ch
Feedback
عالم الفلسفة

عالم الفلسفة

前往频道在 Telegram

مدخل الى عالم الفلسفة، كتب، مقالات، اقتباسات ..

显示更多
1 417
订阅者
无数据24 小时
-17 天
-230 天
帖子存档

بقلم : مهدي جعفر.

بهذا امتلك الإنسان عظمة وقيمة تسامي بل تجاوز عظمة العاَلم، لأنه يفكر ولأن له وعي، أي الوعي الذي يدرك القيمة والمعنى. أي قيمة و أي معنى سيدركه العالم، وهو بدون وعي وبدون عقل ؟! هكذا أعاد ديكارت فلسفيا الذات أو الإنسان إلى مركز و مقدمة منهج التفكير الحداثي، الذي يسبق العالم والإله. الإنسان صار هو المركز. بعد ديكارت، سوف ينقطع "بليز باسكال" إلى التأمل في معنى وجود الإنسان في عالم لا نهائي، ذلك في كتابه Pensées. تَأمل تصيب قراءته بإحساس بالجلال. فإذا كان العالم قد أغمي عليه -دون أن يموت- برصاص الكوجيطو الديكارتي، فقد اعتصم باسكال كذلك ب بحبل الوعي و الأخلاق كمميزات للإنسان على العالم. يقول في الشذرة 347 من كتابه هذا: "الإنسان ليس سوى قصبة، لا يوجد شيء أضعف منه في الطبيعة، إلا أنه رغم ذلك قصبة مُفكرة. يجب ألا يكلف الكون كل طاقته لسحقه: مجرد بخار، أو قطرة ماء، تكفي لكي تقتله. ولكن حتى عندما يسحقه الكون، يكون الإنسان أكثر نبلاً من ذاك الذي يقتله. لماذا؟ لأن الإنسان يعلم بأنه يموت، أما الكون فلا يدري أي شيء. هكذا فإن كل كرامتنا إنما مأتاها من هذا الفكر أساسا. ومن هناك يجب أن نتعافى وليس من الفضاء والزمن الشاسع الذي لا يمكننا ملئه. إذا كان ذلك كذلك فدعونا نعمل لنفكر مليا: ذلك ما يجب أن نعتبره المبدأ الأصيل للأخلاق". عمق موقف باسكال لا يكمن فقط في اعتباره الفكر والوعي بالموت ميزات استثنائية للإنسان مقابل الكون. بل في مزجه لهذا الفكر بالأخلاق. دلالة الأخلاق هنا مميزة حقا. إذ لا يمكن أن نتحدث عن الأخلاق من دون "حرية"، نحن كائنات أخلاقية في الحقيقة لأننا كائنات حرة. نختار أن نسامح في الوقت الذي يكون بإمكاننا أن نعاقب. نختار أن نعطي شيءا ما في الوقت الذي نكون في أمس الحاجة إليه. الكون لا يستطيع أن يكون كذلك، لأنه غير حر. غذا صباحا لن تقف الشمس في كبد السماء وتقول لا أريد أن أغرب. غصبا عن أبوها سوف تغرب، لأنها لا تملك حرية الإختيار. عكس الإنسان الذي يملك هذه الإرادة لأنه كائن أخلاقي، وما إنه كذلك إلا لأنه حر. هذا ما يعطي لوجود الإنسان قيمة لا تتأتى للكون بأي وجه. رغم قراءتنا لأجمل وأروع ما كتبه الفلاسفة في شأن مشكلة معنى وجود الإنسان في عالم لانهائي، إلا أن شعورا بالغصة يبقى في النفس، جراء الإحساس -بتلمس ما تحت السطور- برغبة في إيجاد تفوق مهما كان واهيا للإنسان على الكون، كي نقدم به لأنفسنا عزاءاً كَاذبا. فأن يكون الإنسان عاقلا، و واعيا، وحرا، وأخلاقيا هذا لا يعطي لوجوده أي معنى نهائي. كل ما يمنحه له هو إدراك لـملكاته كإنسان تميزه عن باقي الكائنات التائهة مثلنا في هذا الكون الفسيح، والمرعب. هذا ما قال به فلاسفة آخرين، كانوا أكثر قدرة على مواجهة هذا العبث بكل واقعية، مثل نيتشه ومارتن هايدغر. إننا كائنات تعيش في طرف مجهول من الكون بدون موجه ولا غاية ولا معنى، هذه هي الحقيقة، الحقيقة التي يعتبر هايدغر أننا نسيناها أو نأبى إلا أن نتناساها بأوهى وأعبط الأكاذيب الفلسفية والروحية. فيا ترى هل باستطاعة حقيقة أقوى منها أن تجبَّها في المستقبل ! خاتمة: مابعد الحداثة أو العالم وقد جن جنونه: إن التطور الفكري الذي شهده تاريخ الفلسفة يوضح بأن أعظم أنساق هذا النمط من التفكير كانت تتحرك داخل 3 محاور هي: الإنسان - الإله - العالم. حيث كانت خصوصية كل فترة من هذا التاريخ الشيق تفرض على الإنسان أن ينطلق في تفكيره من العالم (اليونان) أو من الإله (القرون الوسطى)، أم من الذات الإنسانية (الحداثة). أما الفترة المعاصرة أو كما تكنى "مابعد الحداثة" فإن خيبة أمل فلاسفتها دفعتهم إلى مهاجمة صلاحية العقل من الأصل في أن يفكر أو له القدرة على التفكير، إذ دعوا إلى "تفكيك" أسسه بداعي أنها ميتافيزيقة. وبدل ذلك نادوا بالإعتصام بالكتابة بدل الصوت الذي ارتبط في عرفهم طول تاريخه باللوغوس، أي العقل الفلسفي المريض الذي أصبح عند بعض فلاسفة مابعد الحداثة مجرد أطلال من عهد باد وفنِيَ وانتهى. بل وصل الأمر بأشرسهم (ريتشارد رورتي) إلى الدعوة إلى ترك حلم الفلسفة الساعي إلى الوصول بنا إلى فهم ما للعالم، بالنسبة لهم لم نعد في حاجة إلى فهم العالم فقد فشلنا في هذا الأمر منذ أن بدأنا نفكر. هكذا فبوصولنا لدرجة اختيارنا الإضراب عن التفكير، نكون قد جُن جنوننا، و استسلمنا أخيرا إلى العبث الذي نعيش فيه. بذلك لم يعد للفلسفة من دور سوى تعليمنا كيف نتعايش مع هذا العبث، كما هو الحال مع كتابات لوك فيري وغيره من مدعي التفلسف في زماننا الراهن. . . . انتهى: 21/11/2021.

