مدوّنة أروى أبا الخيل
الذهاب إلى القناة على Telegram
خذ ما صفا ودع ما كدر (مقالة كل أسبوع) للتعقيبات والملاحظات: https://tellonym.me/t_elm تويتر: https://twitter.com/t_elm2 قناة القراءة -للنساء-: https://t.me/+womNgEZXDz00MzM0
إظهار المزيد3 320
المشتركون
-124 ساعات
-47 أيام
-2230 أيام
أرشيف المشاركات
السلام عليكم ورحمة الله
منذ بداية هذا الشهر وأنا في إجازة من المدونة، وسأعود إليها بإذن الله بعد تمام أمري واستقراري، دعواتكم بالتيسير والبركة والتوفيق 🤍
(إحسانُ الخاتمة إحسانٌ للعمل كله)
بسم الله الرحمن الرحيم
مِن أعظم ما يُحسِن به المرء عمله: إحسانُه في آخره، فإن لِآخر العمل من قوة الأثر وبقائه ما ليس لسائره، فأكثر ما يعلق بالإنسان آخر ما كان فيه، وآخر ما سمعه، وآخر ما رآه، وآخر ما قاله، وآخر ما فعله، فإن كان حسناً استُحسن كل ما قبله، وإن كان مكروهاً كُره كل ما قبله، ولذلك قيل: العبرة بالخواتيم، وكان من دعاء النبي ﷺ: «اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها».
ولذلك كان الموت على خاتمة حسنة من أسباب نجاة الإنسان، وإن كثرت ذنوبه، وكان الموت على خاتمة سيئة من أسباب هلاكه، وإن كثرت أعماله، وشاهده قول النبي ﷺ: «وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها».
فمن محاسن إحسان الخاتمة أنه يغسل عيوب البدايات، ويقيل عثراتها، ولذلك حرصت الشريعة على إحسان ختام كل أمر، فشرعت أذكار المساء، وأذكار ما قبل النوم، والدعاء بعد الوضوء، والاستغفار بعد الصلاة، وكفارة المجلس، والصلاة على النبي ﷺ آخر الكلام، والسلام عند الوداع، والحمد عند الفراغ من الطعام، والتلفظ بالشهادتين قبل الموت، وغير ذلك كثير جداً.
وفي الأزمنة الفاضلة زاد الله سبحانه -لطفاً منه بعباده- في فضائل الأعمال، ليُحسنوا خاتمته، ولا يَفتُروا في آخره، فجعل في آخر رمضان العشر الأواخر، وجعل فيها ليلة القدر، وفي آخر عشر ذي الحجة يوم عرفة، وفي آخر الأسبوع يوم الجمعة، وفي آخر يوم الجمعة ساعة الإجابة، فمن اغتنم هذه الإعانة من الله للعبد لإحسان عمله، فاز فوزاً عظيماً، ومن فوّتها، أضاع فضلاً عظيماً.
فنسأل الله أن يُحسن لنا الختام في الأمور كلها، وأن يصلي ويسلم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أروى أبا الخيل
٢٨ رمضان ١٤٤٧هـ
https://t.me/t_elm3
(فضل التذكير بالخير في الأيام الفاضلة)
بسم الله الرحمن الرحيم
مما وصى به اللهُ نبيَّه ﷺ: التذكير بالخير، وتنبيه الناس عليه، كما قال تعالى: ﴿وذكِّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾، فإن الإنسان وإن كان يعلم بفضل الشيء، إلا أنه يحتاج إلى من يجدد ذكره في نفسه، ويُحييه في قلبه، ويحضّه عليه، فليس مجرد العلم كافياً، بل قد يعتري الإنسان معه بعضُ الغفلة والذهول والنسيان والكسل، ولذلك وجب التناصح والتواصي بين المسلمين.
ومن آكد مواضع التذكير: الأيام الفاضلة، التي يَعظُم فيها العمل، ويُضاعف فيها الثواب، كالعشر الأواخر من رمضان، وعشر ذي الحجة، وغيرها، فإن الله تعالى يرحم بها عباده، لعلمه بضعفهم وعجزهم وتقصيرهم، مع إرادته أن يُعتقهم من ناره، ويُبلّغهم أعالي جنانه، فشرع لهم ما تُضاعف به الأجور، وتعظُم فيه الحسنات.
