ch
Feedback
أَرْيٌ وَّشَرْيٌ!

أَرْيٌ وَّشَرْيٌ!

前往频道在 Telegram

الأري: العسل، والشري: الحنظل. وهنا شيءٌ من أشياء مريرة أو لذيذة!

显示更多
5 397
订阅者
无数据24 小时
无数据7
+230
帖子存档
ليس التثبّت من نسبة الأبيات إلى قائليها ترفًا علميًّا، ولا تكثُّرًا بالتكلّم فيما لا طائل تحته، بل هو أصلٌ تُبنى عليه معرفة ديوان العرب، وقاعدةٌ يُركن إليها في استشراح الأدب واستنطاق روحه؛ فبصحة النسبة يُهتدى إلى سنن الألسنة في تقلّبها، ويُعرف السابق من اللاحق.. فلا تُخلع على المحدَث بُردة القديم، ولا يُسوّى الدخيل بصميم اللغة الأصيل؛ وثمار ذلك لا تفتقر إلى بيان أصلًا. وما أكثرَ الأبيات -بل القصائد- التي تُنسب إلى غيرِ قائليها في القديم والحديث، إما وهمًا من الرواة أو خلطا، أو غير ذلك مما يطول الكلام فيه، وإنما قصدت بهذه العجالة التكلم في أربع لاميات يشار إليها بالبنان وليست لمن نُسبت إليهم بسبيل!   أما الأُولى؛ فالتي تكاد تغص بها وسائل التواصل، وفيها: (فَهِي هِي وهِي وهي ثمَّ هِي هِي وهي وَهِي  مُنىً لِي مِنَ الدُّنيا مِنَ النَّاسِ بالجُمَلْ) إلخ من الهراء.. ولستُ أدري أكان قائله يبكي في الشطر الأول أم يتمرن على تفعيلات العَرُوض بهذا السمج من الكلام؟ ومن أسفٍ أنها تسير بين الناسِ رمزًا لبلاغة فحل الشعراء؛ امرئ القيس! ووالله -ألية بِرٍّ لا حنث فيها- لم يشم رائحة العربية مَن يتغنى بمثل هذا فضلا عن منشئه. ولا أدري لم يولع الناس بمثل هذا؟ دعك من عوام الناس الذين لاثتهم العُجمة صُبحَ مساءَ؛ أتدري أني وقعتُ على "أكاديمي" متخصص يلهج بها في كل محفل للعربية وعلومها؟ فيا لَضيعة الأدب واللغة! وهذه الكلمات المنضودة على وِزان الشعرِ -وحاشا الشعر أن تكون منه- لم أجد لها ذكرًا في أي مصدر معتبر، وأقدم مَن ذكرها في علمي: المستشرق الألماني ڤلهلم ألڤرت في قسم المنحول من كتابه «العقد الثمين في دواوين الشعراء الستة الجاهليين». وأما الثانية؛ فلاميةٌ مُحبّرةٌ رائقة المبنى وفائقة المعنى، وحفظها حسن ومطلوب، لكن الأصح أنها لغير مَن اشتُهرت عنه، وهي: لامية العرب المرويةِ للشنفرى؛ وحول قائلها كلام كثيرٌ لأهل العلم بالشعر، وأقوى الظن: أنها لخَلَفٍ الأحمر. ويعجبني منها قوله: (وفي الأرضِ منأى للكريم عن الأذى وفيها لمَن خاف القِلى متعزّلُ لعَمرك ما في الأرض ضيق على امرئٍ سرى راغبًا أو راهبًا وهْو يعقلُ) وأما الثالثة؛ فالصاخة بل الطامة الكبرى التي لا ينقضي عجبي منها، وهي المقولة إفكًا وبهتانا على لسان إمام رواة العربية الأصمعي، ومطلعها: (صوت صفير البلبلِ) إلخ من النسج الهلهل الذي لا يصدر عن أطفال موالي العرب بَله إمامهم، والقصة التي حيكت لها أسخفُ منها، ولو كان بمَلْكي إلزام مَن يحفظها بالتمضمض ثلاثًا لفعلتُ. وأقدم من انتهى إليه علمي ممن ذكروها رجل مجهول من القرن الثاني العشر في كتاب مليء بالتكاذيب المستنكرة، وهو: «إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس». ولصفاء البياتي كتاب مُفرد في شأنها -لم أطلع عليه بعدُ، وبيّن تهافتها من قبلُ البحاثة الطُّلَعَةُ د. عبد الله الرُّشيد في كتابه «تنورتها من أذرعات». وأما الرابعة؛ فنظمٌ حكيمٌ راق العلماءَ فشهروه، وما أشكله -في المجمل- بأنظامهم الباردة، ولا تكاد تذوق فيه من طلاوة الشّعر إلا عُلالةً .. أعني الكلمة التي مطلعها: (اعتزل ذكر الغواني [ويروى: الأغاني] والغزل) والتي تُنسب إلى زين الدين ابن الورديّ؛ الشاعر الفقيه، ولا تصح نسبتها إليه إلا قوله: (ليس يخلو المرء من ضد ولو حاول العُزلة في رأس جَبَلْ أين كسرى، وهرقل؟ أين من ملك الأرضَ وولى وعَزَلْ أين من سادوا وشادوا وبنوا؟ هلك الكل.. ولم تُغنِ القُلَلْ) فإن هذه الأبيات ثبتت في بعض مقاماته، وأما سائرها فليس في نسخة ديوانه التي بخطه، ولا في غيرها من النسخ، اللهم إلا نسخة مكتبة برلين؛ وهي  متأخرة مجهولة الناسخ لا يستقيم الركون إليها وحدها في الإثبات، كيف والقصيدة لم تنسب إليه قبل القرن العاشر فيما أعلم! أي بعد وفاته بنحو ٣٠٠ سنة؛ فلهذا أنا في شك من نسبتها إليه مريبٍ، ويغلب على خلدي ظنًّا أشبه باليقين أنها منحولة عليه وعُملت على غرار أبياته الثابتة، ثم سارت بين الناس لما أُلبسته من معاني الوعظ والإرشاد، فركنوا إلى شهرتها بين العلماء دون تحقيق نسبتها كما ينبغي؛ حالهم في ذلك كحالهم مع ما ينسب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه والشافعي ونحوهما من أبيات الحكم والوعظ.

