آثار السيد محمد باقر السيستاني
الذهاب إلى القناة على Telegram
1 353
المشتركون
لا توجد بيانات24 ساعات
لا توجد بيانات7 أيام
لا توجد بيانات30 أيام
أرشيف المشاركات
أصول الفقه
قيمة العلم الإجمالي: أربعةُ احتمالات
إذا علم المكلّف إجمالاً بأنّ أحد الإناءين نجس، فما الذي يُلزمه بالاجتناب؟ أحكمٌ من العقل لا يقبل الترخيص، أم بناءٌ من العقلاء يمكن ردعه، أم تشريعٌ من الشارع ابتداءً؟ يفتتح السيد بحثه بتحرير هذه الاحتمالات قبل الترجيح بينها، وهذا من أدبه المنهجي: أن يُستوفى فضاء الأقوال أولاً.
قال سماحة السيد (دام ظله):
«وهذا البحث من أهم مباحث العلم الإجمالي على الإطلاق. ويتنقح فيه جريان الأصول العقلية المرخصة ـ وهي البراءة العقلية ـ لنتأمل في المبحث الثالث منجزية العلم الإجمالي شرعاً، من خلال التحقق من جريان الأصول الشرعية المرخصة في أطراف العلم الإجمالي وعدمه.»
ثم عدّ الاحتمالات في قيمة العلم الإجمالي:
«الاحتمال الأول: أن تكون قيمة عقلية منجزة، فلا تكاد ترتفع بالترخيص، كما لا تكون قابلاً للردع عنه.»
«الاحتمال الثاني: أن تكون قيمة عقلية معلقة على عدم الترخيص.»
«الاحتمال الثالث: أن تكون قيمة عقلائية، فتكون قابلة للردع عنها بأن يلغي الشارع اعتبار العلم الإجمالي من خلال أدلة الأصول المرخصة مثلاً»
«الاحتمال الرابع: إنكار قيمة العلم الإجمالي ومنجزيته عقلاً وعقلاءً فتكون قيمته على تقديرها شرعية تأسيسية.»
📚 المصدر: رسالة في مقتضى القاعدة في موارد العلم الإجمالي، للسيد محمد باقر السيستاني، ص٣–٤.
#أصول_الفقه #آثار_السيستاني
الفقه
كيف يُقوَّم الإجماع؟ بحثان لا بحثٌ واحد
يُساق الإجماع في كتب الفقه وكأنه كلمةٌ أخيرة، والمحقق لا يقف عند دعواه حتى يفصل سؤالين: هل انعقد الإجماع في نفسه؟ ثم: ما قيمته لو انعقد؟ وهذا نموذجٌ من تطبيق ذلك في خاتمة بحث الإجماع من مسألة إرث الزوجة من العقار.
جاء في تقرير أبحاث سماحة السيد (دام ظله):
«والحاصل من أصل الكلام في الإجماع، أنّ البحث فيه تارة بلحاظ ذاته وأخرى بلحاظ اعتباره، أمّا بلحاظ ذاته: فيصعب دعوى الإجماع التام مع توقع مخالفة صاحب كتاب التكليف وعلي بن بابويه في الرسالة والصدوق في المقنع والهداية، ولو كان ذلك من باب التخيير بين المتعارضين وأخذهم بما ينفي الحرمان. ولم نذكر مخالفة ابن الجنيد في المسألة، من جهة ما عرف من تكرر مخالفته للأخبار المستفيضة.»
ثم انتقل إلى الشقّ الثاني، وهو موضع الفائدة المنهجية:
«وأما عن قيمة الإجماع: فالظاهر أن ما هو المهم فيه هو تأييد سلامة الروايات بأسانيدها ومتونها، وهو حاصلٌ فيما نحن فيه، لأنّا نجد أن أحداً لم يطعن في أسانيدها ولا نقل مضمونها على نحو آخر غير ما وصل إلينا»
فالإجماع هنا لا يُطلب لذاته، بل لما يشهد به من سلامة النصّ عند من هم أقرب إلى عصر صدوره.
📚 المصدر: إرث الزوجة من العقار، تقرير أبحاث السيد محمد باقر السيستاني، بقلم: أحمد البستاني (نسخة أولية محدودة التداول، ١٤٣٧هـ)، ص١٨٥.
#الفقه #آثار_السيستاني
الرجال والحديث
الإعراض عن الحديث ليس تكذيباً له
يُحتجّ كثيراً بخلوّ كتابٍ من حديثٍ على ضعفه، وهي قاعدة لا يعرفها أهل الفنّ، وقد بُسط الكلام فيها في سياق الحديث عن إهمال ابن هشام وإعراض البخاري.
قال سماحة السيد (دام ظله):
«فمن النادر بين أهل السير ما صنعه ابن هشام في السيرة النبوية التي هي اختصار لسيرة ابن إسحاق، فحذفها من سيرته بعنوان التخليص والإيجاز، فأوجب التعجب من صنيعه هذا، رغم أنّ الإعراض في مثله لا يعتبر إنكاراً لهذه الواقعة عند علماء التاريخ، لكن ذلك أمر لا يجوز مثله بحال فإنّه إخلال بالمنهج وبمقتضيات الأمانة، ولا يصحّ إهمال مثل هذه الواقعة والخطبة وهي حدث جماهيري عام حضره الآلاف من المسلمين، لا سيما أنّ بناء التاريخ على ذكر الأحداث المعهودة دون المشاحّة في رجال الإسناد كما هو دأب المحدثين من أصحاب الصحاح كما هو معلوم لأهل الممارسة.»
