آثار وفوائد
الذهاب إلى القناة على Telegram
قناة تُعنى بالآثار والفوائد العلمية. ليس كل ما يُنشر أقف عليه بنفسي ولكن أستفيد من غيري.
إظهار المزيد1 194
المشتركون
+224 ساعات
-27 أيام
-1230 أيام
أرشيف المشاركات
1 194
قال أبو بكر الجصّاص الحنفي المتوفى سنة ٣٧٠ هـ في تفسير قوله تعالى:
﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾:
«فخصَّ الذين اتبعوه في ساعة العسرة بذكر التوبة؛ لعِظَم منزلة الاتباع في مثله، وجزيل الثواب الذي يُستحق بها؛ لما لحقهم من المشقة مع الصبر عليها، وحسن البصيرة واليقين منهم في تلك الحال، إذ لم تغيّرهم عنها صعوبة الأمر وشدة الزمان».
ثم قال:
«وبمثل الحال التي فضّل بها متبعيه في حال العسرة على غيرهم، فضّل بها المهاجرين على الأنصار، وبمثلها فضّل السابقين على الناس؛ لما لحقهم من المشقة، ولما ظهر منهم من شدة البصيرة وصحة اليقين بالاتباع في حال قلة عدد المؤمنين، واستعلاء أمر الكفار، وما كان يلحقهم من قبلهم من الأذى والتعذيب».
— أحكام القرآن للجصّاص.
1 194
#أهل_الرأي #الجهمية #معاشر_النعالية
#خاطرة
#خواطر_أبي_يوسف
جاء في «مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه»، رواية إسحاق بن منصور الكوسج:
قلت: يؤجر الرجل على بغض أصحاب أبي حنيفة؟
قال: إي والله.
قلت: من يقول: القرآن مخلوق؟
قال: ألحق به كل بلية.
قلت: يقال له: كفر؟
وفي الصورة المرفقة وقع طمسُ اسم النعمان، ولعل بعض الأحناف هم المسؤولون عن هذا الصنيع؛ فقد كان تاريخهم — وإلى يوم الناس هذا — حافلًا بأذية أهل الحديث بسبب هذه المسألة: فمنهم من هُدِّد بالقتل، ومنهم من قُتل.
وصراحةً، ذكّرني طمسُ اسم النعمان هنا بصنيع بعض المنتسبين إلى السلفية في هذا الزمان، حين حذفوا فصلًا كاملًا من «السنة» لعبد الله بن أحمد، وفيه هذه المسألة وعدّوا ذلك من محاسن "السلفية" المعاصرة أو كما قالوا !!
فقديمًا كان بعض الأحناف يسعون في أذية أهل الحديث وطمس ما ورد في إمامهم، أما اليوم فبعض المنتسبين إلى السلفية هم الذين يسعون إلى طمس ذكر النعمان، وأذية من يأخذ بكلام السلف في هذه المسألة.
وتأمل كيف اجتمعت في هذا الموضع المسألتان الشهيرتان:
الموقف من الجهمية، وهو تكفيرهم؛ والموقف من أهل الرأي وإمامهم.
وبهتين المسألتين يُبدَّع اليوم من يسمّونهم #الحدادية، وهم أهل الحديث والأثر وإن رغمت أنوفهم.
وليس للطرف المقابل — أو بالأحرى للأطراف المقابلة، على اختلاف توجهاتها ومشاربها — إلا الكذب والتلبيس، أو تقليد متأخر ليس كلامه بحجة أمام كلام السلف، أو غير ذلك من أساليبهم المعروفة في رد الحق.
فاللهم أنت حسبنا، ونعم الوكيل.
1 194
جاءَ فِي كِتابِ «المَسائلُ الَّتي حَلَفَ عَليها أَحمدُ ابنُ حَنبَلٍ» لابنِ أبِي يَعلَى:
"وسُئِلَ [إِمامُنا -رَحِمَه اللَّهُ-]:
أَيُؤجرُ الرَّجلُ علَى بُغضِ مَن خَالفَ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟!
فَقَالَ: «إِي وَاللهِ»."
[📚: المَسائلُ الَّتي حَلَفَ عَليها أَحمدُ ابنُ حَنبَلٍ لابنِ أبِي يَعلَى/ ط دارُ العَاصِمة/ صـ 25]
1 194
#عمر_بن_الخطاب
#آثار_الصحابة
يُروى عن إبراهيم النخعي، ورُوي عنه عن الأسود بن يزيد، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
أنه كان إذا استعمل عاملًا، فقدم عليه وفدٌ من تلك البلاد، سألهم عنه، فقال:
«كيف أميركم؟ أيعود المريض والمملوك؟ ويدخل عليه الضعيف؟ ويجيب العبد؟ ويتبع الجنازة؟ وكيف ثيابه؟ أليِّنٌ هو؟ ومن يقوم على بابه؟»
فإن قالوا: هو ليِّن، يعود المريض والمملوك، ويدخل عليه الضعيف، ويتبع الجنازة؛ تركه، وإن ذكروا خلاف ذلك بعث إليه فعزله.
رواه هناد بن السري في الزهد، وابن قتيبة في عيون الأخبار، والدولابي في الكنى والأسماء، والبيهقي في السنن الكبرى، وعزاه المحب الطبري إلى سعيد بن منصور.
1 194
أخرج ابن أبي الدنيا في كلام الليالي والأيام، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إشكاب الصفار، عن رجل من أهل داود الطائي، قال: قلت لداود يومًا: يا أبا سليمان، قد عرفت الرحم بيننا فأوصني، فدمعت عيناه، ثم قال:
«يا أخي، إنما الليل والنهار مراحل، ينزلها الناس مرحلة مرحلة، حتى ينتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم؛ فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادًا لما بين يديها فافعل؛ فإن انقطاع السفر عن قريب، والأمر أعجل من ذلك؛ فتزود لسفرك، واقض ما أنت قاض من أمرك، فكأنك بالأمر قد بغتك».
ثم قال:
«إني أقول لك هذا، وما أعلم أحدًا أشد تضييعًا مني لذلك».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
15. مفضل بن يونس الجعفي — ت 178هـ
أخرج ابن أبي الدنيا في كلام الليالي والأيام، عن محمد، عن مطير بن الربيع، قال:
«كان مفضل بن يونس إذا جاء الليل قال: ذهب من عمري يوم كامل، وإذا أصبح قال: ذهبت ليلة كاملة من عمري».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
16. الفضيل بن عياض — ت 187هـ
أخرج أبو نعيم في حلية الأولياء، عن عبد الله بن محمد، عن إبراهيم بن سفيان، عن عامر بن عامر، عن الحسن بن علي العابد، قال: قال الفضيل بن عياض لرجل:
«كم أتت عليك؟».
قال: ستون سنة.
قال الفضيل:
«فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك، توشك أن تبلغ».
فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون.
فقال الفضيل:
«تعلم ما تقول؟ قولك: إنا لله، تقول: أنا لله عبد، وأنا إلى الله راجع؛ فمن علم أنه لله عبد، وأنه إليه راجع، فليعلم بأنه موقوف، ومن علم بأنه موقوف فليعلم بأنه مسؤول، ومن علم بأنه مسؤول فليعد للسؤال جوابًا».
فقال الرجل: فما الحيلة؟
قال:
«يسيرة».
