زهرٌ أزرَقْ.
前往频道在 Telegram
- "أكتُب، ليصير هذا العُمر أخفّ وأرحَب" ☁️.. - #إسراء_عبدالمطلب (رُوسيَال) INSTA: israa.novels1
显示更多1 645
订阅者
-124 小时
-57 天
-1830 天
数据加载中...
吸引订阅者
九月 '26
九月 '26
+2
在0个频道中
八月 '26
+6
在0个频道中
Get PRO
七月 '26
+52
在1个频道中
Get PRO
六月 '26
+14
在0个频道中
Get PRO
五月 '26
+12
在1个频道中
Get PRO
四月 '26
+15
在1个频道中
Get PRO
三月 '26
+11
在0个频道中
Get PRO
二月 '26
+9
在0个频道中
Get PRO
一月 '26
+7
在0个频道中
Get PRO
十二月 '25
+17
在1个频道中
Get PRO
十一月 '25
+18
在1个频道中
Get PRO
十月 '25
+7
在0个频道中
Get PRO
九月 '25
+19
在0个频道中
Get PRO
八月 '25
+10
在0个频道中
Get PRO
七月 '25
+19
在1个频道中
Get PRO
六月 '25
+15
在0个频道中
Get PRO
五月 '25
+22
在0个频道中
Get PRO
四月 '25
+30
在0个频道中
Get PRO
三月 '25
+51
在2个频道中
Get PRO
二月 '25
+80
在1个频道中
Get PRO
一月 '25
+159
在1个频道中
Get PRO
十二月 '24
+41
在0个频道中
Get PRO
十一月 '24
+8
在0个频道中
Get PRO
十月 '24
+24
在0个频道中
Get PRO
九月 '24
+9
在0个频道中
Get PRO
八月 '24
+26
在1个频道中
Get PRO
七月 '24
+27
在0个频道中
Get PRO
六月 '24
+15
在0个频道中
Get PRO
五月 '24
+26
在1个频道中
Get PRO
四月 '24
+22
在0个频道中
Get PRO
三月 '24
+23
在0个频道中
Get PRO
二月 '24
+12
在0个频道中
Get PRO
一月 '24
+57
在0个频道中
Get PRO
十二月 '23
+28
在0个频道中
Get PRO
十一月 '23
+28
在0个频道中
Get PRO
十月 '23
+48
在0个频道中
Get PRO
九月 '23
+119
在0个频道中
Get PRO
八月 '23
+23
在0个频道中
Get PRO
七月 '23
+27
在0个频道中
Get PRO
六月 '23
+38
在0个频道中
Get PRO
五月 '23
+22
在0个频道中
Get PRO
四月 '23
+16
在0个频道中
Get PRO
三月 '23
+29
在0个频道中
Get PRO
二月 '23
+56
在0个频道中
Get PRO
一月 '23
+13
在0个频道中
Get PRO
十二月 '22
+24
在0个频道中
Get PRO
十一月 '22
+15
在0个频道中
Get PRO
十月 '22
+17
在0个频道中
Get PRO
九月 '22
+11
在0个频道中
Get PRO
八月 '22
+26
在0个频道中
Get PRO
七月 '22
+24
在0个频道中
Get PRO
六月 '22
+24
在0个频道中
Get PRO
五月 '22
+18
在0个频道中
Get PRO
四月 '22
+23
在0个频道中
Get PRO
三月 '22
+13
在0个频道中
Get PRO
二月 '22
+16
在0个频道中
Get PRO
一月 '22
+23
在0个频道中
Get PRO
十二月 '21
+48
在0个频道中
Get PRO
十一月 '21
+9
在0个频道中
Get PRO
十月 '21
+18
在0个频道中
Get PRO
九月 '21
+24
在0个频道中
Get PRO
八月 '21
+23
在0个频道中
Get PRO
七月 '21
+29
在0个频道中
Get PRO
六月 '21
+38
在0个频道中
Get PRO
五月 '21
+68
在0个频道中
Get PRO
四月 '21
+74
在0个频道中
Get PRO
三月 '21
+192
在0个频道中
Get PRO
二月 '21
+937
在0个频道中
| 日期 | 订阅者增长 | 提及 | 频道 | |
| 06 九月 | +1 | |||
| 05 九月 | 0 | |||
| 04 九月 | 0 | |||
| 03 九月 | +1 | |||
| 02 九月 | 0 | |||
| 01 九月 | 0 |
频道帖子
ياربّ، أقولها ووحدك تعرف كم من الأشياء تتزاحم خلفها تطلب رحمتك، وحدك تعرف عني ما لا أعرفه عن نفسي، ضع يدك على كل هذه الأيام الغير مفهومة، برأفتك اجعلني أنغمس بكل ما ألاقي فيه نفسي وصلاحي.
| 2 | أن تغفِر؛ يعني أن تمنَحَ الشمس منفذًا إلى أكثر غُرفَكَ ظلامًا.. أن تغسِلَ ذلك الظلام، وتتقبَّل فيما تلى رماديّةَ الصفح؛ بينَ الذكرى والنسيان.
🤎
- رُوسيال | 584 |
| 3 | ُمِّك برضو عاوزه تمشي تشوف أهلها؛ تمشُو سوى وترجعُو
تورّدت الفكرة داخل ذِهني.. إبتسَمت وأنا أنظُر إليه
إبتسَم مُستبشِرًا : مُش فكرة أحسن ؟
هززتُ رأسي مُوافِقة
مالَ للأمام وهُوَ يهِمُّ بالنهوض : عارفة .. دايمًا بحسِّك مابتكبري ياريل
إبتسَمت بإستغراب
أبي : زي أُمِّك, دايمًا بتمشي محَل قلبها يوديها؛ زي الشُفَّع
إتَّسعت ضحكتي
ربَّت على ظهري : الغُربة صعبة, بس طالما إتكتبَت عليك حتعيشيها؛ وإن شاءالله تعيشي حلاوتها ياريل يابتي
مِلتُ برأسي : ماف مرّه حسيت إنو نفسك ترجع ؟
نهَض وهُوَ يفرد ظهرهُ : كُل يوم بحسّ إني عايز أرجع
ذهَب نحو الغُرفة, وظللتُ أنا أنظُر إلى ظِلِّه إلى أن غاب
* في فضاءٍ حنُون؛ تختلط روائح الطبخ الشهيَّة مع رائحة البخور عصرًا , صَوت والدتي "لمى مكرونتِك دي ماتحرَق" والدِي يتلُو سورة الكهف بصَوتٍ جَهور , وأنا أكوي ملابس المُناوبة المسائية, هكذا يبدُو يوم الجُمعة من داخل منزلِي..
عندما هرولت لمى حامِلة صينية "المكرونة" لتضعها أوسط السُفرة, أغلَق أبي المُصحف مُستغفرًا وشرَع يُكبِّر, خرجَت أُمي من غُرفتها : إنتَ بس الصلاة مابتحلى ليك إلا مع الأكل
ضحِكت وأنا أجلس على الأريكة : يلا أنا جعاانه
وضعت والدتي مُجمَر البخور أوسَط الطاولة : جيبي النكوي ليك حاجاتك
_ : كويت ياماما , بعثتُ لها بِقُبلةٍ عبر الهواء
دخلَت إلى المطبخ
سلَّم والدي حينها وغمَز لي , ضحِكت , ناداها
أتَت حامِلة الأطباق : أها
أبِي : جهّزي شنطتك
وضعتهُم فوق السُفرة وهيَ تنظر نحوهُ مُستغرِبة
ضحِك : مش قُلتي عاوزة تشوفي أهلك ؟
أتَت لمى مُهرولة : حنسافِر ؟
أبي : ماما وريل, إحنا المرّه الجايه إن شاءالله
قطَّبت حاجبيها
_ : أجي يالمى إمتحاناتك تخليها لمنُو ؟
نفضَت ذراعيها ودخلَت إلى المطبخ, طوى والدي السجادة ودخَل خلفها
أُمي : ريل , أبوك دا بجاكر فيني ساي مُش
_ : واللهِ لا, أنا حجزت التذاكر من الصباح
نظرَت إلَيّ بِدهشة , هرولتُ نحوها وضمُمتها؛ أخذَت تُزغرد
إبتعدَت ناظرةً إلَي : لا, والسفر دا فجأه بس كدا ؟
خرَج أبي مُسوِّرًا لمى بذراعهِ : لالا , ريل جاها عريس هناك
أُمي : بالجد ؟ ريل عريس منو دا ؟
_ : لا هُو هسي بِجاكر فيك ساي بالجدّ
ضحِكَ أبي : أرح أرح ؛ ماتبرُد مكرونة لمى الظريفة دي
إبتسَمت بِدلال وهُوَ يُقبِّل رأسها
تحلّقنا حَول السُفرة, ومضى يومُ الجُمعة هادئًا كعادتِه..
* عشرَات الرسائل, مُحادثة واحِدة.. أثيرة؛ تحمِل صُورة لأربعةِ فتيات؛ مِلتُ بِرأسي أُطالِع الصورة , وبدأت أجسادنا تتحرَّك, كانت لَيلة سماية نبأ وحِنَّة نيرمين, باب المطبخ المفتوح ورائحة "المديدة والزلابيَة" تعُجّ في فضاء الصالَة.. مقياس الضغط حَول ذراع خالتُو نرجِس, بُكاءَنا؛ رغد التي أتَت مُتأخِّرة صباحًا.. وإلتفافُنا حول صينيّة الخُضار.. قبل أن نتحوَّل إلى فتيات برّاقات بِملابسَ زاهيَة لدى نهايةَ اليَـوم, نبتسِم لإلتقاط هذهِ الصورة.. زفَرت ورسالةٌ من رغد تنبثقُ أمامِي.. تليها رسالةُ نيرمين "حنكُون معاك قبل نهاية الشهر, دي ماحاجة فيها نقاش" كانت الدمعات تقطُر هادِئة على خدِّي وأنا أسترجع ليالينا وصباحاتنا حينَ كانَ العُمرُ أرحَب , صورة من ليمس تقفِز أيضًا " شنطتي جاهزَة , وين ريل ؟؟ " إبتسَمت من بين دموعي , “ريل.. ماف حاجه حتتمّ لو ماجيتي" كانت رسالة رغَد لِي , بعثت نيرمين لنا بِصُورة , كانت قديمة؛ في مطلع سنَتنا الثانية من الجامعة؛ أخذتُ أُكبِّر تلك الصورة وتصغُر الحياة.. يصغُر الخِصام, يتقلَّص العتَب وتتَّسِع رِقعةُ الشَوق.
يُتبَع..
- إسراء عبدالمُطلب | 568 |
| 4 | تَّك؛ إتفضّل وشوف ليك صرفة مع بتَّك
أومأ أبي برأسه مُهدّأً إيّاها
نفضَت منشفة المطبخ عن كفّها وهرولت إلى غُرفتها غاضِبة
أشارَ لي أبي على سطح الأريكة, تنهَّدت بِضيق : أبوي أنا..
قاطَعني بهدوء : أقعُدي أوَّل
جلست على مضَض
أبي : ريل , ورّيني
قاطعتهُ مُنفعله : أورّيك شنو يابابا !
أبي : ريل ؟
_ : آسفة يابابا
همَس لي : أنا عارف أُمّك بتكبِّر المواضيع أكتر من اللازم, وأنا ماعايز أضغط عليك وبهمَّني راحتك يابتّي؛ لكن إنتي كمان خليك مرِنة شوية؛ ما أي حاجه رفض وعناد ياريل
_ : أنا مابعاند يابابا دا رأيي !
أبي : إنتي ما أديتي نفسك فرصة عشان تشوفي رأيك فيهو شنو يابابا !
تنهَّدت
سوَّرَني بِذراعهِ : أدّي نفسك فُرصة معاه, لو ماعجبِك حنرفُض بكل هدوء ! أُمِّك عاوزه شوية مُسايرة ياريل.. سايريها ؛ وإذا عندك زول في حياتِك ورّيني , ها ؟
زفَرت وأنا أبتسِم
ضحِك وهُوَ يضُمّني إليه, يُقبِّل رأسي
زفَرت : مافي زول واللهِ يابابا؛ أنا بس مركّزه في حاجاتي ومافايقة والله
أبي : معليش؛ تعالي على نفسِك شوية , وبعدها لو رفضتي ماف زول بِلومِك
هززتُ رأسي وأنا أشُدّ على كفِّه : حاضِر
أبي : يلا, أمشي راضي أُمِّك وأجهزي
نهضت مُتثاقلة
أومأ بِرأسِهِ لي
تنهَّدت وأنا أذهَب نحو غُرفتها ..
* بينمَا نحنُ جلوسٌ في غُرفةِ المَعيشة, نظرتُ إلى أُمِّي بـِ"توبها" الأحمَر المنقوش بِرسمٍ مُذهَّب, بدَا وجهها سعيدًا, تذكّرتُ دخولي إليها قبل ساعات, كانت شاحِبة, غاضِبة, جالسة على حافَّة الفراش تفرُك كفَّيها ببعضمها, ذات الحركة التي أفعلها كُلما تملَّكني الضيق.. لدى تلك اللحظة بالذات؛ تلاشت عن بالي كُل أفكار اللَّوْم.. رأيتها فتاةً صغيرة؛ تخوضُ حياتها للمرّةِ الأُولى أيضًا (مِثلي) , أخفَقت مثلي.. وتعلَّمت, ولازالَت تُحاول. كُنتُ أعلَم أنّها لحظةٌ من الوئام الخالص لابُد ستتلاشى لاحِقًا؛ لابُد سُتشتِّت رِياحُ الغضَب والحِنق؛ سنابل الوِدّ الرقيقة بَيننا .. مِرارًا وتِكرارًا؛ ولكن تكفِيني أبدًا هذهِ الرحمة في قلبي وقلبها مهما إشتدَّت الحادِثات.
بينمَا كانت والدة العريس تتحدَّث, بِلباقةٍ وإبتسامةٍ ثابِتة؛ كُنتُ أرى حقائبي مفتوحة على سطح السرير, يضحَك العريس وهُوَ يسترق النظر إلَيّ, وأنا هُناك.. أحزِمُ أمتِعتي وأتخيَّلُ سماء الخرطوم تقترِب وتلُوح.. يُقلِّب والدي نظراتهُ في الغرفة فَأُحِسّ برَفضهِ القادم ما إن نُودّعُهم؛ أزفُر مُرتاحة, و أُمي تُراقب حرَكاتي وسكَناتي بِحرص.. بعدَ نهاية الليلة, ودّعناهم أمَـام الباب وزَفرنا جميعًا ما إن أغلقناه.