ثم قرّر القاعدة ونبّه على أسبابٍ للإعراض غير التضعيف:
«وينبغي الالتفات في هذا السياق إلى أنّ عدم ذكر الواقعة لا يدلّ على إنكارها ونفي صحتها كما هو معروف عند أهل فنّ الحديث، إذ قد علم من خلال المقارنة والممارسة والتأمّل أنّ للإعراض عن ذكر الحديث أسباباً لدى بعض أهل الحديث كالبخاري غير الشك في صحته مثل تجنّب تمسّك أهل البدع به»
«وأيّاً كان فإنّ إهمال هذه الواقعة حالة نادرة، لكنها لا تعني ـ كما ذكرنا ـ إنكار صدورها ممن أهملها عند أهل العلم.»
📚 المصدر: واقعة الغدير (١) ثبوتها ودلالاتها، الطبعة الثانية ١٤٤٤هـ، ص٨٦–٨٧.
#علم_الرجال #الحديث #آثار_السيستاني
أصول الفقه
موضوع علم الأصول: سؤالٌ قديمٌ وجوابٌ متعدّد
من أوائل ما يُفتتح به علم الأصول السؤالُ عن موضوعه، وقد أطال الأعلام فيه النفَس بحثاً عن جامعٍ واحدٍ يلمّ شتات مسائله. وفي هذا التقرير وقفةٌ تعيد للمسألة حجمها.
جاء في تقرير أبحاث سماحة السيد (دام ظله):
«والبحث عن موضوع علم الأصول ليس بمهم، لأن امتياز علم الأصول ـ على المعروف ـ بغرضه الذي هو استنباط الحكم الشرعي لا بموضوعه، ولكنه مع ذلك يعطي انطباعاً عن نوع اهتمام هذا العلم وطبيعة مباحثه. على أنه من تطبيقات بحث موضوع العلم.»
ثم يستعرض أقسام المباحث الأصولية الأربعة ـ الألفاظ والملازمات والأمارات والأصول العملية ـ وينتهي إلى:
«والمتحصل من ذلك: أن موضوع علم الأصول هو الألفاظ المستخدمة في إفادة الحكم وشؤونه واستلزامات الحكم الشرعي والأمارات القائمة عليه وحالات الشك وفقدان الحجة.»
ثم يحاول انتزاع جامعٍ واحد، ويبيّن ما يشذّ عنه:
«ويمكن انتزاع جامع بين الأقسام الثلاثة الأولى بأن يقال: إن موضوع علم الأصول ما يمكن أن يكون أمارة على الحكم الشرعي، فإنه يمكن أن تكون للألفاظ والاستلزامات في الحكم الشرعي أو الأحكام المستلزمة له وكذا الأمارات بنوعيها ـ التأسيسية والإمضائية ـ أمارية على الحكم الشرعي.
وأما القسم الرابع ـ وهو مباحث الأصول العملية ـ فموضوعه مختلف وهو الشك أو نحوه، فيكون علم الأصول ذا موضوع متعدد.»
📚 المصدر: مباني الأصول، الجزء الأول، تقرير لأبحاث السيد محمد باقر السيستاني، بقلم: أمجد رياض ونزار يوسف، ص٩٤ وص٩٦.
#أصول_الفقه #آثار_السيستاني
أصول الفقه
حريم المعصية: في حقيقة التقوى
في سياق بحثه عن الحديث المروي في أن العبد لا يبلغ درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به البأس، يقف السيد عند معنى التقوى وسرّ الاحتياط الأخلاقي.
قال سماحة السيد (دام ظله):
«وذلك أن الإنسان إذا اعتاد أن يقترب إلى حافة المعصية وقع فيها لا محالة كثيراً، فلا بد وأن يجعل بينه وبين المعاصي مسافة، فهو يجتنب عن مجالس المعاصي خشية أن ينساق إليها، ويجتنب عن بعض الشبهات خشية أن تهون عليه المعاصي، وهكذا.
كما أن عليه أن يأتي ببعض الأمور غير الواجبة كي يُحرز التوقي منها من قبيل الذكر وقراءة القرآن وتذكر الآخرة ونحوه مما لا يجب في نفسه ولكنه مساعد على الطاعة، ومبعّد عن المعصية.»
«أما إذا كان الحديث بلسان ذكر مقتضى التقوى وحقيقتها فالأمر ظاهر، فإن حقيقة التقوى إنما هي التجنب عن المعاصي بما هي معاصي والحذر منها لا المحرمات مطلقاً وإن لم يكن ارتكابها معصية مثل الشبهات المحكومة فيها بالحلية»
ثم يبيّن ما تثمره التقوى في صاحبها، وما يفوت غيرَ المتقي:
«فيعرف بعين العقل والبصيرة إلى وجود مقدمات علمية لعدم الوقوع في المعصية، ومن ثم يراعيها كي لا يقع فيها، بينما غير المتقي لا يضبط وضعه فيقع في المعصية من حيث لا يحتسب ـ ولا يكون معذوراً ـ لأنه يقدر الاجتناب عن المعصية عند الالتفات إليها موضعياً، ولا يراعي المقدمات الممهدة لاجتنابها من تربية النفس وتزكيتها وترويضها ومحاسبتها وتأمل السنن الإلهية في الأنفس والآفاق.»
