مَرَاقِيْ الْهُدَى
الذهاب إلى القناة على Telegram
الْوَعْظُ- التَّذْكِيْرُ- الْأَدَبُ- التَّارِيْخُ- وَفُنُوْنٌ شَتّى.
إظهار المزيد398
المشتركون
لا توجد بيانات24 ساعات
+57 أيام
+630 أيام
أرشيف المشاركات
الْفارِسُ: عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ الزُّبَيْدِيُّ الْمَذْحِجِيُّ (4)مَعْرَكَةُ الْقَادِسِيَّةِ
شَهِدَ عَمْرٌو الْقَادِسِيَّةَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَسِتِّ سِنِينَ، وَكَانَ يَمُرُّ بِالصُّفُوفِ وَيَزْأَرُ: («يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، كُونُوا أُسُودًا أَشِدَّاءَ؛ فَإِنَّ الْفَارِسِيَّ إِذَا أَلْقَى رُمْحَهُ يَئِسَ»).
1. مَصْرَعُ الأُسْوَارِ وَسَلَبُهُ
رَمَى أُسْوَارٌ -مِنْ نُخْبَةِ رُمَاةِ الْفُرْسِ- عَمْرًا بِنَشَّابَةٍ فَوَقَعَتْ فِي دِرْعِهِ، ثُمَّ عَقَرَ فَرَسَهُ، فَحَمَلَ عَمْرٌو رَاجِلًا وَاعْتَنَقَهُ كَالْجَبَلِ فَذَبَحَهُ. ثُمَّ نَزَعَ سَلَبَهُ -مَا مَعَ الْمَقْتُولِ مِنْ ثِيَابٍ وَزِينَةٍ وَسِلَاحٍ- سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ وَقَبَاءَ دِيبَاجٍ، وَعَادَ لِلْمُسْلِمِينَ يَلْمَعُ الذَّهَبُ فِي يَدِهِ وَهُوَ يَرْتَجِزُ:
أَنَا أَبُو ثَوْرٍ وَسَيْفِي ذُو النُّونْ أَضْرِبُهُمْ ضَرْبَ غُلَامٍ مَجْنُونْ
يَا لَزُبَيْدٍ إِنَّهُمْ يَمُوتُونْ
ثُمَّ صَرَعَ فَارِسًا آخَرَ، وَأَنْشَدَ:
أَلْمِمْ بِسَلْمَى قَبْلَ أَنْ تَظْعَنَا ... إِنَّ لَنَا مِنْ حُبِّهَا دَيْدَنَا
قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَجَارَاتُهَا ... مَا قَطَّرَ الْفَارِسَ إِلَّا أَنَا
شَكَكْتُ بِالرُّمْحِ حَيَازِيمَهُ ... وَالْخَيْلُ تَعْدُو زِيَمًا بَيْنَنَا
اخْتِبَارُ الْخَيْلِ وَاقْتِحَامُ الْجِسْرِ
عِنْدَ عُبُورِ النَّهْرِ، اخْتَبَرَ عَمْرٌو الْخَيْلَ بِشَدِّ عُكْوَةِ ذَنَبِهَا إِلَى الْأَرْضِ لِيَخْتَارَ أَقْوَاهَا. ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «إِنِّي حَامِلٌ وَعَابِرٌ الْجِسْرَ، فَإِنْ أَسْرَعْتُمْ بِمِقْدَارِ جَزْرِ الْجَزُورِ وَجَدْتُمُونِي أُقَاتِلُ، وَإِنْ أَبْطَأْتُمْ وَجَدْتُمُونِي قَتِيلًا».
انْغَمَسَ وَسْطَهُمْ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ بَنُو زُبَيْدٍ وَجَدُوهُ صَرِيعًا وَهُوَ يُمْسِكُ بِرِجْلِ فَرَسِ فَارِسِيٍّ بِقُوَّةٍ فَلَا تَسْتَطِيعُ الْحَرَكَةَ! فَهَرَبَ الْعِلْجُ، وَرَكِبَ عَمْرٌو فَرَسَهُ وَقَالَ: «أَنَا أَبُو ثَوْرٍ! كِدْتُمْ وَاللَّهِ تَفْقَدُونَنِي، رُمِيَ فَرَسِي فَشَبَّ فَصَرَعَنِي وَعَارَ».