قال: ما هي؟
قال:
«تحسن فيما بقي، يغفر لك ما مضى؛ فإنك إن أسأت فيما بقي أُخذت بما مضى وما بقي».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
1 194
وأخرج ابن أبي الدنيا، عن الحسين بن عبد الرحمن والقاسم بن هاشم، عن أبي عبد الله اليماني، عن أبيه، أن الحسن كتب إلى مكحول:
«واعلم، رحمنا الله وإياك أبا عبد الله، أنك اليوم أقرب إلى الموت يوم نُعيت له، ولم يزل الليل والنهار سريعين في نقص الأعمار وتقريب الآجال. هيهات هيهات، قد صحبا نوحًا وعادًا وثمودًا وقرونًا بين ذلك كثيرًا، فأصبحوا قد قدموا على ربهم، ووردوا على أعمالهم، وأصبح الليل والنهار غضين جديدين، لم يبلهما ما مرا به، مستعدين لمن بقي بمثل ما أصابا به من مضى، وأنت نظير إخوانك وأقرانك وأشباهك، مثلك كمثل جسد نزعت قوته، فلم تبق إلا حشاشة نفسه ينتظر الداعي، فنعوذ بالله من مقته إيانا فيما يعظ به مما نقصر عنه».
وأخرج ابن أبي الدنيا، عن أبي عبد الله العجلي، عن عمرو بن محمد العنقزي، عن إسرائيل، عن سلمة بن ناجية، عن الحسن، قال:
«الدنيا ثلاثة أيام: أما أمس فقد ذهب بما فيه، وأما غد فلعلك لا تدركه، واليوم لك فاعمل فيه».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
7. شهر بن حوشب — ت 112هـ
أخرج ابن أبي الدنيا في كلام الليالي والأيام، عن عبد الرحمن بن زبان الطائي، عن المحاربي، عن بدر بن عثمان، عن الحويرث بن نصر العامري، عن شهر بن حوشب، قال:
«ما مضى يوم من الدنيا إلا يقول عند مضيه: أيها الناس، أنا الذي قدمت عليكم جديدًا، وقد حان مني تصرم، فلا يستطيع محسن أن يزداد فيَّ إحسانًا، ولا يستطيع مسيء أن يستعتب فيَّ مما أساء، الحمد لله الذي لم يجعلني اليوم العقيم، ثم يذهب».
قال بدر:
«وبلغني أن الليل يقول مثل ذلك».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
8. شميط بن عجلان — ت 126هـ
أخرج ابن أبي الدنيا في كلام الليالي والأيام، عن عبد الله بن عيسى الطفاوي، عن عبيد الله بن شميط، عن أبيه شميط بن عجلان، قال:
«إن المؤمن يقول لنفسه: إنما هي ثلاثة أيام؛ فقد مضى أمس بما فيه، وغدًا أمل لعلك لا تدركه. إنك إن كنت من أهل غد، فإن غدًا يجيء برزق غد، إن دون غد يومًا وليلة تخترم فيها أنفس كثيرة، لعلك المخترم فيها، كفى كل يوم همه».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
9. مالك بن دينار — ت نحو 130هـ
أخرج ابن أبي الدنيا في كلام الليالي والأيام، عن علي بن مسلم، عن سيار، عن جعفر، قال: حدثنا مالك بن دينار، قال:
«إن هذا الليل والنهار خزانتان، فانظروا ما تضعون فيهما».
وكان يقول:
«اعملوا لليل لما خُلق له، واعملوا للنهار لما خُلق له».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
10. أبو حازم سلمة بن دينار — ت 140هـ
أخرج ابن أبي الدنيا في كلام الليالي والأيام، عن حسين بن عبد الرحمن، قال: قال أبو حازم:
«الأيام ثلاثة: فأما أمس فقد انقضى عن الملوك نعمته، وذهبت عني شدته، وإني وإياهم من غد لعلى وجل، وإنما هو اليوم؛ فما عسى أن يكون؟».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
11. عمر بن ذر الهمداني — ت 153هـ، وقيل 156هـ
أخرج ابن أبي الدنيا في كلام الليالي والأيام، عن محمد بن الحسين، عن عبد الله بن عثمان بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن عمارة بن عمرو البجلي، قال: سمعت عمر بن ذر يقول:
«اعملوا لأنفسكم، رحمكم الله، في هذا الليل وسواده؛ فإن المغبون من غُبن خير الليل والنهار، والمحروم من حُرم خيرهما، إنما جعلا سبيلًا للمؤمنين إلى طاعة ربهم، ووبالًا على الآخرين للغفلة عن أنفسهم؛ فأحيوا لله أنفسكم بذكره، فإنما تحيا القلوب بذكر الله. كم من قائم لله في الليل قد اغتبط بقيامه في ظلمة حفرته؟ وكم من نائم في هذا الليل قد ندم على طول نومه عندما يرى من كرامة الله للعابدين غدًا؟ فاغتنموا ممر الساعات والليالي والأيام، رحمكم الله».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
12. عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي — ت 157هـ
أخرج ابن أبي الدنيا في كلام الليالي والأيام، عن هارون بن سفيان، عن عبد الله بن صالح العجلي، عن ابن أبي غنية، قال: كتب الأوزاعي إلى أخ له:
«أما بعد، فإنه قد أحيط بك من كل جانب، واعلم أنه يُسار بك في كل يوم وليلة؛ فاحذر الله والمقام بين يديه، وأن يكون آخر عهده بك، والسلام».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
13. محمد بن النضر الحارثي — ت 163هـ
أخرج ابن أبي الدنيا في كلام الليالي والأيام، عن محمد، عن مطير بن الربيع، قال: قال لي مفضل بن يونس: رأيت أخا بني الحارث محمد بن النضر اليوم كئيبًا حزينًا، فقلت له: ما لي أراك كئيبًا حزينًا؟ فقال:
«مضت الليلة من عمري ولم أكتسب فيها لنفسي شيئًا، ويمضي اليوم أيضًا ولا أراني أكتسب فيه شيئًا؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
14. داود بن نصير الطائي — ت 165هـ
1 194
من آثار السلف في انقضاء الأيام واغتنام الأعمار
الحمدلله،
تكتنف المرء حالات تذكّره بآثارٍ للسلف الكرام في باب من الأبواب، وقد تذكرت اليوم بعض هذه الآثار المنقولة هنا، فقلت: لأنظر في جمع ما ورد في هذا الباب؛ فوجدت دررًا وآثارًا كثيرة.
والجمع مستفاد 👇🏼
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. عبد الله بن مسعود رضي الله عنه — ت 32هـ
أخرج عباس الترقفي في حديثه، عن أبي عبد الرحمن، عن سعيد بن أبي أيوب، عن عبد الله بن الوليد، عن عبد الرحمن بن حجيرة، عن أبيه حجيرة، قال: كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذا قعد يقول:
«إنكم في ممر الليل والنهار، في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة؛ فمن زرع خيرًا يوشك أن يحصد رغبة، ومن زرع شرًّا يوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع ما زرع؛ لا يسبق بطيء حظه، ولا يدرك حريص ما لم يُقدَّر له، فمن أُعطي خيرًا فالله أعطاه، ومن وُقي شرًّا فالله وقاه، المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2. سعيد بن جبير — ت 95هـ
أخرج ابن أبي الدنيا في كلام الليالي والأيام، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن هانئ، عن عمر بن ذر، قال: قرأت كتاب سعيد بن جبير إلى أبي، وفيه:
«يا أبا عمر، كل يوم يعيشه المؤمن غنيمة».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
3. عمر بن عبد العزيز — ت 101هـ
أخرج ابن أبي الدنيا في كلام الليالي والأيام، عن أحمد بن إبراهيم، عن منصور بن بشير، عن شعيب بن صفوان، عن عيسى، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى رجل:
«أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله، والانشمار بما استطعت من مالك، وما رزقك الله إلى دار قرارك، فكأنك والله قد ذقت الموت، وعاينت ما بعده بتصريف الليل والنهار؛ فإنهما سريعان في طي الأجل ونقص العمر، مستعدان لمن بقي بمثل الذي قد أصابا به من مضى، فنستغفر الله لسيئ أعمالنا، ونعوذ بالله من مقته إيانا فيما يعظ به مما نقصر عنه».