📚 المصدر: المنجزية الشرعية للعلم الإجمالي، الجزء الثالث من «الوظيفة العملية في الشبهة المقرونة بالحجة الإجمالية» (سلسلة مباحث الأصول العملية، ٣)، للسيد محمد باقر السيستاني، ص٤٧–٤٨.
#أصول_الفقه #آثار_السيستاني
الفقه
من منهج البحث الفقهي: الأدلة الأربعة وترتيبها
للمسألة الفقهية عند المحقق خريطةٌ تُرسم قبل الخوض فيها: ما أدلتها؟ وبأيّها يُبدأ؟ ولماذا؟ وهذا مثالٌ من بحث إرث الزوجة من العقار.
جاء في تقرير أبحاث سماحة السيد (دام ظله):
«وأياً كان، فينبغي البحث هنا في الأدلة الأربعة من الإجماع والكتاب والسنة والعقل. فنبحث في الأول عن مدى إجماع الأمة على خلافه، وإجماع الإمامية عليه. وإنما قدمنا بحث الإجماع لأنه هو العمدة في استبعاد هذا القول، حيث يدعى أن الأمة منذ أول الإسلام قولاً وعملاً على عدم الفرق بين الزوجة وغيرها في التوريث من العقار. ولولاه ربما لم يكن مانع من الإذعان بتخصيص الكتاب بأخبار معتبرة وفق موازين علم الحديث والرجال. على أن في التعرض للإجماع ذكراً للأقوال في المسألة، وهو مما يذكر في مقدمة البحث عادةً.
ونبحث في الكتاب عن دعوى أن دلالته ليست في حد عموم قابل للتخصيص، بل يرقى إلى حد النص الذي يمتنع الخروج عنه.
ونبحث في السنة عن الآثار الواردة عن أئمة أهل البيت»
«ومقدار نهوضها سنداً ودلالةً على الخروج من عموم الكتاب.
ونبحث في دليل العقل عمّا يدعى من أن حرمان الزوجة من الأرض خلاف الإنصاف والعدل.»
فتأمّل كيف قُدّم بحث الإجماع لكونه الأساس في ردّ هذا القول، وكيف وُزن ظاهر الكتاب بين العموم والنص، والسنة بين السند والدلالة.
📚 المصدر: إرث الزوجة من العقار، تقرير أبحاث السيد محمد باقر السيستاني، بقلم: أحمد البستاني (نسخة أولية محدودة التداول، ١٤٣٧هـ)، ص٥٤–٥٥.
#الفقه #آثار_السيستاني
العلوم العقلية
رأسُ المال: العقل الفطريّ والمكتسب، ومفاتيح التعقّل
العقل عطيّةٌ أولى تُغرس في الخِلقة، ثمّ صنعةٌ تُنمّى بالتأمّل والتجربة، وللانتفاع به مفاتيح.
قال سماحة السيد (دام ظله):
«وليعلم أن العقل اثنان: عقل فطري، وآخر مكتسب..»
«فالفطري منه: ما جهز به الإنسان في أصل خلقه وتميّز به عن البهائم من قوة يدرك بها مقدمات الأشياء وعواقبها ويوازن بين نفعها وضررها، وضمير انطوى عليه يدرك به محاسن الأفعال ومقابحها.»
«والمكتسب منه: تنمية لما غرس فيه بالتفكير الدائب والتأمل السليم ومزاولة الحياة والاعتبار بالتجارب والحرص على معرفة الحق والحقيقة.»
ومن مفاتيحه الأربعة التثبّت:
«٢ ــ التثبت والحذر، فإن الله خلق الإنسان وهو لا يعلم شيئاً، فهو على هذه الصفة حتى يتعلم، فلا ينبغي أن يتعجل في الحكم ويتسرع في الاستنتاج ويتساهل في الإثبات، ويستحي من التوقف ريثما تتضح الرؤية وينضج التقدير ويستحكم الرأي, وعلم الإنسان بجهله نصف علمه، حيث يتأتّى له التعلم والحذر والاحتياط، ومن جهل بجهله فقد جهل الشيء مرتين وعجز عن أن يتعلم أو يحذر، فارتكب الخطأ ووقع في الخطيئة.»
📚 المصدر: «أهمية التعقل» (وفيها فصل «مفاتيح التعقل»)، قناة المعرفة الدينية على تليجرام، ٣٠/٥/٢٠٢٠م، ص١–٢.
#العلوم_العقلية #آثار_السيستاني
أصول الفقه
الفقاهة في فهم الكلام: نصف الفقه أو يزيد
يعتمد الفقيه على مصدرين عقلائيين كثيراً ما يُخلط بينهما: الفهم العرفي للخطاب، وسيرة العقلاء في سلوكهم. وللسيد تمييز دقيق بين مجال كلٍّ منهما.