ومِن صِدق محبة المسلم لأخيه ما يحبه لنفسه، أن يحضّه على اغتنام هذه الأيام، وينبهه على التقصير، كما ورد عن النبي ﷺ من أنه كان إذا دخلت العشر أيقظ أهله.
فإن الجاهل والمقصر مرحومٌ ضعيفُ الحال، له على أصحابه حق النصح والتذكير، فمن النَّكارة في الصُّحبة أن يرى المرء أصحابه مقصرين، وينفرد باجتهاده تاركاً إياهم، ولو كان الأمر من أمور الدنيا لحرص على دعوتهم إليه وحضّهم على اغتنامه، وكما أنهم سيُسائلونه لو لم ينبههم على هذا الأمر من أمور الدنيا قبل فواته، كذلك سيُسائلونه يوم القيامة عن هذه الفضائل التي رأى غفلتهم عنها وتركهم.
فنسأل الله أن يجعلنا من الناصحين المذكرين، ولا يجعلنا من الغافلين اللاهين، وأن يصلي ويسلم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أروى أبا الخيل
٢٠ رمضان ١٤٤٧هـ
https://t.me/t_elm3
(عشر فضائل للترديد مع المؤذن)
بسم الله الرحمن الرحيم
من أعظم الأعمال اليسيرة التي تقرّب العبد إلى ربه: الترديد مع المؤذن، فحضّ عليه النبي ﷺ ووعد له بالثواب العظيم في مواضع كثيرة.
وجمعت من فضائله عشراً:
-فالأولى: امتثال أمر النبي ﷺ بقوله: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن» رواه مسلم.
-والثانية: أن فيه إعلاناً للتوحيد، وذكراً وتعظيماً لله، بالتكبير والحوقلة والتهليل، والشهادة لله بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة.
-والثالثة: أنه سببٌ لدخول الجنة، كما قال النبي ﷺ: «إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد ألا إله إلا الله، قال: أشهد ألا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله، من قلبه دخل الجنة» رواه مسلم.
-والرابعة: أنه سببٌ لمغفرة الذنوب مع الدعاء بعده، كما قال النبي ﷺ: «من قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ رسولاً وبالإسلام ديناً، غُفر له ذنبه» رواه مسلم.
-والخامسة: أنه سببٌ لنيل شفاعة النبي ﷺ مع الدعاء بعده، كما قال النبي ﷺ: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدتَه، حلّت له شفاعتي يوم القيامة" رواه البخاري.
-والسادسة: أنه سببٌ لإجابة الدعاء بعده، كما ورد من أن رجلاً قال للنبي ﷺ: "يا رسول الله، إن المؤذنين يفضلوننا"، فقال النبي ﷺ: «قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل تعطه» رواه أحمد وأبو داود.
-والسابعة: أنه سببٌ لنيل مثل ثواب المؤذن، كما قال النبي ﷺ: «من سمع المؤذن فقال مثل ما يقول فله مثل أجره» رواه الطبراني في المعجم الكبير.
-والثامنة: أنه موضعٌ للصلاة على النبي ﷺ وسؤال الله له الوسيلة والمنزلة العالية، التي يشفع بها لجميع الخلائق، كما قال النبي ﷺ: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، فإنه من صلى علي صلاةً صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلةٌ في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» رواه مسلم.
-والتاسعة: أن فيه تعظيماً لشعائر الله، بترك الأمر المُشغِل والترديد مع المؤذن، وقد قال الله تعالى: ﴿ومن يُعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾.
-والعاشرة: أن فيه إعداداً وتنشيطاً للنفس للصلاة، خصوصاً قول المردد: لا حول ولا قوة إلا بالله، طالباً من الله العون والقوة، بعد دعاء المؤذن بقوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، كما قال الطيبي: "معنى الحيعلتين: هلمّ بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلاً، والفوز بالنعيم آجلاً، فناسَب أن يقول: هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به إلا إذا وفقني الله بحوله وقوته".