* صباحًا, كان جهاز الحاسوب مفتوحًا أمامي على طاوِلة السُفرة, طبَق المُكسّرات وقنانِي المشروب الغازي لازالت مُوزّعة على الطاوِلات, الأضواء مُطفأة, الستائر مُسدَلة, ورائحة القهوة تفُوح في المكان.. وضعتُ الكُوب وأنا أجمَع خُصل شعري لأرفعهُ عالِيًا, يُفتَح باب غُرفة والدَيّ, يخرُج أبي بِوَجهٍ نَعس وعينانٍ غائرتان , يرمقني بنظرةٍ مُستغربة : ريل
أبتسِم وأنا أُنزل قدمي عن الكُرسي ناظرةً إليه : صباح الخير باباتِي
يمسَح وجههُ : صباح النور؛ شنو المصحيك بدري كِدا
_ : بعمَل في حاجه؛ مُهمَّة
قطَّب حاجبيه بإستنكار وهُوَ يذهب بإتجاه المطبخ
نهضتُ خلفهُ : أمشي إتسوَّك , حعملّيك الشاي
نظَرَ إليّ بِطَيفِ إبتسامةٍ نَعِسة : يابتّي, أنا داير أشرب موية وأكمِّل نومي
نظرتُ إلى عقرَب الساعة على الجدار خلفي
خرَج أبي حامِلا كأس الماء : مالك إنتي .. في خشمك في كلام قوليه
زفَرت بِخوف وأنا أتبَعهُ
جلس على الأريكة , أخذَ يرتشف الماء ناظِرًا إلَيّ
جلستُ على حافَّة الأريكة بِقلَق
وضَع الكأس جانِبًا وشبَك كَفَّيه بإنتظار حَديثي
إستجمعت شجاعتي أخيرًا : بابا أنا قرّرت أرجع السودان
قطَّب حاجِبَيه مُلتفِتًا بِجذعه إلَيّ : ترجعي السودان .. لـشنُو ؟
رفَعتُ كَتِفيّ مُبرِّرة : جاتني فُرصة شغل كويسة هناك
أبي : أحسن من تخصُّصك البديتيه هِنا ؟
تنهَّدت : هُو.. أكيد ما أحسَن؛ بس حاجه كُنتَ عايزه أعملها من زمان
أبي بإستسفار : اللي هي ؟
_ : أدرِّس في الجامعة
زفَر مُشيحًا عنّي
أردَفت : مُمكن أبدا التخصص هناك وبدون أيّ تكاليف زايده
أبي : ريل , حتخلّي سنتك الباقي فيها شهور وتمشي تبدي من أوّل وجديد ؟
_ : إحنا بندفع تكاليف عاليَة هنا يابابا
أبي : أنا إشتكيت من التكاليف يابابا ؟ وبعدين إنتي أثبتتي جدارة ونهاية السنة حتلقي مُموِّل يكمّل ليك أقساط التخصُص
زفَرت : أنا ما مُرتاحة كِدا يابابا, القروش دي أولى بيها لمى وماما؛ وأنا بقدر أدبِّر روحي
أشاحَ عنّي
فرَكت كفَّي بِتوتُّر
إلتفَت نحوي بعد تفكير : تخصُصك هنا بيضمن ليك شُغل هنا؛ ودا أحسن مُستقبل ليك ياريل ؛ إنّك تشتغلي هِنا
_ : عارفة.. مُمكن أوقّف التخصص فترة
أبي : وليه العطَله يابتي؟ ليه التأخير
تنهَّدت بإحباط
ربَّت على ساقِي بِرفق : ريل ؛ إنتي لو عايزه تمشي إجازة وتجي أنا ماعندي مُشكلة
رفَعتُ نظراتي إليه
أبي : أ | 425 |
| 5 | أدهم : إعطينا خبر قبل ماتسافري.. لنودعِك
إبتسمت وأنا أُومئ برأسي : أكيد , إن شاءالله
لوَّح بِكفِّه مُبتسِمًا.. وذهَب
* في صخَب المُستشفى, كُنتُ أسير كخيالٍ لا يُرى؛ هذهِ المرحلة هيَ الأقسى على الإطلاق؛ أن تُفيق بعدَ عامَين على حقيقةٍ واحِدة: لازِلتُ عالِقة. كالخارج من غُرفةِ العمليات.. يسري المُخدِّر في جَسدهِ لكنهُ شيئًا فَشيء يُدرك حقيقةَ الأشياء, يسمع ويرى صورًا بعيدة وأصداءَ تتردَّد, كُنتُ أنا ذلك المريض, وكُل الدُنى غُرفةُ إفــاقة!. عندما إنتصَف اليوم كُنتُ أتحضَّر لدخول عمليةٍ مُهمَّة, بينمَا يستلم الجميع الملابس المُعقَّمة كُنتُ أجلِس في زاوية الغُرفة وسؤالٌ واحِد ظلَّ ينقُر رأسي : هل ريل السعيدة هيَ التي صنَعت ريل التعيسة؟ تلك المُتّقدة التي لا يخبُو وهجها ولا ينضب نهرُ الحياة فيها؛ هيَ من ركضَت نحوَ الهاوية وأودَت بِي إلى هذهِ النهاية؟ أرفَع رأسي , ولا يبدو المكان حَولي كَـ عقاب, إنّهُ يبدو كـمُكافأة , لكنّي أعود وأنظُر في الداخل .. فلا أجِد سوى الخواء.
* (لم يكُن أداؤك كما توقعت د.ريل, حاولي بذل الأفضل في المرّةِ القادِمة) همَس لي كبير الجرّاحين بهذهِ الكلمات وهُو يخلَع ملابس العمليَّة , تنهَّدت وأنا أخلع قُفازَيّ , أحُلُّ ربطة "القاون" الجراحي من الخلف وأنا أخرُج عبر باب الغُرفة المعدني.. أرمي بهم إلى سلَّة القُمامة, وأشرع في غسل كفَيّ.
عندما وصلتُ إلى إستراحة الطبيبات كانَت فارغة نسبيًا إلا من شلةٍ ثُلاثية, خلعت حجابي وأنا أتمدَّد على الأريكة , تفقَّدتُ هاتفي.. ساعات قليلة على نهاية الدوام , تأمَّلت صندوق الطعام فوق الطاوِلة, زفَرت غير راغِبة بِه وأغمضتُ عينيّ.
* مُنذ وصولي إلى المنزل؛ كانَ أوَّل شيء أفعلهُ هُوَ التدوين.. أخرَجت دفتر الطبيبة مروة الجديد من الصندوق؛ وبدا ذلك الأمر شاعِريًا للغاية, كمَا كانت الرائحة تأخذني دائمًا إلى منبع ذكراها, كانَ التدوينُ أيضًا, ذلك الدفتر الذي تمسّكتُ به كآخِر طَوق نجاة, عندما كان المَوج يعلُو فَوق شُطأني, أُنادِيه الآن وأنا أستأنف رائحةَ الموانئ ومَناحات الرحيل.. فوقَ فِراشي وكأنّي بِسَكني الداخلي هُناك.. كُل هذهِ الخُضرة حَول نافذتي ولازلتُ أرى الشجرة الوحيدة وسَطَ مباني الحَيّ تُلوِّح لي عبرَ أسوار الشُرفة, كُنتُ أشعُر بتلك الأعوام تحتشدُ في صدري, أردتُ أن أرويها؛ أن أفتَحَ لعصفوري الشَجيّ بابَ القفص, وأتأمّلهُ يُغادر حُرًّا غيرَ مُثقلًا بأمسِه.
( عُمري مافهمتَ جُملة سامحِي نفسِك؛ غير لما طال الخصام بيننا.. دايمًا كُنتَ رابطة فكرة السعادة بالألـم, الفرح بالمُعاناة, لابُد نهاية القصّة تكون دموع ومأساة, دا اللي إختبَرتُه في حياتي كُلها ؛ سعادة تُفضي إلى ألَم! روحي المَرِحة دايمًا كانت بتجذب مُعذّبها, فَ بقى كُل البعرفو عن نُسختي السعيدة إنها مَجلبة للمصائب, طفلة رعناء تُفسِد كل شيء فقط لِكَونها "نَفسها". طَويتُ تلك الصفحة, ورُحت أُراكم الصفحات والغُبار فوقها؛ لستُ أنا "أنا" بعد الآن, ولطالما كانت قَسوتي, دِرعٌ تحتمي تَحتهُ رِقَّتي. كُنت مُحتاجة سنين طويلة عشان أفهَم إنّي ماكُنتَ المُشكلة! قرأت ذات مرّة عبارة تقُول " الطريق الوحيد إلى التُعلُّم: يمُر عبرَ الحياة" ودي كانت إجابتي الشافيَة لكُل الأسئلة الحائرة, ريل السعيدة ما إتسبَّبت في ظهور التعاسة, ريل السعيدة كانت النُسخة الأصغر, كانت مادة خام للإختبارات والإخفاقات, كانت الجسر للنجاح ورَسم الحدود وتصحيح المسارات.. ريل السعيدة ؛ بكُل أخطاءها, رعُونتها, ركضها ورهَقها, أُسامحها؛ وأُسامح ذاتي من خِلالها , لأنّها كانَت: أنا. ليست ذلك الوَحش الذي طارَد حياتي إلى الهاويَة, إنّها الأمس الذي جَعلني مُمتنّة لنعمَة اليوم. )
طالَعتُ صفحة الإمتنان, ولم أمتلِك إجابةً أمثَل مِن: “ مُمتنة للغُفران.. مُمتنة إني سامَحتني؛ ومُمتنّة لِـ ريل "
* عُقبَ مَغرِب اليوم التالي؛ خرَجت من غُرفتي بِنصف إغماضة, كانت والدتي تُهرول بين المطبخ وغُرفة المعيشة, والدي جالسًا أمام التلفاز مُتأنِّقًا, قطَّبتُ حاجِبَيّ وأنا أُوزِّع نظراتي بَينهُم : في ضيوف جايين ولا شنو ؟
ضحِكت والدتي : ريل إنتي الظاهر المُستشفى لحست عقلك؛ خُشي إستحمي سريع وأجهزي
إلتفَت والدي إلَيّ : ريل يا بابا نايمة للوقت دا ليه ؟
فرَكتُ عَينيّ : ساهرت أمس, الليلة أوفّ ف أخدت راحتي شوية
أبي : بتضُرّي صحّتك بالسهر دا , إنتي ست العارفين
_ : وين لمى ؟
أُمي : خلّيها لمى هسي؛ خُشي أجهزي !
_ : أُمِّي أجهز لشنو !
أبي : ريل؛ إحنا إتكلمنا في شنو أوَّل أمس, مُش إتفقنا الجماعة يجو الليلة ؟
_ : لا أنا ما إتّفقتَ في شي
أُمي : لا إتفقتي؛ قُلتي أمس عندك عمليات مُهمّة ما مُناسب معاك أجّلناها لي الليلة , في شنو تاني ياريل ؟
تنهّدت وأنا أُولّيهم ظهري إلى الحمام
أُمي : أقيفي هنا كلميني زي مابكلمك ؛ نسوّي ليك شنو يا سِت ريل ؟
نظَر والدي إليها : رشَى
أُمي : عليك الله بس شوف ب | 231 |
| 6 | ي وهيَ تفتح الثلاجة, تناولتُ لها الكأس من الأعلى , إستلمتهُ دونَ أن تنظُر إلَيّ , إستندتُ على كتفها من الخلف وأنا أُقبِّل خدَّها , نظرَت إلَي مُحاولةً تخويفي , ضحِكت وأنا أضُمَّها إلي
تصنَّعَت الجديَّة : القهوة دي بتقتُلك
رفعتُ رأسي عنها : القهوة بس ؟
أكمَلت بِغَيظ : وعنادِك, وراسك القوي , واللهِ ياريل ماتخلّي العناد دا تتعبي في حياتك
تنهَّدت : هسي أنا عاندتَ في شنو يا أُمي بس
وضَعت الكأس جانبًا مُتحفِّزة : قولي ماعاندتي في شنو ؛ ياريل أسمعي كلامي أنا أُمّك, إنتي بتِّي وبعَرفِك زي جوع بطني وبعرف البناسبك؛ الواحد لو مالقى ليهو زول يخُت راسو معاهو في مخدّة واحدة آخر اليوم عمرو ما يحس بالإستقرار, حتكوني بتلفي في ساقية يابتّي؛ مايغشوك بالألقاب والشهادات؛ دا كلو مابونِّسك لمن راسك يشيب, لا بغطِّيك ولا بِحن عليك
_ : مايمكن يطلع واطي ساي ولا يغطيني ولا يحِن عليّ
أُمي : الأُم والأب بتفرَّسو الصلاح في الزول الجاي يسوق بتّهم يا ريل ؛ ماتكوني قايلة الشغله مستوى إجتماعي وقروش؛ آي دي مُهمة لكن أوَّل شي بنعاين ليهو الأخلاق , الغلط وارد لكن في حاجات أساسية مابتتدَّسا ودي مابعرفها إلا الزول الجرَّب وعاش
قاطعتها بِتفكير : إنتي هسي.. مبسوطة مع بابا ؟
تنهَّدت وهي تُعيد الزُجاجة إلى الثلاجة : أبوك راجل , يوم ما أهانني ولا ظلمني شهادة الله بسألني عنها , خرَجت إلى غُرفة المعيشة, تَبعتُها
أردَفت : آي بنختلف مرّات, بنتشاكل ؛ لكنّ أنا ماعندي غيرو وهو ماعندو غيري
إبتسَمت وأنا أميل برأسي إلى كتفها , جالسين على الأريكة, ننظُر للستائر تسكُب ضوءًا راهِيًا على أرضيَّة المكان..
* ( معاك مُجتبَى يادكتورة ) إبتسَمت وأنا بينَ الحشود في محطَّة الميترو, أسمع التسجيل الصوتي القادِم من العاصِمة الخُرطوم, صباحًا؛ أصوات "الركشات" وبائعي الخُضار في خلفية التسجيل ؛ كانَت نبرةُ مُجتبى قد تغيَّرت, طرأَ عليها جديَّةُ الشباب والنُضج.. لكنّها ظلَّت مألوفة كما هيَ مُنذُ اليومٍ الأوَّل , مُرهَقة لكنّها حيَّة , كان يُحدّثني عن التغيير الذي عمَّ العاصِمة, ذلك الدفء الذي كُنَّا نُحسُّه أيام الجامِعة قد تلاشى , الأصدقاء أيضًا تلاشُو ( آخر مرَّه لاقيت حمزه قبل 9 شهور يمكِن.. البلد إتغيَّرت ياريل ) , كانت نهاية التسجيل غريبة, شعرتُ بأنِّي أعرِفُ ذلك الإسم من مكانٍ بعيد.. قصّةٌ أعرِفُها لكنها لا تخُصُّني , رواها لي أحدهُم في ليلةٍ قديمة وإفترقنا عُقبها , زفَرت؛ لم أكُن مُتضايقة.. لكنّني كُنتُ مُستغرِبة..