مِنْ بَطُولَاتِهِ فِي الْمَعْرَكَةِ
الْقِتَالُ رَاجِلًا: يَرْوِي نِيَارُ بْنُ مُكْرَمٍ أَنَّهُ رَأَى عَمْرًا يَرْبُطُ مِقْوَدَ فَرَسِهِ فِي حِقْوِهِ وَيُقَاتِلُ الفُرْسَانَ رَاجِلًا.
الْمُوَاجَهَةُ مَعَ رُسْتُمَ: شَدَّ عَمْرٌو عَلَى رُسْتُمَ وَهُوَ فَوْقَ فِيلِهِ، فَجَذَمَ عُرْقُوبَيِ الْفِيلِ، فَسَقَطَ بِمَنْ عَلَيْهِ. ثُمَّ كَانَ مَصْرَعُ رُسْتُمَ وَهَزِيمَةُ الْفُرْسِ.
أَبْلَى عَمْرٌو فِي القَادِسِيَّةِ بَلَاءً حَسَنًا شَهِدَ بِهِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ.
الْفارِسُ: عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ الزُّبَيْدِيُّ الْمَذْحِجِيُّ (3) قِصَّةُ إِسْلَامِهِ وَوُفُودِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ
الدَّعْوَةُ وَالنَّصِيحَةُ: لَمَّا انْتَشَرَ الْإِسْلَامُ فِي الْيَمَنِ، أَرَادَ عَمْرٌو أَلَّا يَسْبِقَهُ أَحَدٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَدَعَا ابْنَ أُخْتِهِ "قَيْسَ بْنَ مَكْشُوحٍ الْمُرَادِيَّ" لِلْمَبَادَرَةِ بِالْإِسْلَامِ قَبْلَ "فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ" كَيْ لَا يَنَالَ الرِّئَاسَةَ دُونَهُمَا، فَأَبَى قَيْسٌ وَسَفَّهَ رَأْيَهُ.
الْمَسِيرُ وَالْعِتَابُ: انْطَلَقَ عَمْرٌو وَحْدَهُ نَحْوَ الْمَدِينَةِ وَهُوَ يَعْتِبُ عَلَى قَيْسٍ لِتَفْوِيتِهِ الْفُرْصَةَ، فَقَالَ:
أَمَرْتُكَ يَوْمَ ذِي صَنْعَاءَ أَمْرًا بَيِّنًا رَشَدُهْ
أَمَرْتُكَ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ تَأْتِيهِ وَتَتَّعِدُهْ ([1])
فَكُنْتَ كَذِي الْحُمَيِّرِ غَرَّهُ مِنْ أَيْرِهِ وَتَدُهْ
الْوُفُودُ وَالْمُقَابَلَةُ: قَدِمَ عَمْرٌو فِي "عَامِ الْوُفُودِ" (السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ) مَعَ رِجَالٍ مِنْ قَبِيلَتِهِ، فَنَزَلَ ضَيْفًا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَكْرَمَهُ.
الْإِسْلَامُ: دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ: («حَيَّاكَ اللَّهُ، إِلهَكَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ!») ([2])، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: («إِنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَآَمِنْ بِاللَّهِ يُؤْمِنْكَ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ»). وَلَمَّا وَصَفَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ هَوْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ عَمْرٌو: («إِنِّي أَسْمَعُ أَمْرًا عَظِيمًا!»)، ثُمَّ أَسْلَمَ وَبَايَعَ عَلَى قَوْمِهِ.
([1]) تَتَّعِدُهْ: تَعِدُهُ بِالطَّاعَةِ وَتَلْتَزِمُ بِأَمْرِهِ.
([2]) أَبَيْتَ اللَّعْنَ: تَحِيَّةُ الْمُلُوكِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
([15]) قَطَاطِ: حَسْبِي وَكَفَانِي (أي كَفَانِي قَتْلُ سَادَتِكُمْ).