قال سماحة السيد (دام ظله):
«قلت: لا ريب في مسلمية قيام الحجة الإجمالية فيما نحن فيه على الإجمال إلا أن التمسك الإجمالي عليه بالسيرة العقلائية لا يخلو عن مسامحة، لأن المسألة تتعلق بالفهم العرفي لا بالسيرة العقلائية، والفرق بين مجاليهما ظاهر، فما يتعلق بفهم الخطاب إثباتاً يحكم فيه الفهم العرفي، لكن ليس المقصود هو العرف بمستواه العام بالضرورة بل العرف اللائق بمستوى الكلام، فإذا كان الكلام ذكياً لزم في فهمه العرف الذكي الفطن والفقيه العارف بأساليب الكلام وتصاريفه ومغزاها»
ثم استشهد بالحديث النبوي المعروف، وعقّب عليه:
«((رب حامل فقه وليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)). فالفقاهة في فهم الكلام نصف الفقه الاستدلالي أو يزيد.»
ثم يبيّن ميدان السيرة العقلائية:
«وأما مجال سيرة العقلاء فإنما هي الأحكام والقوانين، فإن العقلاء بما هم عقلاء يجرون على قوانين غير مدونة فإن لم يردع عنها الشارع كانت حجة على الحكم الشرعي.»
📚 المصدر: الحجج الإجمالية: منجزية غير العلم ومعذريتها، الجزء الثاني من «الوظيفة العملية في الشبهة المقرونة بالحجة الإجمالية» (سلسلة مباحث الأصول العملية، ٣)، للسيد محمد باقر السيستاني، ص٢٣٤.
#أصول_الفقه #آثار_السيستاني
الرجال والحديث
التواتر الحق والتواتر الموهوم
ليست كثرة الطرق وحدها دليلَ التواتر؛ فقد ترجع الطرق الكثيرة إلى أصل واحد.
قال سماحة السيد (دام ظله):
«الطريق الثاني: هو الطريق الروائي المنقول على سبيل التواتر، والمراد به أن تتعدد حكاية الخبر من طرق متعددة يوثق بأنّها لا تنشأ عن أصل واحد، وقد اقتفى بعضهم أثر بعض آخر.»
وفي المعنى نفسه قال في موضع آخر:
«هذا، ولا بد في الخبر المتواتر من انفصال أخبار الرواة وعدم احتمال اقتباس بعض الأخبار من أخبار أخرى، حيث إنّ حدوث مثل ذلك يضعف من قيمة الأخبار المنقولة ويوجب عدم الثقة بصدورها في كثير من الأحيان.»
فالعبرة في التواتر باستقلال الطرق لا بعددها، ولا يتبين ذلك إلا لمن عرف تاريخ الحديث وطبقات رواته وأحوالهم.
📚 المصدر: واقعة الغدير (١) ثبوتها ودلالاتها، الطبعة الثانية ١٤٤٤هـ، ص٩٥؛ ومنهج البحث والتحري في شأن الإمام المهدي (سلسلة الإمام المهدي في مدرسة أهل البيت ١)، الطبعة الثانية ١٤٤٣هـ، ص١٠١.
#علم_الرجال #الحديث #آثار_السيستاني
الفقه
الثابت والمتغيّر في التشريع
كيف تبقى الشريعة ثابتة الأصول وهي تواكب تبدّل الأزمنة والأحوال؟ الجواب في التمييز بين ما هو من الدين نفسه، وما يضعه الحاكم الشرعي تدبيراً للشأن العام.
قال سماحة السيد (دام ظله):
«قاعدة ٢٢: ينقسم التشريع الديني إلى تشريع ثابت وتشريع متغير:
١ - فالتشريع الثابت ما يكون جزءاً من الدين»
وعلّق على التشريع الثابت في الهامش:
«وهو على حد التشريع الدستوري في القوانين الوضعية المعاصرة حيث إنه يمثل تشريعاً ثابتاً، لكن ثبات التشريع الدستوري في بعض الدول ليس مطلقاً، بل يمكن تغييره بآليات خاصة.»
ثم قال في المتن:
«٢ - وأما التشريع المتغير فهو ما يضعه الحاكم الشرعي رعاية للمصالح والمفاسد المتغيرة باختلاف الأزمنة والظروف والأحوال تدبيراً للوضع العام، ويندرج فيه التشريع المؤقت المحدودة منذ البداية بمدة معينة أو إلى غاية خاصة، ولا بدّ في نفوذ هذا التشريع أوّلا من مشروعيّة الحاكم الواضع للتشريع، وثانياً أن لا يكون هذا التشريع مخالفاً للتشريعات الثابتة؛ إذ لا ولاية لأحدٍ على رفع تلك التشريعات وتحديدها، وفي هذا القسم من التشريع تندرج تشريعات الدولة في العصر الحاضر شريطة كونها مشروعة فعلاً.
وهذا النحو من التشريع على مراتب:
١ - التشريع التقنيني، وهو مادة تشريعية قابلة للتغيير متممة للتشريع الأساسي.
٢ - التشريع الإجرائي، وهوما يمارسه الحاكم المشروع لأجل تدبير أمور الناس وفق الشرع مثل تعيين الوزراء والولاة على المدن وتدبير صلاحياتهم كجعل الإمام علي (عليه السلام) مالك الأشتر والياً على مصر، ثم تكون التعليمات الصادرة من مالك ومن يعينه مالك للمناصب المختلفة من جملة المراتب النازلة لهذا التشريع.»
📚 المصدر: الفقه والحياة، قناة المعرفة الدينية على تليجرام، نُشر في ١٦/٦/٢٠٢٦، ص٣٢–٣٣، والهامش (٣) ص٣٢.