هكذا ستتم لأول مرة بلورة مفهوم جديد للإنسان، عقب القديم الذي انقرض مع سقوط الهيئة القديمة للعالم. الحاجة الماسة كذلك لتصور جديد للـ"إله" هي التي قادت ديكارت إلى بناء براهين جديدة حول وجوده. قد يتسائل البعض ما الداعي إلى اقتراح براهين -فلسفية و ليس دينية- جديدة حول وجود الله ؟ ألم يُسرف القدامى إسرافا لا نظير له في استحداث واختراع كلما يمكن تخيله لإتباث وجود هذا الكائن ؟ في الحقيقة، قد انقطع المحدثون إلى تصور جديد بشأن العالم، بلور تيخو براهي في أثر الكوبرنيكية فلك جديد، كما سوف يصوغ جاليلي فيزياء جديدة، إنما فيزياء الأرض المتحركة. هكذا يلزم أيضا ابتكار ميتافيزقا جديدة، وضمنيا تصور جديد للإله. ذلك أن تصور القدامى القاصر بشأنه لم يعد يتلائم مع معطيات العلم الجديد، وبالتالي لا بد من تحيين (Actualiser-Mise à jour) هذا التصور حتى يتوافق مع فهمنا المستحدث للعالم. هكذا اقترح ديكارت براهين سوف تصبح أشهر من نار على عَلم، وهي: "برهان الكمال" - "برهان الخلق"، و "البرهان الأنطولوجي". المهم في هذه البراهين هو تحويلها الإله إلى مقولة فكرية وأخلاقية، وليس كائنا ممتدا له من النظائر مع البشر ما يصيب بالذهول. أعاد ديكارت صياغة تصور الإنسان والإله، وأتبث وجودهما معا. لم يتبقى سوى صوغ وإتباث وجود العاَلم. يا للحماقة: إتباث وجود العاَلم! هل وجود العالم يحتاج إلى إتباث؟ لو كان هنا ديكارت لأجاب وفي تعابير وَجهه استنقاص من قدر السؤال: نعم يحتاج وجود العالم إلى إتباث. ألم نقل أن كل شيء قد اختل مع الكوبرنيكية، لم يعد أي شيء في مكانه. نحتاج إلى ترتيب كل هذه الفوضى من جديد بـ"الفِكر" أي بنسق فلسفي جديد، لا قيمة له إذا لم يتضمن مفهوما وتصورا ما للعالم. في الحقيقة هذا التحديد سوف يتصادم مع أسئلة وجودية لم يستطع تجنبها كل الفلاسفة والعلماء منذ القرن 16م. دعونا نناقشها في القادمة. المشكلة التي لم تحل: ما الذي يبرر أن نعيش حياةً لا نعرف معناها ؟ أفرزت الكوبرنيكية مشكلة كبيرة جدا وهي "مشكلة شساعة العاَلم". كان يعتقد اليونان بمبدأ المعقولية الكافية، أي أن الطبيعة لا تزيد شيءا ليست في حاجة إليه كي تشتغل بمرونة. أما التوحيديون فقد أتتهم أديانهم بأن الله قد خلق السماوات والأرض وسخرها للإنسان. المصيبة أن الكوبرنيكية بينت لنا أن الكون شاسع وبدون حدود وبدون أي مركز، كما أنه لا يسمح بالحياة -كما سنعرف بَعديا- سوى على بقعة صغيرة جدا (الأرض) تكاد تكون عدماً، مقارنة مع حجم الكون. عوالم شاسعة ومظلمة لا أثر فيها للحياة. كواكب عملاقة لا يعيش فيها أي كائن. ما معنى كل هذا ؟! أي معقولية في عالم مثل هذا ؟ ما معنى أن لا يعيش أي كائن في المشتري وهو كوكب ضخم، وبالمقابل تعيش ملايير الكائنات الحية في الأرض وهو كوكب يصغر المشتري بأكثر من 30 مرة ؟ كيف يُقال بأن كل هذا مُسخر للإنسان وهو قد عاش لآلاف السنين لا يدري بوجود كل هذه العوالم أصلاً ؟ هل يُسخر معلول لمجهول أو مجهول لمعلوم؟ أي معنى وأي قيمة لهذا غير أنه عبث! لقد تسائل الفلاسفة بعد كوبرنيك: من هو الإنسان ؟ وتحت ضغط "حقيقة شساعة العالم" صاروا يفهمون بأنه لا يمكن أن نجيب عن سؤال من هو الإنسان؟ إذا لم نجب عن سؤال أين هو هذا الكائن أصلا ؟ أين يتموقع في الوجود؟ هل لا زال في مكانه الذي وضعته فيه الفلسفة اليونانية و التوحيديات الدينية ؟ أي حيز يتجسد فيه؟ وأي قيمة لوجوده ؟ من أين جاء إلى العالم؟ ماذا يفعل هنا؟ وأي قيمة لما يفعل هنا ؟ وإلى أين سيذهب بعد الموت؟ ما معنى أن يوجد الإنسان في كَون مظلم ولا نهائي؟ كل هذا يَجر إلى سؤال مُجنِّن: ما الذي يبرر أن نعيش حياةً لا نعرف معناها ؟ أو لا يوجد لها أي معنى موضوعي لا تترك معقوليته أي فرصة للإختلاف بشأنه ؟ هذه الأسئلة تجسد الذُعر الذي ارتمت فيه البشرية منذ الكوبرنيكية. إذ لم يستطع أي إنتاج ثقافي إنساني حتى الآن سواءاً كان فلسفة، أو دينا، أو علما، أم فنا، أن يقدم أجوبة تنتزع الإقناع التام حول معنى وجودنا. في الحقيقة، سوف يقدم الكوجيطو الديكارتي بكبرياء مُخادع حلا لهذا الإشكال. شك ديكارت في كل شيء بما في ذلك وجود العالم، لم يشك إلا "ذاته" التي اعتبر وجودها متيقنا منه بفضل التفكير (أنا أفكر إذن أنا موجود). أما العالم الشاسع الذي يجعلنا نفهم بأن لا قيمة لوجودنا فقد أعدمه ديكارت، في سبيل إعادة بناءه حيث يتم إتباث وجوده بعد إتباث وجود الذات أولا، بطريقة لا تترك أي معنى لوجود العالم إلا بعد وجود الذات الإنسانية ابتداءاً. وكأن العالم عَدم بدون الوعي به. الوعي الذي لا يمتلكه سوى الإنسان. وكأن ديكارت يقول للعاَلم رغم شساعتك وعظمتك إلا أن لا قيمة لك، لأنه لا "وعي" لديك كي تدرك هذه العظمة. العالم بدون وعي يشبه إنسان حي إلا أنه في غيبوبة. بالتالي لا معنى لشساعة العالم إلا بوجود وعي الإنسان بها.