لا أحبّذ لطالب العلم الذي يروم تثقيف لسانه بالفصاحة أن يكثر من حفظ الأنظام العلمية .. لا سيما منظومات القرن العاشر فما بعد؛ إذ قَلّ ألّا يتساهل أصحابها في سبك الكلام كيفما اتفق طلبًا لسلامة الوزن، فتجد أحدهم يضع اللفظة في غير موضعها، أو يقدّم ويؤخّر بما يأباه نِظام البلاغة، أو يأتي بما لا يجيزه القياس وتأنف منه الطباع؛ فينشأ الحفاظ على إلف الشاذ واستحسان القبيح، ولا مُفسد للّسان ككثرة ارتياد رديء الكلام.

قبس من سنا الشمائل.pdf5.53 KB

قال بعض أهل المعاني:
"كان مولده ﷺ في فصل الربيع، وهو أعدل الفصول؛ ⁃ ليله ونهاره معتدلان بين الحر والبرد. ⁃ ونسيمه معتدل بين اليبوسة والرطوبة. ⁃ وشمسه معتدلة في العلوّ والهبوط. ⁃ وقمره معتدل في أول درجة من الليالي البيض".
ومن ألطف ما يُتوسَّم في لفظ “الربيع” وأجمل ما يُلتقط من معانيه؛ أنّ العرب جعلته للنهر الرقراق الذي إذا انحدر أحيا، وإذا سال روّى، وإذا جرى نمّى، واستعملته أيضًا للغيث المنهمر الذي يوقظ الأرض بأول انحداره فإذا أصاب تربةً أنبتها وكان أول تباشير الزرع، وأطلقته -أيضًا- على زينة الأرض بعد اغبرارها، وزهرتها بعد ذبولها، كأنما الربيع يجريها إلى بهجتها؛ مخضرّةً بزهرها ومتطيّبة بعطرها كعروس أجليت من خدرها، أو عذراء حُليت من دُرّها. وقد كان سيدنا صلى الله عليه وسلم ربيعًا لا كسائر الأربعاء … كان ربيعًا دائمًا لا يزول وغيثًا مُنديًا لا يَحول، ونورًا مشرقًا لا يغرب؛ كان ربيع النفوس إذا قحطت، وغيث القلوب إذا جدبت، وزينة الأرواح إذا ذبلت، وبهجة البصائر إذا عميت .. فلا طور من أطواره إلا وهو ربيع، ولا حال من أحواله إلا وهو غيث مغيث؛ صلى الله عليه وسلم.