#الفقه #آثار_السيستاني
العلوم العقلية
في قيمة الاحتمال: متى يكون الظنّ في وزن اليقين؟
ليس كلّ احتمالٍ ضعيفٍ يُطرح؛ فالعقلاء يزنون الاحتمال بخطورة المحتمَل وبما يمكن أن يُفضي إليه البحث.
قال سماحة السيد (دام ظله):
«(الأول): أنّ القيمة الفطريّة للاحتمال قبل استيفاء الفحص عن المؤشّرات في قوّة قيمة ما يحتمل أن يبلغه من الاحتمال في أثر البحث، فإذا كان يحتمل بلوغ الاحتمال بالفحص درجة العلم فالمفروض أن يعتدّ به كما يعتدّ بالعلم،»
ومن ثَمّ كان النفي في الأمور الخطيرة أحوجَ إلى التحرّي من الإثبات:
«والرؤية العقلانيّة الفطريّة تقضي بأنّ اتّخاذ الموقف المخالف للاحتياط لا يكون حكيماً إلّا بمزيد من التحقّق والتحرّي عن احتمال الضرر بما يناسب مدى خطورة الضرر المحتمَل، وإلّا كان ذلك تقصيراً معرفيّاً وسلوكيّاً تجاه الضرر المحتمَل، وهذا على الإجمال أمرٌ مشهود.»
وميزان ذلك كلّه في النفس:
«فظهر بما تقدّم: أنّ المؤهّلات الحِكميّة للمرء دخيلة في وصوله إلى الحقيقة، ومَن لم يتساوَ اهتمامه بإدراك الأشياء بحسب نسبتها في الأهمّيّة والخطورة، ولم يُنَزِّل كلّ واحدٍ منها منزلته فأطال البحث في الأمور الاعتياديّة، وتسرّع في الأمور الخطيرة فإنّه لم يعمل بروح الحكمة، وتحمّل مسؤوليّة صنيعه ـ بطبيعة الحال ـ.»
📚 المصدر: منهج التثبّت في الدين (٤): القواعد الفطرية العامة للمعرفة الإنسانية والدينية، ص٣٠١–٣٠٣.
#العلوم_العقلية #آثار_السيستاني
أصول الفقه
لماذا يحرّكنا اليقين؟ القطع والوقع النفسي
القطع (اليقين) أساس الحجية في علم الأصول، والمعروف أنه يُتَّبع لأنه طريق كاشف عن الواقع. ولسماحة السيد تحليل أعمق يردّ تأثير اليقين في السلوك إلى فطرة النفس.
قال سماحة السيد (دام ظله):
«والصحيح تحليل محركية القطع على أساس الوقع النفسي (الفطري).
توضيح ذلك: إن للقطع محركية تكوينية نفسية وعقلية.
أما المحركية التكوينية فهي تعتمد على الوقع النفسي لما يدرك من قبل العقل.
وهذا الوقع النفسي على درجتين ..
الأولى: الوقع النفسي الشديد الذي يستتبع الفعل قهراً على سبيل الاستجابة النفسية، فإن الله سبحانه وتعالى جعل للإنسان بحسب قواه استجابات مختلفة بالنسبة إلى الأشياء، فإذا جزم بشيء توقاه، وإذا أمن من شيء ارتكبه، وإذا رغب في شيء سعى إليه.»
وأما الدرجة الثانية فهي التي تبقى معها حرية الإنسان:
«الثانية: الوقع النفسي الأخف الذي لا يسلب الاختيار، لكنه يمثل داعياً على أساس الجاذبيات النفسية، كالشهوة والغضب والمصالح والمفاسد. وترتب التحرك على ذلك يكون على أساس الوقع النفسي الاقتضائي»
📚 المصدر: رسالة في مقتضى القاعدة في موارد العلم الإجمالي، للسيد محمد باقر السيستاني، ص٧.
#أصول_الفقه #آثار_السيستاني
الرجال والحديث
نقد المتن: موازين تمحيص مضمون الحديث
لم يقف أهل الحديث من الإمامية عند النظر في الأسانيد، بل وزنوا المتون أيضاً بموازين مأخوذة عن أئمة أهل البيت.
قال سماحة السيد (دام ظله):
«وثالثاً: أنهم أهل تمحيص مضموني للأحاديث، من خلال عدة موازين ..
منها: تقييم الحديث من جهة عدم مصادمته لثوابت الدين المتمثلة في القرآن الكريم، وذلك مما وجّه إليه أئمة أهل البيت»
«ومنها: حذرهم من الغلو والتخليط، ويقصدون بالغلو إثبات مراتب ومقامات للأنبياء والأوصياء هي من شأن الإله، أو تخالف ثوابت الكتاب والسنة، أو لم تقم عليها حجة شرعية. كما يقصدون بالتخليط الأفكار المزيفة التي كان يحوكها بعض المدّعين للمراتب المعنوية حول العوالم الروحانية والغائبة»
«ومنها: مقايسة أحاديث الرجال بالأحاديث الثابتة والمشهورة، والتوقف في الروايات الغريبة والشاذة، ولذا تجدهم ينعتون بعض الرجال بأنه (مضطرب الحديث)، أو (حديثه يعرف وينكر)، أو (يروي أحاديث منكرة) إلى غير ذلك.»