والانشمار: الجد والاجتهاد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
4. مجاهد بن جبر — ت 104هـ
أخرج ابن أبي الدنيا في كلام الليالي والأيام، عن سلمة بن شبيب، عن سهل بن عاصم، عن عبد الكبير بن معافى بن عمران، عن أبيه، عن طلحة، عن قيس بن سعد، أنه سمع مجاهدًا يقول:
«ما من يوم إلا يقول: ابن آدم، قد دخلت عليك اليوم، ولن أرجع إليك بعد اليوم، فانظر ماذا تعمل فيَّ؛ فإذا انقضى طواه، ثم ختم عليه، فلا يُفك حتى يكون الله هو الذي يفض ذلك الخاتم يوم القيامة، ويقول اليوم حين ينقضي: الحمد لله الذي أراحني من الدنيا وأهلها».
قال مجاهد:
«ولا ليلة تدخل على الناس إلا قالت كذلك».
وأخرج ابن أبي الدنيا، عن زيد بن أخزم، عن محاضر، عن الأعمش، عن مجاهد، قال:
«ما من يوم يخرج من الدنيا إلا قال: الحمد لله الذي أخرجني منها، ثم لا يردني إليها».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
5. بكر بن عبد الله المزني — ت 108هـ
أخرج ابن أبي الدنيا في كلام الليالي والأيام، عن أحمد بن إبراهيم، عن قران، عن أبي بشر، عن بكر بن عبد الله المزني، قال:
«ما من يوم أخرجه الله إلى أهل الدنيا إلا ينادي: ابن آدم، اغتنمني، لعله لا يوم لك بعدي؛ ولا ليلة إلا تنادي: ابن آدم، اغتنمني، لعله لا ليلة لك بعدي».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
6. الحسن البصري — ت 110هـ
أخرج ابن أبي الدنيا في كلام الليالي والأيام، عن القاسم بن هاشم، عن المسيب بن واضح، عن محمد بن الوليد، قال: كان الحسن يقول:
«أمس أجل، واليوم عمل، وغدًا أمل».
وأخرج ابن أبي الدنيا، عن محمد بن الحارث الخراز، عن سيار، عن جعفر، عن المعلى بن زياد، عن الحسن البصري، قال:
«ليس يوم يأتي من أيام الدنيا إلا يتكلم، يقول: يا أيها الناس، إني يوم جديد، وإني على ما يُعمل فيَّ شهيد، وإني لو قد غربت الشمس لم أرجع إليكم إلى يوم القيامة».
وأخرج ابن أبي الدنيا، عن القاسم بن هاشم، عن المسيب بن واضح، عن محمد بن الوليد، قال: كان الحسن يقول:
«ابن آدم، اليوم ضيفك، والضيف مرتحل بحمدك أو بذمك، وكذلك ليلتك».
وأخرج ابن أبي الدنيا، عن محمد بن الحسين، عن بدل بن المحبر اليربوعي، عن المنهال بن عيسى، عن غالب القطان، عن الحسن، قال:
«ابن آدم، إنك بين مطيتين يُوضِعانك: يُوضِعك الليل إلى النهار، والنهار إلى الليل، حتى يسلماك إلى الآخرة؛ فمن أعظم منك يا ابن آدم خطرًا؟».
يُوضِعانك: أي يسرعان بك.
وأخرج ابن أبي الدنيا، عن محمد بن الحسين، عن عبد الله بن محمد بن حميد، قال: سمعت زهير بن نعيم يقول: كان الحسن يقول:
«ابن آدم، إنك بيومك ولست بغد، فَكِسْ في يومك، فإن يكن غد لك فكن كما كنت في هذا اليوم، وإلا يك غد لك لم تكن تأسف على ما فرطت في جنب الله».
فَكِسْ: أي كن كيسًا حازمًا.
1 194
من آداب انتظار الصلاة: استقبال القبلة وكراهة التساند إليها بين أذان الفجر والإقامة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
فصل
ويستحب إذا جلس لانتظار الصلاة أن يجلس مستقبل القبلة؛ لأن خير المجالس ما استقبل به القبلة، ولأن العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة، ومن سنة المصلي أن يكون مستقبل القبلة.
قال القاضي: ويكره الاستناد إلى القبلة، وقد نص أحمد على أنه مكروه قبل صلاة الغداة.
قال أحمد بن أصرم: رأيت أبا عبد الله دخل المسجد لصلاة الصبح، فإذا رجل مسند ظهره إلى القبلة، ووجهه إلى غير القبلة قبل صلاة الغداة، فأمره أن يتحول إلى القبلة، وقال:
«هذا مكروه».
وذلك لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه رأى رجالًا قد أسندوا ظهورهم بين أذان الفجر والإقامة إلى القبلة، فقال عبد الله:
«لا تحولوا بين الملائكة وبين صلاتهم».
وفي لفظ:
«تحولوا عن القبلة، لا تحولوا بين الملائكة وبينها، فإن هذه الركعتين تطوع».
وقال إبراهيم:
«كانوا يكرهون أن يتساندوا إلى القبلة قبل صلاة الفجر».
رواهن النجاد.
وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله:
أنه نهى أن تستدبر القبلة في مواقيت الصلاة.
رواه أبو حفص.
ولأن النبي ﷺ نهى عن التشبيك في المسجد، وعلله بأن العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة؛ فكره لمن ينتظر الصلاة ما يكره للمصلي، إلا ما تدعو إليه الحاجة.
ولأنه في مواقيت الصلاة يدخل الناس إلى المسجد، ففي استدبار القبلة استقبال للمصلي من الملائكة، وذلك مكروه كراهية شديدة، وإلى هذا المعنى أومأ عبد الله بن مسعود.
ويستحب أن يتقدم في أوقات الصلوات إلى مقدم المسجد؛ لأن السنة أن يكمل الصف الأول فالأول، ولا بأس في ذلك في كل وقت.
فأما وقت السحر، فقد روي عن أبي النعمان قال:
حججت في خلافة عمر رضي الله عنه، فقدمت المدينة، فدخلت مسجد النبي ﷺ، فتقدمت إلى مقدم المسجد أصلي، إذ دخل عمر رضي الله عنه، فرآني، فأخذ برأسي، وجعل يضرب به الحائط، ويقول:
«ألم أنهكم أن تقدموا في مقدم المسجد بالسحر؟ إن له عوامر».
وعن عبد الله بن غابر قال:
دخل حابس بن سعد الطائي المسجد من السحر، وكانت له صحبة، فإذا أناس في صدر المسجد يصلون، فقال:
«أرعبوهم، فمن أرعبهم فقد أطاع الله ورسوله».
قال حريز بن عثمان:
«كنا نسمع أن الملائكة تكون قبل الصبح في الصف الأول».
رواهما جعفر الفريابي.
قال القاضي:
«وهذا يدل على كراهة التقدم في صدر المسجد وقت السحر».
شرح عمدة الفقه لشيخ الإسلام ابن تيمية، طبعة عطاءات العلم، 2/626–628.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله:
ويكره أيضًا استناد الظهر إلى القبلة بين أذان الفجر والإقامة.
وكرهه ابن مسعود، وقال:
«لا تحولوا بين الملائكة وبين صلاتهم».
وقال النخعي:
«كانوا يكرهونه».
وقال الإمام أحمد:
«هو مكروه».
وأمر من فعله أن يحول وجهه إلى القبلة.