([16]) يَعَاطِ: التَّرَاضِي وَالْمُعَاطَاةُ فِي الصُّلْحِ.
الْفارِسُ: عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ الزُّبَيْدِيُّ الْمَذْحِجِيُّ (2) * قِصَّةُ مَقْتَلِ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ وَانْتِقَالُ الرَّئَاسَةِ إِلَيْهِ
سَبَبُ الْمَقْتَلِ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ فِي مَجْلِسِ شَرَابٍ مَعَ بَنِي مَازِنٍ، فَتَغَنَّى عَبْدٌ لِمُخَزَّمٍ الْمَازِنِيِّ بِامْرَأَةٍ مِنْ زُبَيْدٍ، فَلَطَمَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَوَبَّخَهُ. اسْتَنْجَدَ الْعَبْدُ بِأَسْيَادِهِ، فَهَبَّ بَنُو مَازِنٍ وَاشْتَبَكُوا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَتَوَلَّى عَمْرٌو رِئَاسَةَ الْقَبِيلَةِ.
الْمُحَاوَلَةُ الْأُولَى لِلصُّلْحِ: عَرَضَتْ مَازِنُ الدِّيَةَ لِأَنَّ القَاتِلَ سَكْرَانُ، فَهَمَّ عَمْرٌو بِالْقَبُولِ وَقَالَ: (إِحْدَى يَدَيَّ أَصَابَتْنِي وَلَمْ تُرِدِ).
التَّعْيِيرُ وَالثَّأْرُ: بَلَغَ الصُّلْحُ أُخْتَهُ "كَبْشَةَ"، فَغَضِبَتْ وَأَنْشَدَتْ تُعَيِّرُ عَمْرًا وتَحُثُّ عَلَى الثَّأْرِ:
أَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ إِذْ حَانَ يَوْمُهُ ... إِلَى قَوْمِهِ لَا تَعْقِلُوا لَهُمُ دَمِي ([1])
وَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُمْ إِفَالًا وَأَبْكُرًا ... وَأُتْرَكُ فِي بَيْتٍ بِصَعْدَةَ مُظْلِمِ ([2])
وَدَعْ عَنْكَ عَمْرًا مُسَالِمٌ ... وَهَلْ بَطْنُ عَمْرٍو غَيْرُ شِبْرٍ لِمَطْعَمِ ([3])
فَإِنْ أَنْتُمُ لَمْ تَقْبَلُوا وَاتَّدَيْتُمُ ... فَمُشُّوا بِآذَانِ النَّعَامِ الْمُصَلَّمِ ([4])
أَيُقْتَلُ عَبْدُ اللَّهِ سَيِّدُ قَوْمِهِ ... بَنُو مَازِنٍ أَنْ سُبَّ رَاعِي الْمُخَزَّمِ ([5])
فَأَرِقَ عَمْرٌو وَقَالَ:
أَرِقْتُ وَأَمْسَيْتُ لَا أَرْقُدُ ... وَسَاوَرَنِي الْمُوجِعُ الْأَسْوَدُ
وَبِتُّ لِذِكْرَى بَنِي مَازِنٍ ... كَأَنِّيَ مُرْتَفِقٌ أَرْمَدُ ([6])
الْإِغَارَةُ وَتَبَدُّدُ بَنِي مَازِنٍ: أَعْلَنَ عَمْرٌو الْحَرْبَ وَرَفَضَ دِيَتَهُمْ، وَأَنْشَدَ:
خُذُوا حُقُقًا مُخَطَّمَةً صَفَايَا ... وَكَيْدِي يَا مُخَزَّمُ أَنْ أَكِيدَا ([7])
قَتَلْتُمْ سَادَتِي وَتَرَكْتُمُونِي ... عَلَى أَكْتَافِكُمْ عِبْئًا جَدِيدَا ([8])