فنسأل الله أن يجعلنا من أهل هذه العبادة، المداومين عليها، وألا يحرمنا أجرها، وأن يصلي ويسلم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أروى أبا الخيل
١٣ رمضان ١٤٤٧هـ
https://t.me/t_elm3
(من تمام النعيم أو الذل: اجتماع الباطن والظاهر فيه)
بسم الله الرحمن الرحيم
من تمام ثواب الله للمتقين أن يجمع لهم بين نعيم الباطن والظاهر، فينعّم دواخلهم بالفرح واللذة والشِّبَع والرِّي، وأبدانهم بالحُسن والراحة واللباس والحُلي، ليتم لهم النعيم من كل جهاته.
فمن ذلك قوله تعالى في عباده الأبرار: ﴿ولقّاهم نَضرةً وسروراً﴾، فوجوههم منعَّمةٌ بالنّضرة، وقلوبهم منعَّمةٌ بالسرور.
ومنه قوله في المؤمنين يوم المحشر: ﴿وأما الذين ابيضّت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون﴾، فوجوههم منعَّمةٌ بالبياض، ونفوسهم منعَّمةٌ برحمة الله.
ومنه قوله في أهل الجنة: ﴿عاليَهم ثيابُ سندسٍ خضرٌ وإستبرق وحُلُّوا أساور من فضةٍ وسقاهم ربهم شراباً طَهوراً﴾، فأبدانهم منعَّمةٌ بالثياب والحلي، وأجوافهم منعَّمةٌ بالشراب الطهور.
ومنه قوله لآدم حين أسكنه الجنة: ﴿إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى*وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾، فجوفه فيها منعَّمٌ بالشِّبَع والرِّي، وبدنه منعَّمٌ باللباس والبراد.
وكذلك من تمام عقاب الله تعالى للمجرمين أن يجمع لهم بين عذاب الباطن والظاهر، فيعذب دواخلهم بالخوف والذل والجوع، وأبدانهم بالعبوس والظلمة والسواد.
فمن ذلك قول الله تعالى في الكفار: ﴿ووجوهٌ يومئذٍ باسرة*تظن أن يُفعَل بها فاقرة﴾، فوجوههم معذَّبةٌ بالعبوس، ونفوسهم معذَّبةٌ بالخوف.
ومنه قوله: ﴿والذين كسبوا السيئات جزاء سيئةٍ بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصمٍ كأنما أُغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً﴾، فنفوسهم معذَّبةٌ بالذلة، ووجوههم معذَّبةٌ بالظلمة.
ومنه قوله في الكفار يوم القيامة: ﴿فأما الذين اسودّت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾، فوجوههم معذَّبةٌ بالسواد، ونفوسهم بالعذاب.
فنسأل الله أن يجعلنا من أهل النعيم المقيم التام، وأن يصلي ويسلم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أروى أبا الخيل
٦ رمضان ١٤٤٧هـ
https://t.me/t_elm3
(عبادة التفكر)
بسم الله الرحمن الرحيم
من العبادات القلبية التي يفغُل عنها كثير من الناس: عبادة التفكر، والنظر في خلق الله، والتأمل في لطفه وإحسانه، وبديع صنعه وإتقانه.
هذا والقرآن مليء بالآيات الداعية إليه، كوصف خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وخلق الإنسان في أحسن تقويم، وإنزال المطر، وإنبات الشجر، ووصف النجوم والجبال والطير والنحل، وذكر اللطف والإنعام والبر والإحسان، وأسماء الله وصفاته، والإخبار عن الأمم الماضية وعاقبتهم، وعن يوم البعث والنشور وأهواله والجنة والنار، وغير ذلك كثير، لأجل أن ينظر إليه العباد ويتفكروا فيه.
وجاءت آيات كثيرة تحث على التفكر صراحة، وتنوعت أساليبها في ذلك، فمنها: الأمر به، كقوله تعالى: ﴿قل انظروا ماذا في السماوات والأرض﴾، وقوله: ﴿قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل﴾.
ومنها: السؤال بإنكارٍ لمن تركه، كقوله تعالى: ﴿أولم يتفكروا؟﴾، وقوله: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض؟﴾، وققوله: ﴿أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم؟﴾.
ومنها: مدح أهله، كقوله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآياتٍ لأولي الألباب*الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض﴾.
