قَوَافِلُ الشُّهَدَاءِ
前往频道在 Telegram
_ذِكْرَيَاتُ الشُّهَدَاءِ، نُورُ الحَنَانِ، وَكُلُّ لَحْظَةٍ دُعَاءٍ وَإِخْلَاصٍ _ تأسَّست: 2026/5/12، للتَوِصَل: @ioyjbfddvbot
显示更多未指定国家未指定类别
165
订阅者
+124 小时
-17 天
-3230 天
帖子存档
- لَا يَنَالها إلَّا السُّعَدَاء !..وهنا اقترب المجرم «أبو جواد» من فاطمة .. أسبل عينيه في ورع الشيطان . وانبجست عن شفتيه إبتسامة صفراء ماكرة وكلْمآتٍ تصطنع الرقة ..وبصوتٍ خادع فيه مسحة الحزن والرافة قائلاً لها: علوية .. بشرفي لدي صلاحيات من السيد الرئيس
- سَتُشارِك اخوَانَها عُرسُ الشَّهادَة ..ثم جاء دور الزينبيات الثلات .. وقد أوشك الوقت الرَسمي المقرّر لتنفيذ الاعدام بهذا العدد الكبير على الإنتهاء .. لذا تقررَ وفي اللحظات الأخيرة تأجيل تنفيذ الحكم بالصابرات الثلاث ! ولكن أنَى لفاطمة ذلك . حيث يقبع الوحش هناك .. إنّه العدو الذي لا ييأس نعم إنه «أبو جواد» !! لقد قام هذا المجرم بالاشراف التام على تنفيذ الاعدام بفاطمة تلك الفتاة التى أهانته وأسقطت هيبته - الوقت يكفي لاعدام واحدة فقط , ولتكن فاطمة ! هكذا قال .. تهيّأت فاطمة بعد أن تسللت الى ثغرها ابتسامة هادئة لانها ستشارك اخوانها عرس الشهادة .. أرادوا جرها - أو حملها - الى حيث المشنقة لكنها أبت إلا أن تتقدم بثبات كحورية تريد الرحيل الى الجنة .. كانت تتسابق الى الموت كما تسابق رجال كربلاء : ليقينها أنها تسير الى الجنة ..
- تقول الشهيدة عواطف :-ودعتنا فاطمة بحرارة .. لقد ضمتني الى صدرها في عطفٍ جارف ثم أدارت ظهرها تمشي بكبرياء صوب منصة الشنق وضعوا حبل المشنقة حول عنقها .. قال لها أحد ضباط السجن وكان واقفًا بقربها : - فاطمة .. ما هو طلبك الأخير .. هل تريدين شيئًا ؟ او توصين بشي" !.. والغريب أن فاطمة أومأت بنعم وطلبت قطعة خبز فقط .. فامروا لها بصمون ؛ فقطعت شيئًا في فمها واعطت الجزء المتبقي اليّ في رجاء ان أوصله الى الأخوات في سجن الرشاد ».
- النَّشيد السَّمَاوِي ..كان المجرمون يأخذون المحكوم عليهم بالاعدام وقت الصباح . ويتم تنفيذ جرائم الاعدام مساءٌ قبل الصلَاة دخلت «فاطمة» وتبعتها على الأثر كل من «عواطف وأمل» وأمرن بالجلوس في غرفة الاعدام الصغيرة الخاصة بالنساء . حيث حبل المشنقة الغليظ والكرسي الكهربائي وكانت الغرفة تطل - ومن خلال شباك زجاجي - على قاعة كبيرة فيها عدد كبير من شباب العراق ورجاله الأبرار حيث سيُنفذ بهم حكم الاعدام الجائر .. كان دويهم كدوي النحل فالقاعة تضج دُعاءَ وترتيلاً لكتاب الله , وبصوتٍ عالٍ وكانهم في سباق مع الزمٌن .. وكان أيضًا ذلك النشيد السماوي يحسين بضمايرنا يتصاعد من فضاء القاعة .. فالأصوات تتداخّل وتمتزج ببعضها . كل له شأنٌ يغنيه، كانت الشمس الموشكة على الغروب تلقى بأشعتها الواهنة على جدران السجن الكبير، حينما بدأ الطغاة القتلة ينفذون جرائمهم بأبناء العراق . حيث تتدلى عشرة حبال غلاظ كائنة على مساقةٍ غير بعيدة .. وكانت جرائم الشنق تتم على شكل وجبات متلاحقة ! «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي» وهكذا أتيحّت للشهيدات فرصة نادرة وكافية لرؤية هذا المشهد بوضوح تام .. أن الشهيدة عواطف قد أعدموا زوجها الشهيد «علي ناصر الحيّاوي» وسَحلوه أمام عينيها وقد أحاطت رأسها بكفيها من شدة الصدمة والذهول ، كان عدد الذين تم إعدامهم مائة وخمسين شهيدًا تساقطوا كأوراق الخريف ولا ذنب لهم سوى أنهم حملوا مسؤولية الدين والوطن ..