ثم قال مُجمِلاً:
«والحاصل: أن الشيعة كانوا أهل حديث ونقد وتمحيص للرجال ومتون الأحاديث على اختلاف اتجاهاتهم.»
📚 المصدر: منهج البحث والتحري في شأن الإمام المهدي (سلسلة الإمام المهدي في مدرسة أهل البيت ١)، الطبعة الثانية ١٤٤٣هـ، ص١٤٧–١٤٨.
#علم_الرجال #الحديث #آثار_السيستاني
الفقه
طريقان إلى معرفة الحكم: اليقين والاجتهاد
ليست أحكام الدين كلها على درجة واحدة من الظهور؛ فمنها ما يعرفه كل مسلم، ومنها ما لا يُنال إلا بنظر المتخصص، ومن هنا نشأ الاجتهاد والتقليد.
قال سماحة السيد (دام ظله):
«قاعدة ٢٤: أن الطريق إلى إثبات التشريعات الدينية على نوعين:
١ - الطريق اليقيني الذي يؤدي إلى ثبوت التشريع في الدين بلا حاجة إلى إعمال تخصص نظري في العلوم الشرعية من جهة النص القرآني الثابت عليه، مثل وجوب الصلاة، أو نصوص نبوية متواترة، أو سيرة تاريخية يقينية، كما في عدد ركعات الصلاة.
٢ - الطريق الاجتهادي، وهو ما يتوقف اكتشاف ثبوت التشريع في الدين على التخصص النظري في علوم الشريعة، وهذا القسم يتعين على الإنسان المتشرع أن يرجع فيه إلى خبير موثوق لتحديد الموقف الشرعي، ويعبّر عن الخبير بالفقيه والمجتهد، كما يعبّر عن رأي الفقيه بالإفتاء، ويعبّر عن رجوع الإنسان غير المتخصص إلى الخبير المتخصص بالتقليد.»
ويتفرع على ذلك واجبُ التعلّم:
«يجب على الإنسان تعلم التعليمات التشريعية التي هي مظنة ابتلائه في الحياة، ويتوقف الاطلاع على التشريعات الدينية نوعاً لأكثر الناس على الاعتماد على أهل العلم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾»
📚 المصدر: الفقه والحياة، قناة المعرفة الدينية على تليجرام، نُشر في ١٦/٦/٢٠٢٦، ص٣٤–٣٥.
#الفقه #آثار_السيستاني
العلوم العقلية
ميزان المؤشّرات: كيف يُحكَم حين تتعارض الدلائل؟
قلّما تصفو مسألةٌ من شوائب الإبهام؛ فالعاقل لا يطلب صفاءً تامّاً، بل يزن الأدلّة ويأخذ بأرجحها.
قال سماحة السيد (دام ظله):
«ووجود المؤشّرات المتناقضة في الموضوع الواحد هو الذي يولّد التشابه والإبهام في كثير من المسائل، ممّا يقتضي التدقيق فيها حتى لا يقع الإنسان في التفريط بالأخذ بالمؤشّر الأضعف وترك المؤشّر الأقوى، كما أنّه يوجب أن يستطيع الإنسان في حال رغبته عن الحقيقة أن يجادل بشأنها، تمسُّكاً بالشبهات التي يصطنعها؛ ومن ثَمَّ نجد أنّ كلًّا من الطرفين في الخلافات الفرديّة والأسريّة والاجتماعيّة والدينيّة والسياسيّة وغيرها لا يفقد حجّةً يحتجّ بها ويوجّه مدّعاه على أساسها ـ وإن كان الواقع لا يسع إلّا لحقٍّ واحدٍ ـ حتّى كأنّ سُنن هذه الحياة سُنّت على نحوٍ يكون من قصَد الحقّ واهتمّ به حقّ اهتمامه مظنّةً لأن يجد الدليل عليه، ومن أعرض عنه تكاسلاً كان أم عناداً يجد في الغالب شبهةً يشبِّه بها على نفسه ويزعم أنّ ما يقوله هو الحقّ.»
وهذه الموازنة ليست صناعةً مكتسبة، بل هي من منطق الفطرة:
«وهذه القاعدة هي على حدّ القواعد السابقة من جملة الأمور الفطريّة التي يجري عليها كلّ إنسانٍ بفطرته دون تكلف، فهي جزء من المنطق الفطريّ للإنسان، حيث إنّه يوازن بفطرته بين الأشياء ويختار أقواها ما لم يتكاسل أو يغلب عليه الهوى، بلا فرق بين الأمور الفرديّة والأسريّة والاجتماعيّة وغيرها.»
📚 المصدر: منهج التثبّت في الدين (٤): القواعد الفطرية العامة للمعرفة الإنسانية والدينية، ص١٨٤.
#العلوم_العقلية #آثار_السيستاني
أصول الفقه
القرآن الكريم حارسُ العربية
اللغات تتبدل مع الزمن كما تتبدل العادات، حتى تغدو نصوصها القديمة غريبة على أبنائها؛ فما الذي حفظ للعربية بقاءها قريبة من لسان القرآن بعد أربعة عشر قرناً؟
جاء في تقرير أبحاث سماحة السيد (دام ظله):
«والذي يقتضي ذلك هو طبيعة اللغة باعتبارها بعداً نفسياً للإنسان، فهي بهذا الاعتبار ظاهرة اجتماعية حية شأنها شأن سائر الجوانب النفسية من العادات والتقاليد والآداب وغيرها من الظواهر الحية، والتي يمتنع فيها الثبات بل هي في تغيّر دائم.»