فَمَنْ يَأْبَى مِنَ الْأَقْوَامِ نَصْرًا ... وَيَتْرُكْنَا فَإِنَّا لَنْ نُرِيدَا ([9])
ثُمَّ كَفَّ عَنْهُمْ، لَكِنَّ كَبْشَةَ عَيَّرَتْهُ مَرَّةً أُخْرَى فَأَكَبَّ عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ وَذَبَحَ سَادَتَهُمْ حَتَّى شَتَّتَهُمْ فِي الْقَبَائِلِ (كَتَمِيمٍ وَأَسَدٍ وَسُلَيْمٍ). وَقَالَ كَابِيَةُ بْنُ حُرْقُوصٍ الْمَازِنِيُّ يَنْدُبُ قَوْمَهُ:
يَا لَيْلَتِي مَا لَيْلَتِي بِالْبَلْدَةِ ... رُدَّتْ عَلَيَّ نُجُومُهَا فَارْتَدَّتِ ([10])
مَنْ كَانَ أَسْرَعَ فِي تَفَرُّقِ فَالِجٍ ... فَلَبُونُهُ جَرِبَتْ مَعًا وَأَغَدَّتِ ([11])
هَلَّا كَنَاشِرَةَ الَّذِي ضَيَّعْتُمُ ... كَالْغُصْنِ فِي غَلْوَائِهِ الْمُتَنَبِّتِ ([12])
فَرَدَّ عَلَيْهِمْ عَمْرٌو مَفَاخِرًا بِاسْتِئْصَالِهِمْ:
تَمَنَّتْ مَازِنٌ جَهْلًا خِلَاطِي ... فَذَاقَتْ مَازِنٌ طَعْمَ الْخِلَاطِ ([13])
أَطَلْتُ فِرَاطَكُمْ عَامًا فَعَامًا ... وَدَيْنُ الْمَذْحِجِيِّ إِلَى فِرَاطِ ([14])
أَطَلْتُ فِرَاطَكُمْ حَتَّى إِذَا مَا ... قَتَلْتُ سَرَاتَكُمْ كَانَتْ قَطَاطِ ([15])
غَدَرْتُمْ غَدْرَةً وَغَدَرْتُ أُخْرَى ... فَمَا إِنْ بَيْنَنَا أَبَدًا يَعَاطِ ([16])
فَهْرَسُ الْمُفْرَدَاتِ وَالشُّرُوحِ:
([1]) لَا تَعْقِلُوا: لَا تَقْبَلُوا الدِّيَةَ (الْعَقْلَ).
([2]) إِفَالًا وَأَبْكُرًا: صِغَارَ الإِبِلِ؛ أيْ لَا تَبِيعُوا دَمِي بِالإِبِلِ.
([3]) غَيْرُ شِبْرٍ: هَجَتْهُ بِأَنَّهُ جَبَانٌ لَا يَهُمُّهُ إِلَّا أَنْ يَمْلَأَ بَطْنَهُ.
([4]) الْمُصَلَّمِ: الْمَقْطُوعِ الأُذُنِ؛ أيْ عِيشُوا بِذُلٍّ كَالنَّعَامِ صَغِيرِ الأُذُنِ.
([5]) رَاعِي الْمُخَزَّمِ: تَتَعَجَّبُ كَيْفَ يُقْتَلُ سَيِّدُ الْقَبِيلَةِ مِنْ أَجْلِ شَتْمِ عَبْدٍ.
([6]) مُرْتَفِقٌ أَرْمَدُ: الْمُتَّكِئُ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ النَّوْمَ مِنْ وَجَعِ عَيْنِهِ أَوْ قَلْبِهِ.
([7]) حُقُقًا صَفَايَا: خِيَارَ الإِبِلِ؛ يَقُولُ: خُذُوا دِيَتَكُمْ فَلَا أُرِيدُهَا بَلْ أُرِيدُ النَّقَمَةَ.
([8]) عِبْئًا جَدِيدًا: صِرْتُ الْهَمَّ الثَّقِيلَ الَّذِي سَيَقُضُّ مَضَاجِعَكُمْ.
([9]) لَنْ نُرِيدَا: نَحْنُ فِي غِنًى عَنْ نَصْرِ مَنْ خَذَلَنَا.
