ar
Feedback
مقالات د. ليلى حمدان مفرّغة

مقالات د. ليلى حمدان مفرّغة

الذهاب إلى القناة على Telegram

قناة خاصة بمقالات المرأة و التَّربية ( مفرَّغة ) القناة تحت إشراف طالبات الدكتورة.

إظهار المزيد
549
المشتركون
+424 ساعات
+257 أيام
+13630 أيام
أرشيف المشاركات
اخترت أن تكوني مسابقة بالخيرات على خطى السابقين الأولين، وأن تكوني من النزاع من القبائل كما كان الجيل المتفرد! فطوبى لك .. ولا يعطلنك عن المسير إلى الله تعالى وابتغاء مرضاته، مقتصد وظالم لنفسه تعيس. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. [1] [الفتاوى 18/291- 292]. [2] (صحيح الترغيب: 3172) [3] [مدارج السالكين 3 / 199]. [4] لطائف المعارف 1 / 138

(إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص: 56). وأبشرك أن لك أخوات في الغرب، يلبسن النقاب في قلب عواصم الكفر، ورغم ما نالهن من أذى واعتداءات لا يزلن يحافظن عليه باعتزاز مهيب وتأييد من الله لا يخفى سبحانه. وهن في حالة اضطهاد في بعض الأماكن ومع ذلك، ثباتهن درس وقدوة لكل مسلمة تلبس النقاب في بلاد المسلمين. بل رأينا من نساء الروهينجا المستضعفات من تلبس نقابها وهي فارة بدينها في عرض البحر وقوارب الموت والخطر، ولم تنزعه ولم تتنازل بحجة استضعاف أو إبادة عرقية. ودونك المعتنقات الجديدات لإسلام فقد رأينا منهن من تلبس النقاب بلا أدنى تردد، قد أخذت الكتاب بقوة فأضحت قدوة وحجة وإغاظة للذين كفروا! وهذه معركة من المعارك التي يلعب فيها الزمن عامل نصر، فكلما استمر ثباتك غنمتِ وسلمتِ وانتصرتِ وأخضعت المعارضين لاختيارك. السخرية من شعائر الدين كفر ولا بد من التنبيه لضرورة تحذير من ينزعج من نقابك من أن السخرية من النقاب كفر ومسألة جد وليست بالهزل، وكوني واضحة في ذلك ولديك الدليل من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فمن يستهزئ بالمسلمة من أجل حجابها ونقابها وقع في الكفر، لما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال رجل في غزوة تبوك في مجلس ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل: كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن فقال عبد الله بن عمر: وأنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تنكبه الحجارة وهو يقول : (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون، لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) (التوبة: 65-66). فالاستهزاء بالمؤمنين استهزاء بالله تعالى وآياته ورسوله صلى الله عليه وسلم. ومعلوم أن السخرية من شعائر الإسلام هي من صفات النصارى واليهود وملل الكفر والكبر؛ قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) [المائدة: 57-58]. ولا يسخر من شعائر الدين إلا مريض قلب عدو نفسه فإن وجدت من يسخر من نقابك فأقيمي الحجة عليه بالآية الجليلة ولا تأسفي عليه. السياسة الشرعية مع ذوي القربى السياسة الشرعية مع ذوي القربى في مثل هذه الحال، تبدأ بالثبات على ما أنت عليه من حق، والاستعانة بالله تعالى في ذلك وتجديد النية والإخلاص فيها، واسأليه تعالى أن يكفيك شر المجادلين والمناكفين والمرائين، وكل معترض على نقابك، وتجنبي المصادمة معهم فإن وقعت فكوني المدافعة عن الحق لا تأخذك في الله لومة لائم، كل ذلك بالحفاظ على أدبك ودينك وخلقك وأنوثتك. ولا داعي لأن أذكرك بأهمية تأييد نفسك بالأذكار والقرآن والعبادات والدعاء … فذلك سلاح المؤمن وزاده وعدته. قال ابن القيم رحمه الله:”إذا حملت على القلب هموم الدنيا وأثقالها، وتهاونت بأوراده التي هي قوته وحياته، كنت كالمسافر الذي يُحمِّل دابته فوق طاقتها ولا يوفيها علفها، فما أسرع ما تقف به”. (الفوائد 49). وفي الختام يبقى حديث ثوبان رضي الله عنه عزاء وبشرى كل ثابت وثابتة على التوحيد والسنة حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم:” لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” رواه مسلم، وعن جابر رضي الله عنه مرفوعًا:”لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة” رواه مسلم. واستحضري في هذا المقام قول الله جل جلاله (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: 38). ردديه بيقين وإيمان جازم، أن اتباع هدى الله تعالى موجب للأمان والسعادة، فلا خوف على من اتبعه ولا هم يحزنون يقينًا وبشرى للمؤمنين والمؤمنات. وإن اعترض من اعترض وسخط من سخط. واعلمي أن مجرد ثباتك على النقاب، هو نصر للإسلام، فأنت تزيدين بذلك من سواد الصالحات المتمسكات بهدي السنة والمقتديات بالسلف الصالح في خير القرون، وأنت تنقصين سببًا من أسباب الفتنة، وأنت تعلين كلمة الله بإبراز شعائره وتدعين لهديه بالاستجابة لأمره تعالى بأحسن ما يكون، (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (الزمر: 18)

قال ابن رجب رحمه الله:” وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتن يتبعون أهواءهم ولا يرجعون إلى دين؛ فيكون حالهم شبيهًا بحال الجاهلية، فإذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه ويعبد ربه، ويتبع مراضيه، ويجتنب مساخطه، كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مؤمنًا به، متبعًا لأوامره، مجتنبًا لنواهيه”[4]. وقال ابن القيم رحمه الله:” ولقلتهم في الناس جدًا سموا غرباء، فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع فهم غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غربة… فالغربة ثلاثة أنواع: غربة أهل الله وأهل سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بين هذا الخلق، وهي الغربة التي مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلها، وأخبر عن الدين الذي جاء به أنه:” جاء غريبًا، وأنه سيعود غريبًا كما بدأ “، وأن أهلها يصيرون غرباء، وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان، ووقت دون وقت، وبين قوم دون قوم، ولكن أهل هذه الغربة هم أهل الله حقًا، فإنهم لم يأووا إلى غير الله، ولم ينتسبوا إلى غير رسوله، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به، وهم الذين فارقوا الناس أحوج ما كانوا إليهم، فإذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم، فيقال لهم: ألا تنطلقوا حيث انطلق الناس؟ فيقولون: فارقنا الناس ونحن أحوج إليهم منا اليوم، وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبده، فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها، بل هو آنس ما يكون إذا استوحش الناس، وأشد ما تكون وحشته إذا استأنسوا، فوليه الله ورسوله والذين آمنوا، وإن عاداه أكثر الناس وجفوه. ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي صلى الله عليه وسلم: التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس، وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم، وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس، وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، لا شيخ ولا طريقة ولا مذهب ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم بالاتباع لما جاء به وحده، وهؤلاء على الجمر حقاً، وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم، فلغربتهم بين هذا الخلق يعدونهم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة للسواد الأعظم” [مدارج السالكين 3/ 195- 198]. وفي هذه المقدمة والجمع من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وتفسيرات أئمة أهل السنة ما يعزز موقفك ويعينك على الثبات على حجابك ونقابك وما يجعلك تدركين عظم الأجر وعظم ما أنت عليه من عباده لله جل جلاله. واستحضار معاني الأحاديث يقوي القلب ويجعلك أشد تمسكًا بحجابك ونقابك، وأشد بصيرة بفضل الثبات وأجره في الغربة، وأكثر ثقة بما أنت عليه، لننتقل بعد ذلك إلى كيف نتعامل مع هذه المعارضة للنقاب. كيف نتعامل مع المعارضين للنقاب؟ بداية النفوس مفاتيح، فلا تُعامل كل النفوس بالطريقة ذاتها، هناك من تكسبه الكلمة الطيبة وهناك من يردعه الغلظة وهناك من يستجيب لنداء العقل والدين وهناك من لا تنتظري منه شيئًا! إذا فأول الأمر عليك أن تحفظي مفاتيح كل فرد من أفراد عائلتك وأقاربك، من تنفع معه الكلمة الطيبة ومن ينفع معه الموعظة وهكذا .. بناء عليه ترسمين منهجية في التعامل، ومن يغلط عليك أو يحاول أن يؤذيك، ذكريه بتقوى الله تعالى وخوفيه بجريمته، ولا تخشي شيئًا فالله مولاك، وأنت في موقف نصرة لدين الله تعالى، وهذه معركتك، تخوضينها بإعداد وذكر وعلم، وبرجاء هداية الخلق. وأرى أن تستمري في نشاطاتك من لقاء وتواصل بالوتيرة نفسها التي كنت عليها قبل النقاب، فأنت داعية الآن بمجرد لبسك للنقاب، واثبتي ولا تتأثري بشيء مستحضرة المعاني السابقة عن فضل العبادة في وقت غربة الدين، وإن جادلوك فحاججيهم بالحجج العقلية والدينية، وأعدي نفسك لمثل هذه المواجهة من كتب التفسير والعلم لأئمة أهل السنة. واعلمي أن استشعارهم أنك خجلة من ملاحظاتهم هو الذي يقويهم عليك، فهم يعتقدون أنك لبسته تأثرًا بموجة من المشاعر وليس قناعة وعقيدة وابتغاء مرضاة الله تعالى. والسبيل لتغيير هذه النظرة هو الثبات على نقابك ومزاولة حياتك بكل قوة وشجاعة في الحق، فلا تبالي بتعليقات مؤذية ولا تصرفات غير مرحبة بك، وإن كان في ذلك ثقلا فيحق لك الابتعاد عنهم بعد نصيحتهم في الله وقد أديت ما عليك، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقرون بالاستطاعة، ولو كان بالقلب فذلك أضعف الإيمان. وهناك بعض المواقف التي يمكنك الدفاع فيها والتأثير في أصحابها، وثمرتها تكون: إما أن يدعوك وشأنك أو يحترموا اختيارك أو أن يقتنعوا بحجتك وجميعها نصر، ومواقف أخرى يفضل الانسحاب منها حين تجدين ألا جدوى من الدفاع عن حجابك ونقابك وفي ذلك فقه وبصيرة، فهذا الصنف هجره عبادة والله يكفيك كل أذية وشر.