«كما أن للنصوص الثابتة وأهمها النصوص المقدسة في الأديان دوراً كبيراً في الحفاظ على ثبات اللغة من حيث السعي إلى تعارف النص والتواصل معه والحفاظ على حيويته، فيمثّل نسقاً لغوياً محفوظاً. ففي اللغة العربية شكّل القرآن الكريم والنصوص النبوية من جهة وشدة تواصل المسلمين مع القرآن المجيد والآثار المروية حفظاً وكتابة من جهة أخرى عاملاً في عدم تطورها تطوراً واضحاً.
مضافاً إلى حيلولة علماء اللغة العربية دون تطورها، وذلك بعدم الإذعان بما يستحدث من هيئات ومواد بين الناس رغم كثرتها حتى أصبحت لهجات مختلفة كاللهجة العراقية والمصرية. ولولا ذلك لصار القرآن الكريم ونصوص السنة النبوية نصوصاً تاريخية غير مفهومة كما هو الحال في نصوص بعض الكتب المقدسة لدى الديانات الأخرى.»
📚 المصدر: مباني الأصول، الجزء الأول، تقرير لأبحاث السيد محمد باقر السيستاني، بقلم: أمجد رياض ونزار يوسف، ص٣٦٨.
#أصول_الفقه #آثار_السيستاني
الرجال والحديث
الخبر الموثوق: حين تشهد القرائن لما لم تكفِ فيه وثاقة الناقل
ليس السند وحده طريقَ الاطمئنان إلى الخبر؛ فللقرائن المحتفّة به شأنٌ لا يقل عنه.
قال سماحة السيد (دام ظله):
«الأساس الثاني: أن يحصل الوثوق بصحة النقل من خلال مساعدة القرائن على ذلك، وإن لم يكن مستوى الثقة بشخص الناقل كافياً في حصول الوثوق بما ينقله، وهذا ما يعرف لدى الأصوليين والفقهاء بحجية الخبر الموثوق.
ومن أمثلة هذه القرائن التي تساعد على حصول الوثوق ـ ولو باجتماع عدد منها ـ ما يأتي ..
١ـ أن يكون المضمون المنقول مميزاً ومتلائماً مع المنقول عنه جداً.
٢ـ أن يكون المنقول متلائماً مع السنن العامة والغالبة وطبائع الأمور والأشخاص في الحالات المماثلة.
٣ـ أن لا يكون هناك داعٍ ظاهر للناقل إلى الوضع والاختلاق.
٤ ـ ما لو كان الناقل يتضرر بالكذب لارتباط مصلحته بمصلحة من ينقل له، وفي مثله جاء في القول العربي المعروف: (الرائد لا يكذب أهله)، فالرائد من تبعثه القبيلة من أفرادها ليبحث عن مواضع الكلأ والماء فيخبر أهله، فإنه لا يكذب، لأن مصلحته من مصلحة قبيلته، كما إن كذبه ينكشف إذا ذهبوا إلى المكان الذي أخبرهم عنه وهو معهم.»
فالقرائن لا تُغني عن النظر في الراوي، ولكنها تجبر ما قصر فيه، وقد يبلغ اجتماعها بالخبر حدَّ الاطمئنان وإن لم يكن ناقله في أعلى مراتب الوثاقة.
📚 المصدر: منهج البحث والتحري في شأن الإمام المهدي (سلسلة الإمام المهدي في مدرسة أهل البيت ١)، الطبعة الثانية ١٤٤٣هـ، ص١٠١.
#علم_الرجال #الحديث #آثار_السيستاني
الفقه
حاجة الإنسان إلى الشريعة فيما وراء الفطرة
من الأحكام ما يستقلّ العقل بإدراكه، ومنها ما يقصر عنه نظر الناس لخفاء عواقبه؛ وهنا تظهر الحاجة إلى تشريعٍ يصدر عن علمٍ محيط بالإنسان.
قال سماحة السيد (دام ظله):
«قاعدة ٢١: أن التشريع الذي يحتاجه الإنسان لتنظيم حياته على قسمين:
١ - ما جهز به الإنسان على وجهٍ عام، وهو ما يوجد فيه قضاء عقلي على أساس الحكمة الواجبة أو الخلق الواجب.
٢ - ما ليس بهذه المثابة فليس هناك إدراك عقلي عام تجاهه، بل لا بد فيه من تحري مقتضى الصلاح الفردي والاجتماعي العام مِن قِبَل مَن يكون أكثر وعياً وتفطناً للسنن النفسية والاجتماعية ومآلات الأمور ومضاعفاتها.»
ثم قال:
«وحاجة الإنسان إلى هذا القسم الثاني من التشريع أمر بديهي يدركه الناس عموماً، ولهذا يتفق العقلاء على ضرورة اعتماد شخص أو مجموعة أشخاص لأجل التشريع اللازم في ما وراء مساحة الأحكام الفطرية الواضحة وفق المصالح العامة.
وتمثل الشريعة الإسلامية التشريع المعتمد في الدين لتحري الإنسان لصالحه في تلك الموارد وفق أسس حكيمة تكون أقرب للقيم الفطرية؛ إذ كان مشرعها الله سبحانه الذي خلق الإنسان وهو أعلم به من نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾»
📚 المصدر: الفقه والحياة، قناة المعرفة الدينية على تليجرام، نُشر في ١٦/٦/٢٠٢٦، ص٣١–٣٢.