([10]) رُدَّتْ نُجُومُهَا: لَيْلَةٌ طَوِيلَةٌ مِنَ الرُّعْبِ كَأَنَّ فَبْجَرَهَا حُرِمَ عَلَيْهِمْ.
([11]) أَغَدَّتِ: دَعَا عَلَى مَنْ طَلَبَ النَّجَاةَ بِمَالِهِ وَتَرَكَ أَصْحَابَهُ بِأَنْ يُصَابَ مَالُهُ بِالْهَلَاكِ.
([12]) غَلْوَائِهِ الْمُتَنَبِّتِ: يَتَحَسَّرُ عَلَى سَيِّدِهِمْ "نَاشِرَةَ" الشَّابِّ النَّضِيرِ.
([13]) الْخِلَاطِ: الْمُبَارَزَةُ وَالِاشْتِبَاكُ فِي الْمَعْرَكَةِ.
([14]) الْفِرَاطِ: التَّأْخِيرُ وَالإِمْهَالُ.
([8]) النِّكْسُ: الضَّعِيفُ. الْوِحَادُ: الْمُنْفَرِدُونَ (أَيْ لَا يَقْتُلُ إِلَّا الْأَبْطَالَ فِي الْجُيُوشِ).
([9]) شَرَنْبَثَاتٍ: الْيَدُ الْغَلِيظَةُ الشَّدِيدَةُ كَالْمَخَالِبِ.
2. الْغَارَةُ الثَّانِيَةُ: مَأْسَاةُ أُخْتِهِ رَيْحَانَةَ وَ"الْأَبْيَاتُ الْعَيْنِيَّةُ"
أَغَارَ الصِّمَّةُ بْنُ بَكْرٍ مَعَ قَيْسٍ عَلَى بَنِي زُبَيْدٍ، فَاسْتَاقَ أَمْوَالَهُمْ وَسَبَى "رَيْحَانَةَ" أُخْتَ عَمْرٍو. تَبِعَهُ عَمْرٌو يُنَاشِدُهُ فِكَاكَهَا، فَأَبَى الصِّمَّةُ، وَلَمَّا رَأَى عَمْرٌو كَثْرَةَ الْفُرْسَانِ حَوْلَهُ وَعَجْزَهُ عَنْ أَن يَقْهَرَهُمْ وَحْدَهُ، اضْطُرَّ لِلرُّجُوعِ وَقَلْبُهُ يَتَفَطَّرُ عَلَى صُراخِهَا: «يَا عَمْرُو!»، فَقَالَ يَسْتَثِيرُ الْهَمَّ وَيَسْلُو:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ... يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ ([11])
سَبَاهَا الصِّمَّةُ الْجُشَمِيُّ غَصْبًا ... كَأَنَّ بَيَاضَ غُرَّتِهَا صَدِيعُ ([12])
وَحَالَتْ دُونَهَا فُرْسَانُ قَيْسٍ ... تَكَشَّفُ عَنْ سَوَاعِدِهَا الدُّرُوعُ
إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ ... وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ
([11]) يُؤَرِّقُنِي: يَمْنَعُ عَنِّي النَّوْمَ مِنْ شِدَّةِ الْهَمِّ.
([12]) الصَّدِيعُ: ضَوْءُ الْفَجْرِ؛ شَبَّهَ حُسْنَهَا وَجَبِينَهَا بِضَوْءِ الصَّبَاحِ.
مِنْ أَخْبَارِ الشُّجْعَانِ (7) الْفارِسُ: عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ الزُّبَيْدِيُّ الْمَذْحِجِيُّ (1)
فَارِسُ الْعَرَبِ وَعِمْلَاقُ مَذْحِجٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قَالُوا عَنْهُ:
فَارِسُ الْعَرَبِ: وُصِفَ بِأَنَّهُ فَارِسُ الْعَرَبِ بِلَا مُنَازِعٍ فِي زَمَانِهِ.
قَوْلُ ابْنِ الْعَلَاءِ: قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَلَاءِ: «لَا يُفَضَّلُ عَلَيْهِ فَارِسٌ فِي الْعَرَبِ».