لقد تضاعف حجم العالم مع نظرية كوبرنيك أكثر من 2000 مرة، مقارنة مع حجمه الصغير في هيئة أرسطو وبطليموس (هُدم الأساس 1). كما أن حدوده انفجرت، وإذا افتقد الشيء لحدود فإن الحديث عن مركز له يصبح لا معنى له بالمرة (هُدم الأساس 2). إضافة إلى ذلك فإن علماء الفلك منذ القرن 12م قد سجلوا أن دوران الكواكب غير دائري بل إهليليجي، كما قال بذلك أبو إسحق البطروجي وتبعه في ذلك كوبرنيك، وسيؤكد الأمر فيما بعد جاليلي بدقة (هُدم الأساس 3). أما (الأساس 4) من هيئة أرسطو -بطليموس فسوف يُهدم بطريقة فيها من الفزع والجمال ما ليس للغة قِبل برسم عمق ما أحدثه في نفوس وعقول علماء وفلاسفة تلك القرون. إنه ظهور نجم Stella Nova في سماء العالم سنة 1572م. يا لها من كارثة! أليس العالم العلوي عالم تابث لا يزيد فيه شيء، كما أنه غير التغير لا شيءا حادث فيه. كيف ظهر نجم بعد أن لم يكن؟ الكل حبس أنفاسه، أتباع أريسطو تمنوا لو أن هذا الذي ظهر يتحرك، وإذا ما تحرك فإنما هو "مُذنب"، ولأرسطوا قول في ذلك، حيث صنف المذنب كظاهرة جوية أرضية وليست سماوية. المصيبة أن Stella Nova لم يتحرك بل ظل في السماء نحو 18 شهر، حتى انطفئ وهجه بعد مدة من ظهوره. هكذا سقط آخر أساسات الهيئة البطلمية-الأريسطية، و تبث أن السماء متغيرة ويحدث فيها ما يحدث في عالم الفساد الأرضي. هذا ما سوف يثير إشكالات فلسفية ودينية وعلمية لم تحل في نظري إلى يومنا هذا. خصوصا خصوصا الإشكالات الوجودية منها. إن هذا السقوط المدوي لتصورنا القديم عن العالم لم يمر ببساطة بل تم استيعابه بصعوبة وبـعنف، لأن الإنسان في تلك الفترة أسس عليه تصوره لنفسه، وللإله، وللمصير، والأخلاق، والعلم، وكل شيء. إن هذا السقوط لهيئة العالم إيذان بسقوط معنى الإنسان والإله والعاَلم الذي كانت تدين به تلك القرون. ما تمس معه الحاجة إلى بناء تصور جديد حول الإله والعالم والإنسان والعلم. هذا التصور الجديد هو أفرد ما تتميز به ما نسميه "الحداثة". أهم التطورات الإبستيمولوجية للعِلم عَقِب الثورة الكوبرنيكية: العجيب في نظرية كوبرنيك أنها لم تقدم معادلات فلكية جديدة أو رصد لظواهر غير مسبوق رصدها، بل أبسط -وبالتالي أعظم- ما قامت به هو قلب "طريقة تفكيرنا" مزحزحة إياها من الإرتهان بالموضوع، إلى العودة إلى الذات. فالمشكل لا يوجد في مسارات "الكواكب المتحيرة" (الموضوع)، بل في ذهن العاَلم الذي يحاول أن يفهم (الذات). سوف يضع ديكارت -ومن هنا مَأتى عظمته في تاريخ الإنسانية وليس فقط في تاريخ الفلسفة- قطار العلم على سكة جديدة، تتأسس بفضلها الممارسة العلمية على "الذات" وليس على المواضيع. بل لن تصبح الأشياء المدروسة معينة على شكل مواضيع إلا أنها تتضع أمام ذات مُفكرة. من جهة أخرى سوف يبتكر "ديكارت" ثنائية أخرى خطيرة ستعزز التصور الجديد للعلم، وهي "ثنائية الفكر والإمتداد". فعلى عكس التصور القديم للعلم الذي كان يعتقد بقدرة تأثير اللامادي (الفكر) في المادي (الإمتداد)، كما هو الحال مع التنجيم والخيمياء. مع ديكارت الفكر لا يؤثر سوى في الفكر، والإمتداد لا يؤثر سوى في الإمتداد. ذلك ما سوف يعزز الطابع العقلاني للعلوم، وينزع عنها الكثير من السحر والخرافية. فضلا عن هذا سوف ينتهي ديكارت بفضل ثنائية الفكر والإمتداد إلى اكتشاف مذهل، وهو: "الهندسة التحليلية La Géométrie Analytique". حيث خلَّص الرجل الهندسة من امتدادية محتواها، وارتقى بها إلى محتوى نظري عقلاني. ذلك أن الهندسة اليونانية كما هو معلوم كانت تشتغل على أشكال، ومن خصائص الأشكال الإمتداد، هذا بالضبط ما تجاوزه ديكارت بفلسفته التحليلية الجديدة. بذلك انفتحت آفاق معرفية جديدة أمام العلم بشكل عام، إذ لم يمكن بإمكان الرياضيات والفيزياء أن تتطور بالوتيرة التي تطورت بها دون الهندسة التحليلية لديكارت. بفضل هذا المسلك، سوف يتطور النظر المنهجي إلى أن ينتهي إلى سقوط "التطابق بين الشيء والفكرة عن الشيء" كما كان يعتقد به اليونان. لقد أصبح الفكر تمثلا للعالم، وليس إدراكا نهائيا وتطابقيا معه. هذا ما أعطى للعِلم أحد أهم محركات تطوره وهو أنه "نسبي". الشيء الذي يُبعده عن طبيعة الأنظمة الدوغمائية سواءا كانت دينية أو فلسفية. التطورات الفلسفية عَقِب الثورة الكوبرنيكية: كما قلنا سباقا فإن مفهوم الإنسان والإله قد كانا مرتبطان بتصورنا عن هيئة العالم، فبسقوط هذه الأخيرة قد سقط كذلك معنى أن نكون بشرا. هكذا مست الحاجة إلى بناء تصور جديد بشأن الإنسان والإله والأخلاق. هذه المهمة العظيمة سوف يقوم بها العظيم رينيه ديكارت. تأسيسا على ثنائية الفكر والإمتداد صنف الرجل الموجودات إلى ممتدة: كالحيوانات، ومفكرة: كالإله. وفي أثر ذلك سوف يكتشف بأن "الإنسان" هو الكائن الوحيد الذي تجتمع فيه في نفس الوقت خاصيتي الفكر وكذلك الإمتداد. فهو كائن مُمتد بما أن له جسد مادي، ومُفكر في نفس الوقت بما أن له وعي. وهو ما لا يتميز به أي كائن في الوجود.