ومنها: ذم التاركين له، كقوله تعالى: ﴿وكأيّن من آيةٍ في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون﴾، وقوله: ﴿إن شرّ الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون﴾.
وما عظُمت عناية الله سبحانه بعبادة التفكر إلا لِما له من آثار عظيمة، فإذا تفكر الإنسان في أسماء الله وصفاته، وتأمل نعم الله عليه، امتلأ حياءً، وازداد حباً وخوفاً وتعظيماً، وإذا تفكر في الجنة، زاد شوقه وسعيه إليها، وإذا تفكر في النار، زاد خوفه وهربه منها، وإذا تفكر في خلق الله، زاد تعظيمه وإجلاله، وكل ذلك يقوي اليقين، ويورث البصيرة والعقل والعلم، ويرقق القلب، ويزيد الخشوع، ويدعو إلى العمل، ويعين على ترك المعاصي.
كما قال تعالى في وصف أولي الألباب: ﴿الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقِنا عذاب النار*ربنا إنك من تُدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار*ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار*ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك إنك لا تُخلف الميعاد﴾.
وقال ابن عباس: "التفكر في الخير يدعو إلى العمل به".
وقال وهب بن منبّه: "ما طالت فكرة امرئٍ قطُّّ إلا فهم، ولا فهم امرؤٌ قطُّّ إلا علم، ولا علم امرؤٌ قطُّّ إلا عمل".
وقال بشر الحافي: "لو فكر الناس في عظمة الله ما عصوه".
ومثله قول لبيد بن ربيعة:
"فياعجباً كيف يُعصى الإله
أم كـيف يجـحده الجـاحدُ
وفـي كـل شـيءٍ لــه آيــةٌ
تــدل عـلــى أنــه واحــدُ
ولله فـي كــل تـحـريـكـةٍ
وتسكـيـنـةٍ أبـداً شـاهـدُ"
ولأجل ذلك عظُمت عناية العلماء بعبادة التفكر، حتى قال عمر بن عبد العزيز: "الفكرة في نعم الله أفضل العبادة".
وقال الحسن البصري: "تفكُّر ساعةٍٍ خيرٌ من قيام ليلة".
وقال أبو سليمان الداراني: "إني لأخرج من منزلي، فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله عليّ فيه نعمة، ولي فيه عبرة".
وهذا كما قيل: "إذا المرء كانت له فكرة، ففي كل شيء له عِبرة".
وسُئلت أم الدرداء عن أفضل عمل أبي الدرداء رضي الله عنهما فقالت: "التفكر والاعتبار".
ويكفي في بيان فضل هذه العبادة أنها كانت عبادة النبي ﷺ قبل البعثة، فكان يتعبّد ويتحنّث ويتفكر في غار حراء حتى نزل عليه جبريل عليه السلام بالوحي.
فنسأل الله أن يجعلنا من أهل هذه العبادة، ويورثنا بها تعظيمه، ويعيننا بها على طاعته، وأن يصلي ويسلم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أروى أبا الخيل
أصل المقالة مقطع سجلته قبل أكثر من ست سنوات في ٤ صفر ١٤٤١هـ، ثم حررته اليوم ٢٦ شعبان ١٤٤٧هـ.
https://t.me/t_elm3
(موضع الغضب دليل العقل)
بسم الله الرحمن الرحيم
من دلائل عقل المرء وكمال رُشده: المواضع التي يغضب فيها، فإن الغضب لا بد منه، بل هو من صفات الكمال التي وُصف بها الله تعالى، غير أن العقول تتمايز باختلاف المواضع التي تظهر فيها هذه الصفة.
وكان ذلك من دلائل العقل التي تدل الناظر على ما وراءها؛ من جهة أن الغضب من أقوى الانفاعلات التي تغلب صاحبها، فإذا غلب غضبَه هو، وقدّر له المواضع التي يصلح لها، دلّ على أنه لم يغلبه ويُحكِمه إلا بعقلٍ رشيد.
-فهو يغلب غضبه بتقديم عقله على عاطفته، إذ العاطفة إذا خُلِِّيَت أثارت انفعالات النفس، ومنها الغضب، والعاقل يُحكِمُها ويعرف مواضعها، ولا يتركها تفعل به ما تشاء.