كيف أتعامل مع من يرفض نقابي وينزعج منه أو يسخر منه؟ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أنا لبست النقاب ومنذ لبسته لم أزر أقاربي، لإني أبدو غريبة في العائلة لا أحد يرتدي الخمار حتى من البنات إلا الكبيرات المتزوجات. عندي خوف من المواجهة والتعليقات وأشعر أنه غير مُرحب بي وسطهم، وقد سمعت تعليقا من أحد أقربائي مستغربا يقول: هل أنتِ لا تزالين تلبسين النقاب!؟ أي أنهم يظنون أنني لبسته حماسة ومراهقة وبعد وقت سأخلعه! وأنا بطبعي خجولة، كيف أواجه هذه المواقف، مع العلم أنني مؤدبة مع أقاربي وأحسن التعامل معهم حتى من قبل أن ألبس النقاب. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته بدية أهنئك وأبارك لك لبس النقاب، وإتمام حجابك، اقتداء بأمهات المؤمنين والصحابيات ونساء السلف الصالح، رضي الله عنهن أجمعين وعنك وعن كل متمسكة بالتوحيد والسنة، وجعلك خير خلف لخير سلف. وثبتك وأيدك بنصره وبالمؤمنين. كلماتك أخية تسلط الضوء على درجة انتكاس المقاييس التي نعيشها في زماننا، حتى أضحى الستر مقبّحًا ومنفرًا ومنتقدًا، والنقاب محاربًا من القريب قبل البعيد، والمنقبة والفضل مثلبة ونقطة استنقاص! بينما تسرح العاصيات والعاريات ويمرحن يحفّهن الثناء وتصفيقات المعجبين، ولله في خلقه شؤون، يضايق على الملتزمة العفيفة، ويفتح الباب على مصراعيه للمنفلتة المتمردة على دين الله وشعائر الإسلام. فاليوم بدل أن ينكر على المرأة التي تخرج سافرة متبرجة، نرى إنكار المرجفين يوجه للمرأة المنتقبة، بكل صفاقة وجرأة، وهذا من غربة الدين. غربة الدين وهذا من غربة الدين ومصداقًا لما نبأنا به سيد الخلق أجمعين كما عند مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلَّم- قال: “بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء”. وأخرج الإمام أحمد وابن ماجه بسند صحيح من حديث ابن مسعود بزيادة في آخره: قيل: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: “النُّزَّاع من القبائل”، والنُّزَّاع من القبائل هم الآحاد منهم تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم ودخلوا في الإسلام فكانوا هم الغرباء حقًا، وأخرجه كذلك الآجُرِّيُّ بسند صحيح وعنده: ومن هم يا رسول الله؟ قال: “الَّذين يُصْلِحون إذا فسد الناس”. وأخرجه أحْمد والطبراني من حديث عبدالله بن عمرو عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “طوبى للغرباء”، قلنا: وما الغرباء؟ قال: “قوم صالحون قليل في ناس سوء كثير، مَنْ يَعصيهِمْ أكثَرُ مِمَّن يُطيعهم” وصححه غير واحد. قال ابن الحافظ ابن رجب رحمه الله في كشف الكربة ص32: “وهؤلاء الغرباء قسمان: أحدهما: من يصلح نفسه عند فساد الناس، والثاني: من يُصلح ما أفسد الناس، وهو أعلى القسمين وأفضلهما”. قال ابن تيمية رحمه الله:” ولا يقتضي هذا أنه إذا صار غريبًا أن المتمسك به يكون في شر بل هو أسعد الناس كما في تمام الحديث ” فَطُوبىٰ لِلْغُرَبَاءِ ” و (طُوبىٰ) من الطيب. قال تعالى: ﴿ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ﴾ (الرعد: 29)، فإنه من جنس السابقين الأولين الذين اتبعوه لما كان غريبُا، وهم أسعد الناس، أما في الآخرة فهم أعلى الناس درجة بعد الأنبياء عليهم السلام، وأما في الدنيا فقد قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (الأنفال:64)، أي أن الله حسبك وحسب متبعك، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴾ (الأعراف: 196 )، وقال تعالى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ (الزمر: 36)، وقال جل شأنه: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ (الطلاق: 3،2)، فالمسلم المتبع للرسول صلى الله عليه وسلم الله تعالى حسبه وكافيه وهو وليه حيث كان ومتى كان، ولهذا يوجد المسلمون المتمسكون بالإسلام في بلاد الكفر لهم سعادة كلما كانوا أتم تمسكًا بالإسلام”.[1] وفي زماننا نعيش نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر. وغربته أشد مما كان عليه من سبق. ويشهد لذلك قول الله تعالى (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (الأنعام : 116). وفي حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم:” فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله، قلت: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم” رواه أبو داود والترمذي[2] قال ابن القيم رحمه الله:” وهذا الأجر العظيم إنما هو لغربته بين الناس، والتمسك بالسنة بين ظلمات أهوائهم وآرائهم”[3]. وهذا يقودنا إلى حديث معقل بن يسار رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عبادة في الهرج كهجرة إلي” رواه مسلم.