ثبت في الحديث أن أُبَيَّ بن كعبٍ رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ … أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: «إذن تكفى همك ويغفر لك ذنبك». فيا لله .. ما أعذبه من وعد، وما أرحبه من مخرج حين تنسد المذاهب في وجهك حتى تستوي عندك الأنوار والظُّلَم، فإذا بالصلاة على الحبيب ﷺ وحدَها دون سؤال ولا طِلابٍ = تفتح لك طريقًا بين يدي الرحمن، لتكفيك ما أنقض ظهرك من بلية دنياك، وتغسل عنك ما نكت على قلبك من سواد خطاياك! اللهم صل على سيدنا محمد، الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله وصحبه وسلم.

عيدٌ مباركٌ، ولا زلتم في كنف المولى وقُربه، تغشاكم نفحة رحماته، وتحدّق بكم عنايةُ ألطافه، قائمين بما يبغيه منكم، وموصولين بما يُرضيه عنكم؛ كلَّ عامٍ ما غرّد الحُجاج بالتلبية، وهتف باسم الله المتنسّكون بالأضحية.

قد أقبل يومُ عرفة، فأقبل على ربّك بمهجتك، واخلع عنك ثوب الدعوى، والبس جلباب الذلّ والافتقار، وادنُ من الباب دنوّ المساكين، وقل: عبدٌ مكدود يا رب، لا زاد له إلا رجاؤك، ولا سند له إلا لطفك، ولا مأوى له إلا رحمتك. ابسط كفّك لا لتأخذ، بل لتُظهر أنك لا تملك شيئًا، واطمح بطرفك رجاءَ نظرةٍ لا تُرد، فإنها ساعاتٌ ما رُفعت فيها كفٌ صادقة فردت صفرا، ولا نطق فيها قلبٌ كسيرٌ إلا وجُبر. وكلّما ضجّ الحجيج بالتلبية؛ فلتضجّ أنت بالاستغفار، وأرق على صحيفتك مدامع الندم؛ عسى أن يُقال لك: قد غُفر لك، قد رضينا عنك، فامضِ .. فما أعظم هذا الفوز لمن صدق.

كُلُّ عامٍ وأنتمُ في سُرورِ وجزاكم ربي بأوفى الأُجورِ وعسى الله ألّا يصرم أسباب سعادتكم، وأن يتقبل بقبول حَسَنٍ قرباتكم، وعاد عليكم العيدُ ميمونًا ومباركًا.

لمّا رأيتُ المقطعا أورى اشتياقي الأدمُعا يا ليت في قَدَري بطيـ ـبَةَ أن أعيشَ وأُدفنا

الحياة السعيدة بحياة القلب وحياة القلب بنور الوحي الذي سماه الله روحاً #سلسلة_أعمال_القلوب

مِن تمام الصومِ أمرٌ انقلبت آيتُه في هذه الأزمان، وقلّ من يلتزمه، بل كاد أن يعدم؛ وهو ما ذكره حجة الإسلام الغزّالي -رحمه الله- من أنه ينبغي على الصائم "ألا يستكثرَ مِنَ الطعامِ الحلالِ وقتَ الإفطارِ بحيثُ يمتلئُ جوفُهُ، فما مِنْ وعاءٍ أبغضُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ مِنْ بطنٍ مليءٍ مِنْ حلال"؛ كما وردَ عند الترمذي وغيره من حديث المقدام بن معدي كرب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا مِن بطن»؛ وهو حديث حسنٌ صحيح. ثم قال -رحمه الله: "وكيفَ يُستفادُ مِنَ الصومِ قهرُ عدوِّ اللهِ وكسرُ الشهوةِ إذا تداركَ الصائمُ عندَ فطرِهِ ما فاتهُ ضحوةَ نهارِهِ؟ وربما يزيدُ عليهِ في ألوانِ الطعامِ! حتَّى استمرتِ العاداتُ بأنْ تدَّخَرَ جميعُ الأطعمةِ لرمضانَ، فيؤكلُ مِنَ الأطعمةِ فيهِ ما لا يؤكلُ في عدَّةِ أشهرٍ! ومعلومٌ أنَّ مقصودَ الصومِ: الخواءُ، وكسرُ الهوىٰ؛ لتقوى النفسُ على التقوىٰ، وإذا دفعتِ المعدةُ ضحوةَ النهارِ إلى العشاءِ حتّىٰ هاجتْ شهوتُها وقويتْ رغبتُها، ثمَّ أُطعمت مِنَ اللذاتِ وأشبعتْ = زادتْ لذتُها وتضاعفتْ قوَّتُها، وانبعثَ مِنَ الشهواتِ ما عساهُ كانَ راكدًا لو تُركَتْ علىٰ عادتِها ! فروحُ الصومِ وسِرُّهُ: تضعيفُ القُوى التي هيَ وسائلُ الشيطانِ في القوْدِ إلى الشرورِ، ولنْ يحصلَ ذلكَ إلا بالتقليل؛ وهوَ أنْ يأكلَ أكلتهُ التي كانَ يأكلُها كلَّ ليلةٍ لو لم يصم، فأمَّا إذا جمعَ ما كانَ يأكلُ ضحوةً إلى ما كانَ يأكلُ ليلاً؛ فلنْ ينتفعَ بصومِهِ. بلْ مِنَ الآدابِ ألا يكثرَ النومَ بالنهارِ حتَّى يحسَّ بالجوعِ والعطشِ، ويستشعرَ ضعْفَ القُوىٰ، فيصفوَ عندَ ذلكَ قلبُهُ، ويستديمَ في ليلِهِ قدْراً مِنَ الضعفِ حتَّىٰ يخفَّ عليهِ تهجُّدُه وأورادُهُ، فعسى الشيطانُ ألا يحومَ علىٰ قلبِهِ؛ فينظرَ إلىٰ ملكوتِ السماءِ. وليلةُ القدْرِ عبارةٌ عنِ الليلةِ التي ينكشفُ فيها شيءٌ مِنَ الملكوتِ، وهوَ المرادُ بقولِهِ تعالى {إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ}، ومَنْ جعلَ بينَ قلبِهِ وبينَ صدرِهِ مِخلاةَ مِنَ الطعامِ؛ فهوَ عنهُ محجوبٌ ، ومَنْ أخلىٰ معدته .. فلا يكفيهِ ذلكَ لرفعِ الحجابِ ما لمْ يُخلِ همَّتَهُ عنْ غيرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وذلكَ هوَ الأمرُ كلُهُ، ومبدأ جميعٍ ذلكَ تقليلُ الطعامِ".

