ) تحف العقول،ص91.
جواهر الخطابة (19)
الدعوة للباطل من غير قصد
إن الخطيب تارة يُحذّر من بعض الموبقات التي انتشرت في المجتمع ، أو أنه يُحذّر من أماكن وجودها من باب النهي عن المنكر والحد من انتشاره إلا أنه مما يؤسف له قد يتنبه بعض الغافلين من خلال كلامه نحو تلك الموبقات فيكون قناة إعلامية لها وشريكاً بوزر من اقترفها وإن كان بغير قصد ، مضافا إلى ذلك قد يندرج كلامه تحت إذاعة الفاحشة وإفشاءها ، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله : (من أذاع فاحشة كان كمبتدئها)([1]).
وعنه صلى الله عليه وآله : (ألا ومن سمع فاحشة فأفشاها فهو كمن أتاها ومن سمع خيرا فأفشاه فهو كمن عمله)([2]).
ولهذين الخبرين مفهوماً واسعاً إذ إشاعة الفاحشة تحتمل عدة معاني فقد يكون المعنى المراد إفشاء البدع ، أو إنشاء وسائل المعصية بين الناس ، وتارةً من خلال حثهم على ارتكاب المعاصي ، أو مثل اتهام المؤمن بفرية كاذبة وإذاعتها ـــ ومما يدل على هذا المعنى ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام : (من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه فهو من الذين قال الله عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)([3])([4])ـــ أو إذاعة الفاحشة من خلال ارتكاب المعاصي في العلن تطاولاً على الدين وانتهاكاً لحرمته ، أو بواسطة الإخبار عن وجود الفواحش وذلك لأن الإخبار عن وجودها ونشرها بين المسلمين يجعل البعض منهم يستخف بها ويتشجع على ارتكابها ، ولربما كان هو السبب في ذلك بسبب تنبيه ممن هو في غفلة عنها أو عن وجودها . بخلاف ما لو عِظمت الموبقات في نظر عامة الناس وتمت المحافظة على ظاهر المجتمع الإسلامي فإن المجتمع يأخذ نحو قيمه الإسلامية ويقل فيه ارتكاب المعاصي . وبعبارة مختصرة المحافظة على ظاهر المجتمع الإسلامي بحد ذاته يمنع من انتشار المعاصي ، بخلاف إذاعتها ونشرها يكون محفزاً نحو الانجرار خلفها ودفع المجتمع باتجاهها.
ولا يبعد شمول الخبرين لكل هذه المعاني أجمع وتضمنهما لعدة مصاديق.
يقول العلامة المجلسي رحمه الله في الخبر المتقدم ذِكرُه من أصول الكافي(من أذاع فاحشة كان كمبتدئها) : الفاحشة كل ما نهى الله عز وجل عنه ، وربما يخص بما يشتد قبحه من الذنوب (كان كمبتدئها) أي فاعلها وإنما عبر عنه بالمبتدئ لأن المذيع كالفاعل فهو بالنسبة إليه مبتدئ ويحتمل أن يكون المراد بالفاحشة البدعة القبيحة والمعنى من عمل بها وأفشاها بين الناس كان عليه كوزر من ابتدعها أولا)([5]).
وللتخلص من المحذور إذا ما أُريد التحذير من معصية معينة يقتصر على جانب التحذير منها من غير الإشارة لانتشارها والتهويل من أمرها ــ كما يبتغي ذلك أصحابها والمروجون لها وبذلك يُتجنب أن يكون أداة إعلامية لما يبتغونه ــ وعدم الإشارة لأماكن وجودها.
يقول أحد الخطباء رحمه الله أعطاني شخص أثناء المحاضرة ورقة صغيرة يطلب مني فيها تحذير الشباب من السينما التي افتُتحت مؤخراً إلا أنني أنهيت المحاضرة ولم أذكرُ شيئاً عنها لأن هؤلاء أرادوا أن يجعلوا مني أداة إعلامية وأقدم دعاية مجانية للسينما التي أنشؤوها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أصول الكافي،ج2،ص356.
[2] عقاب الأعمال،ص216.
[3] سورة النور : 19.
[4] أصول الكافي،ج2،ص357.
[5] مرآة العقول،ج10،ص404.