* عندما وصلت إلى مينى المُستشفى رنَّ هاتفِي, رفَعتُ رأسي لأرى أدهَم يُلوِّح لي من زُجاج المقهى الشفّاف بِداخل المُستشفى, قطَّبتُ حاجِبَيّ مُستغرِبة ودخَلتُ إليه, وضَع هاتفهُ داخل جَيبهِ وهُوَ يُصافحني : ريل , صباح الخير
أومأتُ مُبتسِمة : صباح النور
أدهم : أنا آسف إني جيت بدون ما أكلمِك , تقريبًا دوامِك لسه كمان ساعة ؟
نظرتُ إلى ساعَتي : أيوة.. تقريبًا
أشارَ لي على الكُرسي : إتفضلي
جلست على مضَض , جلسَ قِبالتي : بكرِّر إعتذاري إني جيت بدون موعِد
هززتُ رأسي بالنَفي : صدّقني عادي .. مايهمَّك
زفَرَ مُرتاحًا : أنا .. سمر كلّمتني عن الحوار اللي كان بينكُم
نظرتُ إليهِ بإنصات
أكمَل : أنا آسِف.. يمكن ماكانت فكرة صحيحة إني أخليها هي اللي تخبرِك
_ : الفكرة مُش في سمَر يا أدهم
أدهم : أنا فاهم عليكي, هَيني جاييكي بالكلام
إبتسَمت بإحراج
أكمَل : ريل أنا مشاعري تجاهِك حقيقية, من أوَّل يوم إلتَقينا
أغمضتُ عينيّ أتلافى الحرَج
أدهم : يمكن أنا خليت خوفي يتحكم فيني وضيّعتِك
نظرتُ إلى عينيهِ بثبات : أدهم؛ خلّيني أتكلَّم وأوصّليك فكرتي طيب
أومأ برأسِهِ مُنصِتًا
_ : إنتَ ماضيّعتني , أنا من الأساس ماكُنتَ فرصة مُتاحة ؛ شُوف .. إنتَ أساسًا حياتَك هنا ومُستقِرّ هنا , أنا لأ !
أدهم : كيف يعني ؟ إنتي مش مُقيمة ؟
_ : مُقيمة.. بس , تقدر تقُول ؛ على قلَقٍ كأنَّ الريحَ تحتي !
مالَ بِرأسهِ مُستغرِبًا
تنهَّدت وأنا أُكمل : الحياة اللي بنيتها هنا دي كُلها ما مُناسباني يا أدهم, أنا طول الوقت بجري كأنّي لاحقه شي أو هاربة من شي .. وطول السنتين ديل ماحسّيت بي نشوة الوصول ! مُجرد ركض
نظَرَ إلَيّ : يمكن إنتي مابدِّك تعطي نفسك فُرصة لتحسّي بالوصول ؟
_ : سنتين !
أدهم : مش بالسنين , بالتجارب ؛ ليه إنتي متخوفة من التجربة ياريل ؟
_ : عندي أسبابي
أدهم مُعتذرًا : أنا آسف ! ماقصدت أقولها بوقاحة والله
_ : عارفة..
أدهم : أفهم من حَكيك إنك حترجعي عالسودان ؟
إبتسَمت وأنا أذكُر لائحة الوظائف التي بعث لي بها مُجتبى , وكأنَّ فكرةً مجنونة نبَتت في فراغ رأسي : أظُن.. أيوة ؛ أظُن إني حرجَع
إبتسَمَ بأسى : سعيد عشانِك يا ريل ؛ طالما حتكوني مبسوطة هناك
نظرتُ إليه بأسَف : أنا آسفَة
أدهم : لالا.. ماتتأسّفي ؛ ماغلطتي بِشي إنتي
نهَض وهو يتفقَّد ساعَتهُ : ما أأخِّرك أكتر
نهضتُ أًصافحهُ : ما أخّرتني والله | 237 |
| 7 | #شـمس_بارِدة
الجزء الرابع والعشرون
(أُحجِيَةُ الغُفران..!)
(24)
* بِداخل غُرفَتي الصغيرة.. تتَّسِعُ عوالمٌ ومدارات؛ كُنتُ أشعِلُ ضوءًا خافِتًا, أترُك ستائر النافذة مُثبّته على جوانبها ؛ يدخُل الهواء بطيئًا يُحرِّك غطاء الفراش, ويُضفي على الغُرفة رائحةً مُميّزة. خرَجت من الحمام ألُفّ شعري بِمنشفةٍ , أرمي بظهري على سطح السرير ناظرةً للسقف؛ كانت تِلك الغُرفة حِصني المَنيع, حيثُ تدور النزاعات في الخارج؛ وأعقِدُ جلسات الصُلحِ وَحدي.. كُنتُ أملك نظام حمايةٌ ذاتي , إذ تتحطَّم الأشياء في الخارج وأظلُّ أُشيِّد الجُدران في الداخل, حتى بِاتَ الشعور بما يحدث حَولي أمرٌ شاق؛ يتطلب المثُول أمامَ العاصفة.. السماح لرياحها أن تنفُذ عبر مسامِي, وأنا بالكاد ناجِية مُعتادة على الهرَب!
رنَّ هاتفي حينها؛ كانت مُكالمةٌ مَرئيّة, رَفعتُ الهاتف بِبالٍ شارد, نظرتُ لإسم المُتَّصِل مُطوَّلًا؛ أجَبت أخيرًا بملامح لا تُفسَّر, أتاني وجهها السعيد قبل التحيَّة, خرَجت من بين شفاهي إبتسامةٌ صغيرة, ضمَّت كفَّيها أمامها وهيَ تميل بِرأسها إلى اليمين : رييييل
قرَّبتُ شاشةَ الهاتف من وجهي : لِيلي
لميس : مُشتاقين يا ماما واللهِ مُشتاقين
_ : إنتي أكتر والله.. ياريتك هنا
تنهَّدت وملامحها تتغيَّر إلى العبُوس : ياريتِك إنتي هنا
_ : أنا البجيبني عُمان شنو
لميس : ياسلام؛ أنا يعني أسباب جيّتي أمستردام جاهزه ؟
ضحِكت وأنا ألتفت بجذعي إلى اليمين : أخبارك شنو .. كيف ناس البيت
لميس : كويسين الحمدُلله , كلهم بينقُّو عشان أنزل أعمل خبرتي في السودان
_ : بالجد ؟
لميس : آي والله؛ بس أنا لسه مترددة؛ أمشي السودان لمنُو ياريل ؟ كلكم هجّيتو
_ : نيرمين.. ماقاعدة ؟
لميس : إنتي ماعارفة إنها سافرت كندا ؟
قطَّبت حاجِبَيّ بإستنكار : لا ! متين ؟
لميس : يابت؛ قرَّبت تتم 6 شهور
رفَعت حاجِبَيّ بتَعجُّب : واو ..
لميس : إنتو , لسه مابتتكلمو ؟
نهضتُ وأنا أُثبِّت الهاتف على مِرآة التسريحة : لا بنتكلم.. إتكلمنا كم مرّه
لميس : كم مرّه ؟
تنهَّدت وأنا أجلس خلف المِرآة, أُزيح المنشفة عن رأسي : ماف حاجه حترجع زي ماكانت.. خلاص
لميس : ماتقولي كِدا.. دي سنين كتيره ياريل؛ معقولة ما تسامحو بعض ؟
نظرتُ إليها بثبَات
لميس : تسامحيها أقصُد ..
_ : أنا مسَامحة, بس برضو ماف حاجه بترجع زي ماكانت يالميس
لميس : دا السبب اللي مخوّفني من رجعة السودان.. ماف حاجه زي ماكانت
بدأت أُمشِّط شعري بِبُطء : لو مصلحتِك هناك؛ حتمشي
لميس : رغد برضو رجعت قبل فترة
_ : أيوة.. كلَّمتني ؛ قالت حتبدأ تخصُّص هناك
لميس : هي الوحيدة المشجعاني على الرجعَه
_ : تفتكري ممكن نتلمَّا تاني ؟
نظرَت إلَيّ بشيءٍ من التحفيز : لو عايزين.. بنتلمَّا
إبتسَمت وأخذَني خيالي إلى إجتماعٍ وَردي.. لا تشوبهُ ألوانُ الفراق الأخير
لميس : بس إنتي شكلك إستقرّيتي هناك تمامًا
إلتفَتت إلى الباب وصَوت والدتي أخذَ يعلُو مُجددًا , مُجادِلًا حَول أمر العريس الذي رفضتُ قدومَهُ توَّا.. تنهَّدت : الإستقرار دا سراب , مهما تحس إنَّك قرّبت عليه يبعِد منك
لميس : شُغلك هناك ودراستِك هناك, برضو ماحاسّه بإستقرار ؟
نطَقتُ دُونَ شعور : جاني عريس
شدَهت عينيها بِي : بالجد ؟ متين ؟ منُو !
_ : ولد صاحبة ماما.. دكتور صَيدلي و معانا في نفس الحيّ
لميس : إنتي رأيك شنو طيب ؟
_ : ماعارفة.. يعني ؛ قُلتَ أدِّي نفسي فُرصة
كانت الأحاديث بارِدة.. كانت الحيـاة, بارِدة؛ كُنتُ أشعُر بالبرد يتسرَّب إلَيّ في عزّ الظهيرة, وفي مساءات الصَيف الحارَّة؛ هذهِ الحياة وهذا النُضج.. نغَمةٌ مُتوقَّعة؛ لاتُشبِه أحلامي المُتَّقِدة بحياةٍ لا تخلُو من الشغف والمُخاطرة, كانَا عامَين من الإدّعاء؛ هُنالكَ في العلَن, ترتدي الطبيبة مِعطفها الأبيَض, وتُحاضِر مجموعةً من بروفيسورات الجامعات عن وسائل جديدة لحفظ الأدِلَّة الجنائيَّة. تقُولُ صباحَ الخير, تُومئ بإحترام, وتخلع معطفها مساءً داخل غُرفة المعيشة.. تروي على والدها قِصصَ أحلامهِ المُتمثَّلة فيها, عِلمها الذي يُشبهُه وجدّيتها التي ورَثتها عنه. لكن هُناك؛ في العُمق.. في إضاءات الغُرفة الخافِتة, كانت تمكُث ريل الحقيقيَّة, تتطلَّع إلى النوافذ والشُرفات.. تُحبّ اللَيل وتملك مصابيحُه, تقفِز بينَ الحيوات دونَ أن تتعثَّر بالندَم, ودائمًا ما تخيط من آلامها المنثورة جناحًا وتطير.
* صباحًا, كُنتُ أحتضن كتابًا جديدًا بينَ كَفّي , لم يكُن عن صخَب الجريمة؛ بل على النقيضِ تمامًا, كان عن هدوءِ الغُفران, تِلكَ الأُحجيَة التِي كثُرَ رُواتُها , لكنّها تظلّ فريدةً في كُلّ قلب. أن تغفِر يعني أن تمنَحَ الشمس منفَذًا إلى أكثر غُرَفَكَ ظلامًا.. أن تغسل ذلك الظلام, وتتقبَّل فيما تلى رماديَة الصَفح بين الذكرى والنسيان. طَويتُ الكتاب وأنا أرى خطوات والدتي النَعِسة قادمةً نحوي, عيناها تتجنَّبُني , تنهَّدت وأنا أحمِل كُوب القهوة إلى المطبخ , دخلَت خلف | 289 |
| 8 | أغمضتُ عينيّ حينها أيضًا
وسالت دمعةٌ صغيرة على خدِّي, لن تُذكر عندَ رواية هذا المشهَد لاحِقًا.
يُتبَع…
- إسراء عبدالمطلب | 615 |
| 9 | مُنذ الصباح.. قلبتهُ على الطاوِلة وأغمَضتُ عينيّ , شعرتُ بجسدي يرتفِع عن الأريكة , لكنّي لم أخشى السقُوط.. كُنتُ أجلس في ظُلمة الشُرفة, ضوءٌ طفيف يربُو ويكبُر عبر أسوارِها, لحظةً بِلحظة, كُنتُ باسِمة.. بِقامةٍ حسَبتُها أرشَق مِمَّا أنا عليهِ الآن , طَيرٌ هائم أخذ يحومُ فَوق رأسي .. كلُّ السماء سماءَهُ, طَيرٌ سعيد, كُلُّ الطيور سعيدة وحُرَّة ..! أمعَنت النظر فيه, فتحوَّل إلى ورقةٍ بيضاء, أم أنّهُ مُنذ البداية, ورقةٌ بيضاء؟ أمسَكتُ بِها كأنّني أقبِضُ على حمامة خائفة, وضعتُها على أرض الشُرفة, ذلك البلاط الموشوم بِجراح الأمس.. إتّسخت وبدَت هرِئة , لكنَّ خيطًا بينها وبينَ السماء كانَ يمتدّ ويُوسِّع رقعة الضوء, عبر أسوار الشُرفة.. لحظةً بِلحظة. صدَح أذان الفجر أرجاءَ الشُرفة و .. رفعتُ رأسي فزِعة, كانَ ثقيلًا, فتحتُ عيناي أُقاوم الألَم, سمعتُ آذانَ الفجر يصدَح في الغُرفة, قطَّبتُ حاجِبَيّ ونهضتُ مُتثاقلة..
* عندما وصَلتُ إلى المنزل كانت الساعة السادسة صباحًا.. أشّعةُ الشمس الراهِية تلحق بي إلى الداخل, أغلَقتُ الباب وهَرولتُ مُترنِّحة إلى غُرفَتي, رَميتُ بحقيبتي وقنّينة الماء على الأريكة, هبطتُ على الفراش بِجسدي المُنهَك ولم أشعُر بعقرب الساعات وهُوَ يمُرّ.. فتحتُ عينيّ على صوت أُمِّي مُعاتِبًا : ريل يابتِّي الواحد بقوم ياكُل ويشرب , قالو الراحة نوم بس
تنهَّدت وأنا أسمعها تستغفر وتُغلق الباب مُجددًا, في كُلّ صباح أسمع فيهِ تأنيبًا مُشابهًا كُنت أتذكَّر فقط مِسك وهيَ تضع لي صينية الإفطار وتُهروِل إلى مُحاضرتها؛ أو ريمة ليلًا تُعدّ لي عشاءً لن أتناوَلهُ معها؛ ظللتُ طيلةَ عامَين أتذكّر حياتِي المُنصرمة .. تلك التي لم تكُن حنونة كما صَوت أُمي, لكنّها بطريقةٍ مّا ناسَبت ريل وأسَرَتها للأبد.