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه نهى أن يستند إلى القبلة في مواقيت الصلاة.
وهذا يعم سائر الصلوات، ولعله كرهه؛ لأن الداخل إلى المسجد يصلي عند دخوله، فإذا كان بين يديه رجل مسند ظهره إلى القبلة، صلى مستقبل وجهه، وذلك مكروه، كما تقدم.
وقد روي فيه حديث مرفوع يدل على الرخصة فيه في غير صلاة الفجر، من رواية عيسى بن المسيب، عن الشعبي، عن كعب بن عجرة، قال:
بينما أنا جالس في مسجد رسول الله ﷺ، مسندي ظهورنا إلى قبلة مسجده سبعة رهط، إذ خرج إلينا رسول الله ﷺ صلاة الظهر، حتى انتهى إلينا، فقال:
«ما يجلسكم ها هنا؟».
فقلنا: يا رسول الله، ننتظر الصلاة.
ثم ذكر حديثًا طويلًا في فضل المحافظة على الصلوات.
خرجه الإمام أحمد.
وعيسى بن المسيب تكلم فيه.
وذكر مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع، قال:
«كنت أصلي وابن عمر مسند ظهره إلى جدار القبلة، فلما قضيت صلاتي انصرفت إليه».
قال ابن عبد البر:
«فيه الاستناد إلى حائط القبلة في المسجد، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يفعله من يستقبل الصلاة».
فتح الباري لابن رجب، 4/66–67.
1 194
أخرجَ أبو داودَ فِي «الزُّهد»:
"نا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: نا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَرْفَجَةَ، قَالَ:
«استَقرَأتُ ابنَ مَسعُودٍ: سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى، فَلمّا بلغَ {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} تَركَ القِرَاءةَ، وأقبلَ علَى أَصحابِه، فقالَ: آثرْنَا الحَياةَ الدُّنيا علَى الآخرةِ لِأنَّا رأيْنَا زهرَتَها وزِينتَها وطَعامَها وشَرابَها»."
[الزُّهد لأبي داود]
1 194
ملخَّص في باب #التكفير
التقسيم الثلاثي في مسائل التكفير مفتاحٌ لفهم هذا الباب؛ فإذا أحكمته انحلَّت لك — بإذن الله — عامة إشكالاته، وانتظمت عندك آثار السلف انتظامًا لا ينخرم.
فأولها: الحكم الديني الدنيوي الظاهر. فمن ثبت عنه اعتقادٌ مكفِّر، أو قولٌ مكفِّر قاله معتقدًا له متديِّنًا به، أو فعلٌ مكفِّر فعله على الوجه المكفِّر، حُكم عليه بما أظهر، وسُمِّي بما سمَّاه الشرع، وأُجريت عليه أحكام ما أظهر في أبواب الصلاة، والمناكحة، والذبائح، والميراث، والجنازة، والهجر، وغيرها؛ كلُّ باب بحسب ما دل عليه الشرع وثبت عن الأئمة.
وثانيها: الحكم السلطاني القضائي. وهو التثبُّت من ثبوت المكفِّر على المعيَّن، ثم استتابته عند من يرى الاستتابة، أو قتله من غير استتابة عند من ألحق الجهمي بالزنديق، وإنفاذ ما يترتب على ذلك من عقوبة، أو تفريق بين الزوجين، أو حكم في الدماء والأموال. وهذا إلى السلطان ونوابه، لا إلى آحاد المسلمين.
وثالثها: الحكم الأخروي. وهو ما يكون للمُعيَّن عند الله من حكم وجزاء؛ وهذا مردُّه إلى الله سبحانه، فإنه لا يعذِّب حتى تقوم الحجة الرسالية، قال تعالى:
{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}،
وقال سبحانه:
{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}.
فهذه أحكام متمايزة، لا يلزم من ثبوت أحدها ثبوت الآخر؛ فقد يثبت على الرجل الحكم الديني الدنيوي بما ثبت عنه وأظهره، ولا يكون لآحاد المسلمين أن ينفذوا فيه الحكم السلطاني، ويبقى حكمه في الآخرة بابًا آخر مردُّه إلى الله سبحانه.
فمن لم يميِّز بين هذه الأحكام، وحمل نصوص أحدها على الآخر، اضطربت عليه آثار السلف؛ فردَّ بعضها ببعض، وأثبت في باب ما لا يلزم منه في باب آخر. ومن ردَّ كل لفظ وحكم إلى مرتبته استقام له كلامهم، وزال عنه ما توهَّمه من التعارض والاختلاف.
فاحفظ عندك هذا التقسيم:
الحكم الديني الدنيوي الظاهر.
الحكم السلطاني القضائي.
الحكم الأخروي.
وما إن تقف على نصٍّ في هذا الباب، فتأمَّل: في أيِّ هذه المراتب ورد؟ وإلى أيِّ حكم يرجع؟ ولا تحمل نصوص مرتبة على أخرى؛ فبذلك يستقيم لك هذا الباب — بإذن الله تعالى — وتنتظم عندك آثار السلف والأئمة.
وهذه خلاصة ما انتهيت إليه بعد سنوات من البحث، وسماع الدروس والمواد في هذا الباب، وقد خالطه في زماننا من النَّفَس الإنسانوي والأمني والحركي ما زاده إشكالًا والتباسًا.
والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
1 194
﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾:
«يعني: يسترجع، يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون».
نقله ابن كثير في تفسيره.
ويُروى عن شريح أنه قال:
«ما أُصيب عبد بمصيبة إلا كان لله عليه فيها ثلاث نعم: أن لا تكون كانت في دينه، وأن لا تكون أعظم مما كانت، وأنها كائنة فقد كانت».
رواه ابن أبي الدنيا في كتاب «الشكر»، من طريق سعيد بن عبد العزيز عن شريح.
وروى أبو نعيم في «حلية الأولياء»، عن جعفر بن برقان قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز:
«إن هذا الرجف شيء يعاقب الله به العباد، وقد كتبت إلى أهل الأمصار أن يخرجوا يوم كذا وكذا، في شهر كذا وكذا، في ساعة كذا وكذا، فاخرجوا، ومن أراد منكم أن يتصدق فليفعل؛ فإن الله تعالى قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾».
ثم قال:
«وقولوا كما قال أبوكم عليه السلام: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾».
وقال:
«وقولوا كما قال نوح: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وقولوا كما قال موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾، وقولوا كما قال ذو النون: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾».
وروى ابن رجب في «فتح الباري» هذا الكتاب بلفظ:
«إن هذه الرجفة شيء يعاتب الله به العباد».
وروى الطبري في تفسير قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾
قال:
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، قال: أخبرنا عمرو، قال: قال الحسن:
«إذا أصاب الناسَ من قِبل السلطان بلاءٌ، فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحميّة، ولكن استقبلوها بالاستغفار، وتضرعوا إلى الله».
ثم قرأ الآية.
وفي بعض نسخ تفسير الطبري: «من قِبل الشيطان» بدل: «من قِبل السلطان».
وجاء عن الحسن بلفظ يصرح بالحجاج:
«إن الحجاج عقوبة، فلا تستقبلوا عقوبة الله بالسيف، ولكن استقبلوها بتوبة وتضرع واستكانة».
عزاه السيوطي في «الدر المنثور» إلى أبي الشيخ.
وأورد شيخ الإسلام ابن تيمية المعنى في «منهاج السنة النبوية»، في سياق كلامه على فتنة ابن الأشعث، فقال:
«وكان الحسن البصري يقول: إن الحجاج عذاب الله، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
● من كلام الأئمة
قال ابن رجب الحنبلي في «جامع العلوم والحكم»:
«فالمؤمن إذا أصابه في الدنيا بلاء رجع إلى نفسه باللوم، ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار».