جواهر الخطابة (18)
طرح الشبهات على المنبر
إن بعض الشبهات على الدين والمذهب بصورة خاصة غير منتشرة ولا يعرفها إلا القلة القليلة ؛ فليس من الصحيح طرحها على المنبر لعدم انتشارها ، كما أن طرحها يساهم في نشرها ويكون حينها من السعي لنقض الغرض ونشر الشبهات بدلا من محاولة دحضها ، خصوصاً وأن من الحاضرين من يفهم الشبهة ولا يفهم جوابها ، أو يفهم الجواب ولا يراه مناسباً لنقضها فتضل عالقة في ذهنه ، ولربما يتبناها فيما بعد وتسبب له انحرافاتٍ خطيرة ، نظير ما هو حاصل لكثير من أصحاب الانحراف والبدع حيث فهموا الشبهات واعتقدوا بها من غير فهم النقض عليها .
وإذا اقتضت الضرورة التصدي للشبهة ونقضها يقتضي من غير بيانها كما لو تطرق لإثبات عقيدة معينة وساق الأدلة على أحقيتها من غير الإشارة لأصل الشبهة عليها وبيانها.
وعلى هذا يتطلب الحذر الشديد عند نقل الشبهات سواء كانت خطيرة أم حقيرة فقد تكون في نظرك لا قيمة لها ولكن تجد من يتأثر ويتمسك بها ، لأن الشبهة تشبه الحق كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام : (وإنما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق).نهج البلاغة،ج1،ص89.
ومما يؤسف له أن نرى من يتطرق للشبهات أثناء حديثه ويردها برد عابر أو لا يردها أصلا ويتعامل معها مثل أي بحث يطرقه أو قول ينقله . ومن أسباب ذلك هو عدم الحرص على الدين والتهاون بعقائد المؤمنين.
[5] أمالي الصدوق،ص159.
[6] غيبة النعماني،ص42.
[7] غيبة النعماني،ص42.
[8] غيبة النعماني،ص45.
جواهر الخطابة (17)
ذكر المناقب على المنبر
إن مناقب أهل البيت عليهم السلام وردت مستفيضة في مصادر المسلمين وعلى هذا يحصل القطع واليقين بها إجمالاً ؛ فلا مجال لإنكارها أجمع أو التشكيك فيها ، كما أن بعضها يعضد بعضا ويشهد على صحته.
ولكن نَقِل المناقب لا بد أن يخضع للحكمة النبوية التي كان يسير وفقها جميع الأنبياء حيث ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله :(إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم)([1]).
وأيضا بعض مقامات الأئمة عليهم السلام تُعدُ من الأسرار لا يتحملها كل الناس ، وقد لعن الأئمة عليهم السلام الرواة الذين أذاعوها ، فلا موجب للتكلم مع المخاطب بأمور لا يدركها عقله مما تجعله يسارع لإنكارها ، خصوصا وأن مناقبهم عليهم السلام كثيرة جدا كما هو معروف ويمكن أن يُختار منها ما يتناسب وبعض العقول كالمناقب المشهورة وغيرها ، لأن الرفق مطلوب حتى في إيصال المعلومة ونقل المناقب.
عن أمير المؤمنين عليه السلام : (أتحبون أن يكذب الله ورسوله ؟ حدثوا الناس بما يعرفون وأمسكوا عما ينكرون)([2]).
وعنه عليه السلام : (لا تحدث بما تخاف تكذيبه)([3]).
وعن الإمام السجاد عليه السلام : (إياك أن تتكلم بما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره)([4]).
وعن الإمام الصادق عليه السلام : (رحم الله عبدا اجتر مودة الناس إلينا فحدثهم بما يعرفون وترك ما ينكرون)([5]).
وعنه عليه السلام : (ليس هذا الأمر معرفة ولايته فقط حتى تستره عمن ليس من أهله)([6]).
وعنه عليه السلام : (إن احتمال أمرنا ليس معرفته وقبوله ، إن احتمال أمرنا هو صونه وستره عمن ليس من أهله ، فاقرأهم السلام ورحمة الله - يعني الشيعة - وقل : قال لكم : رحم الله عبدا استجر مودة الناس إلى نفسه وإلينا بأن يظهر لهم ما يعرفون ، ويكف عنهم ما ينكرون ، ثم قال : ما الناصب لنا حربا بأشد مؤونة من الناطق علينا بما نكرهه)([7]).