كيف أتعامل مع من يرفض نقابي وينزعج منه أو يسخر منه؟ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أنا لبست النقاب ومنذ لبسته لم أزر أقاربي، لإني أبدو غريبة في العائلة لا أحد يرتدي الخمار حتى من البنات إلا الكبيرات المتزوجات. عندي خوف من المواجهة والتعليقات وأشعر أنه غير مُرحب بي وسطهم، وقد سمعت تعليقا من أحد أقربائي مستغربا يقول: هل أنتِ لا تزالين تلبسين النقاب!؟ أي أنهم يظنون أنني لبسته حماسة ومراهقة وبعد وقت سأخلعه! وأنا بطبعي خجولة، كيف أواجه هذه المواقف، مع العلم أنني مؤدبة مع أقاربي وأحسن التعامل معهم حتى من قبل أن ألبس النقاب. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته بدية أهنئك وأبارك لك لبس النقاب، وإتمام حجابك، اقتداء بأمهات المؤمنين والصحابيات ونساء السلف الصالح، رضي الله عنهن أجمعين وعنك وعن كل متمسكة بالتوحيد والسنة، وجعلك خير خلف لخير سلف. وثبتك وأيدك بنصره وبالمؤمنين. كلماتك أخية تسلط الضوء على درجة انتكاس المقاييس التي نعيشها في زماننا، حتى أضحى الستر مقبّحًا ومنفرًا ومنتقدًا، والنقاب محاربًا من القريب قبل البعيد، والمنقبة والفضل مثلبة ونقطة استنقاص! بينما تسرح العاصيات والعاريات ويمرحن يحفّهن الثناء وتصفيقات المعجبين، ولله في خلقه شؤون، يضايق على الملتزمة العفيفة، ويفتح الباب على مصراعيه للمنفلتة المتمردة على دين الله وشعائر الإسلام. فاليوم بدل أن ينكر على المرأة التي تخرج سافرة متبرجة، نرى إنكار المرجفين يوجه للمرأة المنتقبة، بكل صفاقة وجرأة، وهذا من غربة الدين. غربة الدين وهذا من غربة الدين ومصداقًا لما نبأنا به سيد الخلق أجمعين كما عند مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلَّم- قال: “بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء”. وأخرج الإمام أحمد وابن ماجه بسند صحيح من حديث ابن مسعود بزيادة في آخره: قيل: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: “النُّزَّاع من القبائل”، والنُّزَّاع من القبائل هم الآحاد منهم تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم ودخلوا في الإسلام فكانوا هم الغرباء حقًا، وأخرجه كذلك الآجُرِّيُّ بسند صحيح وعنده: ومن هم يا رسول الله؟ قال: “الَّذين يُصْلِحون إذا فسد الناس”. وأخرجه أحْمد والطبراني من حديث عبدالله بن عمرو عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “طوبى للغرباء”، قلنا: وما الغرباء؟ قال: “قوم صالحون قليل في ناس سوء كثير، مَنْ يَعصيهِمْ أكثَرُ مِمَّن يُطيعهم” وصححه غير واحد. قال ابن الحافظ ابن رجب رحمه الله في كشف الكربة ص32: “وهؤلاء الغرباء قسمان: أحدهما: من يصلح نفسه عند فساد الناس، والثاني: من يُصلح ما أفسد الناس، وهو أعلى القسمين وأفضلهما”. قال ابن تيمية رحمه الله:” ولا يقتضي هذا أنه إذا صار غريبًا أن المتمسك به يكون في شر بل هو أسعد الناس كما في تمام الحديث ” فَطُوبىٰ لِلْغُرَبَاءِ ” و (طُوبىٰ) من الطيب. قال تعالى: ﴿ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ﴾ (الرعد: 29)، فإنه من جنس السابقين الأولين الذين اتبعوه لما كان غريبُا، وهم أسعد الناس، أما في الآخرة فهم أعلى الناس درجة بعد الأنبياء عليهم السلام، وأما في الدنيا فقد قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (الأنفال:64)، أي أن الله حسبك وحسب متبعك، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴾ (الأعراف: 196 )، وقال تعالى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ (الزمر: 36)، وقال جل شأنه: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ (الطلاق: 3،2)، فالمسلم المتبع للرسول صلى الله عليه وسلم الله تعالى حسبه وكافيه وهو وليه حيث كان ومتى كان، ولهذا يوجد المسلمون المتمسكون بالإسلام في بلاد الكفر لهم سعادة كلما كانوا أتم تمسكًا بالإسلام”.[1] وفي زماننا نعيش نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر. وغربته أشد مما كان عليه من سبق. ويشهد لذلك قول الله تعالى (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (الأنعام : 116). وفي حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم:” فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله، قلت: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم” رواه أبو داود والترمذي[2] قال ابن القيم رحمه الله:” وهذا الأجر العظيم إنما هو لغربته بين الناس، والتمسك بالسنة بين ظلمات أهوائهم وآرائهم”[3]. وهذا يقودنا إلى حديث معقل بن يسار رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عبادة في الهرج كهجرة إلي” رواه مسلم.

كيف أتعامل مع من يرفض نقابي وينزعج منه أو يسخر منه؟ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أنا لبست النقاب ومنذ لبسته لم أزر أقاربي، لإني أبدو غريبة في العائلة لا أحد يرتدي الخمار حتى من البنات إلا الكبيرات المتزوجات. عندي خوف من المواجهة والتعليقات وأشعر أنه غير مُرحب بي وسطهم، وقد سمعت تعليقا من أحد أقربائي مستغربا يقول: هل أنتِ لا تزالين تلبسين النقاب!؟ أي أنهم يظنون أنني لبسته حماسة ومراهقة وبعد وقت سأخلعه! وأنا بطبعي خجولة، كيف أواجه هذه المواقف، مع العلم أنني مؤدبة مع أقاربي وأحسن التعامل معهم حتى من قبل أن ألبس النقاب. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته بدية أهنئك وأبارك لك لبس النقاب، وإتمام حجابك، اقتداء بأمهات المؤمنين والصحابيات ونساء السلف الصالح، رضي الله عنهن أجمعين وعنك وعن كل متمسكة بالتوحيد والسنة، وجعلك خير خلف لخير سلف. وثبتك وأيدك بنصره وبالمؤمنين. كلماتك أخية تسلط الضوء على درجة انتكاس المقاييس التي نعيشها في زماننا، حتى أضحى الستر مقبّحًا ومنفرًا ومنتقدًا، والنقاب محاربًا من القريب قبل البعيد، والمنقبة والفضل مثلبة ونقطة استنقاص! بينما تسرح العاصيات والعاريات ويمرحن يحفّهن الثناء وتصفيقات المعجبين، ولله في خلقه شؤون، يضايق على الملتزمة العفيفة، ويفتح الباب على مصراعيه للمنفلتة المتمردة على دين الله وشعائر الإسلام. فاليوم بدل أن ينكر على المرأة التي تخرج سافرة متبرجة، نرى إنكار المرجفين يوجه للمرأة المنتقبة، بكل صفاقة وجرأة، وهذا من غربة الدين. غربة الدين وهذا من غربة الدين ومصداقًا لما نبأنا به سيد الخلق أجمعين كما عند مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلَّم- قال: “بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء”. وأخرج الإمام أحمد وابن ماجه بسند صحيح من حديث ابن مسعود بزيادة في آخره: قيل: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: “النُّزَّاع من القبائل”، والنُّزَّاع من القبائل هم الآحاد منهم تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم ودخلوا في الإسلام فكانوا هم الغرباء حقًا، وأخرجه كذلك الآجُرِّيُّ بسند صحيح وعنده: ومن هم يا رسول الله؟ قال: “الَّذين يُصْلِحون إذا فسد الناس”. وأخرجه أحْمد والطبراني من حديث عبدالله بن عمرو عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “طوبى للغرباء”، قلنا: وما الغرباء؟ قال: “قوم صالحون قليل في ناس سوء كثير، مَنْ يَعصيهِمْ أكثَرُ مِمَّن يُطيعهم” وصححه غير واحد. قال ابن الحافظ ابن رجب رحمه الله في كشف الكربة ص32: “وهؤلاء الغرباء قسمان: أحدهما: من يصلح نفسه عند فساد الناس، والثاني: من يُصلح ما أفسد الناس، وهو أعلى القسمين وأفضلهما”. قال ابن تيمية رحمه الله:” ولا يقتضي هذا أنه إذا صار غريبًا أن المتمسك به يكون في شر بل هو أسعد الناس كما في تمام الحديث ” فَطُوبىٰ لِلْغُرَبَاءِ ” و (طُوبىٰ) من الطيب. قال تعالى: ﴿ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ﴾ (الرعد: 29)، فإنه من جنس السابقين الأولين الذين اتبعوه لما كان غريبُا، وهم أسعد الناس، أما في الآخرة فهم أعلى الناس درجة بعد الأنبياء عليهم السلام، وأما في الدنيا فقد قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (الأنفال:64)، أي أن الله حسبك وحسب متبعك، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴾ (الأعراف: 196 )، وقال تعالى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ (الزمر: 36)، وقال جل شأنه: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ (الطلاق: 3،2)، فالمسلم المتبع للرسول صلى الله عليه وسلم الله تعالى حسبه وكافيه وهو وليه حيث كان ومتى كان، ولهذا يوجد المسلمون المتمسكون بالإسلام في بلاد الكفر لهم سعادة كلما كانوا أتم تمسكًا بالإسلام”.[1] وفي زماننا نعيش نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر. وغربته أشد مما كان عليه من سبق. ويشهد لذلك قول الله تعالى (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (الأنعام : 116). وفي حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم:” فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله، قلت: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم” رواه أبو داود والترمذي[2] قال ابن القيم رحمه الله:” وهذا الأجر العظيم إنما هو لغربته بين الناس، والتمسك بالسنة بين ظلمات أهوائهم وآرائهم”[3]. وهذا يقودنا إلى حديث معقل بن يسار رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “عبادة في الهرج كهجرة إلي” رواه مسلم.

المحتوى 1 أنواع المحبة 2 المحبة المشتركة والمحبة الخاصة 3 أنفع المحبة وأجلُّها وأعلاها محبة الله جل جلاله 4 الأسباب الموجبة لمحبة الله 5 مراتب متفاوتة لحب الله تعالى 6 علامات محبة الله للعبد 7 المحبة النافعة والمحبة الضارة 8 تدبر القرآن والسنة 9 وصايا الختام 10 ما هي الكتب التي يُنصح بها عن المحبة ..