#الفقه #آثار_السيستاني
العلوم العقلية
لكلّ حادثٍ سبب: القاعدة التي يقوم عليها الكون والعقل
إذا نُظر في نشأة المادّة لم يبقَ إلا ثلاثة احتمالات: أن تحدث بلا سبب، أو أن تكون قديمة أزليّة، أو أن يكون لها خالق. وفي الاحتمال الأوّل:
قال سماحة السيد (دام ظله):
«أمّا (الاحتمال الأوّل) ـ وهو احتمال حدوث الشيء من غير علّة ـ فهو غير وارد عقلاً؛ لأنّ قاعدة (حاجة كلّ شيء حادث إلى سبب يكون وراء وجوده بعد عدمه) تمثّل القاعدة الأساس لجميع قواعد الكون والحياة في تطوّرها وتغييرها كما أنّها تمثّل أساس كلّ إدراك وسلوك إنسانيّ، فالإنسان لا يكتشف سنن الحياة العامّة والخاصّة التي تبيَّن في العلوم وغيرها كالفيزياء والكيمياء والأحياء إلّا على أساس انتظام الحياة والكون وفق نظام الأسباب والمسبّبات، كما أنّ كلّ سلوك إنسانيّ فهو ينطلق إلى غاية يُراد بلوغها، وبذلك يبتني على كون السلوك سبباً للوصول إليها، فحاجة كلّ أمرٍ حادثٍ إلى علّة هي قاعدة الكون والحياة في كلّ ما يحدث ويستجدّ فيها، كما هي قاعدة الإدراك والسلوك الإنسانيّ الواعي منذ الطفولة فما بعدها.»
ثمّ يكشف أنّ المنكر نفسه لا يستغني عن هذه القاعدة:
«وعليه: فإنّ احتمال حدوث شيء بلا سبب ينشأ عن عدم الوعي بهذه القضيّة، بل إنّ هذا القائل ينطلق في قوله هذا من قاعدة (أنّ لكلّ شيء حادث علّة)؛ إذ يريد التوصّل من خلال قوله إلى إيجاد قناعة لدى المخاطب، كما أنّه إذا كان متخصّصاً في حقلٍ ما فهو يعمل على أساس اكتشاف العلل الفيزيائيّة والكيميائيّة وغيرها حسب مجال تخصّصه، وكذلك يجري في سائر شؤون حياته الشخصيّة والأسريّة والاجتماعيّة على هذا المبدأ؛ فلا يقبل من أحدٍ أن يقول في تبرير سلوكٍ أو حادثٍ إنّه حدث من غير علة.»
📚 المصدر: منهج التثبّت في الدين (٤): القواعد الفطرية العامة للمعرفة الإنسانية والدينية، ص١٥٨.
#العلوم_العقلية #آثار_السيستاني
أصول الفقه
في نشأة اللغة: شرارةٌ إلهية ونموٌّ بشريّ
من المسائل التي يطرقها الأصوليون في مبحث الوضع: من الذي وضع اللغة؟ أهو الله تعالى أم الإنسان؟ وقد يُظن أنها مسألة لا ثمرة لها، غير أن للسيد فيها نظراً يوسّع أفق الباحث.
جاء في تقرير أبحاث سماحة السيد (دام ظله):
«فاللغة في الحقيقة هي حالة متكوّنة بنحو تدريجي في طيّ آلاف السنين، ومثلها في ذلك مثل المعادن وغيرها من الكائنات الطبيعية. فنشأة اللغة ـ بمعنى أوضاع ألفاظها الأولية ـ ليست حيثية تعليلية بحتة لها بل هي متمثلة فيها تمثلاً ذكياً في صورة ركام من المعاني والإيحاءات والخصوصيات المختلفة، كما هو الحال في المعادن الطبيعية.»
ثم يفرّق بين بداية الظاهرة اللغوية وبين الألفاظ التي نعرفها اليوم:
«وكيف كان فالتحقيق: أن الكلام يقع تارة عن نشأة ظاهرة اللغة، بمعنى الشرارة التي أوجبت انبثاق اللغة. وأخرى في نشأة الألفاظ اللغوية المشهودة في اللغات المختلفة.
أما في ما يتعلق بنشأة ظاهرة اللغة فمن المحتمل أن حدوث هذه الشرارة إنما كان بإلهام وتعليم من قبل الله سبحانه وتعالى، خاصة بعد فرض أن بداية الحياة البشرية كان بأمر إلهي وأن أول إنسان على وجه الأرض كان نبياً من أنبياء الله عز وجل مخاطباً من قبله جلّ جلاله»
«وأما في ما يتعلق بنشأة الألفاظ اللغوية فإنه لا شك في أن الألفاظ اللغوية المشهودة في اللغات المختلفة قد نشأ كثير منها بالوضع التعيّني وما يشبهه من سبل تطور الألفاظ والمعاني»
📚 المصدر: مباني الأصول، الجزء الأول، تقرير لأبحاث السيد محمد باقر السيستاني، بقلم: أمجد رياض ونزار يوسف، ص٣٦٣ وص٣٦٦–٣٦٧.
#أصول_الفقه #آثار_السيستاني