وروي عن حفص بن نسيب فرعان : دخلت على أبي عبد الله عليه السلام أيام قتل المعلى بن خنيس مولاه ، فقال لي : (يا حفص ، حدثت المعلى بأشياء فأذاعها فابتلي بالحديد ، إني قلت له : إن لنا حديثا من حفظه علينا حفظه الله وحفظ عليه دينه ودنياه ، ومن أذاعه علينا سلبه الله دينه ودنياه . يا معلى ، إنه من كتم الصعب من حديثنا جعله الله نورا بين عينيه ورزقه العز في الناس ، ومن أذاع الصعب من حديثنا لم يمت حتى يعضه السلاح أو يموت متحيرا)([8]).
إن الأخبار التي تدل على كتم المناقب على من لا يطيقها ولا يصلح أن يسمعها كثيرة ، نقلت شطرا منها إذ هي وافية بالمقصود كافية في المراد ، ولا يتوهم كل الأخبار في مورد التقية لأن دلالة بعضها واضحة فيمن لا يتحملها ويبادر إلى الجحود بها ، ومنها ما هو أعم من التقية وغيرها.
ولكن على المتلقي أن لا يُبادر إلى إنكار ما لا يطيقه ؛ إذ ليست الحقيقة تدور مدار أفقه وإدراكه ، وعلينا أن لا ننسى بعض الأمور الخارقة التي حدث للأنبياء عليهم السلام لو أنها لم تُذكر في القرآن الكريم ووردت فقط في الروايات لنكرها الكثيرون بذرائع شتى ؛ فلا أدري من كان يصدق أن النبي موسى عليه السلام ضرب البحر بعصاه فانفلق كل فرق كالطود العظيم ومن ثم ابتلع فرعون وكل جنوده وجبروته لو لم يرد ذكر ذلك في القرآن الكريم وورد في الروايات فقط؟!
[فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ][وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ][وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ][ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ]
ومن كان يصدق أن الريح تجري بأمر النبي سليمان عليه السلام :[وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ] ومن كان يصدق أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش بلقيس قبل ارتداد طرفه : [قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ]ومن كان يصدق أن النبي سليمان يعرف قول النمل :[حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ][فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ]. ومن كان يصدق أن رسول الله صلى الله عليه وآله أسري به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى : [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى] لو لم يذكر ذلك في القرآن الكريم.
من كان يصدق كل هذه الأمور لو أنها لم تُذكر في القرآن الكريم ووردت في الحدث فقط؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أمالي الصدوق،ص504.
[2] غيبة النعماني،ص41.
[3] غرر الحكم ودرر الكلم،ج2،ص800.
[4] الاحتجاج،ج2،ص52.
فلا بد من مراعاة خصوصية المجلس وما يناسب المقام من مقال وحال ، ولا يكون كالذي قرأ في مجلس أحد المراجع عن حرمة حلق اللحية فقال له أحد الحاضرين من رأيته منا حالقاً لحيته حتى تقرأ عن حلق اللحية ؟!
أو كالخطيب الذي طلب منه أهل مجلس في البصرة أن يقرأ لهم مجلساً لكي يتعرفوا على خطابته فقرأ عليهم خطبة أمير المؤمنين عليه السلام في ذم أهل البصرة فتركوه غضبا ولم يلتزموه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] نهج البلاغة،ج2،ص219.
[2] المحاسن ،ج1،ص107.
[3] من لا يحضره الفقيه،ج4،ص363.
[4] الكافي ،ج3،ص136.
[5] أصول الكافي ،ج2، باب : البر بالوالدين.
جواهر الخطابة (16)
مراعاة المناسبة في المجالس المخصوصة
إن الخطيب تارة يُدعى لمناسبات معينة كأيام محرم وشهر رمضان المبارك ، أو ولادات الأئمة عليهم السلام ووفياتهم ، أو وفاة أحد المؤمنين ونحوها من المجالس المخصوصة مما يستدعي مراعاة خصوصياتها وما يتناسب وشأنها.