كما قال النبي ﷺ: «ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».
-ويغلب غضبه بتقدير مآلات الأمور، وتوقّي ما قد يندم عليه، فإذا رأى غضبه قد يؤدي به إلى شرٍّ مما هو واقع، كتمه وأطفأه بذكر الله.
كما كتم النبي ﷺ غضبه يوم الحديبية، وأجرى الصلح على ما أرادت قريش، مع غضب أصحابه حوله؛ لعلمه أن مآل غضبه ردُ الصلح وتفويتُ مصالحَ للمسلمين.
-ويغلب غضبه بالتماس الأعذار للناس، فيُقدم العذر على اللوم، إذ خطأ ظنه وارد، فيقع غضبه ظلماً في غير محله.
كما حلم النبي ﷺ على حاطب بن بلتعة لما كتب كتاباً إلى قريش يخبرهم فيه بمسير النبي ﷺ إليهم لفتح مكة، مع حرص النبي ﷺ على كتم الخبر عن قريش، فجيء بحاطب أمام النبي ﷺ، وعمر في أشد الغضب عليه، حتى استأذن النبيَّ ﷺ بضرب عنقه، لظنه أنه منافقٌ كافر، لكن النبي ﷺ سأله عن عذره قبل أن يتّهمه بذلك، وقال له: «يا حاطب، ما حملك على هذا؟»، فاعتذر حاطب بأنه أراد أن يكون له فضلٌ على قريش يحمونه به إذا انتصروا على المسلمين، إذ ليس له نسبٌ فيهم أو قرابةٌ يحتمي بها، ولم يفعل ذلك كفراً ولا ارتداداً، فعذره النبي ﷺ وعفا عنه.
-ويغلب غضبه بعذر الجاهل، والنظر إليه بعين الرحمة، وباستحضار نقص البشر، وورود الخطأ عليهم.
كما حلم النبي ﷺ على الأعرابي الذي بال في المسجد جاهلاً، وقال لأصحابه: «دعوه ولا تُزرِموه»، أي: لا تقطعوا عليه؛ لئلا يتضرر، فلما فرغ دعا بدلوٍ من ماء فصبه عليه، ثم ناداه ﷺ وعلّمه.
-ويغلب غضبه بعدم رفع نفسه فوق قدرها، بأن يغضب لأجلها إذا لم يُعظَّم ويُقدَّر.
كما حلم النبي ﷺ على الأعرابي الذي جذبه من ردائه جذبةً شديدةً أثّرت في عنقه وقال له: "يا محمد، أعطِني من مال الله الذي عندك"، فضحك له النبي ﷺ وأمر له بالعطاء.
والكمال الذي يملك فيه المرء غضبه ملكاً تاماً، ولا يضعه إلا في موضعه، بعيدٌ عن النفس البشرية؛ لغلبة طبعها على صاحبها، لكن الناس يتفاوتون في اقترابهم من الكمال، وجاء الإسلام بتربيتهم على ذلك.
فلما غضب أبو بكر رضي الله عنه على قريبه مسطح بن أثاثة ومنع عنه النفقة، لخوضه في عرض عائشة رضي الله عنها، نزل قول الله تعالى: ﴿ولا يأتلِ أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكينَ والمهاجرينَ في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفورٌ رحيم﴾.
فكظم أبو بكر غيظه وقال: "بلى والله أحب أن يغفر الله لي"، وأعاد النفقة.
وقال النبيُّ ﷺ للرجل الذي استوصاه: «لا تغضب»، فأعاد الرجل طلب الوصية مراراً، والنبي ﷺ يقول له: «لا تغضب».
ومع ذلك لا يُمدح المرء بتركه الغضب مطلقاً، بل يُمدح بترك الغضب إلا في موضعه، فيَحسُن حينئذ الغضب فيه، ويكون غضبه للإصلاح، لا للانتقام وشفاء النفس.
كما قالت عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ: "ما رأيت رسول الله ﷺ منتصراً من مَظلمة ظُلِمها قط، ما لم تُنتَهك محارم الله، فإذا انتُهِك من محارم الله شيء، كان أشدهم في ذلك غضباً".