هكذا لم يعد العالم كافيا كي يفسر نفسه بنفسه كما كان الشأن عند اليونان. لقد أصبح في حاجة إلى شيء خارجه كي يفسر وجوده. هذا الشيء هو "الإله". وإذا كان هذا الأخير خالقا للكون فإنه قادر كذلك على خلق "الحقائق" التي يسعى إلى بلوغها التفكير الفلسفي. هكذا سيطغى على هذا النمط من التفكير في القرون الوسطى الإنطلاق من الإله لفهم العالم والإنسان. لا أدل على ذلك من مقولة القديس آنسيلم: "أنا أؤمن لكي أفهم Je crois, pour comprendre". بذلك تمت إعادة ترتيب مكونات خطاطة التفكير الفلسفي من تقديم العالم - الإنسان -ثم الإله، إلى الإنطلاق من الإله أولا- ثم العالم - وأخيرا الإنسان. إن هذا التأخير للإنسان الذي أطفأ شعلة عقله، وأيقض فيه نعرة الحيوانية هو الذي يعطي للقرون الوسطى صبغتها الكئيبة. فكيف خرجنا من هذه الكآبة الفكرية ؟ الحداثة: الإنسان أولا- العالم - ثم الإله كما انطلقت "المُعجزة اليونانية" من علم الفلك، فبالمثل كذلك سوف ينطلق كل العصر الحديث من فلك "نيكولاس كوبرنيكوس". فرغم التطورات التي أحدثها العلماء والفلاسفة المسيحيين وبشكل أخص المسلمين في شتى المجالات، إلا أنهم ظلوا في العمق قابعين داخل جبة أرسطو لم يستطيعوا عنها استقلالا، خصوصا في تصورهم الفلكي عن العالم. من بطلموس إلى كوبرنيك، مرورا بـأبو إسحق البطروجي: بزغت في هاته الفترة "نظرية باطليموس" التي سوف توثن أسس فيزياء أريسطو في علم الفلك القروسطي، ذلك باختراعها لتصور للكون يموقع الأرض في المركز، و بالتبع تدور كل الأجرام الأخرى في محور هذا المركز. أي ما يسمى في تاريخ علم الفلك بنظرية مركزية الأرض Géocentrisme. حسب بعض المؤرخين والفلاسفة فإن فلك بطلموس لم يتأسس على فيزياء أرسطو بل انحرف عنها، هذا ما دعى في الواقع ابن رشد مثلا -حسب ما يقرره الجابري- إلى محاولة مراجعة هيئة بطلموس بالعودة إلى أرسطو. بين هؤلاء وأولئك، الحاصل أن بين فيزياء المعلم الأول وفلك بطلموس قرابة لا يمكن إنكارها، غير أن هذا لا يجب أن يحملنا على اعتبار أن أفكارهما متطابقة بشأن هيئة الكون. يقوم فلك أريسطو-بطلموس على أربعة أسس: أولا: العالم له حدود معينة وهو على شكل كرة. ثانيا: مركز العالم هو الأرض. ثالثا: تدور الكواكب في السماء بشكل دائري. رابعا: العالم قسمان، عالم علوي به الكمال و"الثبات"، والآخر سفلي به الكون والفساد. أما الفاصل بينهما فإنما هو القمر. هذا التصور للعالم باعتباره الأرض مركزا له يبدو أنه لا يتنافى مع العقيدة المسيحية والإسلامية، فبما أن هذا الكوكب هو الذي وطأته الأقدام المقدسة للسيد المسيح والنبي محمد وسائر الأنبياء إذن فلا ضير أن يكون هو محور ومركز هذا الكون. بهذه الطريقة تعاضد العلم والدين حول تصور خاطئ بشأن الكون، ما جعل مهمة تصحيحه شاقة، بل مُميتة. ذلك أن هذا التصور لم يبقى في حدود العلم بل أصبح جزءا من عقيدة هذه الأديان، وبالتالي صار التفكير بعدم صحته مؤديا إلى الـكُفر، وبالتالي إلى الموت. وما حالة حرق العالم الإيطالي "جوردانو برونو" سوى خير شاهد على ذلك. ألم نقل أن مغبةُ العلم والفلسفة في مزج استنتاجاتهما بالدين ! هذا عن الموحدين. أما اليونان فقد كانوا يعتبرون أن الأجرام السماوية إلهية ومقدسة، ولا بد من أن تكون حركاتها دائرية، لأن في عُرفهم الدائرة أكمل شكل هندسي، إذ إنها بلا بداية ولا نهاية. هكذا تصوروا أن كل ما هو سماوي إنما هو إلهي، وبالتالي لا يليق بجلاله التغير. فالسماء هي إذن مجال الكمال والثبات، لا الكون والفساد. في الحقيقة، قد تبع السواد الأعظم من فلكيي القرون الوسطى مسلميهم ومسيحيهم أفكار بطليموس بشأن "هيئة" العالم. غير أن أنظار بعضهم كـالبيروني ، وابن الهيثم في كتابه "الشكوك على بطليموس"، وابن ميمون في كتابه "دلالة الحائرين"، وأبو إسحق البطروجي في "كتاب الهيئة"، وابن رشد (كما يشير الجابري في: ابن رشد، سيرة وفكر، الفصل 12) و نصير الدين الطوسي وأبو الحسن الشاطر، بل وقبلهم جميعا أرسطرخس اليوناني كلها تثير تسائلات وشكوك عديدة حول هيئة بطليموس و أريسطو بشأن الكون. إلا أن هذه الأنظار والملاحظات لم ترتقي إلى درجة "نظرية فلكية" سوى مع رجل واحد هو: نيكولاس كوبرنيك. من بين أشياء عديدة قادت كوبرنيك إلى استكمال ما بدأه بعض الفلكيين المسلمين، كانت مسألة "الكواكب المتحيرة" أبرز الإشكالات. إذ كانت هذه الكواكب تسلك مسارات غير منتظمة، أي غير مفهومة في إطار نظرية بطلموس-أرسطو. لم يجد كوبرنيك من حل لهذا الإشكال سوى بزحزحة مركز الكون من الأرض إلى الشمس، إذ بهذه الزحزحة سيزلزل تصور الإنسان عن الكون وعن نفسه وعن الإله والمصير، وعن حتى معنى وجود الإنسان في العالم.