فإذا كان المجلس لذكرى ولادة أحد الأئمة عليهم السلام أو شهادته لا بد أن يختص به ، وليس من الحكمة أن يتجاهل تلك المناسبة ، وإذا كان مدعواً لمجلس من أجل دار جديدة تبركاً يتطلب مراعاة ذلك ولا يناسب ابتدأ المجلس بخطبة أمير المؤمنين عليه السلام : (دار بالبلاء محفوفة ..) كما فعل أحدهم حينما دعي لمجلس عقد بمناسبة تجديد دار وكان المجلس يغص بالوافدين فابتدأ يهدر بصوته الجهوري ونبراته المتزنة قائلا : ومن خطبة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : (دار بالبلاء محفوفة ، وبالغدر معروفة . لا تدوم أحوالها ، ولا تسلم نزالها أحوال مختلفة ، وتارات متصرفة . العيش فيها مذموم والأمان فيها معدوم . وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهامها وتفنيهم بحمامها)([1])إلى آخر الخطبة ؛ مما جعل صاحب الدار مذهولاً يضرب على فخذه ويردد : ما هذا الافتتاح يا شيخ ، ما هذا الفأل يا شيخ ، وإلى جنبه أحد أقاربه يهدأ عليه . ولما أتم مجلسه لاموه على هذا الافتتاح والتشاؤم ، فاعتذر قائلاً : شيء جرى على لساني وكأن كل شيء غاب عني إلا هذه الخطبة فافتتحت بها.
ومما يُنقل أن خطيبا دعي لقراءة مجلس حسيني في منزل أحد العلماء، وكان جل الحضور من العلماء وطلبة العلوم الدينية ، وإذا بذلك الخطيب يتناول موضوع الخمر ، ومضارها وعقوبة شاربيها.. فانبرى له أحد الحاضرين مؤنباً وهل وجدت في مجلسنا هذا من يشرب الخمر ؟! ألم تجد غير هذا الموضوع لتتحدث عنه؟!
ومثال آخر : أقيم حفل تأبيني بمناسبة الذكرى السنوية لوفاة أحد العلماء الكبار ودعي لإلقاء كلمة الحفل أحد الخطباء واستهل كلمته بذم علماء السوء وتلا عدة روايات حول هذا الصنف من العلماء ولم يخرج عن البحث في علماء السوء طوال مدة كلمته وحصل جراء هذه الكلمة أن أعرب الحاضرون من العلماء وغيرهم عن امتعاضهم ، ومن الحاضرين أخذه الوهم أن الخطيب يقصد في كلمته العالم المتوفى الذي من أجله عقد المجلس.
أو كما فعل أحدهم في ذكرى استشهاد الإمام الحسن عليه السلام تطرق إلى شرح أبيات دعبل الخزاعي وكيفية دخوله على الإمام الرضا عليه السلام واحتفاء الإمام به.وبكل تأكيد هذا المجلس لم يخلُ من فائدة وعظة وعبَرة إلا أنه الأجدر به مراعاة المناسبة ويتطرق للأحداث الكثيرة التي واجهت الإمام أو شرح أقواله وحكمه وما إلى ذلك مما يرتبط بالمناسبة وهو غير قليل .وغالبا ما يكون هذا ناشئاً من عدم التحضير للمجلس.
وإذا دعي بمناسبة مولود تبركاً لا يناسب لتطرق لقوله تبارك وتعالى : [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ].
[وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ].
[فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ].
ويناسب مثلاً قوله تعالى : [الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا]
وإذا كان مدعواً من أجل العزاء على مؤمن مات بموت الفجأة فلا يناسب أن يبدأ بحديث (إذا كثر الزنا كثر موت الفجأة)([2])أو يتحدث عن الأمور السيئة التي توجب موت الفجأة وإنما يتناول على سبيل المثال حديث : (موت الفجأة راحة للمؤمن وحسرة للكافر)([3])(موت الفجأة تخفيف عن المؤمن وأخذة أسف عن الكافر))([4])ويتطرق إلى ما يوجب صبر أهل المجلس وسلوانهم ويتجنب ما يثير أشجانهم ويهيج آلامهم وإذا كان المتوفى أحد الأبوين يحثهم على بره وصلته ، حيث روي عن الإمام الباقر عليه السلام : (إن العبد ليكون براً بوالديه في حياتهما ثم يموتان فلا يقضي عنهما ديونهما ولا يستغفر لهما فيكتبه الله عاقا ، وإنه ليكون عاقا لهما في حياتهما غير بار بهما فإذا ماتا قضى دينهما واستغفر لهما فيكتبه الله عز وجل باراً)([5]).
بل لا بد من مراعاة الشيء المهم في المناسبة لا أن يشرق ويغرب في أمور بعيدة ليس بالشيء المهم معرفتها على حساب التفريط بالأهم كما لو كانت المناسبة المدعو لها هي مناسبة يوم الغدير وبدل ما يتطرق لحديث الغدير وتواتره في كتب المسلمين ودلالته على التنصيب الإلهي أخذ يتطرق إلى معنى الغدير لغة وعدد الغدران ما بين مكة والمدينة ونحو ذلك.