- لَيلَة الإعدَام :-وفي ليلة الإعدام اعتكفت فاطمة مع بعض الأخوات على إعداد الكفن وملئنه بدعاء الجوشن الكبير، ولأنَ فاطمة تعرف فضول عيونهم ودناءة أرواحهم.. قامت بربط نهايات الكفن من الاعلى والاسفل برباطٍ محكم لئلا ينكشف شيء من جسدها عند سحله - جزء - تلك المسافة بعد الاعدام .. وفي صباح يوم الأحد من شتاء عام «١٩٨٢م» . استقرت سيارة الأعدام عند الباب الكبير لسجن الرشاد .. ترجّل ضابط مفرزة الاعدام لكنهٌ هذه المرّة جاء برفقة الرائد الجلاد «علي الخاقاني» ! عجباً.. ما الذي جاء بهذا الوحش الى هنا ؟! إنتشر الخبر في القسم الثالث , فأنحسرت الأرواح وأنحبست النفوس .. لانه ليس في صميم قلب هذا المجرم نقطة من خير .. لعله قد حصل على معلومات اعتراف جديد عن خطوط فاطمة . فجاء ليعيدها الى التحقيق؟ ماهي إلا ساعة حتى أخذت فاطمة الى حيث تنتظرها السيارة .. كان معها كل من الشهيدتين « عواطف الحمداني وأمل الربيعي » وقد خرجن من القسم مبتسمات مرفوعات الجبين . يرسمن إشارة النصر بأيديهنٌ .
وتصف إحدى السجينات - المجاهدة عليه قاسم الحسيني - مشهد التوديع :-«خرجن والصلوات تتعالى من كل جانب ومكان» ولكن ما أن وصلن الى الباب الخارجي الكبير حتى غاصت أقسام الرشاد بحر من الدموع » حيث انفجر الألم والحزن من أحداق العيون ..كان عويلًا طويلًا.. عالي النبرات يصدر من أعماق الصدور .. بل والله والله حتى بعض الرقيبات شاركن في مأتمنا هذا !!
- مَا جَدوَىٰ الكَلَام ؟!..وفي صباح اليوم الثاني، حاولت فاطمة أن تندمج في صلاتها لتتناسى ٱلامها ومصائبها .. فهي لم تكرّر دهشتها كانت تحاول ان تتغافل عن اثار الصدمة التي كادت أن تهشم روحها وعقلها ! حاولت نسيان احزانها فأضربت عن الكلام أسبوعًا كاملًا واعتصمت بالصمت والصلاة . لانها لم تجد من الكلام ما يوصف هذا الذي تعانيه . كانت تكرر في القنوت : «إللهي أتراك بعد الايمان بك تُعذبني ؛ أم بعد حُبِي اياك تبعدني ... حاشا لوجهك الكريم أن تُخيبني ؛ ليت شعري أللشقاء ولدتني أمي ؛ أم للعناء ربَتني فليتها لم تلدني ولم تربني ؛ وليتني علمت أُمِن أهل السعادة جعلتني. وبقربك وجوارك خصصتني . فتقرٌ بذلك عيني وتطمئن له نفسي».
- فاطمة صامتة! :-أستقرت فاطمة في أحدى غرف القسم السياسي «القسم الثالث» حيث وجدت في القسم أعدادًا من زينبيات مدينة الثورة قد سبقنها الى الإعتقال والتعذيب في سجن الرشاد . لان اعترافات الذليل المدعو (شيخ راضي) قد شملت اغلب الحلقات والخَلايَا النسويّة في مدينة الثورة ومدن أخرى من بغداد ! في بادىء الأمر لم تتعرف فاطمة على صويحبات الأمس .. فالتعذيب ووخز الضمير وتأنيب الروح قد غيّر ملامح وجوههنٌ ! حيث الوجوه صُفرٌ والاجسام متٱكلة هزيلة لكثرة ما لاقت من تعذيب وعذاب .. نعم .. لقد اعتقلت قطعان المغول الهمجية حرائر بغداد وعذبوهن اي تعذيب .. أستشرى اليأس وعمّ الحزن على ارواح مجاميع الفتيات بعد ةن طفحت على وجوههنَ سُحب الانسحاق حيث العيون تحكى قصة العتب الطويل ! بقيت فاطمة صامتة تتأمل كأنهَا تنتظر الفرصة المناسبة للاستفسار عمّا يجري، مآ أن حلت صلاة المغربَ حَتى إقتربت الأخوات منها يتحَسسن آلامها ويتفحصنٌ جراحها .. وبعد الصلاة أومأت الى الأخت السجينة «..» فأنسلت من مكانها والتصقت بها، فاطمة تحَاور الأخت «..» : _نعم أم «..» خبّريني . ماهذا الذي يجري؟ كيف وصلتم الى هنا ؟ وبشفاهٍ راجفة لقد اعتقلونا جميعًا - ولكن كيف ؟! - إنه شيخ راضي . فهو سبب هذه الكارثة . - ماذا .. ماذا قلتٍ !؟ - نعم . شيخ راضي .
نقلت فاطمة من المحكمة الى سجن الرشاد ببغداد .. خرجت من محكمة الموت وقد انتزعت منهم الشهادة .. خرجت ولم ينتزعوا منها سرًا .
جاءوا بها الى سجن الرشاد .. وصلت عصرًا كان الشتاء قاسيًا والبرد قارصًا دخلت فاطمة الى ساحة السجن .
دخلت تمشي بوهن وببطءٍ شديد لما عانت روحها وجسدها من عذاب وعذاب ..
كان قوامها قد ازداد نحولًا . قدمت كغصن كسير ..
بعد وتخطّْفٌ الأوباش رحيق عمرها .. تحمّلت كلٌّ هذا الدمار وهي لا تدري أن الشاهد من أهل الدار!
استقبلتها الأخوات في القسم السياسي . استقبلنها بالأرواح قبل الأجساد، وأنتشر خبر وصول البطلة بسرعة البرق الى جميع غرف وقاعات السجن الكبير .