نقَرتُ شاشةَ هاتفي , من بين الإشعارات المُتراكمة كان هُناكَ رقمٌ غريب.. غيرُ مُسجَّل, قطَّبتُ حاجِبَيّ بإستنكار وأنا أستدرك أنَّهُ رقمٌ سوداني , فتحتُ الرسالة على عجَل , كانت مُقتضبة وغريبة " عندنا شواغر عمَل .. ماناوية ترجعي يادكتورة ؟ "
طُرِق الباب فانتفضتُ فَزِعة, كانَ أبي, إبتسَمت وأنا أُحاول تهذيب شعري ناظرةً إلَيه, كان يبتسِم كأنَّما يُمهِّد الطريق لحديثٍ جلَل , ظلَّ مُمسكًا بمقبض الباب.. سألني أخيرًا : كمّلتي نومتك خلاص ؟
ضحِكت وأنا أُزيح الغطاء عنِّي : الحمدلله
أبي : تعالي طيِّب, نشرب شاي المُغرب ونتكلم لينا كلمتين سوى
قطَّبتُ حاجِبَيّ وتَبِعتهُ مُستغرِبة , جلَس على الأريكة وأشارَ لي بحركتهِ المُعتادة أن أجلِس
جلَست قلِقة , نظَر لأُمِّي عبر مدخَل المطبخ المفتوح , زادَ قلَقي , تنهَّد ونظَر نحوي : ريل يابتِّي.. إنتي الحمدلله رب العالمين إتعلّمتي أحسن تعليم , وإشتغلتي في المجال البتتمنّيه
شعرتُ أنِّي أعرف الكلمات القادِمة
أبي : إنتي ماصغيرة.. وإحنا ما دايمين ليك يابتِّي, والإنسان لازم يجهِّز أولادو لي الأمر دا لأنُّو سُنَّة الحياة
أصَبت.. كُنتُ أعرف الكلمات القادِمة
أكمَل مُستطرِدًا : أُمِّك كلّمتني بالعريس الإتقدَّم ليك, أنا شايف إنو مُناسب جِدًا وأهمَّ حاجه حيتقبَّل نمط حياتك
همَمت بالتبرير : لكنّ أنا ..
قاطَعني : شوفي ياريل , الرجال الكويسين بقو عُملة نادرة في الزمن دا , لازم تفهمي المعلومة دي كويِّس.. وقبل ماتقولي قرارك ورأيك تفكري ألف مرّة وتحسبيها حسبة عُمر
ربَّت على ظهري وأردَف : فاهمة يا دكتورتنا ؟
إزدرَيت ريقي وأنا أغِصّ بالكلمات.. ذكرتُ صراخهم البارحة, صفعة الباب, حياة كهذهِ.. لابُدّ أنها وِسامُ الشجاعة تليقُ بِمُحاربةٍ مِثلي.
تهلَّلت أسارير أُمِّي وهيَ تحمِل صينيّة الشايّ : أكلِّم الجماعة يجو بكرا ؟
رفعتُ رأسي لوالدي ومُقَلي الخائفة تمتلئ بالدَّمع
رأيتهُ يهزُّ رأسهُ لها مُغمِضًا عينيهِ | 588 |
| 10 | .. خلفَ سُفرة الطعام بخطوات, كانَت غُرفة والدَيّ, بابُها مُشرَع , يقِف أبي أمامهُ وأُمّي التي لا يظهر منها سوى ذراعها وخُصل شعرها , كان صوتهم يعلُو شيئًا فَشيء, سمِعتُهُ يتذمَّر : يرحم والدِيك كفاية! كفاية! يومي على الله مشاكل على الفاضي والمليان يابتّ الناس أرحمينا !
كانت تصيح مُدافِعة : دا الدايرنُّو إنتَ وبناتك؛ تبردُّو راسكم على حسابي , أنا متغرّبة من أهلي بالسنين عشانك وعشان بناتك ورّيني في الآخر إستفدتَ شنو ؟ لا بتشكرو لا بتحمدو وبعدّه تتّفقو عليّ
صاح أبي : يا مُثبت العقل والدين , الإتَّفق عليك منو هسّي ! ورينا مُشكلتِك شنو نحلَّها ليك !
أُمي : مُشكلتي البيت دا, مشكلتي العيشة دي ؛ عمري دا كلو صابره ومتحمّله , لمن يوم أطلب لي منَّك حاجه ولا أدِّي بتي رأي تقومو فيني زي الكفَرتَ
صمَتت بُرهة, وشعرتُ بدمعها دافئًا يتسرَّب إلى خدَّيها النَديَّين : الله بِرحَم إنتو ما بترحمو, أديتكم عمري كلُّو مالقيت غير نُكران
نظَر أبي نحوي حينها, وصفَعَ الباب غاضِبًا, جَفلت وأنا أسمع صُراخهم يزداد عُقبَ إغلاق الباب
تنهَّدت وأنا ألتفِت لشقيقتي التي إستيقظَت لتوَّها, أحطتُها بذراعي وهي تمسَح عينيها : صباح الخير , بدت الحفلة ؟
أحَطتُها بذراعي وأنا أقودها نحوَ السُفرة : على مايبدُو
جلستُ إلى السُفرة وأخذت هيَ فرشاة أسنانها ذاهبة نحوَ المغسلة
سألتُها : إمتحاناتك كيف ؟
أجابَتني وهيَ تتمضمض : زي الزفت
_ : ليه كدا يا لمى ؟
عادَت إليَّ تُجفِّف كفّيها : ريل أنا ماعايزه صيدلة, ماعايزه مجال طبّي من الأساس !
_ : جايه تقولي كدا نهاية السنة؟
سحَبت الكُرسي وجلسَت قِبالتي : قُلتو من الأوَّل, إنتي كُنتي مشغولة مع المستشفى والجامعة مابلومك.. بس أنا كنت محتاجة زول يليِّن دماغ بابا عشان يخلّيني أقرأ التخصُّص العايزاه
_ : ياسلام, وشنو هو التخصص العايزاه ؟
لمى : تصميم داخلي طبعًا
سكَبتُ من الأرُز إلى طبَقي : بالله عليك دا تخصُص عندو مُستقبَل ؟
لمى : أكيد عندو ! أنا قريت كُل حاجه عنُّو وجهَّزت أوراقي للمِنَح
نظرتُ إليها : لمى , التخصصات دي لا تُسمن ولا تُغني من جوع؛ الواحد يقرا حاجه ينفع بيها نفسو وينفع الناس
قطَّبت حاجبيها ناظرةً إلَيّ : ريل إنتي بقيتي تتكلّمي زيُّهم بالضبط, بقيتي نُسخة منّهُم
تنهَّدت وقد إرتجَف كفِّي, وضعتُ المِلعقة : أنا بحاول أفكِّر بمنطقيَّة
لمى : ومنو قال المنطقيّة إنك تبقى نُسخة من شخصية أهلَك ؟ منو القال إنَّك لازم تحقِّق أحلامهم هُم وتهمِّش أحلامَك ياريل !
زفَرت وأخذتُ أسكُب لها الخُضار إلى طبقها : لمى.. إنتي عارفة الكلام دا مابجيب فايدة معاهُم
لمى : ريل بطّلي سلبية, موقفِك دايمًا سلبي وإنهزامي أنا ماعارفة إنتي إتحوَّلتي لي ماما متين وكيف !
رفَعت نظري إليها , ودقَّات قلبي تتسارع, أخشَى أنِّي شَبِهتُها بالفعل, وأنَّ عمَّاتي اللاتي تُلصقني بِهُنّ ما هُنَّ إلى طَيفُ أبي الذي تكرَهُه.. وتراهُ يلحَق بِي مُحاوِلًا تلويني بألوانِه, كانَت لمى مُحقَّة.. لقد أخذتُ أسوأ مافي الشخصيَّتين وصيّرتهُ ذاتًا لَي.. لم يكُن أبي سيّئًا, ولا أُمي, رُبما هيَ حادَّة الطباع, رُبما هيَ إمرأة مُهمَلة من قِبَل الجميع.. لكنّنا نُحبَّها؛ ليسَت سيئة, هيَ فقط لم تُعلِّمنا كيفَ نُصرِّح بالحُب..
فُتِحَ بابُ الغُرفة, أحنَت لمى رأسها وراحَت تنقُد بِملعقتها في الطبق , أتى أبي وجلَسَ على رأس الطاوِلة بأنفاسٍ لاهِثة, مدَدتُ لهُ بالطَبق.. المِلعقة , زفَرَ وهُوَ ينظُر إلَيَّ بِتَردُّد, سكَبتُ لهُ الطعام وجلَست مُتوجِّسة ..
* مساءً, كُنتُ أُهروِل عبرَ درَج الطوارئ نزولًا إلى الطابق الثاني.. إلى قسم العناية المُكثَّفة, توقّفتُ وأنا أمسَح بطاقتي أمَام الباب الإلكتروني, يُفتَح , وأُهروِل إلى منطقة المُمرّضات, تستقبلني إحداهُن بإنجليزيّةٍ طَلِقة ( دكتورة , المريضة تُعاني من ضيق في النفَس وتورَّم في الرقبة حول الجرح , سحبنا التحاليل توًّا لم تظهر بعد )
أرتدِي كمّامتي وأنا أُملي عليها ( إتّصلي بإستشاري الجِراحة المُناوب, ثُم إلحقي بي مع أدوات التعقيم, يبدو أنّهُ تخثُّر دموي في منطقة العملية )
كان ذلك نداءُ العناية الثالث لهذهِ الليلة.. إقترَبَ الفجر ولازِلتُ يقِظة, تجاوزتُ الثلاثين ساعة على أقلّ تقدير.. خلعتُ قفازايّ وكمَّامتي, أومأتُ لكبير الجرّاحين وأنا أذهَب بإتجاه المُمرضة مُجددًا.. أُملي عليها خُطَّة العلاج الجديد.. بعض التغييرات بالأدويّة, (سنأتي عُقب ساعة أو أقل لمراقبة الجرح؛ إذا طرأ أمر لا ترددي في الإتصال ) أومأت بِرأسها مُبتسِمة, أرخَيت عينيّ النَعِسة وأنا أخرُج من القِسم.. ذكَرتُ مكتُوب الطبيبة مروة "أتخيَّل عينيك البشوشتين يغشاهُما طَيفُ نُعاس" زفَرت وإبتسامَتي تتَّسع..
* على أريكةٍ طويلة, مدَدتُ ساقَيّ, خلعتُ شرائط البطاقات التي تُحيط بِعُنقي وفردتُ شعري على الوِسادة الصغيرة, تنهّدت وأنا أتفقَّد هاتفي, الثالثة فجرًا وهاتفي يضجّ بالمُعايدات | 473 |
| 11 | شان هيك بعَتني إلي
أمسَكتُ بِكفّها وأنا أبتسِم : ماتعتذري, صداقتنا في محلَّها؛ أنا بس قافلة الباب دا .. سامحيني
زفَرت بإرتياح : أُوه! حمدلله إنك مازعلتي , والله كنت بدّي أخنقُو
ضحِكت وأنا أراه قادِمًا نحونا, نظراتهُ الحذِرة لشقيقته
وقَفَ على رأس الطاولة : قرّرتو حتاكلو شنو ؟
سمر : ماتتكلَّم سوداني تاني, ريل قالت لكنتَك بتضحِّك
نظرتُ إليها على وجهي طَيفُ ضحكة
ضحِكت وهيَ تضرب كفَّه : بمزح , روق
زفَر مُرتاحًا وهُوَ ينظُر نحوي , ضحِكت وأنا أمُدّ لهُ بالمنيو : حاخد دجاج بالصوص الأبيض
سمر : ألفريدو .. بتعرِف
هزَّ رأسهُ بالموافقة : حتشربو شنو طيِّب يادكاتره ؟
سمَر بتفكير : باخد كولا
نظرَ نحوي, خرَجت أصواتنا معًا : عصير بُرتقال ؟
إنفرَجت شفاهنا بإبتسامة
أمسَكت سمر بهاتفها وهيَ تُحاول منحنا مساحةً للحديث
ضرَب على الطاولة بأصابعهِ وهُوَ يُحاول الذهاب : كولا.. برتقال
هززتُ رأسي .. تراجع بظهرهِ حينها وهروَل بخطواتٍ ثابِتة إلى الكاشير
تنهَّدت وأنا أنظُر للرُخامة أمَام منطقة الكاشير .. كانت عريضَة, رماديَّة , جفَلت بنظري إلى الفراغ مُجددًا.. ما إن إنتهت فقرةُ الطعام حتَّى تركَتنا سمر وعادت تحمل كعكةً صغيرة تتوسَّطها شمعة؛ كانت شمعةُ الميلاد.. وشمعةُ الماجستير, ما أشبَه اليـوم بالأمس ؛ بينما نهض أدهَم إلى جوار شقيقتِه وأخذا يُنشدان "سنة حلوة ياجميل" كانَت ذاكرتي تعبَث بِي على نحوٍ سيّء, رأيتُ ريم وهيَ تُشرِّع ذراعيها لِي.. راشد يُقاوم دَمعهُ, أوَّاب يرقُص , وآلاء تدُور حولنا حاملةً طبق الكعك , كانت هذهِ الغُربة تفتُك بِقلبي, هرَبت دمعة إلى خدِّي وأنا أبتسِم لسمَر, يُصفِّق أدهَم وهُوَ يوزِّع نظراته بينَ طاوِلات المحلّ, كانَ الجميع يُصفِّق, رؤوسًا شقراء تتأرجح ولكنةٌ إنجليزيّة تُعايدني, إبتسَمت بعينين ضبابيّتين ملأى بالدموع, لوَّحتُ لهُم وأنا أشُقّ بإبتسامتي سَيل بُكائي..