إذا اجتمع المال الخليجي والإعلام المصري في الرد على الشيعة سوف يزول التشيع من على وجه الأرض هكذا كان يفكر السلفية والظرفاء أمثالهم ولذا أنشؤوا قناتي صفا ووصال لهذا الغرض وما كان يدريهم أنهم بذلك يصيبون مقاتلهم ويضعون الأكلة في أنفسهم. وكأن هؤلاء لم يعلموا أن في يوم من الأيام كان الشيعة أفرادا قلائل يحيطون بأمير المؤمنين (عليه السلام) بعد ما خذله المسلمون بقصد وغيره ولسان حاله يقول : يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ومع هذا لم يتمكنوا من محو التشيع ثم جاء أوصياؤه (عليهم السلام) من بعده يعيشون الاضطهاد ما بين جور الحكام ونصب المخالفين والسجن والقتل من خير ما يبرهن على اضطهادهم وظلمهم وبقي التشيع شامخا فوق سنان السيوف كلما مضت فيه حد من سنانها.وحال شيعتهم بعدهم لم يقل عن الظلم والاضطهاد في زمانهم ومع ذلك يزداد قوة وانتشارا وما تحسبه جاء من فكاك السنين.
وما زال التشيع آخذ بالانتشار أكثر فأكثر وكلما حاولوا الحد منه تعاظم من حيث لا يحتسبون مما يجعلك تستشعر يد الغيب تقف من ورائه وتمضي به قدما.
وبعد هذا نصيحتي لكل من يريد إثارة الطائفية واستفزاز الشيعة والتشيع أن يلقي نظرة خاطفة على تاريخه ومحاولات الحكام في طمس هويته ومعالمه كيف أنها لم تستطع النيل منه وبقي متحديا الزمان طاويا كل صفحاته.
ودعني أقول لك صريحا إذا ما أردت النيل من الشيعة ومن عقائدهم تحت أي ذريعة كانت سوف يضعونك ما بين نازلتين ما بإحداهما حجة إليك:نازلة المناقب والمثالب ويسردون لك مثبتين أحقية مذهبهم بحديث الغدير وحديث الثقلين وحديث الدار وحديث المنزلة وحديث الأئمة الاثني عشر والقائمة تطول ثم يأتونك بالمثالب وما أدراك ما المثالب تكشف عن الجيف النتان خير لك من الكشف عنها فيضعون أمام ناظريك : حسبنا كتاب الله!النبي يهجر وما كان خير البشر يهجر وإنما كان الكتاب يأمر بهجرانك وزمرتك فيما لو كُتب،ويرغمون أنفك بشنار حرق السنة ومنع تدوينها ويخبرونك بسر حذيفة اليماني وخبر المنافقين في العقبة ويضعونك أمام خبر لد الدواء في مرض النبي (صلى الله عليه وآله) الذي توفي فيه وكل هذا من كتبك التي تثق بها وتأخذ منها معتقدك.ولا تظنني بشأن سرد المثالب والمطاعن لأن هذا يحتاج إلى تبويب وتقسيم حتى لا يشذ الكثير منها فمثلا: قسم نجمع فيه مثالب الجهل وقسم لمثالب الظلم وقسم لمثالب القتل وقسم نعد فيه الاجتراء على النبي إلى غير ذلك وصدقني كلما جمعت أكثر كلما زاد عندك المقسم والأقسام فحاول تجمعها على أداة وكتف وإياك أن يأكلها الداجن أو يحرقها أحد كي لا تشتبه بكلام الله!
ولا يستكثر ذلك على القوم وهي سيرتهم الجارية وسجيتهم الدارجة ونفاقهم الذي أخبر به القرآن العظيم
صلى الله عليك يا رسول الله بقدر ما أُذيت وبقدر كل بلية ونازلة حلت بك بسبب المنافقين الذين يبطنون الكفر حنقا ويظهرون الإسلام تربصا وكيدا.
جواهر الخطابة (15)
الخطابة والتأليف
إن الخطيب إذا كان مؤلفاً يتطلب أن لا يسمح للغة التأليف أن تطغى على خطابته ، إذ لكل منهما فن وحقل مختص به وأسلوب يميزه عن الآخر ، كما أن الخطيب إذا أراد أن يكون من أصحاب التصنيف عليه أن لا يسمح لخطابياته أن تتخذ مجالاً نحو مصنفاته ، لأن التأليف ذو أسلوب جاف ومفردات معدودة لا تجذب المستمعين نحو المنبر كما تجذبهم على مساحة الورق وإن كان الفصل بينهما من الصعوبة بمكان.