- وحَكَمت مَحكَمة فِرعَون ..أغلق الملف وأرسلت اضبارة التحقيق الى مديرية (الأمن) العامة للمصادقة على أقوالها حيث تم نقلها بسيارة خاصة أشبه بالصندوق المغلق .. وما أن وصلت أرسلوها الى (الموقف) وهو عبارة عن قاعة كبيرة خيّم على فضائها الصمت . تجمعت فيها زينبيات جميع مناطق ومحافظات العراق اللاتي تجاوزنَ فترة التحقيق والتعذيب بانتظار إرسالهن لاحقاً الى محكمة الثورة لاصدار قرار الحكم . بعد عدّة أشهر في موقف الشعبة الخامسة لمديرية الأمن العامة بيغداد . وبعد أن يئس جلادو أمن النظام من الحصول على أي قضية أو ضحيّة ذات علاقة بخطوط فاطمة أو بخلاياها الحزبية . تم إحالة ملف التحقيق للمحاكمة حيث تم نقل فاطمة صَباحًا الى محكمة الثورة العسكرية وهناك شاهدت فاطمة أعدادًا كبيرة من رجال العراق الصالحين تعجٌ بهم قاعة المحكمة .. وجبات كبيرة يتم اتهامهم ثم محاكمتهم وبوقتٍ قصيرٍ جداً لا يتجاوز العشرة دقائق .. كانت الإتهامات تتم على ضوء الإعترافات التي انتزعت منهم بالقوة وأثناء التعذيب أو بطريقة التزوير والتلفيق وبلا اعتراف. بعدها تنتظر هذه الوجبات في غرفٍ كبيرة خلف قاعة المحكمة حيت تتلى الأحكام الجائرة الساعة الواحدة ظهرًا، كان حرّاس ومسؤولوا المحكمة يمطرون السجناء الإسلاميين - نساءً ورجالاً - بفيض أخلاقهم البذيئة وبعبارات تربيتهم الرديئة أما فاطمة.. فقد أدخلتَ القاعة الكبيرة حيث القفص الحديدي الذي يقابله من الجهة البعيدة الأخرى منصّة عالية يجلس عليها ثلائة طغاة بكامل ملابسهم العسكرية التي تتدلى منها أوسمة العار الدالة على رضا الفرعون عنهم .. كان المجرم الجزار اللواء مسلم الجبوري يتوسطهم . لم تمض على المسرحية سوى دقائق حتى حكمت محكمة الفرعون العسكرية على فاطمة الحسيني الطالقاني بالأعدام شنقاً حتى الموت وحسب المادة «١٥٦-أ» من قانون العقوبات العراقية في الدستور المؤقت . لاتهامها بالائتماء الى حزب الدعوة العميل لإيران - عل حد قولهم - ولحيازتها اسلحة محظورة ولارتكايها جرائم تخل بأمن (الثورة) وبأهداف حزب البعث العربي الإشتراكي !! كانت فاطمة واقفة بشموخ وكبرياء كنخيل العراق الاشم ؛ واقفة مستبشرة بالذي ينتظرها . ساخرة بالذي يجري حولها .
- انتُزِعت مِنهم الشَّهادَة ولَم يَنتزعوا منهَا سرًا !..انتهت حفلة التعذيب - فيما يتعلق بالجلاد - الى لا شيء بل الى هزيمة ساحقة .. أمّا فاطمة فقد انتهت الرحلة الى يقين مُطلق بمبادىء الدرب الذى سلكته والعدو الذي قاتلته .. وهكذا حسمت المعركة بانتصار فاطمة حيت لم يُسجّل التاريخ أيّ اعتقال من خلاياها لاحقاً .. لقد يئس الجلاد من استنطاق فريسته ودفن فشله بتقرير يأمر فيه أسياده بتنفيذ حكم الإعدام شنقاً ب "الخائنة" فاطمة الحُسَيني حسب المادة «١٥٦-أ» لأنتمائها لحزب الدعوة العميل !! فالأحكام يحدّدها الجلاد كما هو مألوف في دولة البعث ؛ حتى قبل أن يتم تحديد موعد جلسة المحاكمة الصورية! خرجت فاطمة من الغرف الرهيبة لمديرية (أمن) الثورة وقد انتزعت عبارات وعلامات الإعَجَابٌ حتى من أفواه ووجوه الجلادين ! كيف لا وقد أسقطت محقق بغداد الأول الجلاد علي الخاقاني بكل شموخ وكبرياء .. كيف لا وقد نزعت منهم الشهادة ولم ينتزعوا منها سرًا !..
- المَعروفون في السَّماء المَجهولونَ في الأرض :-نُقلت فاطمة سحلًا الى غرفة الموقف - حيث الأخوات - وكان مغمى عليها وقد لفت بعباءةٍ وباهمال .. فثارت مراجل الغضب ولكن ماذا بمقدورهنٌ أن يفعلن وأنى لهن ذلك .. انفجرت العيون بالدموع وأجهشن بالبكاء والعويل .. كنّ كلما يخلعن العباءة منها يصرخن في نحيب مُّر .. لقد انسلخ الجلد من ساقيها واللحم من كتفها وتناثرت البقع السوداء والحمراء على جسدها.. وإني لأرجو من أخي القارئ الكريم أن لا يذهب بعيدًا فيرى أن ما قلناه فيه شيء من المبالغة، لأن الشهود قابوا قوسين أو أدنى منك . وإن الصوتَ الذي أطلقته السيدة الحوراء زينب (عليها السلام) في كربلاء، ذلك الصوت المجلجل بالحق، لم يكن محصورًا في ألسنة المشاهير وحدهم، بل يتوارثه عبر الزمن أناسٌ مجهولون يصنعون التاريخ لأمتهم بلا ضجيج ولا شهرة. يعملون بصمت، ويتحملون الآلام، ولكن قلوبهم المنوَّرة بالله وبالحرية تعطي الوقود الدائم لخطّ المجد عبر العصور. وفي تاريخنا المليء بقصص الأبطال المجهولين، نجد نماذج كثيرة من هذا الطراز النادر من النساء. وما العلوية فاطمة إلا عيّنة من أولئك المعروفون في السماء، المجهولون في الأرض .