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ (البقرة: 165). وقال ابن تيمية رحمه الله:” القَلْبُ إنما خُلِق لأجْلِ حُبِّ اللهِ تعالى… فاللهُ سُبحانَه فطَر عبادَه على محبَّتِه وعبادتِه وَحْدَه، فإذا تُرِكت الفِطرةُ بلا فسادٍ، كان القَلْبُ عارفًا باللهِ مُحِبًّا له عابِدًا له وَحْدَه”[1]. وقال أيضا:” محبة الله، بل محبة الله ورسوله من أعظم واجبات الإيمان، وأكبر أصوله، وأجل قواعده، بل هي أصل كل عمل من أعمال الإيمان والدين”.[2] و”الحب في الله” أجل مقام وأعظم فضل وأسمى غاية .. أن يستنير قلبك بحب الله جل جلاله وأن تنعم ببركات حبه سبحانه، وأن تصل لمرتبة يكون فيها حب الله أهم ما في حياتك .. وكل شيء دونه يهون فذلك سبيل الفوز. فالمحبة هي الرأس، والخوف والرجاء هما الجناحان، والعبد يسير إلى الله بالمحبة والخوف والرجاء. قال ابن تيمية رحمه الله:” محركات القلوب إلى الله عز وجل ثلاثة: المحبة والخوف والرجاء, وأقواها المحبة…فإن قيل أي شيء يحرك القلوب؟ قلنا يحركها شيئان: كثرة الذكر للمحبوب, لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به, والثاني: مطالعة آلائه ونعمائه”[3]. الحديث عن حب الله جل جلاله عظيم جدا يتصدع له القلم وتسجد المعاني خاشعة، فهو طوق النجاة عند الملمات وسراج الأنس في الظلمات، ومنارة الاستدراك عند التيه أو التراجع، من نال فضله وشرفه، لم يغلبه شيطان من إنس ولاجان، ولا تمكن منه عدو مهما أعد وجمع، يحوّل العبد على الرغم من ضعفه لقوة ضاربة في الأرض ونبع عطاء يسقي جوانحها، إنه نفس الروح ونبض القلب وسر السعادة في الدنيا والآخرة. والسعي لحب الله جل جلاله من أولى أولويات المسلم! إنها مرتبة المحبة التي لا تناجزها مرتبة فكمال العبودية تابع لكمال المحبة. قال ابن القَيِّمِ رحمه الله:”هذا الباعِثُ أكمَلُ بواعِثِ العبوديَّةِ وأقواها، حتى لو فُرِضَ تجَرُّدُه عن الأمرِ والنَّهيِ والثوابِ والعِقابِ، استفرغ الوُسعَ واستخلص القَلْبُ للمعبودِ الحَقِّ”[4]. وقال ابنُ تَيميَّةَ رحمه الله:”ليس للقُلوبِ سُرورٌ ولا لذَّةٌ تامَّةٌ إلَّا في مَحَبَّةِ اللهِ والتقَرُّبِ إليه بما يحبُّه، ولا تمكِنُ محبَّتُه إلَّا بالإعراضِ عن كُلِّ محبوبٍ سِواه، وهذا حقيقةُ لا إلهَ إلَّا اللهُ”[5]. وقال ابن القيم – رحمه الله – عن المحبة: “المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمَّر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون، وهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب”[6].

حب الله جلّ جلاله.pdf7.43 KB

هذه كانت المشكلة التي نراها ونشخصها، وأما الحل فقاله ابن القيم الذي كان من شيوخه الحنفي ومن جيرانه الأشعري، وكان سيفا بتارا في ملاحم نصرة السنة ودحر البدعة، ومع ذلك حفظ قواعد الحق والعدل فكتب الله له القبول ليس في عصره فحسب بل في كل الأزمنة والعصور! قال ابن القيم:”عادتنا في مسائل الدين كلها دقها وجلها، أن نقول بموجبها ولا نضرب بعضها ببعض، ولا نتعصب لطائفة على طائفة، بل نوافق كل طائفة على ما معها من الحق، ونخالفها فيما معها من خلاف الحق، لا نستثني من ذلك طائفة ولا مقالة، ونرجو من الله أن نحيا على ذلك، ونموت عليه، ونلقى الله به”. طريق الهجرتين (ص858) فمعاركنا ليست على أسماء رجال أفضوا إلى خالقهم، ولا في الجزم بخواتيمهم، إنما في نصرة الحق الذي توارثناه ورد الباطل والشبهات، والكف عن الخوض في النوايا إن كنا نروم الإصلاح حقا، وليس مجرد الظهور والمناجزة لحظ نفس! لنتأدب بالقرآن والسنة وسير الصحابة، وكفانا جاهلية! معاركنا ليست في صف أي “شلة ” أنت؟، بل معاركنا أيكم أشد نصرة للحق ولو جاء على لسان خصمه الأشد! وهذه معركة نفس! من انتصر فيها يطمع حقا في الفتوحات الربانية، وإلا فسيعيش عمره يبارز بسيف من خشب على مواقع التواصل والله يستعمل من يشاء لنصرة دينه وإعلاء كلمته وإقامة بنيان الإسلام على منهج النبوة. لقد رأيت في كتب أهل العلم وميراث التجارب أن أكثر الناس انتكاسا وتعثرا هم الذي انشغوا بأعراض المسلمين وبخصومتهم، هم من تفرغوا للنيل منهم والجزم بما في قلوبهم وخواتيمهم، وهذه والله من الغفلة ومن تلبيسات إبليس! هذه كانت نصيحة لله لا نبتغي منها جزاء ولا شكورا ولا مخاصمة، بعد طول متابعة. وختاما، إن نصرة الحق والسنة ليست في معارك الأسماء، إنما في العمل بهما، فمن كان يؤمن بهذا الحق وبهذه السنة فليكن الانعكاس على سلوكه وليترك الأثر، فمناطحة الواقع، استراتيجية فاشلة، إنما بذر الخير فيه وحفظ الميراث بالصدق والعدل هو الكفيل بأن يبارك الله فيه ويصلح به الحال وذلك فضل الله. ما من معركة تطول بلا مردود ولا أثر إلا مزيد تباغض وتطاول وظلم، إلا كان فيها نذيرا لصاحبها، أن حسبك! في الحديث الصحيح: عن أَبي أُمامة الباهِليِّ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: “أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا”. اللهم طهر قلوبنا من الرياء والعجب والجدل والمراء.