* ( الدكتورة الطَبيبة الجنائيّة ريل أبو القاسم ) ضحِكت وأنا أغلِق بابَ المنزل لأرى والدي على الأريكة, مُشرِّعًا ذِراعَيْه لي .. وضعتُ حقيبة الحاسُوب أعلى دُولاب الأحذية , هرولتُ نحوهُ وأنا أخلع مِعطفي , وضعتُ رأسي على صدرِه بينما ربَّت على ظهري بوتيرةٍ حنونة : بتِّي الفارسَة
إبتسَمت ناظرةً إليه : فارِسة ؟
ربَّت على سطح الأريكة , جلستُ بجواره أطوي قدمِي أسفَل الأُخرى
أكمَل : مُش بقولو الراجل دا فارِس
هززتُ رأسي
أُبي : إنتِي بت فارِسة
ضحِكت وأنا أميل برأسي إلى صدرِه
أرفعهُ ناظرةً إليه : إتغدّيتو ؟
زفَر مُشيحًا بنظراتهِ عنِّي : أُمِّك غضبانه علينا من الصباح ماعارف ليه, وأُختِك لسه ماصحَت
تنهَّدت بِضيق
نهضَ بِحماسة : لكن شوفي هسّي أبوك حيعمل غدا شكلو كيف
ضحِكت وأنا أسحَب مِعطفي ذاهبةً خلفَهُ : عندي ساعة بس على بداية الشيفت
نظَر لساعة مِعصمه : مالك إتأخّرتي في الرجعه كدا
إستندت إلى حافَّة المدخَل , بينما أخذ هُو يختار حبَّات البصَل : سمَر , السوريَّة ؛ أصرَّت تحتفل بَي
أبي : كتَّر خيرها والله, بت ظريفة
تنهَّدت وأنا أذهب بإتجاه غُرفتي : بس إتأخَّرتَ وأنا تعبانه
أبي : أخدي ليك حمام مسافة الغدا يجهز , تاكلي وتطلعي
فتحت باب الغُرفة, كان المُنبّه لايزال مقلوبًا على وجهِه.. زفَرت وأنا أُغلق الباب , أخلَع ملابسِي .. أتركها على أرض الغرفة وأدخُل إلى الحمام
طُرِق باب الغُرفة بينما أُجفِّف شعري أمام المِرآة, فتَح أبي الباب حامِلًا صندوقًا مُغلَّفًا , نظرتُ إليه بفضول , تفقَّدهُ مُتحدّثًا إلَيّ : الطرِد دا وِصلك هسّي , ماعليهو إسم ؛ إنتي طالبه حاجه ؟
تقدَّمتُ إليه بإستنكار : ما أظن
إستلمتهُ منهُ , أولاني ظهرهُ : يلا الغدا جاهز
_ : حاضر
هرولتُ إلى السرير, جلستُ وأنا أفتَح المُغلَّف , أستلم دفترًا.. شبّهتهُ بآخَرٍ قديم, قلَّبتُ صفحاتهُ الفارِغة بحاجِبَين معقودين, إلتقطتُ البِطاقة بِداخلهِ أخيرًا , فتحتُها لأقرأ
" في عامِها الخامس والعشرين, الطبيبة ريل .. هيَ من تُداوي , سمِعتُ أنباء عمَلك بِهولندا , تخيّلتُك بِزيّ العمليات , أكُفِّك مُغطَّاة بالدماء وعينيكِ البَشوشتين يغشاهُما نعاسٌ طفيف.. تُحدّقان إلى مِشرطٍ وضمادة, لطالما إمتلَكتي هذهِ الحيرة.. أنتِ الآن تُتقنين مُعادلة الحياة, بِـهاتين القِطعتين, سويًا, دُونَ غلَبة العطف, دونَ سيادة الجَرح. لابُد أنّك تعرَّفتي على الدفتر ؟ لا تُبارحي التدوين. أخيرًا؛ بَنين حتتِم 23 سنة ؛ لازلت أراكِ فيها , وإن شاءالله تسلُك طريقك ونَهجِك ياريل؛ إنتِ فخر. “
- د.مروة _ الخرطوم, 2025
خرَجت من بين شفَتيّ ضحكةٌ صغيرة , هبطَت دمعة على البطاقة ولازِلتُ أتأمَّلها.. ضممتُها إلى صدري, وأدرَكتُ حينها أنَّ السعادة هيَ أن ترى نفسِك مصدرًا للفخر لدى ذات العَين التي أطلعتَها على جرحِك. كم بدا هذا الطرد عزاءً رائعًا لعامَين من الغُربة والألم والصَمت.. كانت هديةُ الميلاد المثاليَّة!
تركتُ الصُندوقَ خلفي وهروَلتُ إلى الخارج, وهُناك | 299 |
| 12 | القاعة : حاضر.. بإذن الله
في الداخل , كانت المُدرّجات خالِية إلا من بعض طُلاب الماجستير .. وصَل بعضُ الدكاترة , جلسَت سمَر قريبًا من منصَّة العرض وهيَ ترفع إبهامها نحوي مُحاولةً تطميني؛ إبتسَمتُ لها ؛ كانت سمر مُنذ اليوم الأوَّل في رحلة الماجسير شخصًا مُفعمًا بالحياة, لا تفوتها صباحُ خَيرٍ واحِدة, ولا إفطارًا شهيًّا أمَام مبنى الجامعة العريق؛ شارَكتني يومًا مّا جُرحًا قديمًا تحملهُ عميقًا في صدرها , كانت قد قضَت سَبع سنوات بالخُرطوم هيَ وأخاها الأكبَر, حدَّثتني عن الأثر الذي تركَتهُ الخرطوم بِداخلها ؛ لهجتها السودانيَّة الصافية, وحُبّها الغريب لبلدٍ لا تنتمي إليه.. كُنتُ أتحاشى أيَّ صداقات, لا روابط عاطفيَّة.. لا مشاعر ولا ذكريات, كُنتُ فقط.. وطِيلةَ عامَـين؛ فتاة تُحبّ الأسوَد, لا يكاد يظهر منها سوى شِفاهها المزمومَة بِحرص, نظّارتها الشمسيَّة وحقيبة الحاسوب التي تحتضنها دائمًا , في اليوم الوحيد الذي كسَرت فيهِ سمَر حِرصي, وأجلَستني معها بأحد المقاهي.. كانت تروي حكاياها بِلا توقُّف, كُنتُ أقطِّب حاجِبَيّ ولم تكُن تراني.. مُسترسلة بأحاديثها بينما أتأمَّلها بِغرابة ( أهكذا كانت تبدُو ريل ؟ هذهِ العفوية , هذه الثقة العمياء, والأحاديث غَير المُنقطعة؟ ) عندما إنهمَر دمعها أخفَتهُ بضحكتها الجميلة, ربَّتتُ على ظهرها.. دُونَ أن أنبث بِبنت شِفّه؛ دُون أن أُخبرها أنِّني أيضًا ناجِية, من جرحٍ مُشابِه, لكنَّ فأسكِ لازالت عالِقة بِحذعك , غيرَ أنِّي إقتلعت ذلك الفأس, وجِذعي, وهَربت..
* ضُهرًا كُنتُ أُهروِل بإتّجاه الباب, آمِلة أن لا تراني سمَر؛ لكنّ صوتها الرنّان إعترَضَ طريقي مُجدًدا : ريل.. لوين هاربة لوين ؟؟
تنهَّدت وأنا أخلع نظارتي الشمسية؛ ألتفِت لأجدها قادِمة نَحوي : بعرف إني غليظة بس واللهِ مافيني ما أحتفل فيك ! اليوم مُناقشتك وعيد ميلادك كمان
إبتسَمت وأنا أُمسِك بكفَّها : واللهِ مُقدَّرة دا ياسمر, بس أنا مابحب أعياد الميلاد
سمر : صدقيني مافي مجال للإعتراض , المطعم محجوز خالِص
زفَرت : طيِّب.. بس ماحقدر أتأخَّر
شَبكت ذراعها بِذراعي : بعرِف يادكتورة , ماحأخِّرك
إستقلّينا الميترو في الذهاب , عندما وصلنا إلى المطعم كانَ أدهَم شقيقها بإنتظارنا هُناك, نظرتُ إليها لائمة, إبتسَمت بِمَكر وهيَ تتراجع
مدَّ كفَّهُ نحوي : دكتورة ريل
إبتسمت : أهلًا أدهم
فتَح لنا باب المطعم : إتفضُّلو
دخلنا وأخذنا نتأمَّل فخامة المكان , كانَ تصميمهُ قديمًا, مزيج بين الذهبي والقُرمزي القاتِم.. تعثَّرت بأحَد الكراسي وأدهم إلى جواري , سحَبهُ لِي مُبتسِمًا , أومأتُ بِرأسي وجلستُ على مضض
إبتسمت سمَر ناظرةً إلينا : سبحان الله قلبك حسّ إنو هاي طاولتنا ياريل
ضحِكت وأنا أُوزِّع نظراتي بينها وبين أدهَم
جلَب لنا أدهم المنيُو وجلسَ بجوار شقيقتِه , إبتسَمت قبل أن أنظُر إلى المنيُو : شُكرًا ياجماعة واللهِ.. ماكان في داعي للتعب دا كلُّو
بعثَت لي سمر بِقُبلة , بينما عقَّب أدهم : بعد كُل التعب دا عايزه تغادري الجامعة بدون إحتفال ؟
_ : يعني.. أنا ماماشَّه مكان بعيد؛ بعدين قرار تعييني فيها مُمكن يصدر في أي وقت
سمَر : عنجَد عم تحكي ! قُولي والله ياريل
_ : إن شاءالله يعني
أدهم : فكّرناك حترجعي عالسودان
قطَّبتُ حاجِبَيّ بإستنكار : أكيد لا.. مافي خُطَّة زي دي
نهضَ أدهم مُستأذنًا
قرَّبت سمر جذعها إلَيّ : ما إشتَقتي للخرطوم ؟
إبتسَمت بعد أن تلاقت أعيُننا, جفَلتُ أنظُر إلى المنيُو : ما.. ما أظُن
سمر : أنا ما بشتاق للشام قد ما بشتاق للخرطوم والله
ضحِكت وأنا أتأمَّل المِنيو
تنحنحت بعد بُرهةٍ من الصَمت وهيَ تنظُر للبعيد : ريل
رفعتُ رأسي إليها
سمر : بصراحة , أنا كتير مُحرَجة من اللي بدِّي قُولو, خجلانه شديد ؛ بس ..
قاطعتها بفضُول : قولي خوّفتيني
سمر : لالا, هو ما شي بيخوِّف؛ أنا بس مابعرف أعبِّر ؛ أصلًا اللي بدو يعتمد عليّ غلطان
إبتسمَتُ ولازال وجهي مُستنكِرًا
سمر : ريل أنا بدي أخطُبك لأدهم أخوي
قطَّبتُ حاجِبَيّ وغاب عن لساني الردّ
سمَر : بعرِف إنو بينكُم إعجاب
قاطَعتها بِحَزم : أنا مامُعجبَة بزول !
نظرَت إليّ بإرتباك
زفَرت بإستدراك : أنا آسفَة.. بس ؛ يمكن تكوني قريتي الحاصل غلَط, أنا أدهَم ماعندي ليهو غير الإحترام !
سمَر : أدهم أخوي من بداية تعارفنا بيك وهو بيحكي عنِّك, أنا بس فكَّرت إنك ممكن تكوني بتبادليه نفس الشعور , هسّي لمن حسّ إنك ممكن ترجعي السودان كلَّمني إنو عايز يعمل خطوة بس خايف يصارحِك ويحرج نفسو ويحرجك كمان
تنهَّدت وبدا هواء المكان ساخِنًا, تذكَّرت أريكَتي حينها؛ كتابي وكُوب القهوة, في كُلّ مرّه أركُض إليهم من عبء الوجود المَحض, أن تُوجد من خلال ما تُحب, لا من خلال مايجب أن تكُون..
ربَّتت سمَر على كفِّي بعد صمتٍ قصير : ريل حبيبتي؛ مشان خاطري ماتزعلي مني, أنا أصلًا ماكان بدّي أتحشر بس هُو كتير خايف إنو هَدا الحكي يأثِّر على علاقتكم كأصدقاء.. م | 291 |
| 13 | #شـمس_بارِدة
الجزء الثالث والعشرون
(بينَ عالَمين)
(23)
* الضَوء الحائر بينَ الزُرقَة الباهتة.. والذهبي الجَريء؛ الضَوء ذاتهُ الذي غمَرَ شُرفَتي القديمة بأملٍ دائم؛ في مطلَعِ كُلِّ فجر, أُراقبهُ الآن يغشَى نافِذتي الشاسِعة, يُذكِّرُني بالمسافة بينَ أمان الطفولة ومُغامرةِ الشباب. أغلَقتُ جهاز الحاسُوب وأنا أسحَب ذاكرةُ الفلاش من المدخل المُخصَّص لها, أرمِي بِها إلى الحقيبَة وأُهروِل نحوَ الحمّام.
عندما خرَجت بإتّجاه غُرفة المَعيشة , كان التقويم السنَوي يُحمِلق نَحوي بِتَحدٍّ , قلَبتُ التاريخ, وأدرَكت أنّني لن أتخلَّص من هاجِس الغُربة هذا. عــامَيــن ؛ مُنذُ أقلَعت طائرتي عن أرضِ الوطَن, مُنذ ذلك اليوم.. ظلَّ التقويم يُحملِق نحوي في كُلِّ صباح, ولا أملِك حيالهُ سِوى تمرير الأيّـام بهدوء.. كانَ المطبخ الصغير يُطِلُّ على غُرفة المعيشة, ولَجتهُ وأنا أُضغط بأصابعي أزرار الغلّاية الكهربائيّة, أرتفِع على أمشاطِي لألتقطَ كوبًا من الأعلى, أضعهُ على الرُخامة , ملعقةٌ من القهوة, أُخرى من الحليب.. وأخذت أتامَّل الماء المغلي يمزجهم سويًّا مُخلِّفًا فُقاعاتٍ صغيرة.
وضَعتُ كُوب القهوة أمامِي وجلستُ أوسَط الأريكة, الستائر مُسدَلة لكنَّ ضوءًا خجولًا أخذَ يتسلَّل , ضَممتُ ساقَيّ إلَى جذعي وأنا أحتضنُ الكُوب, كانَ كتاب الأسبوع مقلُوبًا على طاولةِ الكمبيوتر بِجواري, إستلمتهُ وأنا أرتشِف قهوتي, كانَت رواية إنجليزيّة تتحدَّث عن بَطلين من عالَمين مُختَلِفيْن, وذلك المَد والجذر بينَ عالَمَيهما الذي يُهدِّد أمنَ العلاقة, تمُرّ حياة الفتاة بمُنعطفٍ مَصيري يُعرِّي لها أنانيَة البطَل مِمَّا يضع علاقتهُما في مُفترَق طُرق. كانَت الرواية مزيجًا بينَ التضحيَّة لأجل الآخَر والرغبة في إنتزاع النفس من المسار كامِلًا, أخذتُ نفَسًا عميقًا وأنا أُحملِق في الستائر أمامِي, أغلَقت الكتاب بعد صفحتين من القِراءة, وضعتُه جانبًا وأنا أنوِي تغييرهُ بِكتابٍ آخَر, عن الجريمة مثلًا, كتابًا جنائيًّا سيكون مثاليًا لـريل ذات الخمسة وعشرون عامًا.
عندَ السادسَة كانت فقرةُ الصمت وإحتساء القهوة قد إنتهَت, أحسَستُ بخطواتٍ مُترنِّحة قادِمة نحوي؛ كانت أُمي, تبتسِم بِوداعة ناظرةً إلَيّ : ريل , صحيتي متين
راقبتُها وهيَ تدخُل إلى المطبخ.. تفتح الثلاجة وتأخذ قارورة الماء
أردَفت وهيَ تتناول كأسًا : بس ماتكوني مانُمتي
تنهَّدت وأنا أُنزل ساقَيّ عن الأريكة : الليلة مُناقشة رسالتي.. ماقدرتَ أنُوم
زفَرت وهيَ تحمل الكأس آتيةً نحوي : حتركّزي كيف كدا
مِلتُ وأنا أسند خدِّي بِكفِّي ناظرةً إليها : دعيتي لَي ؟
إبتسَمت وهيَ تمسَح على شعري : كيف ما أدعي ليك يا ريل , عندي منو غيرك إنتي وأُختِك
إبتسَمت بِوجُوم وأنا أُفكِّر بمشهد الوقوف أمَام بروفيسورات الجامعة بعد ساعةٍ من الآن
ربَّتت على ظهري وهيَ تحمل كُوب القهوة إلى المطبخ : قومي أجهزي يلّا
همسَت لي من باب المطبخ : كلَّمتي أبوك ؟
وقفتُ أُفكِّر.. ثُمَّ زفَرت بإنزعاج : أُمي.. خلِّي الموضوع دا لبعدين
تَبِعتني وأنا أدلف إلى غُرفَتي : بعدين متين , ليك أسبُوع بتقولي بعدين ؛ الناس مُنتظرين منّي رد ياريل
تنهَّدت وأنا أبحث عن مِشطي بِغضَب
أردَفت : ما كُلّ ما نتكلَّم معاك في الموضوع دا تقومي تخلّينا وتقلبيها مشاكل ياريل !