الْهُوِيَّةُ وَالصِّفَةُ:
الِاسْمُ وَالْكُنْيَةُ: عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ الزُّبَيْدِيُّ الْمَذْحِجِيُّ، وَيُكْنَى «أَبَا ثَوْرٍ».
الْجَسَدُ وَالْهَيْبَةُ: كَانَ طَوِيلًا، ضَخْمَ الْجُثَّةِ، جَهُورِيَّ الصَّوْتِ، إِذَا رَكِبَ الْفَرَسَ خُطَّتْ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَعْجَبُ مِنْ ضَخَامَتِهِ وَقُوَّتِهِ وَيَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَنَا وَخَلَقَ عَمْرًا!».
أَوَّلًا: نَشْأَتُهُ وَبِدَايَةُ ظُهُورِ شَجَاعَتِهِ (مِنَ الْأَحْمَقِ إِلَى الْفَارِسِ)
اللَّقَبُ الْأَوَّلُ: كَانَ يُلَقَّبُ فِي بِدَايَتِهِ بِـ «مَائِقِ بَنِي زُبَيْدٍ» (أَيْ: أَحْمَقِ الْقَبِيلَةِ).
مَعْرَكَةُ خَثْعَمَ: عِنْدَمَا أَوْشَكَتْ قَبِيلَةُ خَثْعَمَ عَلَى غَزْوِ بَنِي زُبَيْدٍ، طَلَبَ عَمْرٌو مِنْ أُخْتِهِ طَعَامًا ضَخْمًا (فَرَقًا مِنْ ذُرَةٍ وَعَنْزًا رَبَاعِيَّةً) قَائِلًا بِثِقَةٍ: «أَشْبِعِينِي؛ فَإِنِّي غَدًا لِكَتِيبَةٍ».
هَجَمَتْ خَثْعَمُ وَانْهَزَمَتْ قَبِيلَتُهُ وَسَقَطَ لِوَاءُ أَبِيهِ، فَقَامَ عَمْرٌو كَالشَّجَرَةِ الْعَظِيمَةِ الْمُنْتَصِبَةِ وَأَخَذَ سِلَاحَ أَبِيهِ وَفَرَسَهُ رَغْمًا عَنْهُ.
انْدَفَعَ عَمْرٌو وَحْدَهُ فَاخْتَرَقَ صُفُوفَ خَثْعَمَ وَشَتَّتَ جَمْعَهُمْ حَتَّى هَزَمَهُمْ، وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ لُقِّبَ بِـ «فَارِسِ زُبَيْدٍ».
ثَانِيًا: مِنْ أَخْبَارِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ (الْمَعَارِكُ وَالْإِغَارَاتُ)
لَهُ قِصَصٌ طَوِيلَةٌ فِي غَزْوِ قَبَائِلِ نَجْدٍ وَالْحِجَازِ، وَكَانَ لَا يَفِرُّ مِنَ الزَّحْفِ قَطُّ، وَيَقُولُ: «لَيْسَ فِي الْمَوْتِ عَارٌ، إِنَّمَا الْعَارُ فِي الْفِرَارِ».