وقد اطلعت منذ فترة على كتاب فحصل لي الجزم واليقين بأن مؤلفه خطيبٌ من خلال الأسلوب الخطابي الواضح من ضعف العبارات وتكرارها وبعدها عن الرصانة العلمية والذوق الأدبي فتبين فيما بعد صحة ما قطعت به .
وفي الواقع الفرق بين الكتابة والخطابة لم يكن فرقا أساسيا في المحتوى والمضمون ، وإنما هو فرق في الصورة والهيئة ، ولك أن تقول في أمور فنية صورية ؛ فمثلا في الخطابة تجد التكرار في اللفظ والمضمون وإيراد الأمثلة والشواهد على الأمور الواضحة ، وعندئذٍ إذا سطرت الكتابة بأسلوب الخطابة تجد التكرار الكثير والخوض في أمور سطحية ما كان يجدر بها أن تأخذ مساحة كبيرة على الكتابة ، بخلاف أسلوب الكتابة ولذا لم يفرق بينهما أبو هلال العسكري (ت:395هـ) حيث يقول : (اعلم أن الرسائل والخطب متشاكلتان في أنهما كلام لا يلحقه وزن ولا تقفية ، وقد يتشاكلان أيضا من جهة الألفاظ والفواصل ؛ فألفاظ الخطباء تشبه ألفاظ الكتاب في السهولة والعذوبة ؛ وكذلك فواصل الخطب ، مثل فواصل الرسائل ؛ ولا فرق بينهما إلا أن الخطبة يشافه بها ، والرسالة يكتب بها ؛ والرسالة تجعل خطبة ، والخطبة تجعل رسالة ، في أيسر كلفة).الكتابة والشعر،ص136,
جواهر الخطابة (14)
سبب تكرار المجالس
إن من الأسباب الرئيسية التي تجعل الخطيب صاحب مجالس مكررة وفي بعض الأحيان مجردة عن المحتوى العلمي والمعرفي هو عدم معرفته بالكتب والمصادر ، لأن ذلك يحجمه تلقائيا عن عالم القراءة والمطالعة وبالتالي يعيش الركود العلمي الذي يضطره إلى التكرار وفقدان المحتوى والمضمون ، وخصوصا إذا اجتمع هذا مع عدم دراسة العلوم الدينية أو مع الانقطاع عن الدراسة .
وعلى العكس من ذلك حين معرفته بهما ــ الكتب والمصادر ــ تقحمه تلك المعرفة في عالم الاطلاع مما تضفي على محاضراته المعلومة والتنوع . وهذا لم يكن مختصا بالخطيب وإنما يعمُ كل باحث ومؤلف لأن الرجوع للمصنفات التي تطرقت لذات البحث والموضوع تثريه وتجعله أكثر إلماما.
ومن كان قليل المعرفة بالمصادر فليستعيض عن ذلك بمطالعة موضوع البحث في كتب التفسير والحديث وغيرهما ، بمعنى يحاول أن يجد موضوع بحثه في هذه الكتب ريثما يتعرف على المصنفات شيئا فشيئا من خلال هذه الطريقة.
والإلمام بالمصادر علم خاص لم يتسن للجميع الإحاطة به ، وقد رأيت خلال دراستي في حوزة النجف الأشرف (لا حرمني الله وجودها وبركاتها) أن بعض الطلبة غزير الإلمام بالمصادر والكتب بحيث إذا كان لديك بحث في مجال معين وسألته عن المصادر التي تطرقت إليه يسردُ لك جملة من المصنفات القديمة والحديثة ويخبرك عن الأبواب أو الفصول التي تطرقت له في كتب التفسير والحديث والعقائد ونحوها ، بخلاف غيره ممن عُدم هذه الدراية تجده فقيرا في هذه الحيثية . ومن هنا أستطيع القول أن معرفة المصادر علم وثقافة خاصة يمتاز بها بعض الأشخاص على بعض.
جواهر الخطابة (13)
المجالس الجاهزة
إن المجالس الجاهزة اُختلف فيها ما بين مؤيد ومعارض يذمها وينتقد من يستخلص مجالسه منها ، والبعض الآخر على العكس من ذلك تماما حيث يعتمد عليها اعتماديا كلياً في مجالسه ويراها توفر عليه الكثير من الجهد والوقت.وفي الواقع كلتا النظرتين غير صحيحتين حيث تمثلان جانب الإفراط والتفريط إذ لا مانع للخطيب المبتدئ أن يطالع هذه المجالس ويختار منها مجالسه وتكون له بمثابة التمرين على التحضير للمجلس من خلال البحث والمطالعة وبعد ذلك يستغني عنها كليا .