لذلك نشدد دائما: لو أن طلبة العلم المنغمسين في هذه المعارك حفظوا جزء من القرآن لكان أنفع لهم من كل هذا التكلف! قال تعالى {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} قال ابن تيمية في تعليقه على هذه الآية في اقتضاء الصراط المستقيم: “فأخبر أن كل واحدة من الأمتين تجحد كل ما الأخرى عليه وأنت تجد كثيرا من المتفقهة، إذا رأى المتصوفة والمتعبدة لا يراهم شيئا ولا يعدهم إلا جهالا ضلالا، ولا يعتقد في طريقهم من العلم والهدى شيئا، وترى كثيرا من المتصوفة والمتفقرة طائفة من الصوفية يظهرون -الفقر- لا يرى الشريعة والعلم شيئا، بل يرى أن المتمسك بها منقطعا عن الله وأنه ليس عند أهلها مما ينفع عند الله شيئا. وإنما الصواب أن ما جاء به الكتاب والسنة من هذا وهذا حق، وما خالف الكتاب والسنة من هذا وهذا باطل”.انتهى وهذا المنهج الذي كان عليه السلف الصالح وورثة العلم على امتداد الأزمنة والعصور. لا جديد في العلم، قواعده مبسوطة وفضله يؤتيه الله من يشاء. فالخوض في أسماء الرجال وافتعال المعارك عليها لتمييز الرجال على أساس البدعة والسنة، بدعة أخرى محدثة في زماننا، فما كان العلماء يمتحنون الناس في الرجال، وقد يختلف العلماء في تقييم الرجال وهذا ثابت في الجرح والتعديل ولكنه “الترف العلمي” في زماننا، يسوق صغار العلم لحفر الجدل البيزنطي! والمبتلى بهذا الجدل الفلسفي، يعظم الأمر حتى يجعله أصلا في الدين ودفاعا عن السلف، وهو لا يدري أنه لم ياخذ من كتب السلف إلا أثارا مجتزأة من سياق الواقع الذي نعيشه وأنه بدل أن يصلح يفتن! ويفتح بابا لفريق آخر يرى التعظيم منهجا، وتحتدم المعارك الفاشلة، وتتراكم الطعونات في النوايا لكل خطأ! ثم فريق آخر، لا يقبل أن يمس اسم عالم ممن يقدسون، ويخوضون المعارك بمثالية أخرى! فهم لا يقبلون الاعتراف بضعف أو خطأ أو انحراف ولو كان مخالفا لكتاب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وفيه برهان، إنما دورهم الدفاع المستميت، بغض النظر عن الدوافع، دفاع داس على كثير من الحق وتماهى مع الباطل! ومن يتأمل الردود بصمت يرى تلك الفجوة العظيمة التي غابت فيها البصيرة وكيف تأتي البصيرة لقوم أوكلوا إلى أنفسهم! حين تحولت الغاية، إلى إسقاط أسماء ونصرة أسماء! وضاع الحق في الأثناء وانتفش الباطل بتصفيقات الأنصار، من يتأمل يجد أن هناك مساحة فارغة بين الفريقين، لا يبصرونها، وهي “المنهجية”. إن الاختلاف حين يكون يقوم على منهجية علمية معلومة عند أئمة السنة، ينزل كل هذا الغبار ولا تبقى إلا اللبنات التي وضعت بتقوى لتبيان الحق، من كلا الطرفين، لكننا أمام عقلية “التواصل” و”فرق المناصرة العمياء” الويل لمن يعترف بحق عند الآخر، والقضية تحولت لـ “شللية” والكل محسوب على الآخر! في هذه الأثناء قلة تعمل على ثغور العلم، العلم الذي تحتاجه الأمة، العلم الذي يربيها على الحق، ويرسخه في صدرها، العلم الذي ينتشلها من التخلف العقدي والخلقي ويصنع منها نماذج أقرب للسلف فعلا وقولا وسلوكا! ومصابنا كبير جدا حين نفتقد هذه الربانية في ساحات العلم، فقد غُيّب الربانيون وطُوردوا! ما فائدة شغل الناس بالطعن في ذوات الأشخاص! ولم لا يكون المنهج العدل والإنصاف،”ولا يجرمنكم”، لأنه الامتحان الحقيقي لحقيقة العلم في النفوس، وكيف يروم المبخس والمفتري أن ينصره الله في معركة علمية وهو يحتال ويتلاعب ويستعمل أساليب الغدر للانتصار لقوله! هذه المعارك لن تحقق إلا فتنة المسلمين. قال ابن القيم رحمه الله: “.. وما قام الوجود إلا بالعدل، فمن اعتصم به فقد أخذ بحظه من مجامع الخير”. (مدارج السالكين). ووالله ما أن ترى الكلام يفتقد للعدل مهما كانت مطالبه حقا، لينطفئن نوره أمامك ويبعث للنفور والأسف! وهل ينقض الغزل مثل الظلم! قال ابن القيم:” من طَلبَ العلم ليُحيي به الإسلام فهو من الصديقين ودرجته بعد درجة النبوّة” مفتاح دار السعادة (1/185) ليُحيي به الإسلام كما كان يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم يصبر على من يطلب منه إباحة الزنا! فيعلمه بأسلوب بديع من الفقه والبصيرة. اللهم رسوخا وربانية في العلم! ما نحن إلا حلقة متصلة بميراث أمة علمي، نتعلم منهم ونأخذ عنهم، ولا يمكننا أن نسبقهم في العلم! كيف ونحن مجرد خلف لهم! ولذلك من يعتقد أن من سبقنا من أئمة أهل السنة خانوا هذه الأمة وأخفوا عليها الحق، فإنما هو طعن بأمانة العلم منذ عصر السلف إلى يومنا، لأن ما وصلنا كان منهم! وهذه جريمة كبرى. هذا لا يعني العصمة، بل يعني التقوى! والاجتهاد يعني التواضع لله، وليس الاستعلاء على المؤمنين، وهذا تكشفه طريقة الردود العلمية التي تكون روحها “حب الخير والهداية “للناس وليس المخالفة لمجرد المخالفة وليس النيل من ذوات الأشخاص! وهذا نكتسبه من أدب العلم، وهو ما نفتقده بشدة اليوم لفقدان الإخلاص.

لذلك نشدد دائما: لو أن طلبة العلم المنغمسين في هذه المعارك حفظوا جزء من القرآن لكان أنفع لهم من كل هذا التكلف! قال تعالى {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} قال ابن تيمية في تعليقه على هذه الآية في اقتضاء الصراط المستقيم: “فأخبر أن كل واحدة من الأمتين تجحد كل ما الأخرى عليه وأنت تجد كثيرا من المتفقهة، إذا رأى المتصوفة والمتعبدة لا يراهم شيئا ولا يعدهم إلا جهالا ضلالا، ولا يعتقد في طريقهم من العلم والهدى شيئا، وترى كثيرا من المتصوفة والمتفقرة طائفة من الصوفية يظهرون -الفقر- لا يرى الشريعة والعلم شيئا، بل يرى أن المتمسك بها منقطعا عن الله وأنه ليس عند أهلها مما ينفع عند الله شيئا. وإنما الصواب أن ما جاء به الكتاب والسنة من هذا وهذا حق، وما خالف الكتاب والسنة من هذا وهذا باطل”.انتهى وهذا المنهج الذي كان عليه السلف الصالح وورثة العلم على امتداد الأزمنة والعصور. لا جديد في العلم، قواعده مبسوطة وفضله يؤتيه الله من يشاء. فالخوض في أسماء الرجال وافتعال المعارك عليها لتمييز الرجال على أساس البدعة والسنة، بدعة أخرى محدثة في زماننا، فما كان العلماء يمتحنون الناس في الرجال، وقد يختلف العلماء في تقييم الرجال وهذا ثابت في الجرح والتعديل ولكنه “الترف العلمي” في زماننا، يسوق صغار العلم لحفر الجدل البيزنطي! والمبتلى بهذا الجدل الفلسفي، يعظم الأمر حتى يجعله أصلا في الدين ودفاعا عن السلف، وهو لا يدري أنه لم ياخذ من كتب السلف إلا أثارا مجتزأة من سياق الواقع الذي نعيشه وأنه بدل أن يصلح يفتن! ويفتح بابا لفريق آخر يرى التعظيم منهجا، وتحتدم المعارك الفاشلة، وتتراكم الطعونات في النوايا لكل خطأ! ثم فريق آخر، لا يقبل أن يمس اسم عالم ممن يقدسون، ويخوضون المعارك بمثالية أخرى! فهم لا يقبلون الاعتراف بضعف أو خطأ أو انحراف ولو كان مخالفا لكتاب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وفيه برهان، إنما دورهم الدفاع المستميت، بغض النظر عن الدوافع، دفاع داس على كثير من الحق وتماهى مع الباطل! ومن يتأمل الردود بصمت يرى تلك الفجوة العظيمة التي غابت فيها البصيرة وكيف تأتي البصيرة لقوم أوكلوا إلى أنفسهم! حين تحولت الغاية، إلى إسقاط أسماء ونصرة أسماء! وضاع الحق في الأثناء وانتفش الباطل بتصفيقات الأنصار، من يتأمل يجد أن هناك مساحة فارغة بين الفريقين، لا يبصرونها، وهي “المنهجية”. إن الاختلاف حين يكون يقوم على منهجية علمية معلومة عند أئمة السنة، ينزل كل هذا الغبار ولا تبقى إلا اللبنات التي وضعت بتقوى لتبيان الحق، من كلا الطرفين، لكننا أمام عقلية “التواصل” و”فرق المناصرة العمياء” الويل لمن يعترف بحق عند الآخر، والقضية تحولت لـ “شللية” والكل محسوب على الآخر! في هذه الأثناء قلة تعمل على ثغور العلم، العلم الذي تحتاجه الأمة، العلم الذي يربيها على الحق، ويرسخه في صدرها، العلم الذي ينتشلها من التخلف العقدي والخلقي ويصنع منها نماذج أقرب للسلف فعلا وقولا وسلوكا! ومصابنا كبير جدا حين نفتقد هذه الربانية في ساحات العلم، فقد غُيّب الربانيون وطُوردوا! ما فائدة شغل الناس بالطعن في ذوات الأشخاص! ولم لا يكون المنهج العدل والإنصاف،”ولا يجرمنكم”، لأنه الامتحان الحقيقي لحقيقة العلم في النفوس، وكيف يروم المبخس والمفتري أن ينصره الله في معركة علمية وهو يحتال ويتلاعب ويستعمل أساليب الغدر للانتصار لقوله! هذه المعارك لن تحقق إلا فتنة المسلمين. قال ابن القيم رحمه الله: “.. وما قام الوجود إلا بالعدل، فمن اعتصم به فقد أخذ بحظه من مجامع الخير”. (مدارج السالكين). ووالله ما أن ترى الكلام يفتقد للعدل مهما كانت مطالبه حقا، لينطفئن نوره أمامك ويبعث للنفور والأسف! وهل ينقض الغزل مثل الظلم! قال ابن القيم:” من طَلبَ العلم ليُحيي به الإسلام فهو من الصديقين ودرجته بعد درجة النبوّة” مفتاح دار السعادة (1/185) ليُحيي به الإسلام كما كان يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم يصبر على من يطلب منه إباحة الزنا! فيعلمه بأسلوب بديع من الفقه والبصيرة. اللهم رسوخا وربانية في العلم! ما نحن إلا حلقة متصلة بميراث أمة علمي، نتعلم منهم ونأخذ عنهم، ولا يمكننا أن نسبقهم في العلم! كيف ونحن مجرد خلف لهم! ولذلك من يعتقد أن من سبقنا من أئمة أهل السنة خانوا هذه الأمة وأخفوا عليها الحق، فإنما هو طعن بأمانة العلم منذ عصر السلف إلى يومنا، لأن ما وصلنا كان منهم! وهذه جريمة كبرى. هذا لا يعني العصمة، بل يعني التقوى! والاجتهاد يعني التواضع لله، وليس الاستعلاء على المؤمنين، وهذا تكشفه طريقة الردود العلمية التي تكون روحها “حب الخير والهداية “للناس وليس المخالفة لمجرد المخالفة وليس النيل من ذوات الأشخاص! وهذا نكتسبه من أدب العلم، وهو ما نفتقده بشدة اليوم لفقدان الإخلاص.