#مراجعة اليوم العالمي للفلسفة الجزء 2 الفلسفة ومناهج ومآلات التفكير: قراءة في تاريخ الفلسفة 🎀 _______ (...) المنظومة الفكرية للقرون الوسطى: الإله - العالم - الإنسان: الفلسفة اليونانية خصوصا في حلتها الأفلاطونية والأريسطية عندما ستلتقي بالأديان التوحيدية، بالتخصيص مع المسيحية والإسلام سوف يحدث بينهما تصادم سيخلف إشكالات جديدة، على أساسها يعتمد المؤرخون لتحديد متى بدأت ومتى انتهت القرون الوسطى، إذ أن هذه الأخيرة ليست متميزة بأكثر من إشكالات فلسفية أساسا. فما هي هذه الإشكالات ؟ لقد ورث أتباع هذه الأديان تصورا عن الكون هو من إبداع أريسطو أساسا. إنه كون أزلي (ليس له بداية من ناحية الماضي) و أبدي (ليس له نهاية من جهة المستقبل)، ليس له خالق، كما أن العلم به بالكليات لا بالجزئيات. وعلى هذا الأساس فالأرض مركز الكون، مادون القمر فيها متغير، وما فوقه تابث لا يعتريه التغير. فضلا عن هذا فإن أهم كائن فيها وهو الإنسان، له "نفس" وهي فانية بفناء الجسد. هذا التصور للوجود الطبيعي والبشري هو الذي سيخلق كارثة للإعتقاد الروحاني الجديد. كانت الأديان الوثنية -التي ازدهرت فيها فلسفات بديعة- غير شمولية، بمعنى أنها لم تكن مهتمة جدا بإعطاء الإنسان تصور كلي للوجود بالتفاصيل، هذا الفراغ هو الذي دفع الإنسان الوثني إلى التفكير والتفلسف بحثا عن أجوبة جديدة. أما حينما يؤمن الإنسان بدين يقدم له كل الأجوبة، حينها لا يصبح للتفكير وللعقل أي قيمة. الذي يبقى هو الصراع -ولا أقول الحوار- مع منظومات عقدية أخرى مغلقة، غاية هذا الصراع هو إتباث بالعنف عقيدة دوغمائية "Un Dogme". هكذا كان موقف المسيحيين والمسلمين من الفلسفة اليونانية خصوصا اللاهوتيون منهم. ذلك أن التصور الجديد للكون والإنسان التي جاءت به هذه الديانات يتناقض بل يتصادم مع التصور الذي قدمته الفلسفة اليونانية عن العالم - الإنسان- والإله. هكذا مست الحاجة إلى فلسفة جديدة أي إلى طريقة جديدة في التفكير. عادة يتم الميل بتسرع إلى القول الذي ينصرف إلى تأكيد أن مدار الفلسفة المسيحية والإسلامية في القرون الوسطى كان حول "التوفيق" بين الأرسطية وعقائد هذه الديانات. في حين أن قراءة حصيفة للتراث الإسلامي مثلا تظهر بأن المسألة لم تكن بهذه البساطة. إن الرهان في الحقيقة كان هو الإنطلاق من قضايا فلسفية واستنباط منها موجبات دِينية. أي قراءة لـ"علم الكلام الإسلامي" خصوصا المعتزلي منه توضح هذا الأمر، إذ كان القوم لا يبحثون عن مشروعية فلسفية للأحكام الدينية، بل بالعكس كانوا يسعون إلى إتباث أن الإنطلاق من التفكير العقلي لوحده يسمح بالإنتهاء إلى تقرير موجبات عقدية وشرعية. فالدين هنا هو الذي يؤول على أساس العقل وليس العكس. ألم يقل ابن رشد: "محال أن يمنحنا الله عقولا و يُرسل لنا شرائع مخالفة لها". توسلا بهذا المنهج في التفكير سوف تحاول فلسفة ابن سينا والفرابي وابن رشد تقديم تصور فلسفي حول الكون والإنسان والإله يستجيب لمعايير العقل أولا وضمنيا إلى بعض أحكام الدين. لهذا جاء هذا التصور مناقض لبعض التأويلات التي أصبحت سائدة بفضل الإكراه السياسي. والقصد يتصل أساسا بقضية: خلق الكون- علم الله بالجزئيات إلى جوار الكليات - ثم فناء النفس بفناء الجسد. في عرف من يؤمن بالإسلام والمسيحية: كل من يقول بأزلية الكون، أي عدم خلقه من طرف إله، وأن هذا الإله لا يعلم سوى الكليات، وأن النفس الإنسانية تفسد بفساد الجسد، فهو كافر كفرا مُغلضا. لقد تم جر النقاش من هل: فكرة فساد النفس الإنسانية حادثة بفساد الجسد عقلانية أم لا ؟ إلى هل المسألة حرام أم حلال! لهذا فإن حضور الدين في ساحة الفلسفة "مَفسدة"، لم يجد لها الإنسان -خصوصا الإنسان المسلم- حلا حتى اليوم. المهم أن أعلام الفلسفة الإسلامية كان إيمانهم بالعقل يسامي -و ربما يجاوز- إيمانهم بالمعتقدات الدينية التي ورثوها عن أجدادهم. لهذا انتهوا إلى تقرير ما انتهت إليه مسالكهم في التفكير العقلاني. هكذا مال بعضهم إلى تأكيد مذهب أريسطوا في مسائل كـ: علم الإله بالكليات حصرا، وفساد واندثار النفس بفساد الجسد، فضلا عن أزلية الكون، وإن كان جل المتفلسفة المسلمين قد قالوا بأنه مَخلوق. هذا ليس بدون إضافات جوهرية من ابتكار فلسفة هذا القوم، مثل تقرير ثنائية الروح والجسد فلسفيا وليس عقديا، فضلا عن ثنائية الماهية والجوهر (التي ستستمر حتى كانط). بالإضافة إلى تحويل الإله إلى علة فاعلة بعد أن كان علة غائية عند أريسطو. أي تحويل مقولة طبيعية -في عرف اليونان- إلى مقولة مابعد طبيعية، ميتافيزيقية، وهو ابداع سيناوي (ابن سينا) أصيل.

(5) محمد الشيخ، "نقد الحداثة في فكر هايدغر"، الشبة العربية للأبحاث والنشر، بيروت 2008، ط1، ص 350. (6)مونيك ديكسو، "أفلاطون- الرغبة في الفهم"، ترجمة حبيب الجربي، المركز الوطني التونسي للترجمة، تونس 2010، ص 248 وما بعدها. (7) Martin Heidegger, "Interprétations phénoménologiques en vue d'Aristote: Introduction au cœur de la recherche phénoménologique", Paris, Gallimard, p 33. 18/11/2021.