- الاِستِعانَةُ بِاللهِ وَالتَّوَسُّلُ بِالزَّهْراء :-وفي صَباحٍ قائِظٍ قاسٍ، اِمْتَلَأَت غُرَفُ مَديـريَّةِ أَمْنِ «الثَّوْرَة» بِصَرَخاتٍ هَستِيريَّةٍ مُتَلاحِقَة .. كانَت فاطِمَةُ تَصْرُخُ بِجُنُون، وَكَأَنَّ رُوحَها تُريدُ أَنْ تَخْرُجَ مِن جَسَدِها .. كانَت عِباراتُ الاِستِعانَةِ بِاللهِ وَالتَّوَسُّلِ بِالزَّهْراء تَمْلَأُ فَضاءَ المَمَرِّ وَالمَوقِف . يا تُرَى ما الَّذي جَعَلَ فاطِمَةَ تَصْرُخُ هَكَذا؟! لقد صَبَّ الجَلّادون «التِّيزاب – مادَّة كيمياويَّة تُحرِقُ الجِلدَ وَتَسْلَخُه» عَلى أَعْلَى ساقَيها .. فَأَكَلَ جُزْءًا مِن لَحْمِها وَتَرَكَ أُخاديدَ بَشِعَة .. أُغْمِيَ عَلَيها مَرّاتٍ وَمَرّاتٍ وَكَادَت رُوحُها أَنْ تَزهَق .. لكِنَّ المجرمَ لَم يَتْرُكْها لِتَموتَ إِلّا بَعدَ أَنْ تَذُوقَ العَذابَ قَطْرَةً قَطْرَة. فَراحَ يُمْعِنُ في تَعذيبِها مُستَخدِمًا ما بِحَوزَتِه مِن آلَاتِ التَّعذيب . لقدِ استَخْدَمَ آلَة «الضّاغِطَةِ الكَهرَبائيَّة» لِسَلْخِ جِلدِ كَتِفِها الأَيْسَر، وَلَم يَكْتَفِ بِذلِك .. يا لَيْتَ عَجَلَةَ الزَّمَنِ تَدورُ بِأَسْرَعَ مِمّا هِيَ عَلَيه .. فَالدَّقائِقُ بَطيئَةٌ رَهِيبَة، وَجَولاتُ التَّعذيبِ مُرَّةٌ بَشِعَة . لقد جَنَّ جُنونُ هَذا المارِدِ الأهْوَج .. كَيفَ يَسْمَحُ – وَهو الجَلّادُ العَتِيد – أَنْ تَصرَعَهُ إِرادَةُ فَتاة؟! أَيّامٌ وَأَسابيعُ تَمَخَّضَت بِالتَّحَدّي وَعَدَمِ الاِعْتِراف، كانَت كَفيلَةً بِإِذلالِهِ وَسَحقِ كِبريائِهِ وَجَبَروتِه . فَها هُوَ هائجٌ كَالخِنزير .. قَد أَحرَقَ أَعْلى ذِراعِها الأَيْسَر بِالمِكواةِ الكَهرَبائيَّة، فَتَرَكَ تَشْويهًا وَدَمًا أَسوَدّ، رَغْمَ أَنَّ فَريسَتَهُ كانَت في حالَةِ إِغْماء . أُخَيّاه .. يا ابنَ العِراق، أَهْدِل لِمُقْلَتَيْكَ الدَّمع .. فَهُوَ مَشهَدٌ فَريد لا أَظُنُّ أَنَّهُ سَيُمْحَى مِن ذاكِرَتِك .. ساعَدَ اللهُ قَلبَ اللّاتي كُنَّ بِقُرْبِها – في المَوقِف – بَل ساعَدَ اللهُ قَلبَ الزَّهْراء وَهِيَ تَرى بَناتِها مَغْمًى عَلَيْهِنَّ بَعدَ التَّعذيب ..
- تَأنَسُ باللَّيلِ رَغْمَ وَحشَتِه :-فاطِمَةُ تَأنَسُ باللَّيلِ رَغمَ وَحشَتِه، فهوَ بالنِّسبةِ لها شَيءٌ آخَر: تُناجي رَبَّها، تُصَلّي، تَشتَكي، تَبكي… تَشعُرُ بلَذَّةٍ دونَها الشُّهَد. إنَّها تَجِدُ في اللَّيلِ زادَها الرُّوحيَّ الَّذي تَتزَوَّدُ بهِ لِمُواجَهةِ النَّهارِ الحافِلِ بِحَفَلاتِ التَّعذيبِ على أَيدي أَجلافِ البَعث . كانتْ تَتمتِمُ بذِكرِ الله بما احتَفَظَتْ بهِ الذّاكرةُ من قرآنٍ وأَدعيةٍ، حيثُ السُّكونُ وهَدأةُ اللَّيل: – «يا رَبِّ خُذني إليكَ، فقَد طالَ العَذابُ وازدَادَ الاشتِياقُ…». تَقتَربُ سَجينةٌ «…» من فاطِمَة وتَهمِسُ في أُذنِها – وبِحَياءٍ زَينَبيٍّ –: – «أُخَيَّتي فاطِمَة… لا بَأسَ عَلَيكِ يا عَزيزَتي. فَلَيسَ هو أَرزَلَ مِنَ الشِّمرِ الَّذي جَلَسَ على صَدرِ رَيحانةِ المُصطفى، ولا أنتِ أَفضَلُ وأَجَلُّ مِنَ الحُسينِ وزَينَب. اِصبِري حَبيبَتي، فإنَّ ما حَدَثَ بِعَينِ الله». تَلتَفِتُ فاطِمَةُ نَحوَها بِصُعوبة، وتُجيبُها بِدُموعِها لا بِشَفَتَيها، فإنَّها أبلَغُ لُغةٍ في دُنيا المَظلومين. لقد كانَ بإمكانِ فاطِمَةَ الِابتِعادُ عن هذا النَّوعِ مِنَ التَّعذيبِ الرُّوحيِّ، ولو بِإعطاءِ اعتِرافٍ غيرِ ذي جَدوى، لكِنَّها أَبَت إلّا التَّحدّي ومُنازَلةَ هذا الخِنزيرِ الَّذي يُسمَّى – مَجازاً – «أبو جَواد». ماذا يُريدونَ مِن فاطِمَة أن تَعتَرِف؟ وهَل لِفَتاةٍ ذابَت في جَسَدِ الزَّمَنِ الفاطِميِّ أن تَعتَرِف؟! كَيْفَ تَعتَرِف؟ وهيَ الَّتي كُلَّما كَبُرَت وعَظُمَت آلامُ جَسَدِها، كُلَّما تَسامَت في عالَمِ الرُّوحِ وغاصَت في مَلكوتِ السَّماء !.
