ar
Feedback
Multifarious Writings

Multifarious Writings

الذهاب إلى القناة على Telegram

I jot down stuff when possible

إظهار المزيد
لم يتم تحديد البلدالفئة غير محددة
1 036
المشتركون
-124 ساعات
+107 أيام
+3130 أيام
أرشيف المشاركات
تزامن إعادة اكتشاف الحضارات القديمة بمعزل عن الميثولوجيا التوراتية مع هيمنة الرؤية القائلة بوحدة الحضارة الإنسانية، مفاد هذه الرؤية أن هناك مسيرة حضارية موّحدة بَدَأت في مصر وبلاد ما بين النهرين، ثم انتقلت إلى اليونان وبعدها إلى روما، ثم ورثها المسلمون فترة من الزمان، ثم استَكمَلَها الأوروبيون منذ عصر النهضة وبلغت ذروتها على أيديهم في مطلع العصور الحديثة. لم تكن هذه رؤية فيلسوف أو مؤرخ معين، بل الرؤية المهيمنة على كل من عاش في هذه الحقبة. إلى حد كبير، تمثل هذه الرؤية علمَنة لمفهوم التقدم المسيحي ولمفهوم الرسالة الدينية الكونيّة التي رسختها الأديان الإبراهيمية بنسب متفاوتة. قوبلت هذه الرؤية في العالم الإسلامي في البداية بصورة إيجابية، وكان الرأي المهيمن وقتها أن مرحلة الذروة هذه لم تخلق أي جديد، وأن قيم الحضارة الحديثة (المساواة، الحرية، الأخوة) قيم جاء بها الإسلام منذ أكثر من ألف عام، رغم أن دلالات هذه القيم في الإطار الإسلامي، أو حتى المسيحي التقليدي، كانت مختلفة تماما عن المفاهيم الحداثية. يمكن اعتبار هذه المفاهيم في صورتها الحديثة بمثابة أخذ بعض القيم الدينية إلى حد متطرف، فكرامة الإنسان وحقوقه وحريته وفردانيته وضميره ليست أمورا منعزلة عن الإطار الديني الذي رسخ هذه المفاهيم في المقام الأول؛ لم تكن هذه القيم معروفة على هذا النحو قبل هيمنة تلك الرؤى الدينية، إلّا أن الحضارة الحديثة أخذت هذه القيم إلى حد حيّد العنصر الإلهي والماورائي مع الاحتفاظ بالرؤية الدينية التي أكدت مركزية الإنسان وغائية التاريخ. في مطلع القرن العشرين، في مصر تحديدا، كان هناك تيار ينادي بالهوية الفرعونية، ليس بغرض تحييد الهوية العربية والإسلامية تماما كما ينادي بعض السفهاء هذه الأيام، وإنما بغرض التأكيد على خصوصية الهوية المصرية وتميزها عن محيطها. كان أساس هذا التوجه هو الرؤية المذكورة آنفا: وحدة الحضارة الإنسانية. نادى المثقفون القوميّون آنذاك بضرورة تقبل القيم الحديثة ليس لأنها مفيدة أو ناجحة فحسب، وإنما لأنها امتداد لحضارة يفترض أنها بدأت في مصر، ومن هذا المنطلق، لمصر حق في هذه الحضارة على قدم المساواة مع الأمم الأوروبية. عندما نرجع إلى كتابات طه حسين وأحمد لطفي السيد وغيرهما ممن أخذوا هذا التوجه، سنجد الحجج دائما مستمدة من أفق عصر التنوير والحداثة الأوروبية، الأفق الذي يؤكد هذه الوحدة. لكن ثمة نقطة جوهرية في هذا الصدد، من شأنها أن تبدد كل هذه الأوهام إذا ما أخذت في الحسبان بجديّة: التأريخ الحداثي للحضارات القديمة يضمنها في رؤية لم تعرفها تلك الحضارات بأي صورة من الصور، ورغم وجود تتابع تراثي بين الحضارات القديمة الوثنية والحضارات التوحيدية، لا يرقى هذا التتابع أن يكون علامة على وجود امتداد أصيل: ليست التحوّلات الحضارية الحقيقة هي انهيار الدول والإمبراطوريات وتبدل الأنظمة، بل التغيّر في رؤية الإنسان للعالم؛ الرؤية الكونية إبان الحضارات القديمة مختلفة تماما بصورة جوهرية عن الحضارة الغربية المسيحية التي ادعت وجود وحدة حضارية بلغت ذروتها في العصور الحديثة، بل حتى أن هناك إشكالية كبيرة لا زالت تؤرق المؤرخين فيما يتعلق بالعلاقة بين روما واليونان والغرب المسيحي، فعلى الرغم من وجود امتداد ثقافي في جوانب عدة، ثمة اختلافات جوهرية دفعت الكثير من المؤرخين إلى القول بأن الغرب، كما نعرفه اليوم، هو امتداد لحضارة نشأت في القرون الوسطى، حضارة ذات سمات خاصة تختلف جوهريا عن حضارتي روما واليونان، على الرغم من أنها استوعبت تراثهما. في كتاب بعنوان "عقل مصر: التاريخ والمعنى في زمن الفراعنة" يقول عالم المصريات يان أسمان: "سَبَب تَولّد المعنى وجود مجتمعات تعيش في سياقات محددة من المكان والزمان، اللذين ليسا بقوالب مجردة تتطور بين ثناياها كل الحضارات على نفس النحو. وإنما تخيّل مبتكر من الانسجام تولّده مجتمعات بشرية محددة في فترات حاسمة معينة. يستحيل أن ينظر إلى التاريخ، ذلك التطور المكاني والزماني للحضارات، بمعزل عن التخيلات المتناغمة المحددة التي ولّدتها تلك الحضارات." في هذا العمل يقدم يان أسمان رؤية شاملة عن الطريقة التي رأى بها المصريون القدماء العالم، وهي رؤية أبعد ما تكون عن الأفق الحديث التي شَوَّهَ الحضارات القديمة من خلال تناولها في إطار ضيّق يختزلها في كونها مجرد جزء من مسيرة يفترض أنها واحدة، بل ويعتبرها مرحلة أدنى في مسيرة التطور البشري (على سبيل المثال، الأعمال الحداثيّة التي تتعرض للفكر في مصر القديمة تستند إلى حد كبير إلى رؤية وضعية تعتبر أن الفكر ما قبل الإغريقي مرحلة أدنى من الفكر الإنساني، وحتى عند التعرض للإغريق، يكون المرجع هو الرؤية التي تقر بمركزية الأفلاطونية والأرسطية كذروة الفلسفة والفكر، على الضد من إغريق الملاحم الهومرية والفكر ما قبل السقراطي). 1