ولنضف مثالا آخر، لو شاء أحد منا في غابة أن يبني بيتا متواضعا لامتلك في ذهنه قبليا "فكرة البيت"، إذا حصل وابتناه بطريقة ما وبعدها وجد أن شكل البيت مُنفر لاندفع إلى هدمه وإعادة بناءه مرة أخرى، وقد يستمر في تعديله للبيت وفق أشكال جديدة. هكذا يكون عندنا عدة أشكال للبيت (آيدلون) نابعين من تصور ذهني واحد عنه (المِثال: آيدوس). لو بحثنا عن فكرة البيت الأصلية في الواقع لما وجدنا سوى تجسداتها المتعددة، والتي ليست سوى شبيه للفكرة المِثال التي لا توجد في الواقع، بل تستقر في عالم غير وقائعي (Le Monde des non-faits)، أي مِثالي idéal. وعلى عكس الصورة النمطية التي تكتسيها كلمة "مِثالي وفلسفة مثالية" باعتبارها شيء غير واقعي، على العكس فإن أفلاطون يجعلها مرادفا لكُنه مظاهر الوجود، إذ أن المِثالي هو أقرب تعيين لما يتجاوز الواقعي، إي لـ"الحقيقي" الأصيل والدائم (6). حسب مارتين هايدغر فإن نظرية المُثل ستمقى ماشية على رأسها إلى أن أتى أريسطو فقلبها كي تمشي على رجليها، ذلك بإضافة لا تقل أصالة وإبداعية لنظرية أفلاطون، تتجسد هذه الإضافة في كلمة واحدة هي: "الحركة" (7). فكما ذكرنا سابقا كان العقل اليوناني لا يصبرعلى تمثل مكونات العالم في سيولتها الدائمة، فكان شأنه أن يدرس الموضوعات وقد اكتمل تشكلها وتوقف تكونها. إضافة أريسطو تمثلت في النظر إلى موضوعات التفكير وهي في حركة وتبدل دائمين. بهذا الإبتداع الجديد سوف تنفتح لأريسطو وللعقل البشري آفاق معرفية جديدة، و من هذا بالضبط تتأتى عظمة الرجل. فهو ما حاول ابتكار واقع جديد، بل سعى إلى تغيير إطار النظر الذي كان يتمثل من خلاله اليونان العالم بشكل حدِّي وحصري. فل نقل إنه استبدل صندوق تفكيرهم الضيق بآخر أكثر اتساعا. هكذا أصبح للعالم إطار "Forme" تنتظم داخله فوضاه وتعدديته، أي إنه أصبح مفهوما. فما له من مظاهر مربكة للعقل سوى أعراض شبيهية لعالم أكثر انسجاما ومعقولية (عالم المُثل). الذي بقي هو تحديد العلاقات بين مُثل idéaux هذا العالم وشبائهها في الواقع العَيني المتموج بالحركة، وتلك مهمة العلوم الأخرى. غير أن هذه العلوم لن تشتغل سوى على أساس هذه الإبستيمولوجيا، أي على أساس هذا التصور للعالم الذي يضعه فيلسوف، وليس عَالم. حيث أن للعِلم أساس غير علمي، بل إن أقوى أسسه فلسفية وميتافيزيقية. بناءا على ما سبق، نرى أن ليس الإنسان و لا الإله هما الذين طرحا إشكالية الإشكاليات عند اليونان، بل "العاَلم". فالإنسان لا يعتبر مشكلة عند اليونان لأنه جزء من العالم، وهو يعرف كما تعرف أشياء العالم، أي بالمادة والصورة. فالإنسان: حيوان (مادة) ناطق (صورة)، كما هو الحال مع الحجر: جماد (مادة) صلب (صورة). بالتالي فمعرفة الإنسان ليست سوى امتداد واجب لمعرفة العالم. أيضا فإن الإله هو الآخر ليس بإشكالية لإننا نصل إليه منطقيا، كما أنه ليس بمفسر للعالم، حيث كان يعتقد اليونان بإن العالم يُفسر نفسه بنفسه، وأنه ليس بحاجة إلى كائن ليس له نفس جوهر العالم كي يفسر وجوده. الإله عند أريسطو له دور ثانوي، إذ أنه لا يعرف حتى أن الوجود موجود، فهو ليس بخالق وليس بمُعدم للخلق والوجود. الذي طرح مشكل حقيقي لليونان هو العاَلم. لذلك انطلقوا من بحثه أولا ثم فرضوا على الإنسان والإله ما استنتجوه من دراستهم للعالم. إن هذه الخطاطة أو المنهج في تنظيم عناصر التفكير التي تترجم أهم مكونات الوجود على الشكل التالي: العالم أولا- الإنسان - ثم الإله، أي إننا نفهم الإنسان والإله على ضوء فهمنا للعالم. على هذا الأساس انتظمت طريقة تفكير اليونان. سوف يختل في القرون الوسطى ترتيب مكونات هذه الطريقة في التفكير، التي بقدر ما شكلت حلا لإشكالات اليونان فإنها ستتحول هي بدورها إلى إشكالية جديدة بسبب ظهور الأديان التوحيدية. الشيء الذي سيعيد ترتيب مكونات هذه الخطاطة بالشكل الذي يعطي الصدارة للإله- ثم العالم - وأخيرا الإنسان. فبدل ما كنا ننطلق من العالم مع اليونان لفهم الإنسان (من عرف عالمه فقد عرف نفسه)، مع ظهور الأديان سوف نصبح ننطلق من الإله كي نفهم الإنسان و العالم (من عرف ربه فقد عرف نفسه). هذا هو ترتيب مكونات الطريقة الجديدة في التفكير. فكيف حصل هذا التحول ؟ وماذا أضاف للمعرفة الإنسانية؟ . يتبع في الجزء 2... _______ المصادر: (1) كما هو حال ريتشارد رورتي في كتابه: "الفلسفة ومرآة الطبيعة"، ترجمة حيدر حاج اسماعيل، المنظمة العربية للترجمة، بيروت 2009، ط1. (2) Alexandre Koyré, (1973). "Études d'histoire de la pensée scientifique", Paris, Gallimard. (3) كريستيان دولاكومبان، "تاريخ الفلسفة في القرن العشرين"، ترجمة حسن أحجيج، مؤمنون بلا حدود- جداول، الرباط 2015، ص 32. (4) أ.هـ. آرمرسترونغ ، "مدخل إلى الفلسفة القديمة" ، ترجمة سعيد الغانمي، مركز كلمة بشراكة مع المركز الثقافي ، الطبعة الأولى 2009.