تقولُ إحدى الأخواتِ السَّجينات – العَلَويَّة عَلِّيَة قاسِم الحُسَيني :عندما جاءتِ الشَّهيدةُ فاطِمَة إلى سِجنِ الرَّشاد، دخلتُ معها إلى (الحَمّام) لأُساعِدَها، فرأيتُ آثارَ التَّشوّهاتِ على كتِفِها نتيجةَ التَّعذيبِ بالآلةِ الكهربائيَّةِ الضاغِطَة وبالمِكواة .
وتقولُ إحدى الأخواتِ المُجاهِداتِ السَّجينات :«اعتقَلَتْ مُديريَّةُ أمنِ الثَّورة فاطِمَة الحُسَيني، وكانَ مُديرُ التَّحقيقِ علي الخاقاني (أبو جواد) وهو جَلّادٌ معروفٌ وذو شَكلٍ مُرعِبٍ ومُخيف. وقيلَ إنَّه لا يَخسَرُ قَضيَّةً أبداً، وإذا حَدَثَ وخَسِرَ قضيَّةً ما، فهذا يَعني أنَّ الشَّخصَ المُتَّهَم قد ماتَ بين يَدَيه أثناءَ التَّعذيب! استَلمَ هذا المُجرم قضيَّةَ فاطِمَة، ومارَسَ معها تَعذيباً وِحشيّاً، فهوَ لن يَسمَحَ أن تَنتصِرَ عليه فَتاةٌ صَغيرة. وكانتْ وسائلُ التَّعذيبِ من الفَلقةِ والتَّعليقِ والكَهرباءِ والكَيبَلات ممارساتٍ أوَّليَّةً يَمرُّ بها كُلُّ سَجين . ولَكِن (أبو جواد) استَخدمَ تَعذيباً من نَوعٍ آخَر بسببِ صُمودِها وعَدمِ اعتِرافِها، فهوَ يَعلَمُ أنَّ الذي تَحمِلُه فاطِمَة في داخِلِها من أسرارٍ هو كَثيرٌ ومُهِم . كانَ يُعذِّبُها ويُعلِّقُها ثُمَّ يَحمِي سِكيناً على المِدفأة ويَمسَحُها بشارِبِه – وكأنَّه يُريدُ أن يُظهِرَ رُجولتَه – ثُمَّ يبدأُ بكَوي أيِّ مكانٍ شاءَ من جَسَدِ فاطِمَة!
وتقولُ سجينةٌ أُخرى – المُجاهِدةُ الفاضِلة سَميرة الشَّيخ فاضِل الحِياوي :-«كانَ (أبو جواد) يُعذِّبُ فاطِمَة ويَقول: بهشتي، رفسنجاني… تَعالوا شوفوا حال بِنْتَكُم!»
- التعذيب :-وما أن نفذ صبره حتى صرخ بمساعديه الذي كانوا على أهبة الإستعداد ينتظرون إشارته للبدء في حفلة التعذيب .. وما هي الا لحظات حتى انهالوا على فريستهم ضربًا بالعصَي والكيبلات" من مادة البلاستيك محشو بأسلاك نحاسية صلبة"! . فبدأ جسمها يخور نحو الأرض بعد أن تلاشت قواها . لكنهم لم يتركوها مُدّدة على الأرض بلى بدأوا يضربون أسفل قدميها بطريقة تسمى «الفلقة» حتى انتفختا ثم أمر الجلاد بتعليقها في سقف الغرفة حيث موضع السنّارة «الچنگال» ومن خلال السلسلة الغليظة التي تتوسط حلقتي جامعة اليدين! . لقد علّقوها من يديها بعد أن ربطوهما الى الخلف .. وهذه طريقة ثابتة تمارسها جميع دوائر أمن النظام في تعذيب المتهم السياسي وانتزاع الإعتراف منه .. فما أن تُعلق الضحية من اليدين - ومن الخلف - حتئ تشعر كأن ناراً قد أشتعلت في معصميها ومفاصل يديها التي تكاد تنخلع ويبدأ الخدر يدب في أنحاء جسمها المتدلي الى الأسفل .. وتبدأ الدقائق تمر عليها وكأنها دهورًا .. و لم يستطيعوا أن يُمزقوا صمودها فكان جسدها يتفجر المًا كما تتفجر روحها عزيمة وثباتًا..