إلتفتّتُ إليها : أُمي .. إنتي شايفة إنو دا وقت مناسب نتكلَّم فيهو عن المواضيع دي ؟
زمجَرت وعروق وجهها تبرُز : آي وقتو , وقت شنو يعني ؟ تعليم وإتعلَّمتي وشُغل وإشتغلتي , قايلة الدكتره دي بتنفعك كان قعدتي بلا عرس ؟ هديلك عمَّاتك العرّست كبيرة ما ولدت والماعرَّست مرّه وحده , إستفادن شنو من شهاداتن؟
كُنتُ أعرٍِف المكان الذي تسُوق الحديث إليه.. لطالما رأتني أُشبههنّ , لطالما رأت إمتيازها عليهُنّ هوَ زواجها الذي حاولَت مِرارًا الفِرارَ مِنهُ
كانت هذهِ الحقيقة تضربُ حلقي بِقسوة , أبتلعها أخشَى تبِعاتها
هدأت وأخذَت تستغفر : بي راحتَك ياريل , لو عذابنا دا مريّحِك أعملي الفي راسك يابتّي
خرَجت وأغلقت الباب خلفها بهدوء
جلستُ على حافَّة الفراش , أخذ المُنبّه يرنّ بجواري , ضربتهُ بِراحة كفِّي.. كُنتُ يقِظة بِما يكفي ؛ لَيتني أستطيع النَوم.
* ( كُلّ سنة وإنتِي طيبة ياريل ! ) كانت زميلتي السُوريّة تُعايدني عندَ مدخل الجامعة, عامَين من التحايا البارِدة والإنسحاب قبل نهاية الدوام, كُنتُ أعِي قسوتي تجاه النّاس , أفهمها كأُمٍّ تُراعي طفلًا حادَّ الطِباع؛ بينما يستنكرُهُ الآخَرون.. هرولتُ إلى الداخل, تَبعتني : جاهزَه ؟
إبتسَمت بإقتضاب وأنا أحتضن حقيبة حاسُوبي : إن شاءالله
سَحبت باب القاعة وهيَ تقِف أمامي : ماحتمشي قبل مانحتفِل
_ : أعفيني يا سمَر, ماحقدر
أغمَضت عينيها علامةً منّها على الرفض : غير مسموح ريل حبيبتي؛ لازم نحتفِل
_ : خلاص, إن شاءالله ححاول أجي
سمر : بدِّك تجي؛ مافي تحاولي وماتحاولي !
إبتسمتُ لها وأنا أُثبِّت باب | 342 |
| 14 | عندما خرَجتُ من المَحلّ, كانَ هُناك في البعيد , في المساحة الواسِعة بينَ محلّ بشير و "محلّ الفتَّه" كانت تتجمهر جماعاتٌ من الخرّيجين , لمَحتُ ساريَا, إلى جوارها حمزَة.. جُود ورغَد , أشَحتُ عنهُم وأنا أُهروِل درجات السُلَّم للأسفَل.. أنظُر لساعة هاتفِي, أسير وقلبِي ثقيل.. قلبي لازال هُناك.
وصلتُ إلى سكَني الداخلي لاهِثة.. لم أشعُر بالدمع لكنّني شعرتُ بوخزٍ من الألَم, سحَبتُ حقيبتي من أسفَل الدرَج إلى الخارِج , نظرتُ حَولي .. كانَ هُروبًا , كُنتُ هارِبة. بعد ساعات من الضجيج, من الإزدحام .. في الخارجِ والدّاخل.. وصَلتُ إلى المطَار , ترجّلتُ عن السيارة وأنا أسحَب حقيبةً وأحمِلُ أُخرى , أقِفُ أخيرًا خلفَ صفٍّ طويل .. تأمّلتُ الشارع خَلفي ؛ وذكَرتُ كُلَّ ما جرى, كانت المشاهد تمُرّ سريعًا وتختفي لتتجلَّى أُخرى, السنوات, الإخفاق.. الحيرة والشَوق
ظلَّ صَوتُ مُجتبى , من جلستِنا الأخيرة.. يتردَّد مِرارًا بينما أقتربُ من دخُول الطائرة
" أنا المفقودُ في الموجودِ
يا حِلِّي .. وتِرحالي
مَريرٌ ماءُ تَغريبي
وماءُ المُلتقى حالِ
وغَيرُ الشَوقِ لا رَيٌّ
ولا زادٌ لِرحَّالِ "
يُتبَع…
- إسراء عبدالمطلب | 441 |
| 15 | * في تمام العاشِرة صباحًا , كان مُنبِّهي يرنّ, عيناي تجفَل من ضوء الشَمس, أفتحهما بِبُطء, أُطفئ المُنبّه وأنا أنهض مُتثاقِلة, تتدلَّى ساقَايّ عن الفراش, تتأرجحان بِخمُول, أميلُ بِرأسي نَعِسة, شاشة هاتفي تُومِض مُجددًا, أبتسِم لصورة العَرض , كُنَّا معًا, فتياتُ القوّة , أنا .. لميس, رغد ونيرمين, في حفلِ ميلادٍ قديم, نقِف أمام مدخل منزل نيرمين , نحتضن ورودًا وبالونات, نضُمّ بعضنا كأننا نخشى رياح الفراق, زفَرت وحديثٌ قديم يُراودني ( قادره أسامحَك, وأسامح نيرمين , رغَد ولميس.. لكنّ أنا ماحمنَح نفسي للهلاك تاني )
عندما خرَجتُ إلى الصالة أحتضنُ ملابسي, كانت مِسك تجلس على الأريكة , ترتدي حذاءها : الرييلة !
_ : المِسيكه
نهضَت إلَيّ : كدا تخلينا راجينِّك للفجُر ؟
ضممتُها إلَيّ : واللهِ كانو محتفلين بَي في الشغل , ماقدرت أجي بدري
مِسك : يحليلهم, والله ماعارفة أقولِّيك شنو ياريل ؛ ياريتك كان عملتي تخريج وخليتينا نفرح معاك ونودِّعك زي الناس !
إبتسَمت وأنا أرفع جذعي عن الباب : إن شاءالله نحتفل بي تخريجك إنتي
مسك : يعني جايانا قريب يا ريله ؟
تنهَّدت : إن شاءالله ؛ لو حيِّين بنتلاقى
ضمَّتني .. وإنهمَر الدمعُ بيننا : ماتنقطعي
قبّلتُها : إنتو كمان ماتنقطعو
مِسك : لمن أجي من الجامعة بلقاك ؟
هززتُ رأسي بالنَفي ومُقلتاي تفيضان
ضمَّتني وهيَ تصيح , سقطت الملابس عن كفَّيّ
سقَطت صباحاتُنا معًا
ليالي الحُمّى
سنينٌ من الأبواب التي تُفتح في ذات التوقيت
أعيننا الناعِسة وأُمسياتنا الحنونة
سقَط كُلُّ ذلك
وإنخرَطنا في نوبة بُكاءٍ طويلة
* يحَفظُ الطريق منِّي تنهيداتِ الإستسلام, كما يحفظ خطواتي السعيدة, سِرتُ في ذلك الصباح نحوَ دربٍ أحفَظهُ , عبرَ الشارع الرئيسي وصولًا إلى مبنى الجامِعة, إنحرَفتُ إلى الشارع الذي يتوسَّط المباني, المُفضي إلى محلّ بَشير , هُنا .. حيثُ تسابقنا أنا وجُود ذاتَ ليلة وكانَ حمزة هُوَ الحكَم, وصلتُ إلى عتبة أحدِ المطاعم, هُنا جلسنا أنا وحمزة بهيئةٍ مُبعثرة في أيَّامِ الإختبارات.. ذات المكان إحتضنَ وداعنا الأخير.. كانَ الطريقُ مُنحدِرًا إلى الأسفَل, نزَلتُ بِبُطئ, يساري الكُشك, وعلى مرمى حَجر يقع محلّ بشير , تنهَّدت وأنا أصعَد الدرجَات بقلبٍ مُودِّع , النوافذ الضخمة, بِزُجاجها العاكِس.. دفَعتُ الباب وأنا أدخُل , تذهب عيناي إلى طاوِلَتي الأثيرة , كانَ مُجتبى جالِسًا وَحدهُ, إبتسَمت مُستنكِرة , إقترَبت نحوَهُ بخطواتٍ هادئة , رفَع نظرَهُ إلَيّ وهُوَ يُغلِق الكتاب بينَ أصابعهِ : ريل ؟!
سَحبتُ الكُرسي وأنا أجلِس
مُجتبى : إنتي وين يازوله ؟ جيتي للبروفا ؟
هززتُ رأسي بالنَفي
قطَّب حاجِبَيْه : كيف يعني , مامتخرِّجه معانا ؟
أومأتُ بالإيجاب
مُجتبى : يازوله دا كلام شنو هسّي !
ضحِكت : مُسافرة
مُجتبى : ريل , ريل
علَت ضحكتي : واللهِ مابهظِّر
مُجتبى : لا كيف يعني , راجعه لأهلِك ؟
_ : أيوة
نظَرَ حولهُ , سأل : متين طيب ؟
نظرتُ إلى شاشة هاتفِي : بعد 4 ساعات
تراجع بِجذعِهِ, إستندّ إلى ظهر الكُرسي ناظِرًا إلَيّ بملامح لا تُفسَّر
رفَعتُ كتِفَيّ بإستسلام
مُجتبى : ما بالسُرعة دي, ما يتفرَّق الجمع الغفير بالسُرعة دي ! كيف ياريل ؟ وخُطَط التخريج ؟ ومابعد التخريج ؟
تنهَّدت : أظُن إنُّو.. رصيدي هِنا كُلو إنتهى يا مُجتبى
مُجتبى : يازوله كلام الكُتَب دا ماوقتو , ماتصدميني
ضحكت وأنا أذهب بِعينيّ إلى بَشير الجالِس خلف الفاصِل الرُخامِي.. زفَرت وأنا أرى النوافذ تعكِسُ ليلًا قديمًا, أنا وحَمزة على الأريكةِ الصغيرة, نضَعُ جهاز اللابتوب أمامَنا, نُشاهد الإنمِي , مُجتبى إلى جوارنا , خلفَ الطاولة, يتصفَّحُ كِتابًا, يُشاركنا إقتباساتهُ حينًا, وينخرط معنا في المُشاهدة حينًا آخر, كم بدَت الخيالات حقيقيَّة وهيَ تسبحُ في فضاءِ المكان, خطوات حمزة السريعة , أراها تقترب منِّي , روَاحُ مُجتبى عنَّا وهُوَ يسأل (حطلُب قهوة, عاوزين شي ؟ ) جلوسي خلفَ النافذة وأنا أُراقبهم يستعدّانِ للصلاة, أجفَل والشمس تسطَع في عيني الآن, يُلوِّحُ مُجتبى بكفِّهِ أمامِي : وصلتي المطار؟
إبتسَمت : لاحقه على المطَار
مُجتبى : كيف السنين دي جرَت كدا ياريل؟
_ : مابحبّ أتذكّرها
مُجتبى : بس هي كان فيها الحلو.. زي ماكان فيها الكعَب
_ : الحنين بِعذّبني
مُجتبى : الحنين في البُعد أقسى, عارفة صح؟
زفَرت : مابقيت عايزَه أحرِس الماضي؛ عايزه أتحرَّك وأبعِد ؛ يمكن تلقاني حياة أحلى هناك؟ يمكن ترجع لَي المعاني والألوان البَهتت دي ؟
شبَك أصابع كفّيه سويًّا أمامهُ في شكَلٍ هرَمي.. بدَت جلستهُ هي ذاتُها التي ذكَرتها من سنين بعيدة, إبتسَمت وصوتهُ يخرُج مألوفًا لدَيّ : أخشى ياريل إنّك هارِبة من نفسِك , الهروب من النفس أقسى سجن
تنهّدت
أمسَك بِكتابِه : خلّيني أقرأ ليك شويّة
إبتسَمت وأنا أستند بِظهري إلى الكُرسي.. أُودّعُ تاريخًا من طاولات الشِعر والحوار والقصَص | 407 |
| 16 | * لم يكُن الرحيل هرَبًا.. لكنّي جَعلتهُ يبدو كذلك؛ كُنتُ في الحقيقة أعُود لا أهرب, لكنّي ترَكتُ خلفي حكايَا غيرَ مُكتمِلة, تُخبرُ عنِّي أنّي طفلةٌ هارِبة لا غَير! تركتُ الحقائب مفتوحَه على ظهر الفِراش, وخرَجتُ إلى ظلام الشُرفة, أشعَلتُ مِصباحًا صغيرًا , وتربّعتُ على البلاط, كان الهواء مُنعِشًا, الشجر يتمايَل في رقصةٍ فريدة.. القمَر, كانت إستدارَتهُ ناقِصة, رنَّ هاتفِي, نهضت.. سِرتُ بِبُطء حتى لقفتهُ من طرف السرير , كانَت رسالةً من الضفّة الأُخرى للعالَم ( ريل , جهّزتي حاجاتك ؟ ماتنسي حاجه, وماتتأخّري من مواعيد الطيارة, بلّغينا لمن تقلعي ) ( حاضِر )
ريثما وضَعت الهاتف, كان يرنّ مُجددًا, رفَعتهُ, كانت مُكالمة من مُهيَّد , أجَبت فورًا : ألو
مُهيَّد : مابقدر ما أودِّعك
خرجَت من شفاهي إبتسامة ومن قلبي تنهيدة
مُهيَّد : بتقدري تطلعي ؟
نظرتُ للظلام عبرَ النوافذ : هسّي؟
مُهيَّد : عارف الوقت إتأخَّر
_ : لالا.. مامشكلة؛ بس أدّيني دقايِق
مُهيَّد : حاضر
أنهَيتُ المُكالمة وأنا أقفِز إلى خارج الغُرفة
أوقفَتني ريمة القادمة من المطبخ : ماشّه وين أنا عملتَ العشا !
_ : راجعه, خمسة دقايق بس
ريمة : ناقصاك حاجه أعملها ليك ؟ الشنطة جاهزه؟
قبّلتُها وأنا أفتح باب الشقّة : كلو جاهز إنتظروني عشان نبكي للصباح بَس
ضحِكت وهيَ تعود إلى المطبخ : دا أمر مفروغ منُّو
* ( المُشرفة عارفاني شغّالة.. ما إتمسّكت معاي في الطلوع )
زفَر مُطمئنًّا : الحمدلله
نظرتُ للطريق الذي بدأ يتضِح : إحنا ماشّين الكافيه؟
إبتسَم وهُو يركن سيّارته في مكانها المُعتاد : أنزلي عشان تتأكَّدي
ترجَّل عن السيارة, تَبِعتهُ بإستغراب : لا جد جينا ليه ؟ بعدين شكلو قافل أصلًا
ضحِكَ وهُو يتفقَّد الشارع : ريل, إحنا أصحاب المحلّ ؛ قافل دي شنو ؟
ضحِكت وأنا أتبَعهُ : ماعارفة
توقَّفَ أمامَ البوابة أخيرًا, سحَب الباب : طالما ماحتعملي تخريج..