في الحقيقة، إن أي استقراء لتاريخ الفلسفة يظهر منه أن تطور هذا النمط المميز من التفكير هو نتيجة لبروز "إشكالات" فكرية أمام ذهن الإنسان. إذ أن تاريخ الفلسفة ليس شيءا آخر غير كونه تاريخ إشكالات، وبحث لها عن مخارج. هذه المخارج أو الحلول الفلسفية هي التي تتبلور على شكل "أنساق"، أي نظرية في المعرفة تلخص منظورا حول العالم، حيث تصبح فيها بعد موجهة لتفكير الإنسان أمام الإشكالات التي تقفز أمام عقله. الشيء الجميل هو أن هذه الأنساق هي نفسها تتحول فيما بعد إلى "إشكالات جديدة"، هي الأخرى تقف منتظرة حلولا فلسفية متجددة (2). ذلك ما يمكن اعتباره الأساس الأصيل لتطور مناهج التفكير في الفلسفة. إن البحث عن حل لإشكالية فلسفية قد يدوم قرونا، لذلك عندما ينجح فيلسوف في إيجاد هذا الحل ترتفع قيمته وتتعظم. نحن هنا لن نهتم سوى بثلات لحظات في تاريخ الفلسفة، نظن أنها تسمح برسم خط التطور -أو هكذا يبدو على الأقل- في مناهج قيادة العقل فلسفيا. 📌العالم - الإنسان - الإله: إن الشيء الذي أقض مضجع فكر اليونان هو "الفوضى" التي تعم الوجود. لذلك راهنوا على إيجاد شيء يتميز بأقصى درجات التنظيم وعدم التغير، فوجدوا بأنه هو الأعداد أي الرياضيات التي تتميز -في الظاهر- بإحكام منطقي لا نظير له. سيخيب هذا الأمل بعد اكتشاف اليونان لـ"إشكالية الأعداد الصماء" التي ليس لها معادل نهائي، كما أن لها هوية مزدوجة: فردية و زوجية في نفس الوقت، أي إنها منطقيا: "متناقضة" (3) . لذلك تسائل اليونان بإحباط هل بالإمكان بناء علم على التناقض ؟ إنها كارثة، وتلك كانت في الحقيقة أول إشكالية ربما في تاريخ الفكر البشري بالمعنى العلمي والفلسفي للكلمة. بقي البحث مفتوحا على أساس محكم لإطار مُنظم للعالم، العالم الذي يظهر للإنسان اليوناني متغيرا و متنوعا ومتناقضا. سوف يتسائل أفلاطون مندهشا لماذا لا يوجد للعالم أي "Forme" إطار منطقي يفهم على أساسه؟ في الحقيقة كان للرجل موعد مع التاريخ إذ انتدب نفسه لإيجاد هذا الإطار الذي تلخصه "نظرية المثل". استشعر أفلاطون الحاجة إلى تحديد فلسفي للعالم، الذي على أساسه سوف يتم تحديد معنى وقيمة الإنسان في الوجود، إذ أن الإنسان عند اليونان يحدد من الخارج كما تحدد أشياء العالم، لا يوجد شيء مميز فيه حصرا. التحديد الفلسفي للعالم يحتاج إلى نظرية في الكوسمولوجيا، أي "الفلك"، هذا التحديد هو الذي بإمكانه فهم العالم عبر تقسيم وجوده إلى: ما دون الفلك وهو علم الطبيعة أي "الفيزيقا"، وما فوق الفلك أو علم مابعد الطبيعة أي "الميتافيزيقا". إن كل تفكير في الوجود محكوم حسب أفلاطون بـالمبادئ التي تضعها هذه العلوم أساسا، من الشعر والأخلاق حتى الذرة والكواكب. إن منهج التفكير عند اليونان يتأثر بما يطرأ داخل هذه العلوم الثلاثة من تغير، إذ أن الفلك (العاَلم) يحوز أكبر قدر من التأثير على علم الطبيعة (الإِنسان) ومابعد الطبيعة (الإِله)، حيث كانت الميتافيزيقا تابعة لما يقرره علم الفلك من مبادئ. إذ كان العالم هو مركز المنظومة النظرية اليونانية، إنه عالم واحد وهو الوحيد الممكن لا يوجد لغيره نظير، وبالتالي فإن الحقيقة والوجود شيء واحد، حيث يعكس عدم تعدد العوالم عدم تعدد مكونات الحقيقة(4). يظهر جليا كيف تحدد قيمة "النظام" غاية هذه الخطاطة من التفكير، حيث يتم تجنب التجزيء والتشتيت والتنويع كمبدئ فلسفي يميز العالم، وليس كظاهرة من ظواهره الطبيعية، إذ أن التنوع (الفوضى) إنما يعزى عند اليونان إلى مبدئ موحد ومنظم. يتضح هذا في "نظرية المُثل" الأفلاطونية حيث يعود تعدد مظاهر مكونات العالم إلى أشكال موحدة وأصلية، قرارها المكين إنما تتحصله في عالم غير مُشاهد، إلاَّ أنه مدرك ومستدل على وجوده فلسفيا، إنه "عالم المُثُل" المستقر والدائم، الذي يتسامى فوق عالم الوقائع المتغير والزائل. ما هي المُثل؟ و ما الفرق بينها وبين امتداداتها الوقائعية في العالم المُشاهد؟ إن المِثَال هو الشيء قبل أن يتجسد في الواقع على شكل تحقق بـ"الفعل"، الأول واحد أما الثاني فمتعدد. مثلا قبل أن أكتب هذه المراجعة أمتلك في ذهني قبليا فكرة المراجعة (يسميه أفلاطون Eidos)، وحينما كتبتها على الشكل الحالي (Eidolon) فقد أصبحت مجرد تجسيد واقعي لما يمكن أن يتخذه شكل هذه المراجعة من ناحية المضمون وأسلوب الكتابة من قوالب متعددة. فلو حصل وانتهيت من كتابتها (شكل 1) وقرأتها ولم تعجبني، فسوف أقرر كتابتها من جديد (شكل 2)، وقد أضيف إليها تعديلات بعد شهر أيضا (شكل 3)، وهكذا... إن الأشكال الثلاثة للمراجعة هي تجسيدات "متعددة" لتصوري عن ما كنت أريد أن أكتب (فكرة واحدة: المِثال) قبل أن أكتب أي حرف (5).

اليوم العالمي للفلسفة 🎊🎉 الجزء 1. الفلسفة و مناهج التفكير: قراءة في تاريخ الفلسفة 🎀 ______ * لئن حُق أن الفلسفة ما سلكت طريقا مقدَار سلكها "طريق العقل" منذ نشوءها، فإن هذا الطريق يبدو حتى الآن أنه يسمح بالمرور، غير أنه لا يسمح بالوصول إلى وجهة محددة. إنه كـقمة جبل لا يزيدها شموخها سوى مزيد اكتساء بضباب السحاب. ذلك ما يرتفع به حاجب الدهشة و يشتجر عنده الخلاف، سواء عند المُقبلين أوالمُدبرين عن الفلسفة. لكنهم جميعا ما دروا ولا علموا أن في هذه النقطة بالضبط تتمثل جلالة قدرِ وعظيم منزلةِ الفلسفة. أي تتجسد في ذلك الدافع اللانهائي الذي يدعوا الإنسان باستمرار إلى التسائل عن الوجهة التي تركن "بعد" ما اعتقد أنه وجهته الأخيرة، وحضه على مسائلة أصول ما دأب على اعتبارها أصولا نهائية، وحفزه على نبش الجذور الأرضية لما تمادى في الإيمان بمنشئه السماوي، وكذا مراودته على البحث عن البواعث اللاأخلاقية لِما ظل يعتقد بأنها قيم سامية، نقية الطبع سليمة الطوية، دون الشك في أخلاقيتها الكاملة القتل أو في أحسن الأحوال النفي. غير أن هذه الطبيعة اللاَّموصلة إلى شيء نهائي وقطعي ومطلق للفلسفة، تَفتقُ رتقاً لا يَرقع عند من تطمئن نفوسهم إلى التابث والدائم. لذلك يصدون عنها بأنكر أشكال الجهل، الباعثة على أتبث اليقين وأدوم الجازم. بئس المُنقلب و البَديل. فرغم أن هذه الطائفة لا ترى مغرز إبرة من فائدة لعقل الفلسفة، إلا أن معرفتها بالأشياء والعالم والتاريخ ضخمة إلى درجة تصيب بالذهول. إنه جهل لا محالة، غير أنه "جهل واسع المعرفة"، جهل يعرف كل شيء. ليس في الحقيقة غير الفلسفة أقدر على النجاة بنا من أضراس منيته. من جهة أخرى فإن بعض أعلام هذا الموقف (اللاهوتيون خصوصا) ما استفادوا في صنعتهم من قوم نظير استفادتهم من الفلاسفة، غير أنهم ما تفوقوا على أحد في الحط من قدر فكرِ من أخذوا عنهم، إنهم بذلك يضربون مَثلا شرودا في نكران الجميل. فلا هم تفلسفوا حق التفلسف، ولا هم تمسكوا دون تحريف بالعَور الذي عندهم. أما المذهب الثاني الذي تربكه طبيعة الفلسفة هذه، فشأنه أنه تطرف في الجهة المقابلة، لسان حال متقلديه يقول: إذا كان طريق عقل الفلسفة لا يوصل إلى شيء، إذن فل نطلق العنان إلى الشك الأرعن، الذي لا هدف له ولا غاية، لا بناء يهمه، بل كل الهدم يغريه(1). وهو مذهب يناقض روح الفلسفة المتطلعة إلى اكتشاف ما قد يعد حقيقة و وصوابا. عقب كلا الفريقين يمكن القول بأنه: إذا كان قصد المرء شريفا، و مثار بحثه عن الحق أصيلا، وكان سوي الطبع بعيدا عن التكلف، صنعت الفلسفة في حياته -وليس فقط في طريقة تفكيره- صنع الغيث في التربة الكريمة. وللمرء أن يتسائل: ما الحاجة إلى قراءة تاريخ الفلسفة اليوم؟ أليس العلم هاديا لنا اليوم فيما تيهتنا فيه الفلسفة لقرون؟ أفي هذه الفلسفة بقية باقية من سديد الرأي وحكيم الفكر ورصين النظر؟ أليس حريا بنا ترك ما تركه العلم؟ جوابا عن هذا نقول: إننا لا نقرأ تاريخ الفلسفة بحثا عن الصحيح من آراء المتفلسفة وأفكارهم ونظرياتهم، كلاَّ، إذ لا يذهل أحد عن سواد غث أفكار هؤلاء عن سمينها، فليس هدف قراءة تاريخ الفلسفة ذلك. بل قصده الأسمى وهدفه الأبعد إنما هو تتبع مسار تطور -لا الأفكار بل- "طرق التفكير"، أي مناهج قيادة العقل كما وصفها ديكارت. وهذا دأب قراءة الفلاسفة المتخصصين لتاريخ الفلسفة، فلم يهتم السكولائيون في القرون الوسطى بتصورات أريسطو عن الكون أو الطبيعة، قدر اهتمامهم بـ"المنطق" الذي اعتد به المعلم الأول حتى ينتهي إلى صياغة مثل هذه التصورات. كما لم يُعنى ديفيد هيوم وإمانويل كانط في القرن 18م بشيطان ديكارت الذي ما فتئ يفسد عليه يقينه، قدر عنايتهم بالقلب الذي أحدثه "منهج ديكارت" لمساقات التفكير في فلسفات القرون الوسطى. على نفس المنوال نسج كوجيف (Alexandre Kojève) في القرن 20م، الذي لم يبقى عنق اهتمامه بهيغل مشرئبا إلى أحكامه عن الشرقيين والسود والهنود، بل ما اهتم بشيء أكثر من "السيستيم الهيغيلي"، أي التجديد المنهجي الذي أضافه هيغل إلى النظر الفلسفي بعامة، الذي ما تقصَّد غير مزيد إحكام لقيادة العقل آناء مزاولته لوظيفة التفكير. وعندنا، ما اهتم الجابري و العروي بمخاريق المتصوفة والمتفلسفة المسلمين، بل تمعَّن الرجلان في مُنقلب العقل و مآلاته إذا ما انتهج مناهج التفكير التي ابتدعها القوم. *** سنحاول في هذه القراءة -الإجتزائية- لتاريخ الفلسفة تتبع تطور طرق التفكير التي نستعملها هنا كمرادف لمناهج قيادة العقل. إذ للمنهج في الفلسفة كما هو معروف عدة معاني تبعا لتعدد المدارس الفلسفية، ونحن نقضي غرض تحديد هذا المفهوم بترك هذا النقاش الذي لا ينتهي، ذلك باعتبارنا للمنهج ببساطة: طريقة منظمة في التفكير. فكيف تطورت طرق التفكير المنظم هذه داخل الفلسفة تاريخيا ؟

+2
الغصن_الذهبي_حوار_ممتد_مع_جيمس_جويس.pdf1.82 MB

51-البوذية لـ كلود ب لفنسون.pdf5.46 MB

الرجل الذي تذوق الكلمات - الانجليزية.

The Man Who Tasted Words by Guy Leschziner.epub · version 16.88 MB

معادلة_الإله_البحث_عن_نظرية_كل_شيء_ميتشيو_كاكو.pdf3.56 MB

photo content