حين ينحر العلم على عتبات الخصومات! رغم حجم الأسى والظلم والطغيان الذي تعاني منه الأمة، رغم حجم الجهل والتخلف العقدي والخلقي! يقضي البعض وقته في معارك “دنكشوتية” يحسبون أنفسهم يحسنون صنعا، إنه تمام الغبن والحرمان، ولو لبس لبوس العلم وإنكار المنكر، فليس علما الذي ينغمس فيه طلبته تكلفا للجزم بخاتمة رجال أفضوا إلى ربهم منذ قرون! تُهدر ساعات وأيام وشهور في معارك “التكلف” وهدر المشاعر والأعصاب والنفسيات والخصومات في لا شيء! حرفيا لا شيء! يتنازعون في أسماء الرجال، والأمة تنحر من الوريد! يتناحرون على أسماء الرجال بخسا وتمجيدا، والناس تشرك بالله والبدع تتضخم والغرب يرسل حملاته لهدم الدين والفطرة! فأي حرمان هذا وأي غبن! لقد كشفت هذه المعارك التي أضحت مصيرية عند البعض، أصبحت قضية حياة أو موت، أصبحت أصلا في الدين، ووسيلة لإلقاء أحكام الكفر والإيمان لأجل رجال متنازع عليهم، حجم الجهل الذي يترعرع في ساحات تسمى ساحات العلم! فُقد التأصيل الراسخ، فُقدت المنهجية، فُقدت الغاية، فُقد العلم! وغلبت حظوظ النفس! طلاب علم اتخذوا من السخرية والإسقاط التام والبخس والغمط منهجا ومن “أمن مكر الله” غفلة، اتخذوا من تضييع أمانة العلم والخشية، وسيلة، للنيل من بعضهم البعض، وهذا إن دل فإنه يدل على بعد العلم عنهم وبعد الفقه والبصيرة. فالعلم منظومة متكاملة، ونور الله لا يُهدى لمن أسرف في نصرة حظ نفسه. العلم أصول وقواعد، وليس اجتزاء، وليس التفافا، وليس تحايلا ومخادعة، وقد فقه ذلك أئمة الإسلام على مر العصور والأزمنة فكانت منهجيتهم المتوارثة: نصرة الحق أينما كان ورد الباطل أينما كان، ولم تكن هذه القاعدة يُستثنى منها أحد، لأن الله أمر بالعدل والتقوى وما يجري اليوم هو الخسف والهدم. ولذلك قال ابن القيم رحمه الله – فارس المناظرات والمبارزة العلمية-: “فلو كان كل من أخطأ أو غلط ترك جملة وأهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات والحكم وتعطلت معالمها”. (مدارج السالكين 2/39 ) العلم ليس مجرد اقتباسات من آثار السلف ورميها في وجه المخالف! العلم تأصيل يأخذ بعين الاعتبار فقه الواقع، وفارق الزمن. والسلف لو كانوا معنا الآن لما أهملوا فقه الواقع كما لم يفعل الإمام أحمد رحمه الله، حين كان تحت حكم الجهمية! لأنه كان عالما ربانيا، تحمل الأذى لإظهار الحق لكنه لم يفتن الأمة! وكذلك كان ابن تيمية وابن القيم مع حجم المعارك التي خاضوها مع المبتدعة لم يحاربوهم محاربة الطغيان، وكل من قرأ لهم يعلم كيف كانت غايتهم الهداية وليس “النكاية”. ولذلك بارك الله في زرعهم وامتد عصورا بعدهم ولا يزال أثرهم مؤثرا كما نحسبهم، لكن الجهل بسنن الله في العلم كارثة تمتد! ما فائدة شغل طلاب العلم الصغار في معارك عن شخص أبو حنيفة؟! قد أفضى إلى ربه، وقام بعده مذهب بإجماع أئمة أهل السنة وهذا ثابت ومن ينكره مجرد مجادل بالباطل. حتى أصبح البعض مجرد أن يرى لفظ “حنفي” ينتقد الاستشهاد وكأن المذهب الحنفي قام على أبو حنيفة وحده ولم يقره الحنابلة والشافعية والمالكية! ويعتقد البعض أن الانغماس في هذه المعركة للجزم بخاتمة أبو حنيفة نصر للسنة، وهذا من تلبيس إبليس، فذم أبو حنيفة لن يسقط مذهب الأحناف، الذي يتبعه ملايين المسلمين اليوم! ولن يسقط آلاف النصوص والكتب التي تتناول فقه المذاهب الأربعة المتفق عليها، لن يسقط عقودا من الميراث العلمي والمناقشات. نحن أمام فقه الواقع، وفقه الواقع لو كان السلف معنا اليوم ورأوا أن هناك مذهبا كاملا للأحناف، لكانت منهجيتهم التي تعلمناها من كتب الأئمة ورثة العلم من بعدهم، إحقاق الحق وإبطال الباطل وهذا ما يستفيد منه الناس، ولا أخال هذه الأمانة ضيعها من سبقنا ومن يعتقد ذلك فقد هدم بنيان العلم منذ السلف. إن الربانية في العلم لا تعني التشنج عند ذكر اسم رجل توفي منذ قرون، إنما تقتضي أن ننظر في ما حدث بعده والمذهب الذي قام بجهود ورثته، ورد الباطل فيه وإقرار الحق فيه، وهذا أمر قام به أفذاذ الأمة من لم يخونوا الأمانة وهو مبسوط في كتب العلم والفقه لكن الجهل بذلك يورث سوء الظن والظلم. وأسوأ ما يقع فيه طالب العلم انتهاج “منهج الذباب” فلا يقع في سير الرجال ونتاجهم إلا على السيء ونفسه تكره الاطلاع على حسنة فيهم ولا حتى الاعتراف بحق ظهر على ألسنتهم، وهذا إن دل فإنما يدل على منهجية جديدة تكونت مع مواقع التوصل، سطحية تائهة لا بوصلة لها ولا غاية، تعتقد أنها سبقت بكشف ما غاب! يقول الله تعالى: {أوفوا الكيل ولا تَكونُوا من المخسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعثَوا فِي الأَرضِ مُفْسِدِين}