شدَهتُ عينيّ وأنا أرى الطاولة التي تتوسَّط المقهى, مليئة بالشموع والزينة, وجهُ ريم.. راشِد, أوَّاب, آلاء؛ سِراج, ميسرَة ومُؤمن !
أحَطتُ وجهي بِكَفَيّ .. وجاهدتُ كي أطرُد البُكاء من بهاءِ هذهِ اللحظة
بدأت الموسيقى, كانَ الجميع يُصفِّق بِحماسة, وجهُ مؤمن ضاحِكًا على غيرِ عادَتِه, سراج لا ينتظرني حامِلًا ورقة طلبات, أوَّاب لا يُصِرّ على تشغيل الأغاني الأسبانيّة , راشِد بإبتسامتهِ الطفلة التي لا تغيب , وريم التي تُشرِّع ذراعيها لمجيئي دائمًا.. إنضَمت آلاء إلينا, كُنتُ أتوسَّطهُم, أمامي عندَ نهايةِ الطاولة .. يقِف مُهيَّد , إختلطَت ضحكاتي بماءِ عينيّ.. لم أكُن أرى سوى غباش إبتسامَتهُ, شمُوعًا تُومِض وأكُفًّا تُصفِّق , شعرتُ حينها أنَّ هذا الوداع.. مِثاليًا بما يكفِي ؛ وداعٌ لن يُنسى , كانت ريل تُثمِّنُ الحنان, وكان حنانُ هذهِ الذكرى, فيضًا يُغرِق صحراءَ ذهابها..
* قبلَ الفجر بِساعات.. كُنتُ أستندُ إلى باب السيّارة من الداخِل, أُقابل وجهَ مُهيَّد للمرّةِ الأخيرة, ظلَّ باسِمًا , مُمازِحًا طيلةَ السهرة, بكَت ريم, ودَّعني راشد وعينيهِ تكادُ تفيض, حمَلنا الأكواب إلى المطبخ.. نظّفنا الطاولات, سكَب حيدر الماء وتبلَّلت أقدامي للمرّةِ الأخيرة. أمَام باب السَكن, وخلفَ نوافذ السيّارة, مدَّ مُهيَّد كَفّهُ نَحوي, كان يبتسِم, عينيهِ للأسفَل.. لكنني لمحتُ الدمعة التي سقَطت بيننا , غاصَ قلبي , هزَّ كفَّهُ ولازالَ على حالِهِ, مدَدتُ بكفِّي مُتردِّدة , أمسَك بهِ, ربَّتَ على راحتهِ بِرفق, إتّسعت إبتسامتهُ الحزينة تِلك : كانت شنُو .. الأُغنية
مِلتُ بِرأسي مُنصِته, دَندن بصوتٍ لم أسمعهُ من قَبل : لو داير تسيبنا .. جرِّب وإنتَ سيبنا ؛ لو داير تحِبّ .. حِبّ وأنساهُو ريدنَا ؛ يوم ترجع تصافي ؟ يوم ترجع تصافي .. نسامحَك ياحبيبنا
إتّسعت إبتسامَتي , كِدتُ أنطِق.. طبَع قُبلةً حانِية, أوسَط كفِّي
إحتشَد الكلامُ بِصدري , غابَ صوتي
مسَح دمعهُ على عجَل وهُو يلتفت بِجذعهِ إلى المِقوَد
لم يكُن للكلام معنى في تلك اللحظة.. كانت مشاعِرًا خالِصة ؛ لم يُرِد لها أن تُترجَم سوى شِعرًا
أدركتُ ذلك وأنا أفتَح باب السيّارة, أٌلوِّح بِكفّي .. يُلوِّح بكفِّه ؛ وتنقطعُ الأبجدية. | 374 |
| 17 | * حلَّ العيد.. عُقبَ إجازتهِ القصيرة, عادَت عجلَةُ الحياة تدُور نحوَ المجهُول ؛ ولَجتُ بابَ المحلّ وأشعّةُ الشَمس تترَقرق فوقَ الطاوِلات, لوَّحت ريم بِكفّها سعيدة : ريلتي !
هرولتُ نَحوها مُشرِّعةً ذِراعَيّ, خرَج مُهيَّد حينها من الحمام.. ليصطدم بِي, توقّفنا لوهلة , رفَع كفُّه أخيرًا : كُل سنة وإنتي طَيبة
صافحتهُ : وإنتَ طيِّب
أبعدَتهُ ريم وهيَ تضُمُّني إليها , نتأرجَح يُمنةً ويُسرة : مُشتاقيين , كُل سنة وإنتي طيبة يارب القابلة عروس
ضحِكت وأنا أشدّ قبضَتي عليها : وإنتي طيبة يارب القابلة على أمانيك
إبتعدَت لتتفقَّد حُلَّتي : شنو الحلاوة دِي؟
إبتسَمت وعيناي تهرُب إلى نظرات مُهيَّد وتعود
خرَج راشد من المطبخ : أُوه, دكتورة ريل ؟
إلتفَتت ريم إلَيّ وهيَ تعود إلى الكاشير : صحي حمدلله على السلامة ! خلّصتي إمتحاناتِك
إقتربت أُصافِح راشد, أخلَع حقيبتي : الله يسلّمك يارب, آي الحمدلله
ريم : تخريجك كان متين ! السبت دا صح !
راشد : كروت دعوتنا وين ياريل
نظرَ مُهيَّد نحوي بزاوية عَينه, نظرتُ إليه ؛ كأنّما نتبادل حديثًا سِريًّا
بدَّد مُهيَّد الحديث : طلبيّة القهوة حتوصل الليلة, خليكم قريبين من التلفون
ريم : حااضِر , أيّ أوامر تانية ؟
سحَب مفاتيحهُ , وهُوَ يخرُج : شُكرًا
إلتفَتتُ إلى ريم بينما يسحَب باب المقهى : ريم , ماشي وين ؟
رفَعت كتفيها : بري, بس مزاجو كعب من الصباح
تنهَّدت وأنا أضع المريَلة وألحَق بهِ , فتحتُ الباب , كانَ قد وصَل إلى سيّارتِه , صِحت : مُهيَّد
أغلَق بابها وهُوَ ينظُر نحوي , نزَلتُ عن العتبة, بينما قطَع الشارع قادِمًا إلَيّ
كانَ يقِف أسفَل السُلَّم الصغير, أقِفُ أنا أبعَد بِدَرَجتين عنه , وضَع أكفَّهُ بِداخل جيوبِه
كسَر صمتَنا بحديثه : كُنت قايلك ماحتجِي.. شهرِك إنتهى
تنهَّدت : عارفة.. بس ماقدرتَ ما أودّعهُم
مُهيَّد : برأيك حيتقبُّلو وداع مُفاجئ زي دا ؟
_ : مُهيَّد ما تأنِّب لَي ضميري !
تراجَع للخلف, كأنهُ يختبر ثباتي : ماقصدي.. أنا بس بوضِّح ليك الموقف, ستافي ولُوفين شديد
إبتسَمت بأسى : عارفة.. شديد
مُهيَّد : عايزه.. عايزه مني حاجه ؟
_ : حترجَع ؟
هرَب بعينيه عنِّي
كانَ شهرًا قاسيًا, أُوزِّع المشروبات البارِدة عندَ التاسعة, ويحترقُ صدري فجرًا.. ثُمَّ؛ في الصباح, أمام صفحةٍ بيضاء, أضع أجوبةً حفِظتها بِقلبٍ خاوٍ, ها أنا ذا .. طبيبة تُولَد من رمادها , تجرَح وتُضمِّد , كان وجهُ مُهيَّد المُفرَّغ من المشاعر يُذكّرني بِقَسوتي, كانَ صوتي يُهدِّد أمانَه, يحمل مفاتيحهُ فورَ قدُومي ويخرُج, ليجدَ نفسهُ مُضطرًا على العودة إلَيّ في نهاية اليَوم, نقضي الطريق صامِتين.. حتّى باب السَكن , يبتسمُ لي إبتسامةً صافِية.. يرقُّ لها قلبي الخائف. ولا يذهب.. مالَم أُوليه ظهري
_ : ماحتودّعني يا مُهيَّد ؟
هزَّ رأسهُ مِرارًا كأنما يُقاوم شعورًا جارِفًا, همَس بصوتٍ ضعيف, وصارِم : ما.. ماتعملي فيني كدا, تمام؟
إختنقتُ بِدَمعي مُجددًا
أشاحَ عنِّي ذاهِبًا
بدأ الدمعُ ينهمِر غزيرًا , وأنا واقِفة, بِلا حِراك ؛ لا أعرف , أيُّ ذنبٍ إقترفتهُ لتكونَ حياتي سلسلةٌ من عذاباتٍ مُتَّصِلة ؟
إلتفَتَ حينها عائدًا, وقفَ أمامي, حدَّق إلى عينيّ , كانت نظرةٌ تُشبِه المنديل.. تُشبِه العناق, إبتسَمتُ وقلبي الخائف يرِقّ.. مِرارًا, أمامَ هذهِ العَين , أشارَ لي بكفِّه أن أعودَ للداخِل
إتَّسعت إبتسامتي المُبللة بالدموع ( ما لَم أُوليه ظهري .. لا يذهب )
عندما وصلتُ إلى بوّابةِ المقهى , أتاني صَوتهُ ( ما تمشي ياريل )
عندما إلتفَتّت , لم يكُن هناك سوى صدى خطواتهِ.. أدار سيّارته, وإنطلَق
وقَفت أمسَح وجهي براحتَايّ , أُنظِّم أنفاسي وأدفع باب المقهى العريض إلى الداخِل.. | 270 |
| 18 | رنَّ هاتفِي.. كانت الساعة قد قاربَت التاسِعة, أجَبت وأنا أمسَح دمعي وأصوات المُواصلات تضجّ حَولي : ألو
أتاني صَوتُهُ مُستغرِبًا : ريل , مالو صوتِك ؟
تنحنت : كويسة.. شكلو جايّاني نزله
بادَرني : سلامتِك ياربّ, وينِك ؟
نظَرتُ حَولي : تقريبًا صينيّة بُرِّي
أردف مُتسائلًا : بتعملي في شنو هناك ؟
_ : ما.. كان في شويّة مسائل عايزه أنهيها ؛ إنتَ في الدوام صح ؟
تنهَّد : في الدوام أيوة, في مجال أجي أسُوقِك ؟
_ : أء.. يعني ياريت والله
شعرت بوجههِ الغاضب على الدوام ينفرِج بالإبتسام أخيرًا
إبتسَمت وأنا أنظُر للرصيف تَحتي : حتوريني ليه نفيتوني من فريقكُم صَح ؟
صمت
_ : ألو ؟ مُهيَّد ؟
أجابَني : سامعِك.. خلّيني أصَلِك ونتكلَّم ؟
إرتَبَكت : حاضر , مُنتظراك
* في تمام العاشِرة كُنَّا قد وصَلنا إلى ذات "الجَبَنه" التي جلسنا فيها قبل شهر رمضَان, كان مُهيِّد يجلس قِبالتي مُتوتِّرًا على غَيرِ عادَتهِ, شعرتُ أنّني أعرف مآلاتِ هذهِ الجلسة, لكنني تحاشَيتُ حَدسي.. وإستمتعت بِحُريَّة الجهل لمرّةٍ أخيرة.
مُهيَّد : الجبَنه دي ماف زول بيعرفها غير سيِّد صاحبي, صاحبي من الطفولة زي مابقولو , وهسّي إنتي
إبتسَمت وأنا أنظُر إليه بإمتنان : حسّيت بالتميُّز والتفرُّد , غالبًا حطلُب ترقية نهاية القعدة
ضحِكَ مُشيحًا بِرأسهِ إلى الجهةِ الأُخرى , ليعود ويتنهَّد ناظِرًا للأرض , عندما وصلَت فناجيل الجبَنة إستلمها بهدوء, وضعها في الطاولة بينَنا , تابعتهُ بنظراتي, أحسستُ بالهواء يحوم حَولنا ثقيلًا , كانت عينيّ تُؤلمني وعقلي قد هدأ لتوِّه
بدّد صوتهُ ذلك الصَمت : ريل أنا
هوى نَبضي, سكَبت القهوة وأنا أُحاول تغيير جلسَتي
نظَر إلَيَّ قلِقًا : إنتي كويسة ؟
سكبتُ الماء على طرف تنّورتي : كويسة كويسة
مسَح وجههُ براحتَيْه وقد زادَ إرتباكهُ
شعرتُ بالكلمات الآتية.. كُنتُ أستشّفها من إرتباكِه.. من لمعة عينيه, لكنّ الهواءَ ظلَّ ثقيلًا, يرفُض أن يتحرَّك
أكمَل : لينا شهر , ليك شهر وشويَّة شغّاله معانا؛ أنا كُنت يعني.. بكضِّب في نفسي, بس الناس كُلها بقت ملاحظة الأنا بحاول أخبِّيه , أنا عشان كدا خلِّيتك تشتغلي مع فريق مؤمن وسراج؛ عشان أبعدك عن عيوني.. عشان أدِّي نفسي فُرصة أفكِّر وأشوف إنتي برضو.. حاسّه بشنو؟
كان إرتباكهُ, عينايّ, وداعُ ماجد مُنذُ قليل, كُل هذه الأشياء ظلَّت تضغط عليّ فَلُذتُ بالصَّمت
نظَر نحوي لأوَّل مرّة مُنذ جلسنا, بِثبات : ريل .. أنا ماكنت عايز أخلعك , عارف حتكوني شايفاني مُتسرِّع, بس أنا ماعايز أضيّعك من يدِّي
إبتسَمت دُون إدراك .. بينما كانت حياتي غارِقة في الوداع, من أينَ خرجَ هذا اللقاء؟
ظلَّ يفرُك يديه.. كانَ وجههُ الغاضب أشبَه بحمَلٍ وديع في هذهِ اللحظة, إنفرَجت شفاههُ بإبتسامةٍ مُرتبكة حينما تلاقت أعيُننا , تنهَّدت وأنا أُنادي شجاعتي التي أدّعيها : مُهيَّد ..
قاطَعني مُتراجِعًا بِرأسة للخَلف : عارفها أنا مُهيَّد دي.. عارفها وماعايز أسمعها
غاصَ قلبي, نظرتُ إليه .. بدا خائفًا , قاومتُ دَمعي : أنا .. إنتَ ؛ إنتَ شخص رائع
إبتسَم مخذولًا
إزدرَيتُ دَمعي : مامنَّك.. ما عشانَك إنتَ ؛ لكن أنا جوّه حاجه أكبر منّي بكتير , بسببها ماقادرة حتّى , ماقادره حتّى أحس بمشاعر !