- أَقْبِيَةُ الموتِ الأَحْمَر :-وما هي إلا دَقائِق حتى صَارَت فاطِمَةُ أَمامَ الوَحْشِ في غُرْفَةِ التَّعذيب، لأنَّ التَّحقيق في دَوْلَةِ الرُّعبِ والإرهاب يُجْرَى في غُرَفِ التَّعذيب وتَحت صَعَقَاتِ الكَهْرَباءِ. فراح يُكَلِّمُها باللهجة العاميّة الدارجة: «إي علوية، شلونج؟» لا جواب . « فاطِمَة … إحجيلي . آني ما أريدهم "إيهينوج". هِنا ما يرحمون الشيعة ولا حتّى العلوية… آني الوحيد هنا شيعي وأريد مصلحتچ… والزهرة الزچية إلا ترجعين الليلة للبيت! بس حتى أقنع المدير خبَريني بأسماء البنات اللي تحت إيدچ ودليني على المكان اللي خبّى فيه جمال الأسلحة؟!» فاطِمَة وبنظرة واثقة: «أي سلاح وأي بنات! أنا لا أعرف عن ماذا تتكلم!» «إبنيتي، الجميع اعترفوا عليچ، واحنه نعرف كُل شيء… فلا داعي لهذا اللف والدوران!» «أي اعتراف؟! أكيد يوجد اشتباه.» وحاول الجلاد استخدام أساليبه المكشوفة لخداع هذه الفتاة الحسينية، ولكن جميع محاولاته باءت بالفشل، فهو لم يجد في فاطِمَة سوى كلماتٍ ترفل بالصمود والتحدّي. بدأت المواجهة منذ البداية، لأن فاطِمَة رفضت الإدلاء بأي اعتراف، وقد وطدت العزم على عدم البوح بأسرارها مهما كلف الأمر. وكانت تستنكر ان تصرغ امام هؤلاء المرتزقة الاوغاد! كان صراخها تكبيرًا!!!
- وَحْشٌ أَسْمُهُ عَلِيّ الخاقاني!كانَ المَعْروفُ عَنْهُ – وبأفواهِ ضَحاياهِ – أنّهُ يُمارِسُ التّعذيبَ بِأَعصابٍ هادئة، ويَلْتَهِمُ فَريستَهُ بِدَمٍ بارِد، كأنّهُ يَسْتَمِعُ إلى سِمفُونِيَّةٍ هادئة. ولَكِن حينَ يَصْمُدُ الضّحِيّة، يَتَصَرَّفُ كالمَجْنون، وَيَهِيجُ كَالخِنزِير، وَيَعوي كَالذِّئب، مَكشِرًا عن أَنيابِهِ. ما زالَت ذاكرةُ الأخواتِ السّجيناتِ تَحتفِظُ بِمَلامِح وَجهِ هذا المُجرِم، لقَسوةِ أَساليبِهِ ووحشيّةِ تَعذيبِهِ. بل ما زالَت بَعضُ السّجيناتِ في عَناءٍ دائمٍ من كابوسٍ بَغِيض وشَبه يَوميّ بِسَبَبِ دَمويّةِ هذا الجلّاد! فالموتُ في غُرَفِ التحقيق (التّعذيب) الّتي تُجْرَى على يَدي هذا الوَحْش هِي أُمنيةُ كلّ ضَحاياهِ. وهذه حَقيقةٌ تَعرِفُها جَميعُ الأخواتِ اللّاتي دَخَلْنَ زنزاناتِ الموتِ البَطيء، لأنّ هذا المُرتزِق لم يَتْرُك ضَحاياهِ يَموتون لِيَرتاحوا، بل يَسقيهم الموت غُصصًا قَبْلَ أَنْ يَزهَقَ أَرواحَهم . إنّهُ عَلِيّ الخاقاني – أَبُو جَواد – رَجُلُ المُهِمّات الصّعبة، وهاهم قد أَوْكِلَتْ إليه مُهِمّةُ تَعذيبِ فاطِمَة، لِيَنتَزِعَ منها الاعترافاتِ حول مخابئِ الأسلحة وخُطوطِ التنظيمِ النّسويِّ بِبغداد.
– هَذَا مُلخَّصٌ قَصير جدًّا عن هذا المُجرِم، وباقِي التّفاصيل عن هَمجيّتِهِ ووحشيّتِهِ لا نَستَطيع ذِكر مَا كَان يفعَلَهُ لِشِدَّة البَشَاعَة والتَّعذيب .. تَجدونها في الكتاب (مُذَكِّراتُ سَجينةٍ ج ١ ص ٢٥٢).
- زُوّارُ اللَّيل!تَسَلّلَ الظّلامُ إلى مدينةِ الثّورة، حيث جاء زُوّارُ الليل إلى بيتِ فاطِمَة، واقتادُوها مَعْصوبةَ العينين إلى حيثُ يَنتظرها الحَجِيم. بعد أن فَتّشوا غُرَفَ المنزل، بَعْثَروا كُلّ ما فيها، فلم يَجِدوا سوى القُرْآنِ وَكِتابِ الأدعيةِ والزِّيارات . وجديرٌ بالذِّكر أن دوائرَ أمن النّظام كانت في ذلك الوقت لا تَكتفي باعتقالِ المرتبطين بالتنظيمات الإسلامية أو المُجاهدين الّذين يَحمِلُونَ السّلاح، بل كانوا يعتقلونَ كُلّ مَن له صِلَةٌ بهم، ولذا اعتقلوا أخواتِ فاطِمَة! ولكن بعد التحقيق اكتشفوا أنهنَّ صَغيراتُ السنّ (بريئات)، فواحدةٌ كان عمرها «١٥» سنة والأخرى «١٤». أمّا بتول، التي كانت طالبةً في مرحلةِ السادس الإعدادي، فقد أُنهِمَت بالتعاون مع فاطِمَة والتَّستُّر عليها، فحُكِمَ عليها بالسّجن خمسَ سنوات . ولابدّ لنا أن نذكُر هنا أنّه قد سبق اعتقال فاطِمَة اعتقالٌ آخر: فقد عاشَت مدينةُ الثّورة ليلةً مشؤومةً زمجرت فيها الرّيح لتنذر بقرب فاجعة، ليلةٌ تمّ فيها استئصالُ عددٍ من رائدات وكوادر العمل النسوي في هذه المدينة ومدنٍ أخرى، اعتُقِلْنَ بشكلٍ جماعيّ وعشوائيّ وبطريقة «صيد السمكة وتجفيف البركة» لكي تذبلَ الورودُ والأزهارُ التي لم تزل في أكمامها . كان مساءٌ أحالَ حمرةَ غروبِ الشمس إلى كتلةٍ سوداء، سببَ رَغاءٍ لدى المسمّى بـ «الشيخ راضي». وهكذا تمّ اعتقالُ فاطِمَة! اعتُقِلَت في صيفِ عام ١٩٨٢م، حيث الأيّامُ قائضةٌ والشّمسُ لافحة، اعتُقِلَت وهي التي رَسَمَت خطوطَ العملِ بتأنٍّ وبشكلٍ مُنَسَّجٍ في الزّوايا، وكانت حَرِصَت على إخفاء خصوصياتها ومجمل نشاطاتها حتى عن عيونِ خلاياها وحلقاتها الحزبية ..