وقال ابن القيم في «الجواب الكافي»:
«ومن عقوبات الذنوب أنها تزيل النعم، وتحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب».
ثم قال في تفسير قوله تعالى:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾:
«فأخبر تعالى أنه لا يغير نعمته التي أنعم بها على أحد، حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه؛ فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غيّر غُيّر عليه، جزاءً وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد».
ثم قال:
«فإن غيّر المعصية بالطاعة، غيّر الله عليه العقوبة بالعافية، والذل بالعز».
وقال ابن القيم في «زاد المعاد»، في هدي النبي ﷺ في علاج المصائب:
«ومن علاجها أن يعلم أن الجزع لا يردها، بل يضاعفها».
وقال:
«ومن علاجها أن يعلم أن فوت ثواب الصبر والتسليم، وهو الصلاة والرحمة والهداية التي ضمنها الله على الصبر والاسترجاع، أعظم من المصيبة في الحقيقة».
وقال:
«ومن علاجها أن يعلم أن حظه من المصيبة ما تحدثه له؛ فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط».
وقال:
«ومن علاجها أن يعلم أنه وإن بلغ في الجزع غايته، فآخر أمره إلى صبر الاضطرار، وهو غير محمود ولا مثاب».
وقال:
«ومن علاجها أن يعلم أن أنفع الأدوية له موافقة ربه وإلهه فيما أحبه ورضيه له، وأن خاصية المحبة وسرها موافقة المحبوب».
وقال في «عدة الصابرين»:
«الصبر حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش».
وقال أيضًا:
«الشكوى نوعان: أحدهما الشكوى إلى الله، فهذا لا ينافي الصبر، كما قال يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾، مع قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾... والنوع الثاني: شكوى المبتلى بلسان الحال والمقال، فهذه لا تجامع الصبر، بل تضاده وتبطله؛ ففرق بين شكواه والشكوى إليه».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنة النبوية»:
«والمصائب في الدنيا تُكفَّر بها السيئات».
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
1 194
الحمد لله،
إثر موجة الحر الشديد، والانقطاع المستمر والمتوالي للتيار الكهربائي في المنطقة كلها، وما لحق بذلك من أضرار مادية جسيمة لكثير من الخلق، أحببت أن أذكّر نفسي وإخواني ببعض ما ورد في كتاب الله، وسنة رسوله الكريم — صلوات ربي وسلامه عليه — ومن كلام أئمتنا في هذا الباب؛ عسى أن يكون ذلك تذكيرًا حسنًا، وعونًا وسلوانًا للمسلم على أن يصبر ويحتسب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
● في المصائب والابتلاءات
هذه جملة من الآيات والأحاديث والآثار وكلام الأئمة في المصائب والابتلاءات، وما ينبغي للعبد عند نزولها من الصبر، والاسترجاع، والتسليم، ومراجعة النفس، والرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار.
مادة منقولة مستفادة :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
● من كتاب الله
قال الله تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
[البقرة: 155–157]
وقال سبحانه:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
[التغابن: 11]
قال الإمام الطبري:
«لم يصب أحدًا من الخلق مصيبة إلا بإذن الله، يقول: إلا بقضاء الله وتقديره ذلك عليه».
وقال في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾:
«يوفق الله قلبه بالتسليم لأمره، والرضا بقضائه».
وقال ابن كثير:
«ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله، هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه ويقينًا صادقًا، وقد يخلف عليه ما كان أُخذ منه أو خيرًا منه».
وقال تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾
[الحديد: 22–23]
وقال تعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾
[الشورى: 30]
وقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾
[المؤمنون: 76]
وقال تعالى:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[الأنفال: 53]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
● من سنة النبي ﷺ
عن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له».
رواه مسلم.
وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال:
«ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه».
متفق عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
«من يرد الله به خيرًا يصب منه».
رواه البخاري.
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال:
«الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه؛ فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة».
رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«إنما الصبر عند الصدمة الأولى».
متفق عليه.
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها، إلا أخلف الله له خيرًا منها».
رواه مسلم.
وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط».
رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
● من آثار السلف
قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾:
«يهدي قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه».
رواه الطبري في تفسيره.
وقال علقمة في الآية نفسها:
«هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من الله، فيسلّم لها ويرضى».
رواه عبد الرزاق والطبري بإسناد صحيح.
وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى:
1 194
الحمد لله،
من الأسئلة المتكررة: ما حكم صلاة الرجل في المعهد أو الكلية أو مقر العمل إذا لم يتيسر له الخروج لأداء الصلاة جماعةً في المسجد؛ بسبب الدراسة، كما يحصل مع أبنائي، أو بسبب الوظيفة، كما يحصل معي أحيانًا حين أكون وحدي في العمل، ولا أستطيع مغادرة المكان، فأضطر إلى الصلاة في موضع عملي؟
وفيما يلي جملة من نقولات الفقهاء المتقدمين مما يتصل بهذه المسألة، سواء ورد في أبواب الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة والجماعة، أو في أبواب الإجارة وحقوق الأجير والمستأجر، مرتبة بحسب تواريخ وفياتهم.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه النقول ليست كلها واردةً في صورة واحدة؛ فمنها ما يتعلق بأصل العذر في ترك الجمعة والجماعة، ومنها ما يتعلق بالخروج إلى المسجد خاصة، ومنها ما ورد في حق الأجير ومن استُحق نفعه في زمن العمل. وإنما جُمعت لكونها من أقرب النظائر الفقهية لمسألة الطالب أو الموظف الذي يتعذر عليه مغادرة مكان الدراسة أو العمل.
---
1. أبو إسحاق الشيرازي الشافعي — المتوفى سنة (476هـ)
قال في المهذب، كتاب الصلاة، باب صلاة الجماعة، فصل سقوط الجماعة بالعذر:
««ومنها: أن يخاف ضررًا في نفسه أو ماله، أو مرضًا يشق معه القصد».»
---
2. موفق الدين ابن قدامة المقدسي الحنبلي — المتوفى سنة (620هـ)
قال في المغني، كتاب الصلاة، فصل الأعذار في ترك الجمعة والجماعة:
««ويُعذر في تركهما الخائف... والخوف ثلاثة أنواع: خوف على النفس، وخوف على المال، وخوف على الأهل».»
---
3. مجد الدين أبو البركات ابن تيمية الحنبلي — المتوفى سنة (652هـ)
نقل البهوتي عنه في باب الأجير الخاص من كتاب الإجارة:
««وظاهر النص يمنع من شهود الجماعة إلا بشرط أو إذن».»
---
4. محيي الدين النووي الشافعي — المتوفى سنة (676هـ)
قال في المجموع شرح المهذب، كتاب الصلاة، باب صلاة الجماعة، في سقوط الجماعة بالأعذار:
««ويدخل في الخوف على المال ما إذا كان خبزه في التنور، وقدره على النار، وليس هناك من يتعهدهما».»
---
5. شمس الدين محمد بن مفلح الحنبلي — المتوفى سنة (763هـ)
قال في الفروع، كتاب الصلاة، باب العذر في ترك الجمعة والجماعة:
««أو ضائع يرجوه، أو معيشة يحتاجها، أو مال استؤجر على حفظه».»
---
6. خليل بن إسحاق الجندي المالكي — المتوفى سنة (776هـ)
قال في مختصر خليل، كتاب الصلاة، فصل شروط الجمعة ومسقطاتها:
««وعذر تركها والجماعة... وخوف على مال».»