نظرَ إلى عينيّ ودمعهُ يلتمع داخَل عَينيه : إنتي أكتر شخص مليان مشاعِر , وحنُون وحسّاس ؛ أنا مالاقاني زي قلبك ياريل
ضحِكت وهرَبت دمعة صغيرة إلى خدّي
تنهَّد يستجمع نفسَهُ : لو عايزه, لو عايزه ننسَى القعدة دي كُلّها أنا ماعندي مُشكلة ؛ دا ماحيغيّر من حقيقة مشاعري شي , بس حعمل جُهدي إنها ماتعطِّل الشغل البيننا
مسَحتُ خدَّي بأصابعي : مُهيَّد
أشاح عنِّي : تاني ؟
ضحِكت وأنا أُقاوم البُكاء : أنا.. حخلِّي الشُغل نهاية الشهَر
إلتفَت إلَيّ مُستنكِرًا : كيف ؟
هززتُ رأسي بالإيجاب
مُهيَّد : ليه ؟ ريل , أنا آسِف ! أنا لو قايِل..
قاطَعتهُ : لا ! ما بسببَك ! أكيد ما بسببَك
مُهيَّد : ليه طيِّب؟ في زول ضايقِك في الشغل ؟
تنهَّدت : بالعكس.. كل الناس طيبين ومُراعيين لَي ؛ أنا بَس , عشان حتخرَّج نهاية الشهر ؛ وحسافِر
قطَّب حاجِبَيه , كانت الدهشَة جليَّة على ملامحه, كانَ الأسى, هُوَ كُل ما أملُك حيال ما يحدث..
مُهيَّد : مُسافرة ؟ مسافرة وين ؟
_ : أهلي في هولندا
زادت عقدة حاجِبَيْه
كانَ كُلُّ شَيء حاضِرًا.. فيما يخُصُّه؛ اللهفة, الرغبة, المُحاولة, كانَ كُلُّ ذلك غائِبٌ لَديّ, كُنتُ أجلس قِبالتهُ كَحقلٍ فاتَهُ الخريف. الوقت, كانَ الوقت الذي تنشُدهُ ريل لتستريح.. الوقت الذي تعُدُّه على أصابع يَومِها, تُربِّت على صدرها بِحنان وتُطمئنهُ بِإقتراب النهاية, بدا الآن كرياحٍ تتحرَّك نحوَ ثُقبٍ أسوَد, كانَ الحُب قريبًا.. مُجددًا, أقرَب مِن أيّ وقت مضَى, لكنَّ ريل مُجددًا, لم تحصُل عليه .. لن تحصُلَ عليه. | 253 |
| 19 | #شـمس_بارِدة
الجزء الثاني والعشرون
( تذكَرةٌ واحِدة, عشَراتُ المحطَّات )
* بِجوار الجِسر الفاصل بينَ مدينة " أُم دُر " وجلَساتُ النِيل خلف أضواء الخُرطوم ؛ لم تكُن ريل لِتعلَم أنَّها إمتلكت كُل هذهِ الشجاعة قَبلًا.. كُل هذهِ الأحاديث المُحتشِدة بِفضاء صدرها , كُلُّ هذهِ الجُرأة على تدوين النهاية مرّاتٍ عديدة , حتى يرُوقَ لها الخِتـام!
وضَعتُ كُوب القهوة في الطاولة بَيننا : شُكرًا على الإفطار الحلو, والقهوة
إبتسَم بِخفُوت : العفُو
إعتدَلتُ في جَلستي : عندي.. شويّة كلام حابَّة أقُولو
فرَد ظهرهُ للخلف ناظِرًا نَحوي بإصغاء
_ : أوَّل شِي.. عاوزه أشكُرَك عشان عرَّفتني أنا عايزه شنو وبخَاف من شنو ؛ أنا بخاف من الوِحدة ياماجد؛ لمن طلعت من بيت أُمي وأبوي وجيت أقرأ الجامعة في بلد تانية حتّى لو كانت بلدي, أنا كُنتَ غريبة فيها ؛ ماكان حواليني زول لغاية ماظهرَت رغد.. نيرمين؛ ولميس؛ ما كُنّا شُلَّة بس بالوقت بقينا أخوات.. وأكتَر من الأخوات , كُل واحدة فينا لقَت الناقصها عند التانية, بس كُلنا إجتمعنا على تبديد وِحدة بعضَنا, عُمري ماحسّيت إنِّي وحيدة معاهُم, خِسرتَ أوَّل حُب في حياتي بأكتر الطُرق قساوة في الحياة, غياب أهلي ماكان بس غياب مكَاني.. مرِّيت بظرف نفسي سيء لمُدة أربعة شهور, كُنتَ بتراجع في الجامعة وفي كُل شي, بَس أوَّل ما يتقفل علينا باب غُرفة نيرمين , أنا كُنتَ بحس الأوجاع بتهُون لي حدّ مُمكن تتلاشى فيهو وتختفي !
إختنَقتُ بِدَمعي , أكمَلتُ رُغمًا : علاقتنا ماكانت مثالية, بس كان فيها إحتمال نجَاح ؛ إنتَ علَّمتني إنو كُل حُب ناقِص.. حتى حُب الأصحاب , عرَّفتني على خُوفي وهو إنِّي أكون براي, لمّن كلكم إختفيتو من الصورة, كُنتَ قاعدة براي في مُنتزَه في آخر الخرطوم؛ بفتِّش على حل لي حياتي , خوفي من الوِحدة خلّاني أستبعد أي إحتمال لحدوثها , بالتالي شُفتَ نفسي في أضعف حالاتها أوَّل ما الكُل إختفى من حياتي , ماجِد أنا ماجايّه أئنّبَك, لكن برضو ماجاية أطبطب عليك؛ في جوّاي, أنا إنسان بيقدَر يلقى مُبرِّر لأخطاء غيرو بإستمرار , يسامح النّاس, لكن صعب عليه يغفر لنفسو أيّ غلَط. إنتَ خلّيتني أفهم أنا ليه كِدا ؟ أنا مُجرَّد طفلة بتخاف من شبَح الوِحدة, وبتظُنّ.. إنو الغُفران والسماح هُم الحيطردُوه بعيد عنَّها . رغم إدراكي دا أنا لسه ما إتغيَّرت !, آي فِهمتَ علَّتي.. لكن من جوّاي, لسّه قادره أسامحَك, وأسامح نيرمين , رغَد ولميس.. لكنّ أنا ماحمنَح نفسي للهلاك تاني !
كانَ يُصغي بِصَمت.. لم أكُن أعلَم؛ هل يسمعني بالفعل؟ هل يفهمُ ما أقول ؟ أمّ أنهُ يُساير هذا الخطاب الوداعي فقط لينتهي؟
مسَحتُ وجهِي الذي إمتلأ بالدموع : أنا قابلَة إعتذارك.. لكنّ ما قابلة وجودك في حياتي تحت أيّ مُسمَّى زي ماطلبتَ منِّي قبيل ؛ عشان , إنتَ خلِّيتني أعرف أنا عايزه شنو , أنا عايزَه أبعِد, كُتر الدوشه واللمّة مافادت روحي بِشي
نهَضت وأنا أرفَع يد الحقيبة عن طرف الكُرسي
ينهَض بِدَورِهِ مُتسائلًا : خلّيني أوصِّلك طيِّب..
أوقَفتُهُ بِكفِّي : خلِّيك.. أنا حابَّة أتمشَّى
كادَ ينطِق
قاطعتهُ أمُدّ كَفِّي : شُكرًا على كُلّ شيء, حفتقِد جبنة خالتو بخيته بِقَدر ماحفتقد ماجِد ؛ الأنا سامَحتُو
نظَر نحوي وقد هربَت إلى خدِّه دمعة : ريل
نظرتُ إلى عينيهِ, وبدت تلك اللحظة أشبَه بِلَقطةٍ سينيمائيّة , كُل شيء يسيرُ بِبُطء؛ حتّى الهواء
صافَحني مُطأطأً رأسَه : سامحيني.. عشان أنا ماحسامح نفسي , ماف زول بيضيِّع بت صادقة زيِّك ياريل إلا غبِي
شددتُ قبضِتي عليه وأنا أنحني برأسي أبحَث عن عينيه : ما غَبي , بس سكَّتنا ماواحدَة .. صدّقني لمن ترسى في محطَّتك حتتذكر الوداع دا بإمتنان
إبتسَم , لم يبدو أنهُ قد إقتنَع بفرَضيَّتي تِلك, سحَبتُ كفِّي من قبضتهِ بهدوء , لوَّحتُ لهُ؛ وسِرتُ إلى حيث جِئت , قطَعتُ الشارع .. هروَلتُ حتّى إنحرفتُ إلى شارعٍ صغير , يصَلني بالجسر ؛ صعدت درجات السُلَّم الحديدي , إلى أن صِرت في الأعلى.. إلتفَتتُ حينها ؛ وبدا النيل بعيدًا للغايَة , كانَ زخَمُ الأماكن التي أمُرّ بِها كُلَّ يومٍ أقسى من إحتمالِي.. في كُلِّ شارع, في كُلِّ سُور, كُنتُ أرانِي , غضَّة وصغيرة؛ أًصافِحُ يدًا تُخبِّئُ ليَ الشَوك, أسيرُ مشوارًا .. سأعودُ منهُ وَحدي, في لَيلة بعيدة أميالًا عن تاريخِ البدايات. جلستُ على حافَّة الرصيف , أُواسي ريل التي لازالت تمنَح الإحتمالات , بينمَا يُوشِكُ العرض على نهايتهِ, بينما تعُود الوحدة تفرض سَطوتها؛ لازالت ريل الصغيرة تتشبَّث بِوَهم النهايات السعيدة, ذرفتُ دمعي ذلك اليوم على أرضٍ سِرتُها فيما مضَى: تَحوطُني الغِبطة.. يملأُني السرُور. لم يكُن لـِ حمزة, يامن, ولا حتّى ماجِد يدًا في هذا البُكاء, كانَ عزاءً لِريل التي رأت الحُب مِرارًا ولم تحصُل عَليه.. تكليلًا لسنواتِها المُنصَرِمة بالنجاة , بالوداع الأخير. | 316 |
| 20 | ذاتٌ تُحِبُّني.
من فترة ليست بالقصيرة بدأت بصرفِ النظرِ عن إيجابيّاتي تمامًا، انصرفتُ عن حقيقَتي الجزله الشُجاعة المصقولة بالتجاربِ تلك، إلى ذاتٍ أُخرى تنبُذ نفسها وتحفر لها القبر يومًا بعد يوم
لقد كُنت قاسيَة، أُتقنُ جلد الذات، والإستياء من الحاضِر، أبغَضُ اليومَ وأنسى من أنا بالأمس؟ أنسى ماضٍ غادرتهُ ملئ كفيَّ الغنائم.. ماضٍ أعادَ نَحتي وأبدَعَ تلويني
- لقد بذّرتُ عُمرًا طويلًا في القلق، أنا الآن؛ أُقدّسُ الطمأنينة، أنا الآن أشتاقُ لأيامي الهادئة، التي اكتظّت بي.. بِحقيقتي، بِكُتبي ومحابري ودفاتري، عندما كُنت فتاةً تصحوا لِتعيش، لا لِتسأم، ضفائري على كتفيّ صباحًا، جهازُ حاسوبي على الطاوِلة، موادٌ كثيرة وتواريخٌ تدنوا.. أطمئنهُ قلقي بِعباراتٍ أكتُبها كُلّ صباح، على ظهرِ ورقةٍ واحِدة، أمضَت معي كُلَّ صباحاتي حينها.. آياتُ البقرة تُعيد لحياتي حياتها.. ولساعاتي برَكتها، وجهي أمام المِرآة عندَ المساء، أتفقّد بكاءً قديم، أذابَت جليدُه ضحكاتِي! أنا سعيدَة.. أُحِسّها ما إن يُلامِس جسَدي الفِراش، وأنام، لبُرهةٍ من الزمن؛ وأنا -مفهومةٌ تمامًا بالنسبةِ لي-
- أنا أهوَى الطريق، هوَ أيضًا يُبادلني الشُعور، أسيرُ خِلالَ رملِهِ وماءِهِ، وعراقِيلهِ طويلًا، تارةً مع الشمس، تارةً مع القمرِ ، ها قد بدأ اليوم، ركضٌ طويل، صبرٌ طويل، يومٌ طويل، ها قد اِنتهى! أملِك ذكرياتٍ كثيرة سِرتُ فيها وحيدة، للعمَل، للدراسة، للبُكاء، لمواساةِ صديق، لتنفيسِ غضب، أملِكُ خطواتٍ شُجاعة، خطواتٍ حزينة، وأُخرى ملأى بالنُور
أنا لستُ مُولَعة بالوصول، أنا فقَط تَعنيني الرِحلة!
- حينمَا ظننتُها النهاية ، وحين بَكيت، وحينما لم أصبِر بالقدر الكافي، أودّ أن أجمع كُل هذهِ اللحظات، أحتضنها، وأُخبر قلبي في حضرتها، أنّهُ الآن: آمِن، وأنّني، عبَرتُ فوقَ الأذى، مِراراً، وصنعتُ منهُ مَجدي، وأنّني، لم أكُن يومًا مكسبًا.. أو خسارة، لا شيءَ يُمكنكَ تحجيمهُ في مُعطياتٍ تخٌصّك، أنا فقط كُنتُ سماءً لاتنضَبّ، وشيءٌ ليس بمقدورِ من عاصرَه أن ينساه.. أو يُنكِرَه، أنّني ظلمتُ نفسي مِرارًا، حينما أشحتُ عن الدُعاء لله، بالبُكاء لنفسي، حينما هندستُ خُطةً، لأجد الحلّ، عندما خِلْتُ -حياتي مُشكلة- غائبٌ عن ذهني، أنَّها -بكُل ما حَوت من أقدار- فَهيَ حياتَي' أُهدهدها مثلَ طفلٍ يتيمٍ حتى ينام؛ ويُنكِرُ في الصباحِ حكايةَ غُربَتِه..
أنَّ الله، سيغسلُ يومًا عن لوحَتي، كُل أوجِهِ المهزومين
أمَّا الآن، وحجَر الرحى مازال يدُور، وأنا أسيرُ حيثُ الشمس والرمل والنُور، فيجِب، أن أُبدي تصالُحًا أكثَر؛ مع أخطاء الآداء، أن لا يُنسيني كدَر اليوم ضحَكات الأمس، وأن أحتضن نفسي كُلما قسَت أفكاري، أن أُحبَّني، بكومةٍ تجاربٍ وأتراح، بِسيفٍ ورمح، أو بِسُترةٍ مُطرَّزة بالحُب، أن أختارَني ؛ مهما بدَت الأشياءُ سوايَ مُغرية، أختارُهُ ظلامي وأُشعِل شمعَة.. غدًا يومٌ جديد ، سأصنعُ من نفسي فتاةً عظيمة. تُحِب عاديّتها، وتشكُرُ الله أنَّها لم تتوقّف يومًا عن المُحاولة. :"")💙
-إسراء. | 346 |