ألا مَن لنفسٍ كُلما ذُكر الحِمى -حِمى المُصطفى؛ اشتاقت، ومادَ اضطرابُها؟ إذا هبّت الأرواحُ من نحو طيبةٍ همى دمعُ عيني واستفاض
ألا مَن لنفسٍ كُلما ذُكر الحِمى -حِمى المُصطفى؛ اشتاقت، ومادَ اضطرابُها؟ إذا هبّت الأرواحُ من نحو طيبةٍ همى دمعُ عيني واستفاض حَبابُها! فهل لِلَيَالِيَّ العِذابِ بطيبةٍ إيابٌ؟ ومَن لي أن يحين إيابُها؟

أسند الخطيب البغدادي في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» عن الحسن البصري أنه قال: "تعلَّموا ما شئتم أن تتعلموا؛ فلن يُجازيَكم الله على العلم حتى تعملوا .. فإن السفهاء همّتُهم الرواية، وإن العلماء همتهم الرعاية!".

لعبيد بن عبد العزى السلامي -وهو شاعر جاهليّ غاية علمنا عنه أنه ابن عم الشنفرى: "وأُعرض عن أشياء -لو شئتُ نِلْتُها- حياءً إذا ما كان فيها مَقاذعُ ولا أدفع ابنَ العمِّ يمشي على شَفا ولو بلغتْني من أذاه الجنادِعُ ولكن أواسيهِ وأنسى ذنوبه لترجعَه يوما إليّ الرواجعُ وأُفرِشُهُ مالي، وأحفظُ عيبَه ليسمع أني لا أجازيه سامعُ وحَسْبُكَ من جَهلٍ وسُوءِ صَنِيعةٍ معاداة ذي القربى؛ وإن قيل قاطعُ فَأسْلِمْ عناكَ الأهلَ؛ تسلمْ صدورُهم ولا بد يومًا أن يروعَك رايعُ وإن تُبلِ عفوًا يُعف عنك، وإن تكن تقارع بالأخرى؛ تُصبْكَ القوارِعُ ولا تبتدعْ حربا تُطِيقُ اجتنابَها فيلحمك الناسَ الحروبُ البدايعُ" وهذه أبياتٌ منطويةٌ على نفسٍ جليلة تعرف ما ينبغي أن تكون عليه العلائق الاجتماعية من تغاضٍ وتسمُّح في بعض الحقوق، و"تكبير راس" كما يقول العامة اليوم. ولا تمرّ بي أمثال هذه الأبيات الجاهلية إلا وأستذكر قول أبي تمّام: "ولولا خلالٌ سنَّها الشِّعرُ ما درى بُغاة العلا من أين تُؤتى المكارِمُ"

ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «… ورأيتُ رجلًا من أمتي يزحف -أو قال: يرجف- على الصراط مرة، ويجثو مرة، ويتعلق مرة؛ فجاءته صلاته عليَّ فأخذت بيده فأقامته على الصِّراط حتى جاوز…» فاللهم اجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك، ورأفة تحنُّنك ومحبتك وتحياتك؛ على محمد عبدك ورسولك، الخاتم لمن سبق، والفاتح لما استغلق؛ بَعِيثك نعمة، ورسولك إلينا بالحق رحمة؛ يارب العالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

"الحمدُ لله القديمِ الدائمِ الخافضِ الرافع ذي المكارِمِ في مُلكه يفعلُ ما يُريدُ ما لامرئٍ عمَّا قضى مَحيدُ ما زال يؤتي المُلكَ مَن أَفادا وينزعُ المُلكَ إذا أرادا يُعزّ هذا، ويُذلّ هذا إذا قضى أمرًا= مضى نفاذا ليس لما يفعلُه تعليلُ وكلُّ ما قدّره جميلُ في غايةِ الحكمةِ والنِّظامِ يعرفُ ما قلتُ ذوو الأفهامِ نحمده على سُبوغِ النِّعمةْ ودفعِ ما ألمَّ مِن مُلِمَّةْ ليس لنا مِن دونه إلهُ ولا يُزيل ضُرّنا إلا هو"

سُئل الإمامُ أحمدُ: هل كان مع معروفٍ الكرخي شيءٌ من العلم؟ فقال: "كان معه رأسُ العلم: خشيةُ الله". وذُكِر مَرَّةً في مجلسه فقال بعضهم: إن معروفًا قصيرُ العلم .. فقال الإمام أحمد: "أمسِكْ عافاك الله؛ وهل يُراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف!".

قال أبو داود السجستاني (ت ٢٧٥) عند تكلمه عن بيانه للعلل في أحاديث سننه: "ورُبّما أتوقف عن مثلِ هذا؛ لأنه ضرر على العامة أن يُكشف لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث؛ لأنّ علمَ العامة يقصر عن مثل هذا". وعقدَ البخاريُّ (ت ٢٥٦) في صحيحه بابَ (مَن خصّ بالعلمِ قومًا دون قومٍ كراهيةَ ألَّا يفهموا) وأسندَ فيه قولَ عليٍّ رضي الله عنه: "حدّثوا الناسَ بما يعرفون؛ أتُحبُّون أن يُكذَّب الله ورسولُه؟". وفي رواية: "ودعوا ما ينكرون"؛ أي ما قد يشتبه عليهم. وأسند مُسلم (ت ٢٦١) في مقدمة صحيحه عن عبد الله بن مسعود: "ما أنتَ بمحدّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم؛ إلا كانَ لبعضهم فتنةً". وعن مالك (ت ١٧٩) أنه قال لابن وهب (ت ١٩٧): "اعلم أنه ليس يَسلمُ رجلٌ حدّث بكل ما سمع، ولا يكون إمامًا أبدًا وهو يحدث بكل ما سمع". ونحوه عن عبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨) أنه قال: "لا يكونُ الرجلُ إمامًا يُقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع". وهذا فقهٌ متأكَّدٌ في الإفادة؛ إذ ليس كل ما يُعلم يقال، ولا كل ما يقال؛ يصلح لكل مقامٍ وحال. والذي في المنشور المقتبَس أعلاه: آكدُ ما ينبغي التزامه في الإفادة، وهو -للأسف- أكثر ما تراه منخرمًا عند المتصدرين الآن، والإنسان مجبول على حب التفرّد، ومن هنا تشتهي النفسُ الكلامَ في دقائق العلوم عند مَن تخاله سيبهر منها .. والمسترسل مع شهوات العلم يكاد يكون علمُه وبالا عليه؛ فالنفسُ "كَمْ حسَّنت لذةً للمرء قاتلةً مِن حيث لم يدرِ أن السَّمَّ في الدَّسَمِ".

رفع الحافظ الدَّقَّاقُ (ت ٥١٦) قلمَه عن رسالته في وصف حاله وأمر شيوخه وأهل عصره بقوله: "وليس عندي شيءٌ أرجى من: كثرةِ ما كتبتُ من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى؛ وفوق الرضا. وقد سمعتُ أبا الفتح المظفّر بن حمزة رحمه الله قال: سمعت عبد الواحد بن محمد المُنِيري يقول: رأيت أحمد بن أبي عمران رحمه الله بنيسابور في المنام؛ فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غَفَر لي بكثرة صلواتي على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا؛ كَتْبًا، وقولًا".