1. الْغَارَةُ الْأُولَى: قِصَّتُهُ مَعَ أُبَيٍّ الْمُرَادِيِّ
خَرَجَ عَمْرٌو غَازِيًا مَعَ أُبَيٍّ الْمُرَادِيِّ فَأَصَابَا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَادَّعَى أُبَيٌّ اسْتِحْقَاقَهُ نَصِيبًا كَبِيرًا بِنَحْوِ الْمُسَانَدَةِ، فَأَبَى عَمْرٌو إِعْطَاءَهُ. كَظَمَ أُبَيٌّ غَيْظَهُ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِمَقْتَلِ أَبِيهِ، لَكِنَّهُ ظَلَّ يَتَوَعَّدُ عَمْرًا بِالْقَتْلِ، فَلَمْ يَبْتَئِسْ عَمْرٌو بِتَهْدِيدِهِ وَأَنْشَدَ مَفَاخِرًا بِسِلَاحِهِ وَبَسَالَتِهِ:
أَعَاذِلَ شِكْتِي بَدَنِي وَرُمْحِي ... وَكُلَّ مُقَلِّصٍ سَلْسِ الْقِيَادِ ([1])
أَعَاذِلَ إِنَّمَا أَفْنَى شَبَابِي ... وَأَقْرَحَ عَاتِقِي ثِقَلُ النِّجَادِ ([2])
تَمَنَّانِي لِيَلْقَانِي أُبَيٌّ ... وَدِدْتُ وَأَيْنَمَا مِنِّي وَدَادِي
وَلَوْ لَاقَيْتَنِي وَمَعِي سِلَاحِي ... تَكَشَّفَ شَحْمُ قَلْبِكَ عَنْ سَوَادِ ([3])
أُرِيدُ حِبَاءَهُ وَيُرِيدُ قَتْلِي ... عَذِيرُكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادِ ([4])
تَمَنَّانِي وَسَابِغَتِي دِلَاصٌ ... كَأَنَّ قَتِيرَهَا حَدَقُ الْجَرَادِ ([5])
وَبَيَفِي كَانَ مِنْ عَهْدِ ابْنِ صَدٍّ ... تَخَيَّرَهُ الْفَتَى مِنْ قَوْمِ عَادِ
وَرُمْحِي الْعَنْبَرِيُّ تَخَالُ فِيهِ ... سِنَانًا مِثْلَ مِقْبَاسِ الزِّنَادِ
وَعِجْلِزَةٍ يَزِلُّ اللَّبْدُ عَنْهَا ... أَمَرَّ سَرَاتَهَا حَلْقُ الْجِيَادِ ([6])
إِذَا ضُرِبَتْ سَمِعْتَ لَهَا أَزِيزًا ... كَوَقْعِ الْقَطْرِ فِي الْأَدَمِ الْجِلَادِ ([7])
إِذًا لَوَجَدْتَ خَالَكَ غَيْرَ نِكْسٍ ... وَلَا مُتَعَلِّمًا قَتْلَ الْوِحَادِ ([8])
يُقَلِّبُ لِلْأُمُورِ شَرَنْبَثَاتٍ ... بِأَظْفَارٍ مَغَارِزُهَا حِدَادِ ([9])
(وَقَدْ صَارَ الْبَيْتُ الْخَامِسُ: «أُرِيدُ حِبَاءَهُ وَيُرِيدُ قَتْلِي...» مَثَلًا يُضْرَبُ فِي الْغَدْرِ وَإِصْلَاحِ مَنْ لَا يَصْلُحُ). ([1]) الشِّكَةُ: السِّلَاحُ. الْمُقَلِّصُ: الْفَرَسُ السَّرِيعُ الضَّامِرُ.
([2]) النِّجَادُ: حِمَالَةُ السَّيْفِ. أَقْرَحَ عَاِتِقِي: جَرَحَ كَتِفِي مِنْ كَثْرَةِ الْحَمْلِ.
([3]) سَوَادُ الْقَلْبِ: حَبَّتُهُ؛ وَالْمَعْنَى: يَنْشَقُّ قَلْبُهُ فَزَعًا وَرُعْبًا.
([4]) الْحِبَاءُ: الْعَطَاءُ وَالْإِكْرَامُ. عَذِيرُكَ: مَنْ يَعْذِرُكَ.
([5]) السَّابِغَةُ الدِّلَاصُ: الدِّرْعُ الطَّوِيلَةُ الصَّافِيَةُ. الْقَتِيرُ: رُؤُوسُ مَسَامِيرِ الدِّرْعِ.
([6]) الْعِجْلِزَةُ: الْفَرَسُ الشَّدِيدَةُ. السَّرَاةُ: الظَّهْرُ.
([7]) الْأَزِيزُ: صَوْتُ السُّرْعَةِ وَالْهَدِيرُ. الْأَدَمُ الْجِلَادُ: الْجُلُودُ الْقَوِيَّةُ.