ولكن مع هذا يقتضي أن يضيف ما يره مناسبا ويُعد تكميلاً لها ، أو يحذف منها ما يراه غير مهم حيث لا يتطلب أن يلتزم ينقل المجلس بجميع محاوره وفقراته.بل لا ضير من مطالعتها للخطيب المتمرس ويختار منها المفيد في مجالسه ولكن بشرط التأكد من مصدره ولا يصح أخذ ما ذُكر فيها على نحو المسلمات.
من أبرز ما أولف في المجالس الحسينية :
1 ــ (شجرة طوبى) للشيخ محمد مهدي الحائري .
2 ــ (المجالس السنية) للسيد محسن الأمين .
3 ــ (المجالس الفاخرة) للسيد عبد الحسين شرف الدين .
4 ــ (من لا يحضره الخطيب) للسيد داخل السيد حسن .
5 ــ (عدة الخطيب) للسيد علي الهاشمي .
قلما يجدي النقاش مع المخالفين وإقناعهم في الفروع مثل بطلان غسل القدمين في الوضوء والتكتف في الصلاة قبل إقناعهم في الأصول.وعين الكلام يجري عند رد الشبهات عن الأئمة عليهم السلام وعلو مقامهم مع المنكرين لإمامتهم فلا يمكن إبطال الشبهات في نظر من ينكر أصل الإمامة غير مقر بها ويقرأ الأئمة قراءة بشرية لا صلة لها بأوصياء الأنبياء ورسالات السماء.
جواهر الخطابة (12)
وحدة الموضوع
إن المجلس الحسيني لا بد أن يكون ذا موضوع واحد متسلسل ولا يكون مجرد عبارات متناثرة مبعثرة . وسبب ذلك غالبا ما يعود إلى عدم وجود فكرة مسبقة عند الخطيب يراد بيانها ، أو أنها لم تكن متكاملة ، أو بسبب الاستطراد في غير محله . وكل ذلك منشأه عدم البحث والتحضير المسبق للموضوع .
ولربما تصور صحة الانتقال الكثير في المجلس لأن الوقت فيه قصير ويتطلب ذلك من أجل الطرح لأكثر عدد من الأفكار . وفي الواقع كثرة الانتقال تجعل الموضوع غير متسق ويشتت أذهان السامعين مما يبدي الركة والضعف على مجلسه . نعم لا مانع من الخروج أحيانا لمناسبة ثم مواصلة ما ابتدأه . وهذا يتطلب الإعداد لموضوع أو فكرة متكاملة يراد أثباتها أو نقضها يتم بيانها بشكل موضوعي مع بيان الأدلة على إثباتها وفي حالة النقض على نقضها.
ومما يجدي في ذلك هو أن يكتب المحاضرات ولا يعتمد على حفظه وذاكرته ، وبعد ذلك يراجعها ويضيف عليها ويعدل حتى تكون أكثر رصانة واستيفاء للمطلوب ، كما أن الكتابة أجدى في سهولة فهرست البحث ووضع كل شيء مكانه ، ولا يخفى ما للترتيب والتسلسل من دور كبير في فهم المحاضرة وسهولة إلقاءها وفهمها من قبل المتكلم والمستمع ، وأيضا يفيد في حفظها وبعد ذلك يتسنى له مراجعتها بمثابة التحضير للمجلس ، وذلك لأن الموضوع من غير استحضار قبل البدء بالمجلس يكون متناثرا ليس له بداية مرتبة ولا نهاية موفقة ،
عن أمير المؤمنين عليه السلام : (فكر ثم تكلم تسلم من الزلل)([1]).
وعند النظر في المجلس بعد كتابته والتأمل فيه يتسنى له حذف ما لا موجب له أو إبداله بما هو خير منه وتوضيح بعض الأمور التي يراها غامضة وتتطلب شرحا والاختصار منه فيما يراه من الإطالة ، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام : (الكلام بين خلتي سوء هما الإكثار والإقلال فالإكثار هذر والإقلال عي وحصر)([2]).
(من أطال الحديث فيما لا ينبغي فقد عرّض نفسه للملامة)([3]).