---
7. شهاب الدين الأذرعي الشافعي — المتوفى سنة (783هـ)
نقل ابن حجر الهيتمي عنه في تحفة المحتاج، كتاب صلاة الجماعة، نقلًا عن باب الإجارة من شرح الروض:
««الظاهر أن المستأجر لا يلزمه تمكينه من الذهاب إلى المسجد للجماعة».»
وقال:
««ثم محل تمكينه من الذهاب إلى الجمعة إذا لم يخش على عمله الفساد».»
---
8. برهان الدين إبراهيم بن مفلح الحنبلي — المتوفى سنة (884هـ)
قال في المبدع في شرح المقنع، كتاب الصلاة، باب صلاة الجماعة، فصل الأعذار في التخلف عن الجمعة والجماعة:
««والخائف من ضياع ماله، أو فواته، أو ضرر فيه... أو يكون مستأجرًا على حفظ مال ونحو ذلك».»
---
9. علاء الدين المرداوي الحنبلي — المتوفى سنة (885هـ)
قال في الإنصاف، كتاب الصلاة، باب صلاة الجماعة:
««ومما يُعذر به في ترك الجمعة والجماعة: خوف الضرر في معيشة يحتاجها، أو مال استؤجر على حفظه».»
---
10. زين الدين ابن نجيم الحنفي — المتوفى سنة (970هـ)
قال في البحر الرائق شرح كنز الدقائق، كتاب الصلاة، باب الإمامة، ناقلًا عن شرح النقاية:
««رجل يشتغل بتكرار اللغة فتفوته الجماعة لا يُعذر، بخلاف تكرار الفقه».»
ثم نقل في الجمع بين الكلامين:
««الأول فيمن واظب على ترك الجماعة تهاونًا، والثاني فيمن لا يواظب على تركها».»
---
11. شهاب الدين ابن حجر الهيتمي الشافعي — المتوفى سنة (974هـ)
قال في تحفة المحتاج، كتاب الإجارة، فصل في بقية شروط المنفعة وما تقدر به:
««يُستثنى من زمن الإجارة فعل المكتوبة ولو جمعة... دون نحو الذهاب للمسجد، إلا إن قرب جدًّا وإمامه لا يطيل».»
---
12. منصور البهوتي الحنبلي — المتوفى سنة (1051هـ)
قال في شرح منتهى الإرادات، كتاب الإجارة، في الأجير الخاص:
««يستحق المستأجر نفعه في جميعه... سوى زمن فعل الصلوات الخمس... وسوى زمن فعل صلاة الجمعة والعيد».»
ثم نقل عن المجد:
««وظاهر النص يمنع من شهود الجماعة إلا بشرط أو إذن».»
---
13. نور الدين علي الشبراملسي الشافعي — المتوفى سنة (1087هـ)
قال في حاشيته على نهاية المحتاج، كتاب الإجارة، فصل في بقية شروط المنفعة:
««فيصليها بمحله أو بالمسجد إن استوى الزمنان في حقه، وإلا تعين محله، واستئجاره عذر في ترك الجمعة والجماعة».»
1 194
قال الذهبي في كتابه «العرش»:
«وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةَ مؤمنٍ بالحشر واللقاء».
علَّق شيخنا أبو جعفر قائلًا:
«وأمر اللقاء هذا يدل على العلو؛ لأن الرؤية إنما تكون بالعلو. واللقاء هو الرؤية، وقد فسَّره السلف بالرؤية، والله يُرى في العلو. وعامَّة الشبهات التي يطرحها أهل التعطيل على علو الله تبارك وتعالى تَرِدُ على الرؤية».
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
وهنا فائدة في دلالة اللقاء على الرؤية والمعاينة؛ فمن أنكر رؤية الله تبارك وتعالى، لم يؤمن بلقائه.
قال علي بن المديني:
سألت عبد الله بن المبارك عن قوله تعالى:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾
فقال:
«مَن أراد النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى خالقه، فليعمل عملًا صالحًا، ولا يُخبر به أحدًا».
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
وعقد ابن بطة في «الإبانة» بابًا بعنوان:
«باب الإيمان بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصار رؤوسهم».
ثم استدل في هذا الباب بآيات اللقاء، ومنها:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾.
﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾.
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾.
وقال في منكري الرؤية:
«قالوا: إن الله لا يُرى ولا يُلقى».
فقرن إنكار اللقاء بإنكار الرؤية، وجعل آيات اللقاء من أدلة رؤية المؤمنين لربهم.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
وقد لخَّص شيخ الإسلام مذهب ابن بطة وطائفة من أهل السنة فقال:
إنهم قالوا في آيات اللقاء:
«إن اللقاء يدل على الرؤية والمعاينة».
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
ونقل ابن بطة عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، إمام أهل اللغة، في قوله تعالى:
﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾
أنه قال:
«أجمع أهل اللغة أن اللقاء هاهنا لا يكون إلا معاينةً ونظرةً بالأبصار».
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
وفي حديث الرؤية الصحيح سأل الصحابة النبي ﷺ:
«هل نرى ربنا يوم القيامة؟».
فأثبت لهم الرؤية، ثم قال في السياق نفسه:
«فيلقى العبد…».
ثم يقول له:
«فظننت أنك ملاقيَّ؟».
ولهذا قال شيخ الإسلام: إن الحديث بدأ بالسؤال عن الرؤية، ثم أتبع النبي ﷺ ذلك بذكر لقاء العبد ربه؛ فدل السياق على أن اللقاء المذكور يتضمن المعاينة والرؤية.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
وقال شيخ الإسلام:
إن لقاء الله يتضمن معنيين:
السير إلى الملك، ثم معاينته.
وضرب لذلك قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾.
فالكدح هو السير إلى الله، ثم يعقب ذلك اللقاء والمعاينة.
وبيَّن أن مجرد رؤية الشيء من بُعد لا يُسمى دائمًا لقاءً؛ فاللقاء أخص من مطلق الرؤية من هذا الوجه، لكنه متضمن لها عند انتفاء المانع.
1 194
ومع ذلك، وقع من الذهبي نفسه شيء قريب من هذا في بعض التراجم.
الوجه الآخر للذهبي
ومع كثرة مدح الذهبي للعلماء وأهل الفضل، فإنه كان أيضاً كثير النقد، وربما استعمل لغة حادة وجافة لا تشبه الصورة المنتقاة التي يرسمها له بعض المعاصرين.