حين ينحر العلم على عتبات الخصومات! رغم حجم الأسى والظلم والطغيان الذي تعاني منه الأمة، رغم حجم الجهل والتخلف العقدي والخلقي! يقضي البعض وقته في معارك “دنكشوتية” يحسبون أنفسهم يحسنون صنعا، إنه تمام الغبن والحرمان، ولو لبس لبوس العلم وإنكار المنكر، فليس علما الذي ينغمس فيه طلبته تكلفا للجزم بخاتمة رجال أفضوا إلى ربهم منذ قرون! تُهدر ساعات وأيام وشهور في معارك “التكلف” وهدر المشاعر والأعصاب والنفسيات والخصومات في لا شيء! حرفيا لا شيء! يتنازعون في أسماء الرجال، والأمة تنحر من الوريد! يتناحرون على أسماء الرجال بخسا وتمجيدا، والناس تشرك بالله والبدع تتضخم والغرب يرسل حملاته لهدم الدين والفطرة! فأي حرمان هذا وأي غبن! لقد كشفت هذه المعارك التي أضحت مصيرية عند البعض، أصبحت قضية حياة أو موت، أصبحت أصلا في الدين، ووسيلة لإلقاء أحكام الكفر والإيمان لأجل رجال متنازع عليهم، حجم الجهل الذي يترعرع في ساحات تسمى ساحات العلم! فُقد التأصيل الراسخ، فُقدت المنهجية، فُقدت الغاية، فُقد العلم! وغلبت حظوظ النفس! طلاب علم اتخذوا من السخرية والإسقاط التام والبخس والغمط منهجا ومن “أمن مكر الله” غفلة، اتخذوا من تضييع أمانة العلم والخشية، وسيلة، للنيل من بعضهم البعض، وهذا إن دل فإنه يدل على بعد العلم عنهم وبعد الفقه والبصيرة. فالعلم منظومة متكاملة، ونور الله لا يُهدى لمن أسرف في نصرة حظ نفسه. العلم أصول وقواعد، وليس اجتزاء، وليس التفافا، وليس تحايلا ومخادعة، وقد فقه ذلك أئمة الإسلام على مر العصور والأزمنة فكانت منهجيتهم المتوارثة: نصرة الحق أينما كان ورد الباطل أينما كان، ولم تكن هذه القاعدة يُستثنى منها أحد، لأن الله أمر بالعدل والتقوى وما يجري اليوم هو الخسف والهدم. ولذلك قال ابن القيم رحمه الله – فارس المناظرات والمبارزة العلمية-: “فلو كان كل من أخطأ أو غلط ترك جملة وأهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات والحكم وتعطلت معالمها”. (مدارج السالكين 2/39 ) العلم ليس مجرد اقتباسات من آثار السلف ورميها في وجه المخالف! العلم تأصيل يأخذ بعين الاعتبار فقه الواقع، وفارق الزمن. والسلف لو كانوا معنا الآن لما أهملوا فقه الواقع كما لم يفعل الإمام أحمد رحمه الله، حين كان تحت حكم الجهمية! لأنه كان عالما ربانيا، تحمل الأذى لإظهار الحق لكنه لم يفتن الأمة! وكذلك كان ابن تيمية وابن القيم مع حجم المعارك التي خاضوها مع المبتدعة لم يحاربوهم محاربة الطغيان، وكل من قرأ لهم يعلم كيف كانت غايتهم الهداية وليس “النكاية”. ولذلك بارك الله في زرعهم وامتد عصورا بعدهم ولا يزال أثرهم مؤثرا كما نحسبهم، لكن الجهل بسنن الله في العلم كارثة تمتد! ما فائدة شغل طلاب العلم الصغار في معارك عن شخص أبو حنيفة؟! قد أفضى إلى ربه، وقام بعده مذهب بإجماع أئمة أهل السنة وهذا ثابت ومن ينكره مجرد مجادل بالباطل. حتى أصبح البعض مجرد أن يرى لفظ “حنفي” ينتقد الاستشهاد وكأن المذهب الحنفي قام على أبو حنيفة وحده ولم يقره الحنابلة والشافعية والمالكية! ويعتقد البعض أن الانغماس في هذه المعركة للجزم بخاتمة أبو حنيفة نصر للسنة، وهذا من تلبيس إبليس، فذم أبو حنيفة لن يسقط مذهب الأحناف، الذي يتبعه ملايين المسلمين اليوم! ولن يسقط آلاف النصوص والكتب التي تتناول فقه المذاهب الأربعة المتفق عليها، لن يسقط عقودا من الميراث العلمي والمناقشات. نحن أمام فقه الواقع، وفقه الواقع لو كان السلف معنا اليوم ورأوا أن هناك مذهبا كاملا للأحناف، لكانت منهجيتهم التي تعلمناها من كتب الأئمة ورثة العلم من بعدهم، إحقاق الحق وإبطال الباطل وهذا ما يستفيد منه الناس، ولا أخال هذه الأمانة ضيعها من سبقنا ومن يعتقد ذلك فقد هدم بنيان العلم منذ السلف. إن الربانية في العلم لا تعني التشنج عند ذكر اسم رجل توفي منذ قرون، إنما تقتضي أن ننظر في ما حدث بعده والمذهب الذي قام بجهود ورثته، ورد الباطل فيه وإقرار الحق فيه، وهذا أمر قام به أفذاذ الأمة من لم يخونوا الأمانة وهو مبسوط في كتب العلم والفقه لكن الجهل بذلك يورث سوء الظن والظلم. وأسوأ ما يقع فيه طالب العلم انتهاج “منهج الذباب” فلا يقع في سير الرجال ونتاجهم إلا على السيء ونفسه تكره الاطلاع على حسنة فيهم ولا حتى الاعتراف بحق ظهر على ألسنتهم، وهذا إن دل فإنما يدل على منهجية جديدة تكونت مع مواقع التوصل، سطحية تائهة لا بوصلة لها ولا غاية، تعتقد أنها سبقت بكشف ما غاب! يقول الله تعالى: {أوفوا الكيل ولا تَكونُوا من المخسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعثَوا فِي الأَرضِ مُفْسِدِين}

من أين يولد الاضطراب؟ المتتبع لسجل المواقف .. والأحداث .. يستطيع بسهولة رصد حالة الاضطراب التي تفسد بهاء السير… والاضطراب ليس حدثا عابرًا ولا طارئًا، بل هو في الغالب نتيجة خللٍ أعمق، يتسلل إلى الباطن قبل أن يظهر على الجوارح والبيان. وعلى قدر هذا الميزان تتفاوت خطى السائرين: ثباتًا أو اضطرابًا؛ وليس المراد ذنبًا يتوب العبد منه، بل منهجٌ كامل يحمله، فيَستقيم أو يختل. ومن الناس من يبدّل مواقفه مع كل ريح، ومنهم من يلوذ بالصمت حين يلزم البيان، ومنهم من يتزيّن بعباراتٍ مواربة تفرّ من الحق ولا تصرّح به. وكل ذلك – بعيدا عن حالة اضطرار – لا يولد في فراغ، بل وراءه أسباب تتراكم حتى تصنع هذا الاضطراب. في مقدمة هذه الأسباب اضطراب العقيدة أو ضعف رسوخها؛ فالقلب الذي لم يثبت على أصولٍ محكمة، يسهل أن تزلّ به القدم عند أول امتحان. ومن أعظمها كذلك ضعف الشجاعة وقلة احتمال كلفة الحق؛ فإن للحق هيبة، لكنها تحتاج إلى نفسٍ تحتمل تبعاتها، وإلى يقينٍ يقدّم رضا الله على رضا الخلق. ومن الأسباب أيضًا سلطانُ الشعبوية، حيث يصبح رأي الناس ميزانًا، وتتحول “ردود الفعل” إلى بوصلة، فيتلوّن الخطاب بحسب موجبة التصفيق والرفض، لا بحسب الدليل والحق. وقد تكون الصحبة المفتونة من أخطر المؤثرات؛ فالقريب يؤثر بما لا يؤثر به البعيد، وإذا فُتِنَت البيئة القريبة، أصبح الانحراف مألوفًا، بل مبررًا، حتى ينساب إلى النفس دون مقاومة. ولا يُغفل هنا ضغط المصالح، وحسابات المكانة، والخوف من فقدان القبول أو النفوذ؛ فكم من موقفٍ تراجع لأن كلفته الاجتماعية أو المهنية بدت عالية، فاختير السلامة الظاهرة على حساب الحقيقة الباطنة. وهذا الاضطراب لا يظهر لحظةً واحدة، بل يمتد على محور الزمن؛ يبدأ بتنازلٍ صغير، ثم مواربة، ثم صمتٍ في موضع البيان، حتى يتشكل نمطٌ من التردد يلازم صاحبه. والأصل في المؤمن أن يحفظ مواقفه على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، لا يخجل من الحق، ولا يوارب فيه، ولا يتنصل من مسؤولية البيان، ولا يتملق لهذا أو ذاك. ولو أن الناس قدّموا هيبة الحق على كل اعتبار، لوفّروا على أنفسهم وعلى الأمة خسائر جسيمة؛ لأن كثيرًا من الانحرافات إنما تبدأ من تهاونٍ يُزدرى في لحظةٍ حرجة. والمشكلة تتعاظم حين ينتقل الاضطراب من الأفراد إلى المناهج؛ إذ تُصنع بيئات تربّي أتباعًا مضطربي الإخلاص، يميلون حيث يميل الرمز أو الجماعة، فتتشكل ولاءاتٌ غير منضبطة، ويُربّى الناس على الاتباع لا على الاتباع للحق. وهنا تُصاب القلوب بداءٍ خطير، بل شديد الخطورة: أن يُصرف الإخلاص لغير الله جل جلاله، أو يُشرك فيه هوى الجماعة ورمزها. وتلك هي المثخِنة التي تجرح الدين في أصله، لأن المنهج الذي لا يربّي على إخلاصٍ خالصٍ لله عز وجل، إنما يؤسس لانحرافٍ ممتد، مهما بدا في ظاهره من شعاراتٍ براقة. فما الذي يحفظ المنهج راسخًا، ويقي من الاضطراب ولو اشتدت المعارضة؟ أول ذلك: تصحيح المعتقد، وبناء اليقين على الدليل، لا على الأشخاص ولا على الأمزجة. وثانيه: تعظيم الأمر والنهي، وجعل كتاب الله وسنة نبيه ﷺ المرجع الحاكم عند الاختلاف، لا المزاج العام ولا ضغط الواقع. وثالثه: تربية النفس على الشجاعة، واحتمال كلفة الحق، واستحضار أن رضى الله أولى من رضى الناس. ورابعه: صحبة صالحة ثابتة، تعين على الاستقامة وتذكّر عند الغفلة، لا تزيّن الانحراف ولا تبرره. وخامسه: المحاسبة الدائمة للنفس، ومراجعة النيات، خشية أن يتسلل الرياء أو التلون. وسادسه: الاستقلال عن ضغط الجماهير، فلا يكون التصفيق معيارًا، ولا الهجوم سببًا للانكفاء، بل يُوزن الأمر بميزان الشرع. وسابعه: طلب العلم الراسخ، الذي يمنح صاحبه بصيرةً تميّز بين الثابت والمتغير، وبين الأصول والفروع.ويمتلك به أدوات التبين والتبصر فلا يٌساس .. إنما يسوس بالحق. إن الثبات ليس ادعاءً، بل مجاهدةٌ، ودليله مواقفُ تُختبر. ومن أراد أن يحفظ دينه ومنهجه، فليجعل قلبه معلّقًا بالحق، ولسانه ناطقًا به، وجوارحه شاهدةً له، لا يغيّره مدحٌ ولا يثنيه ذمّ. فالحق لا يحتاج إلى تزيين، وإنما يحتاج إلى رجالٍ ونساءٍ يقفون عنده، لا يتقدمونه ولا يتأخرون عنه. وفي الختام: إن أعظم الخسائر ليست في فقدان موقعٍ أو قبولٍ عند الناس، بل في أن يفقد الإنسان وضوحه وثباته، فيتبدل مع الأيام حتى لا يعرف لنفسه وجهًا. فاحفظ موقفك بالوحي، وأخلص قصدك لله عز وجل، واثبت وإن قلّ السائرون؛ فإن العاقبة للثابتين، والحق باقٍ لا يزول، وإنما يزول المتلونون حوله. قال تعالى ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [ سورة الأحزاب: 23] اللهم اجعلنا من الصادقين لآخر رمق.