(آفة الكلام الإطالة)([4]).
(قد يكتفى من البلاغة بالإيجاز)([5]).
(من أطال الكلام فيما لا ينبغي فقد عرض نفسه للملامة)([6]).
وعن الإمام الصادق عليه السلام : (ثلاثة فيهن البلاغة : التقرب من معنى البغية والتبعد من حشو الكلام والدلالة بالقليل على الكثير)([7]).
وعنه عليه السلام : (سمي البليغ لأن يبلغ حاجته بأهون سعيه)([8]).
وعن الإمام الكاظم عليه السلام : (سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان على هدم عقله : من أظلم نور تفكره بطول أمله ، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه([9])، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه ، فكأنما أعان هواه على هدم عقله ، ومن هدم عقله ، أفسد عليه دينه ودنياه)([10]).
وإذا ما أراد الابتداء بالمجلس يعرف عن أي موضوع يريد أن يتكلم مستحضرا لما يتعلق به من تفاصيل مثل إيراد الآيات والأحاديث وغير ذلك ، لا أن يتكلم من منطلق الذاكرة وما تقوده الخواطر والحافظة إليه ، لأن هذا مما يضعف منبره ويؤثر سلبا عليه ، وعلى المتلقي الذي يجد نفسه أمام كلام سطحي متناثر يخلو من كل فكرة تستحق الاهتمام وقلما يكاد يقتنص ثمرة منه ، وكم من متصور أنه على سعة من الأفق والمعرفة مستغنيا عن التحضير المسبق ومن ثم يلهج بما يجول في خاطره ، أو أنه استغنى بمطالعة صفحات معدودة في كتيب بسيط ولربما يخال إليه أنه على أحسن ما يرام وأفضل ما يكون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] غرر الحكم ودرر الكلم،ج2،ص512.
[2] غرر الحكم ودرر الكلم،ج1،ص76.
[3] غرر الحكم ودرر الكلم،ج2،ص692.
[4] غرر الحكم ودرر الكلم،ج1،ص308.
[5] غرر الحكم ودرر الكلم،ج1،ص169.
[6] غرر الحكم ودرر الكلم،ج2،ص692.
[7] تحف العقول،ص317.
[8] تحف العقول،ص370.
[9] يقول العلامة المجلسي رحمه الله : (والسبب في ذلك أن بطول الأمل يقبل إلى الدنيا ولذاتها ، فيشغل عن التفكر . والطريف : الامر الجديد المستغرب الذي فيه نفاسة ، ومحو الطرائف بالفضول إما لأنه إذا اشتغل بالفضول شغل عن الحكمة في زمان التكلم بالفضول ، أو لأنه لما سمع الناس منه الفضول لم يعبأوا بحكمته ، أو لأنه إذا اشتغل به محا الله عن قلبه الحكمة).بحار الأنوار،ج1،ص137.
[10] أصول الكافي،ج1،ص17.
جواهر الخطابة (11)
ما بين الأسلوب الجاف والمبتذل
إن المجالس الحسينية يحضرها عامة الناس فلا بد أن يكون الخطاب فيها مفهوما لدى العامة ، لكن بعيدا عن الأسلوب المبتذل ، بمعنى أن لا يتضمن مجلسه إقحام العبارات الغامضة ، والمصلحات المفهومة عند المتخصصين دون غيرهم وإنما تبسيطها بأسلوب واضح وفق الموازين العلمية .وبكل تأكيد لا تنافي بين الأسلوب العلمي والبيان الواضح ، ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام : (أحسن الكلام ما زانه حسن النظام وفهمه الخاص و العام)([1])
وينبغي أيضا تجنب الأسلوب الهابط الذي يضم الألفاظ القبيحة والمفردات الشائنة المخالفة للآداب والذوق ، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام : (إياك وما يستهجن من الكلام فإنه يحبس عليك اللئام و ينفر عنك الكرام)([2]).
وعنه عليه السلام : (عجبت لمن يتكلم بما لا ينفعه في دنياه و لا يكتب له أجره في أخراه)([3]).
ومن ضرورة اجتناب الأسلوب المبتذل تجنب التصريح في المواضع التي يقبح التصريح بها والإشارة إليها بالكناية والاستعارة ونحوهما .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] غرر الحكم : 3304
[2] غرر الحكم ودرر الكلم،ج1،ص174.
[3] غرر الحكم ودرر الكلم،ج2،ص497.