فمن عباراته في النقد:
«أما لك عقل يا عقيل؟!».وقال عن ابن حبان:
«الخساف المتهور».وقال عن ابن عدي:
«تمغفل».واستعمل في رده على ابن القطان الفاسي وغيره ألفاظاً شديدة، ويظهر غضبه في مواطن كثيرة من كتبه. فمن قرأ مؤلفات الذهبي قراءة واسعة علم أن شخصيته العلمية لا تختزل في الرفق والتسامح، بل كان عنده لين في مواطن، وشدة ظاهرة في مواطن أخرى. والأمانة العلمية تقتضي ذكر الوجهين جميعاً؛ لا أن تنتقى منه عبارات المدح والاعتدال، ثم تهمل عباراته في التبديع والتكفير والطعن الشديد، حتى تصنع منه شخصية تناسب توجهاً معاصراً معيناً. سواء وافقنا الذهبي في أحكامه أو خالفناه، لا بد من عرض شخصيته العلمية كما هي، بما لها وما عليها، وبما فيها من الشدة واللين، والتسامح والحزم، والمدح والنقد. الذهبي حجة على دعاوى المعاصرين الذهبي في حقيقة الأمر حجة على كثير ممن يدعون إلى تعطيل النقد العلمي بدعوى حرمة العلماء أو الخوف من الغلو؛ فقد انتقد ابن تيمية نفسه، مع ما كان بينهما من المحبة والتعظيم. وانتقده في «زغل العلم» نقداً واضحاً، وتكلم في ابن القيم بكلمة شديدة، وانتقد الأشاعرة وغيرهم، ولم يكن يرى تعظيم العالم مانعاً من نقده أو بيان خطئه. بل إنه ترجم لابن الزاغوني، وهو من أئمة الحنابلة، في «ميزان الاعتدال»، وهو كتاب موضوع في الأصل للمجروحين، ووصفه بالإمامة، ثم ذكر ما يوجب تبديعه عنده. وكفّر الحافظ ابن خراش بسبب طعنه في الشيخين، وقال ما معناه: إنه لما كان حافظاً عارفاً بما يقول، فإنه يحكم عليه بالكفر. ولما كفّر الواحدي أبا عبد الرحمن السلمي، مع أن السلمي رأس كبير من رؤوس التصوف، وأول من صنف في طبقات الصوفية، والصوفية مطبقون على تعظيمه، قال الذهبي إن الواحدي معذور مأجور في تكفيره للسلمي. فهذا وجه آخر للذهبي غائب تماماً عن كثير ممن يتحدثون عنه اليوم. ولو أظهرت هذه الأحكام مجردة عن اسم الذهبي، لوصف قائلها عند كثير من المعاصرين بالغلو والتشدد؛ لأن تهمة الغلو في هذا الزمان صارت تهمة لا خطام لها ولا زمام، تطلق على كل من حكم حكماً شديداً على شخص لا يوافقه المخالف في الحكم عليه. فإذا بدّع المرء رجلاً عظمه غيره، أو كفّر من يرى غيره عدم تكفيره، أسرعوا إلى تصنيفه وتقديمه قرباناً للمخالفين، من غير تحرير للمسألة ولا نظر في الأدلة ولا اعتبار بمناهج أئمة النقد. وهذا كله من الخلل العلمي الذي ابتلي به هذا الزمان. النظر في كتاب «العرش» أما مصنف كتاب «العرش» فقد سار في جمع مادته سيراً حسناً، لكن الدفاع المطلق عن كل ما صدر من الذهبي لا يصح، والاحتجاج به في المواطن التي خالف فيها تحقيقات ابن تيمية ليس حجة على من وافق ابن تيمية. ومع ذلك، فلو فرضنا جدلاً أن الذهبي تغير مذهبه في آخر عمره، أو صار مفوضاً كما يدعي بعضهم، فإن النقول التي جمعها في كتاب «العرش» تبقى حجة قائمة؛ لأنها ليست آراء مجردة من عنده، وإنما هي نصوص القرآن والسنة وآثار السلف وأقوال المفسرين والمحدثين. فالذهبي في هذا الكتاب لم ينشئ هذه النصوص من عنده، وإنما جمع المتفرق، ورتب المادة، وفهرس للقارئ أبواب المسألة. حين يذكر الآيات فهي آيات موجودة في المصحف، وحين ينقل التفاسير فهي موجودة في كتب أصحابها، وحين يورد الآثار فهي منقولة في دواوينها. فوظيفته الكبرى في الكتاب هي الجمع والترتيب وتقريب المادة، ولا يسقط الاحتجاج بتلك النقول لمجرد دعوى أن جامعها تغير رأيه أو توقف في بعض الألفاظ. الخلاصة الذهبي مثبت للصفات، متأثر بابن تيمية، معظم له، لكنه لم يكن تابعاً له في كل مسألة. وقد أصاب في مواضع، وأخطأ في مواضع، ولا سيما في بعض مسائل القبور كما سبق بيانه، كما وقع منه تسامح في الحكم على بعض رؤوس المخالفين، وتوسع في إطلاق ألفاظ الإمامة والولاية والتجديد. وفي المقابل، كان شديد النقد، حاد العبارة أحياناً، يبدّع ويكفّر ويطعن في كبار المنتسبين إلى العلم والتصوف إذا ظهر له موجب ذلك. فلا يصح تصويره على أنه نموذج للتزكية المطلقة، ولا على أنه رجل رجع إلى التفويض، ولا أن تستعمل عباراته المقتطعة لتبرير مناهج حادثة. والمنهج الصحيح أن تؤخذ شخصيته العلمية كاملة: إثباته وانتقاداته، موافقاته ومخالفاته، شدته وتساهله، وما أصاب فيه وما أخطأ. والعلم عند الله تعالى.
1 194
الحافظ الذهبي بين الإثبات والتسامح والنقد
تحرير موقفه من ابن تيمية ومن المخالفين
مقتطف من شرح أبي جعفر عبد الله الخليفي لكتاب العرش للذهبي [الدرس الأول]
ــــــــــــــــــــــ
انتفع الحافظ الذهبي بشيخ الإسلام ابن تيمية انتفاعاً ظاهراً، وكان مثبتاً لصفات الله تعالى، كما يظهر من كتبه المصنفة في هذا الباب، مثل: «العرش» و«العلو» و«إثبات اليد» و«الأربعين في صفات رب العالمين»، وكما يظهر أيضاً في مصنفاته التاريخية؛ فإنه كان يتحين الفرص لإيراد نصوص السلف في الإثبات، والتنبيه على مذاهبهم في الصفات.
غير أن الذهبي كان يتوقف في بعض الألفاظ، مثل لفظ «بذاته» ولفظ «الحد»، وربما توقف في لفظ «الجلوس» ونحوه، وكان يطلق أحياناً عبارات في التوقف وطلب السلامة.
فتعلق بعض الأشاعرة بهذه العبارات، وزعموا أن الذهبي رجع عن الإثبات وصار مفوضاً، وهذا من الإسفاف العلمي؛ فإن كلام الذهبي في إثبات الصفات كثير جداً، ولا يقتصر على كتبه المبكرة، بل يظهر حتى في المجلدات المتأخرة من «سير أعلام النبلاء».
وقد فهم معاصروه وتلامذته حقيقة مذهبه؛ فالسبكي، وهو من تلامذته، كان يتهمه بالتسكع في ظلمات التجسيم، واليافعي وصفه في بعض كلامه بالحشوية والظاهرية، وكذلك عرّض به صلاح الدين الصفدي في هذا الباب. فكون الذهبي مثبتاً للصفات أمر لا يمكن نفيه ولا التلاعب به.
هل كان الذهبي تابعاً لابن تيمية في كل شيء؟
كان الذهبي معظماً لابن تيمية، شديد المحبة له، لكنه لم يكن تابعاً له في جميع المسائل، بل كانت له عليه اعتراضات، وكثير من هذه الاعتراضات كان الحق فيها مع ابن تيمية.
ومن أهم المواطن التي لم يتأثر الذهبي فيها بتحقيقات ابن تيمية: بعض المسائل المتعلقة بالقبور، كالتبرك، وشد الرحال، ودعاء الله عند قبور الصالحين، وكذلك التوسل، وإن كان التوسل أعم من أن يكون متعلقاً بالقبور وحدها.
وقد أخطأ الذهبي في جملة من هذه المسائل، ولم ينتفع فيها بما قرره ابن تيمية من التحقيقات النفيسة.
ومع ذلك، فلا يصح أن ينسب إليه إباحة الاستغاثة بغير الله؛ فمن نسب إليه ذلك فقد غلط عليه. ويظهر موقفه من ترجمته لنفيسة، حيث نبه على أن بعض ما يقع عند قبرها من الشرك.
فالواجب التفريق بين وقوعه في التساهل في بعض مسائل القبور، وبين إباحته دعاء غير الله والاستغاثة به؛ فالثاني لا يعرف عنه، بل كلامه يدل على إنكاره.