- الموتُ قابُ قوسين أو أَدْنَى مِنكِ :-بَدَأَت أَجْهِزَةُ أَمْنِ السُّلْطَة – وبغَدرٍ مَسموم – تَطَالِبُ بِرَأْسِ فاطِمَة . وأنّى لَهُم ذَلِكَ! فَلا أَحَدَ يَعْرِفُ مَقَرَّها أو مُسْتَقَرَّها. قالَت لها إِحدَى صَدِيقَاتِها: «أُخْتِي فاطِمَة، أَهْدِئِي قَلِيلًا، فالموتُ قابُ قوسين مِنكِ! لِقَد ذُكِرَ اسْمُكِ في المُنظَّمَة الحِزْبِيَّة!» فاطِمَة: «الحَمدُ للهِ الّذي جَعَلَ لِلمُجاهِدِينَ بابًا من أَبْوَابِ الجَنَّة يَفْتَحُه لِخاصَّةِ أَوْلِيائِهِ. ولَعَلِّي أَفُوزُ بِالشَّهَادَة وَأَكونُ مَعَهُم». تَصِرُّ فاطِمَة عَلَى المَضي قُدُمًا في طَريقِ الشَّهَادَة، قَلَمٌ يُثنِيهَا تَناثُرُ الأشْوَاك وَكَثْرَةُ الشِرَاك كما لَم تُغامِرْها ذَرَّةٌ مِن التَّرَدُّد. ولمَ العَجَب!؟ فَهي مِن أَبْنَاءِ مَدْرَسَةِ هذا المَذْهَبِ العَظيم، الّذي طَفَحَ عِشقُ الشَّهَادَةِ على أَدْعِيَتِهِ: «وَقْتَلًا في سَبيلِكَ مَعَ أَوْلِيائِكَ فَوَفِّقْ لَنَا».
- التَّقِيَّةُ :-كانَت تُصَرِّف السَّاعاتِ الطَّوالِ لِاِنتِزاعِ الخَوْفِ وَالعَجْزِ من قُلُوبِ بَناتِ جِيلِها، وَلِاِسْتِنفارِ كَوَامِنِ الغَضَبِ وَالجِهادِ في عُقُولِ وَقُلُوبِ بَناتِ مَدِينَتِها. فَهي طالَما حاوَرَت الآخَرين وَأَقنَعَتْهُم بِأَنَّ التَّقِيَّةَ لَيْسَت حالَة جُمودٍ وَاسْتِرْخاء، بَل هِي وَسِيلَة لإخفاءِ العَمَلِ وَجَعْلِهِ في دائِرَةِ الظِّلّ . فَهي تَرفُض الحواراتِ وَالمُحاضَراتِ تحتَ مِظَلَّةِ التَّنظيرِ الخاوِي، فَكانَت تُحَذِّرُ اللائي مِن حَوْلِها من الاستغراقِ في الجَدَلِ الفارِغِ وَالجُزْئِيّاتِ الّتي تُبْعِد عن الهَدَفِ الأَساس. فَهي تَرَى أَنَّ التَّنظِيماتِ الحِزبِيَّةِ الإِسلامِيَّةِ هِي أَنَجَعُ خِيَارٍ في المُواجَهَة وَتَحقيقِ الهَدَف، لأَنَّ فيه – على حَدّ قَولِها – تَركيزًا لِلجُهود وَتَقْليلًا لِلخَسَائِر. بَل تَرَى أَنَّ العَمَلَ الجِهادِيَّ التَّعبوي هُوَ الخِيَارُ الاستراتيجيُّ الأوَّل في تِلكَ المَرْحَلَة، وَما سِواه لَيْسَ سِوى ظَهِيرٍ مَيْدَانِيّ ثانَوِيّ . وَلِأَنَّه لَيْسَ في مَنْهَجِها خُطوطٌ دُنْيَوِيَّة حَمراء تَستَحِقُّ التَّرَيُّث، لِذا قادَت مَع بَعضِ أُخواتِها الزَّينَبِيَّات، كالشَّهيدة كُمَيلَة شَرْقِي، وَبَعض العلَوِيَّاتِ المُجاهدات من آلِ المَبْرَقَع، جَحافِلَ الرَّفْض في المُظاهَرَةِ الكُبرى التي قَامَت بِها الحَرَكَة الإِسلامِيَّة في مدينةِ الثَّورة (شارعِ الدّاخِل) بِسَبَبِ اعتِقالِ المَرجِعِ السَّيِّد الصَّدْر قدس سره . حيثُ هَتَفَت الحَناجِرُ بِالمُطالَبَةِ بِإِطلاقِ سَراحِ المَرجِع القائِد الصَّدْر، فَكانَت فاطِمَة ضمنَ موكبِ المُجاهداتِ اللاتي هَتَفْنَ بِفَتَيَاتِ مدينةِ الثَّورة نَحوَ الثَّورَة، بَعدَ أن تَقَرَّر أَن يُصبِحَ الاحتِجاج ثَورَة . بَيْدَ أنَّ عُيونَ النِّظامِ وَمُرتَزِقَتِه استيقظَت – مِن خلالِ تَقاريرِ الرفاقِ الّذي أَحاطوا بالمُظاهَرَة – على الدَّورِ القياديّ الذي لَعِبَتْهُ فاطِمَة في سَاعاتِ تِلكَ الأُمسِيَةِ العاصِفَة! لَكِن ذلك لَنْ يمنعَها مِن مُواصَلَةِ الدَّرب، لأنَّ يَومِيّاتِها كانت مُعَدَّة سابِقًا وَقائِمَة على مَنِيعٍ واضِح . فَالشَّهَادَة في رُؤاها هِي غايَةُ الغَايَات. كَانَ شِعارُها: (مَنْ عَرَفَ اللهَ لابُدَّ أَنْ يَكونَ مُجاهِدًا أَو شَهِيدًا). بَل كانَت تُصَرِّحُ لَنَا قائلَةً: «لا أُرِيد أَنْ أَموتَ بلا ثَمَن: يَجِب أن أَعمَلَ وَأَزرَعَ قَبْلَ أَنْ أُقتَل». فَما زالت تلك أَجوبَتُها لِمَن يُحاوِل إقناعَها بِتَرْكِ الجِهاد – وَلَو إِلَى حين – حِرصًا على شَبابِها وَحَياتِها: «وهل تَطلُبينَ مِنّي أَنْ أُضحّي في فِرْدوسِ الآخرة بَعدَ أن وَجدتُ السَّبيلَ إليها؟»
تقولُ الأُختُ الفاضِلةُ السجينةُ إيمان البصري:«الشَّهيدةُ فاطِمة تَزَوَّجَت واستُشهدَت ولم يَكُن لها أطفال. كانت مسؤولةً عن خُطوطِ التنظيمِ النسوية¹ في شارع فلسطين والكرادة، وَهذِهِ هي تهمتُها الّتي وُجِّهَت لها في مديرية أمن الثورة وفي المحكمة، ولذا فقد اختفت لفترة لأنها كانت مطلوبة . كانت رحمةُ الله عليها تَمتاز بشيئين قل توفُّرهما لمعظم الأخوات: فهي في درجةِ إيمانِها وَوعيِها قد سَبَقَت عُمرَها بكثير، وَكانت عميقةَ الوعي وذاتَ فِكرٍ نير، تَحمل في داخلها شيئًا أشبه بالبركان، فلم تَهدأ أبدًا خصوصًا بعد استشهاد السيد الصدر والعلوية بنت الهدى عام ١٩٨٠. وحسب ما نُقِل عنها الأخوات، فقد تَحوَّلَت إلى شيءٍ آخر، حيث ارتَفَعَ حَماسُها وروحُها الثورية إلى درجةٍ لا تُوصَف، لقد قفزت قفزةً نوعية، صارت مُتيقنةً أن النصر لا يَأتي إلّا بالشهادة، ولذا فهي لم تَستكِن أبدًا . ورغم كل آلامها وبلاءاتها، كانت فاطِمة تَعيش نشوةَ السرور للحلمِ الكبير الذي حَقَّقه الإمامُ الخميني في ثورته الإسلامية المباركة، لأن السِّمَةَ البارزة التي لا تَقْبَل الزَّوال في شخصيتها هي ذوبانُها في ذات الله واستصغارُ كل بلاءٍ دونه. فَقَد طلَّقت ثلاثًا تلك الحياةَ الهادئةَ الهانئةَ التي كانت تُوفّر لها عيشًا أفضل وأمنًا أوفر . كانت فاطِمة تَمضي معظم وقتها في سجن الرشاد بالعبادة، فهي كثيرةُ الصيامِ والدعاء والزيارة . وبالرغم من أن النظام الحاكم كان يأمل، ومن خلال مخططاته، أن يكون سجن الرشاد طواميرَ وحضائرَ للموت البطيء، لكنه تحوّل بفضل الزينبيات إلى حلقاتِ درس وتفسير وحفظ للقرآن ». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توضيح: عند سماع كلمة "النسوية" في بعض القصص التاريخية عن الأخوات المجاهدات، لا يعني هذا ما نعرفه اليوم من مطالب اجتماعية أو مساواة حديثة بين الرجل والمرأة. في سياق هؤلاء الشهيدات، النسوية كانت نشاطًا شرعيًا ودعويًا وثوريًا: تنظيم الأخوات، نشر العلم والإيمان، دعم الثورة والمجتمع، والمضي في خدمة الدين والثقافة الإسلامية. لم يكن الهدف تساوي الحقوق المدنية أو السياسية كما يُفهم اليوم، بل رفع مستوى الوعي الديني والعملي للمرأة في إطار شرعي وأخلاقي، مع الإخلاص والتضحية، أحيانًا إلى درجة الاستشهاد. باختصار: النسوية هنا خدمة الدين والوطن والمجتمع بنشاط وثبات وإيمان، وليست النسوية الحديثة التي تتعلق بالمساواة الاجتماعية المطلقة أو رفض الفوارق الطبيعية بين الرجل والمرأة .