من أين يولد الاضطراب؟ المتتبع لسجل المواقف .. والأحداث .. يستطيع بسهولة رصد حالة الاضطراب التي تفسد بهاء السير… والاضطراب ليس حدثا عابرًا ولا طارئًا، بل هو في الغالب نتيجة خللٍ أعمق، يتسلل إلى الباطن قبل أن يظهر على الجوارح والبيان. وعلى قدر هذا الميزان تتفاوت خطى السائرين: ثباتًا أو اضطرابًا؛ وليس المراد ذنبًا يتوب العبد منه، بل منهجٌ كامل يحمله، فيَستقيم أو يختل. ومن الناس من يبدّل مواقفه مع كل ريح، ومنهم من يلوذ بالصمت حين يلزم البيان، ومنهم من يتزيّن بعباراتٍ مواربة تفرّ من الحق ولا تصرّح به. وكل ذلك – بعيدا عن حالة اضطرار – لا يولد في فراغ، بل وراءه أسباب تتراكم حتى تصنع هذا الاضطراب. في مقدمة هذه الأسباب اضطراب العقيدة أو ضعف رسوخها؛ فالقلب الذي لم يثبت على أصولٍ محكمة، يسهل أن تزلّ به القدم عند أول امتحان. ومن أعظمها كذلك ضعف الشجاعة وقلة احتمال كلفة الحق؛ فإن للحق هيبة، لكنها تحتاج إلى نفسٍ تحتمل تبعاتها، وإلى يقينٍ يقدّم رضا الله على رضا الخلق. ومن الأسباب أيضًا سلطانُ الشعبوية، حيث يصبح رأي الناس ميزانًا، وتتحول “ردود الفعل” إلى بوصلة، فيتلوّن الخطاب بحسب موجبة التصفيق والرفض، لا بحسب الدليل والحق. وقد تكون الصحبة المفتونة من أخطر المؤثرات؛ فالقريب يؤثر بما لا يؤثر به البعيد، وإذا فُتِنَت البيئة القريبة، أصبح الانحراف مألوفًا، بل مبررًا، حتى ينساب إلى النفس دون مقاومة. ولا يُغفل هنا ضغط المصالح، وحسابات المكانة، والخوف من فقدان القبول أو النفوذ؛ فكم من موقفٍ تراجع لأن كلفته الاجتماعية أو المهنية بدت عالية، فاختير السلامة الظاهرة على حساب الحقيقة الباطنة. وهذا الاضطراب لا يظهر لحظةً واحدة، بل يمتد على محور الزمن؛ يبدأ بتنازلٍ صغير، ثم مواربة، ثم صمتٍ في موضع البيان، حتى يتشكل نمطٌ من التردد يلازم صاحبه. والأصل في المؤمن أن يحفظ مواقفه على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، لا يخجل من الحق، ولا يوارب فيه، ولا يتنصل من مسؤولية البيان، ولا يتملق لهذا أو ذاك. ولو أن الناس قدّموا هيبة الحق على كل اعتبار، لوفّروا على أنفسهم وعلى الأمة خسائر جسيمة؛ لأن كثيرًا من الانحرافات إنما تبدأ من تهاونٍ يُزدرى في لحظةٍ حرجة. والمشكلة تتعاظم حين ينتقل الاضطراب من الأفراد إلى المناهج؛ إذ تُصنع بيئات تربّي أتباعًا مضطربي الإخلاص، يميلون حيث يميل الرمز أو الجماعة، فتتشكل ولاءاتٌ غير منضبطة، ويُربّى الناس على الاتباع لا على الاتباع للحق. وهنا تُصاب القلوب بداءٍ خطير، بل شديد الخطورة: أن يُصرف الإخلاص لغير الله جل جلاله، أو يُشرك فيه هوى الجماعة ورمزها. وتلك هي المثخِنة التي تجرح الدين في أصله، لأن المنهج الذي لا يربّي على إخلاصٍ خالصٍ لله عز وجل، إنما يؤسس لانحرافٍ ممتد، مهما بدا في ظاهره من شعاراتٍ براقة. فما الذي يحفظ المنهج راسخًا، ويقي من الاضطراب ولو اشتدت المعارضة؟ أول ذلك: تصحيح المعتقد، وبناء اليقين على الدليل، لا على الأشخاص ولا على الأمزجة. وثانيه: تعظيم الأمر والنهي، وجعل كتاب الله وسنة نبيه ﷺ المرجع الحاكم عند الاختلاف، لا المزاج العام ولا ضغط الواقع. وثالثه: تربية النفس على الشجاعة، واحتمال كلفة الحق، واستحضار أن رضى الله أولى من رضى الناس. ورابعه: صحبة صالحة ثابتة، تعين على الاستقامة وتذكّر عند الغفلة، لا تزيّن الانحراف ولا تبرره. وخامسه: المحاسبة الدائمة للنفس، ومراجعة النيات، خشية أن يتسلل الرياء أو التلون. وسادسه: الاستقلال عن ضغط الجماهير، فلا يكون التصفيق معيارًا، ولا الهجوم سببًا للانكفاء، بل يُوزن الأمر بميزان الشرع. وسابعه: طلب العلم الراسخ، الذي يمنح صاحبه بصيرةً تميّز بين الثابت والمتغير، وبين الأصول والفروع.ويمتلك به أدوات التبين والتبصر فلا يٌساس .. إنما يسوس بالحق. إن الثبات ليس ادعاءً، بل مجاهدةٌ، ودليله مواقفُ تُختبر. ومن أراد أن يحفظ دينه ومنهجه، فليجعل قلبه معلّقًا بالحق، ولسانه ناطقًا به، وجوارحه شاهدةً له، لا يغيّره مدحٌ ولا يثنيه ذمّ. فالحق لا يحتاج إلى تزيين، وإنما يحتاج إلى رجالٍ ونساءٍ يقفون عنده، لا يتقدمونه ولا يتأخرون عنه. وفي الختام: إن أعظم الخسائر ليست في فقدان موقعٍ أو قبولٍ عند الناس، بل في أن يفقد الإنسان وضوحه وثباته، فيتبدل مع الأيام حتى لا يعرف لنفسه وجهًا. فاحفظ موقفك بالوحي، وأخلص قصدك لله عز وجل، واثبت وإن قلّ السائرون؛ فإن العاقبة للثابتين، والحق باقٍ لا يزول، وإنما يزول المتلونون حوله. قال تعالى ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [ سورة الأحزاب: 23] اللهم اجعلنا من الصادقين لآخر رمق.