تسامحه في الحكم على بعض المخالفين
أما موقف الذهبي من المخالفين، فإنه يحتاج إلى تحرير؛ فقد كان عنده تسامح ظاهر في بعض المواطن، ومن ذلك أنه عد بعض كبار علماء الأشاعرة من المجددين، وهذا خطأ لا يقر عليه.
ومن التناقض الظاهر أنه كان ينتقد ابن تيمية بسبب ما يزعمه من اشتغاله بعلم الكلام، ثم يعد أبا حامد الغزالي مجدداً، مع أن الغزالي كان يخوض في علم الكلام خوضاً عميقاً، وبقيت عنده آثار التصوف الغالي وغيره، ولم يكن عنده في معرفة الفقه والحديث نصف ما كان عند ابن تيمية من المعرفة والتحقيق.
فالذهبي كانت تقع منه إطلاقات توسعية في المدح، وينبغي ألا تحمل هذه الإطلاقات على التزكية المطلقة.
فقد يصف رجلاً بالإمامة مع كونه من أهل البدع، كما وقع منه في ترجمة عبد الوارث بن سعيد، وكما وصف بعض المعتزلة بالإمامة، بل وصف بعض الرافضة بالولاية، ثم عاد فبدعهم وذم مذاهبهم.
ووصف ابن الجوزي بـ«شيخ الإسلام»، ثم هجم عليه وانتقده في مسائل الاعتقاد.
وهذا الأسلوب لم يكن خاصاً بالذهبي، بل سار عليه كثير من مؤرخي المتأخرين؛ فقد وصف ابن عبد الهادي ابن حزم بالإمام، ثم قال عنه إنه «جهمي جلد»، ووصف الصفدي ابن المطهر الحلي بالإمام.
فألفاظ المدح عند هؤلاء لا تنافي ألفاظ القدح، ولا يجوز أن تؤخذ كلمة «الإمام» أو «الحافظ» أو «الولي» من ترجمة الرجل ثم تجعل حكماً نهائياً على حاله، مع إهمال ما في الترجمة نفسها من التبديع أو التفسيق أو الطعن في الدين والاعتقاد.
لا بد من قراءة الترجمة كاملة
تظهر هذه الطريقة بوضوح في عدد كبير من تراجم الذهبي؛ فقد يصف الرجل بأوصاف عظيمة من العلم والزهد والعبادة، ثم يذكر في ثنايا ترجمته أنه كان يكذب، أو أنه رقيق الدين، أو ينسبه إلى أمور شديدة قد تبلغ الزندقة.
ولما انتشرت في زماننا طريقة اختزال أحوال الرجال في لفظ واحد، فُهم كلام الذهبي على غير وجهه؛ فصار بعض الناس يلتقط لفظاً من ألفاظ المدح، ويجعله تزكية مطلقة للرجل، مع أن قراءة الترجمة كاملة تكشف أن الأمر على خلاف ذلك.
ولو قرأوا عامة مؤلفات الذهبي، وفهموا طريقته في التصنيف، لعلموا أن إطلاقه لألفاظ المدح لا يعني بالضرورة سلامة الممدوح من البدعة أو الفسق أو الطعن الشديد.
وهذا التوسع اللفظي من الذهبي قد لا يقر عليه من أصله، لكنه لا يجوز أيضاً أن يحمل على غير مراده، أو أن يستعمل لتبرير سلوكيات معاصرة لم يكن الذهبي يقصدها.
والذهبي نفسه كان ينتقد من تقدمه بسبب نظير هذا التساهل؛ فقد ترجم لرجل كان داعية إلى الاعتزال، وكان الخطيب البغدادي قد وثقه، فقال الذهبي:
«وثقه الخطيب بجهل».
1 194
#خاطرة
#من_فوائد_أبي_جعفر_الخليفي
الحمد لله،
مررتُ على قوله تعالى: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾، وما يُذكر عندها من مسألة المتعة، فتذكرتُ فائدةً لشيخنا أبي جعفر حول بعض الحِكَم في نسخ الأحكام ورفع تلاوة بعض الآيات، وما في ذلك من بيان فضل هذه الأمة، وظهور رحمة الله بها وانقيادها لوحيه.
فمن حِكَم بقاء تلاوة بعض الآيات مع نسخ أحكامها تذكيرُ الأمة بنعمة الله عليها بالتخفيف ورفع المشقة، مع بقاء أجر التلاوة؛ كما في وجوب مصابرة الواحد للعشرة، ثم تخفيف ذلك إلى مصابرة الواحد للاثنين، وقد بيّن الله هذا التخفيف في الآية الناسخة فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا﴾. ومن ذلك وجوب الصدقة قبل مناجاة النبي ﷺ ثم رفع هذا الوجوب، والوصية للمتوفى عنها زوجها بالمتاع والسكنى إلى الحول، ثم نسخ ذلك بما استقر من عدة الوفاة وأحكام الميراث.
وفي المقابل، فإن رفع التلاوة مع بقاء الحكم يُظهر وجهًا آخر من فضل هذه الأمة، وهو كمال انقيادها للوحي؛ إذ إنها تعمل بالحكم الثابت وإن رُفعت تلاوته فلم يبق لفظه في المصحف. وأظهر أمثلة ذلك حكم رجم الزاني المحصن؛ فقد ثبت عن النبي ﷺ قولًا وعملًا، وعمل به الصحابة من بعده.
وقد قال عمر رضي الله عنه: «فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله»، وقال: «فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده». فدل ذلك على تمسك الصحابة بالحكم مع رفع تلاوته، بخلاف ما صنعه اليهود؛ إذ كتموا آية الرجم وأخفوها، وبدّل أحبارهم حكمها، فوضع قارئهم يده على الآية وقرأ ما قبلها وما بعدها.
وقد قال أبو الوفاء ابن عقيل في بيان حكمة رفع التلاوة مع بقاء الحكم: «إنما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة».
فاجتمع في هذين النوعين ظهور رحمة الله بالأمة وتخفيفه عنها من جهة، وظهور طاعتها وانقيادها للوحي من جهة أخرى.
ويُنبَّه في الختام إلى أن لفظ «النسخ» عند كثير من المتقدمين أوسع من مفهومه الاصطلاحي عند المتأخرين؛ فقد كانوا يطلقونه على رفع الحكم، ويدخلون فيه أحيانًا تخصيص العام، وتقييد المطلق، وبيان المجمل، ونحو ذلك. فلا يصح حمل كل ما أطلق عليه السلف لفظ النسخ على اصطلاح المتأخرين، وهو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متراخٍ.
1 194
هل كان إبليس من الملائكة أم لم يكن منهم؟ — خلاصة جامعة —
بما أن المسألة قد قُتلت بحثًا، فأضع هذا الملخص، ومن رام التوسع فلشيخنا أبي جعفر كلامٌ ومناقشاتٌ وجمعٌ في الباب:
القول بأن إبليس كان من الملائكة، أو من حيٍّ من الملائكة يُسمَّى الجن، هو القول الأشهر والأكثر في تفاسير المتقدمين، وهو المروي عن ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وقتادة، وبه قال مقاتل بن سليمان، وقد رجحه الطبري والبغوي والقرطبي، ونسبه البغوي إلى أكثر المفسرين، والقرطبي إلى الجمهور.
وأما القول بأنه لم يكن مَلَكًا قط، فهو ثابت عن الحسن البصري، ومروي عن ابن زيد وشهر بن حوشب، لكنه كان قول الأقلين في تاريخ التفسير القديم، ثم انتصر له ابن كثير انتصارًا حديثيًّا قويًّا.
هذه خلاصة جامعة لكل ما في الباب، وبالله التوفيق.