وأمثلة ذلك في سيرته ﷺ كثيرةٌ جداً.
فنسأل الله أن يكمّلنا بالعقل وكتم الغضب، وأن يصلي ويسلم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أروى أبا الخيل
١٩ شعبان ١٤٤٧هـ
https://t.me/t_elm3
(ضرب المثل بالشيء المحسوس أبلغ من ذكر العدد)
بسم الله الرحمن الرحيم
من أساليب القرآن والسنة في بلاغة تصوير المشاهد وحُسن إظهارها: ضربُ الأمثلة بالأمر المحسوس كنايةً عن كثرة العدد وعظمته، وهو أوقع في النفس من التصريح بذكر عددٍ دالٍ على الكثرة، إذ يتراءى السامع من المثال ويتصور به ما لا يتصوره بذكر العدد.
فمن ذلك قول الله تعالى في بيان كثرة كلماته: ﴿ولو أنما في الأرض من شجرةٍ أقلامٌ والبحر يَمده من بعده سبعة أبحرٍ ما نفِدَت كلماتُ الله﴾.
وقوله في وصف كثرة الناس يوم البعث: ﴿يخرجون من الأجداث كأنهم جرادٌ منتشر﴾، وقوله: ﴿يوم يكون الناس كالفراش المبثوث﴾.
وقوله في وصف كثرة مال قارون: ﴿وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لَتَنوء بالعصبة أولي القوة﴾.
وقوله في وصف كثرة الطير التي أهلكت جيش ملك الحبشة: ﴿وأرسل عليهم طيراً أبابيل﴾، أي: أسراباً متتابعة.
وقوله في وصف سعة الجنة: ﴿عرضها السماوات والأرض﴾.
ومن التكنية كذلك ذكرُ العدد (سبعين)، إذ من معانيه عند العرب الدلالة على الكثرة لا على التعيين، كما في قوله تعالى: ﴿ثم في سلسلةٍ ذَرعُها سبعون ذراعاً فاسلكوه﴾.
وقوله: ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرةً فلن يغفر الله لهم﴾.
ومن السنة قوله تعالى في الحديث القدسي في وصف كثرة مُلكه: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيت كل إنسانٍ مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يُنقِص المِخيَطُ إذا أُدخل البحر».
وقوله في الحديث القدسي كذلك في وصف كثرة الذنوب التي يغفرها الله بالتوحيد: «يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقُرابها مغفرة».
وقول النبي ﷺ في وصف كثرة الذنوب التي يغفرها الله بقول (سبحان الله وبحمده): «من قال (سبحان الله وبحمده) مئة مرة حُطّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر».
وقوله في وصف كثرة آنية حوضه ﷺ: «آنيته عدد نجوم السماء».
وقوله في وصف كثرة ثواب شهود الجنازة: «من صلى على جنازة فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: القيراط مثل جبل أحد».
وقوله في وصف عظم شجرة الجنة: «إن في الجنة لشجرةً يسير الراكب في ظلها مئة عامٍ لا يقطعها».
وفي السنة التكنيةُ بذكر العدد (سبعين) عن الكثرة كذلك، فمنه قول النبي ﷺ: «من صام يوماً في سبيل الله بعّد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً».
وقوله لما سمع أصحابه وجَبَة: «هذا حجرٌ رُمي به في النار منذ سبعين خريفاً، فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها».
فنسأل الله أن يفتح علينا في تدبر كتابه وسنة نبيه، وأن يصلي ويسلم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أروى أبا الخيل
١١ شعبان ١٤٤٧هـ
https://t.me/t_elm3
(من أساليب العرب إطلاق الفاعل وإرادة المفعول)
بسم الله الرحمن الرحيم
من شواهد سعة اللغة العربية وتجوّز العرب فيها أنهم يطلقون الفاعل ويُريدون به المفعول، وهذا من المواضع التي يُراد بألفاظها خلاف ظاهرها، ولا يقف على معناها إلا من عرف أساليبهم.
فيقولون: سرٌّ كاتم، أي: مكتوم.
ويقولون: مكان عامِر، أي: معمور.
ويقولون: راحلة، أي: مُرتَحَل عليها.
ووقع ذلك في أشعارهم، كقولهم:
"لقد لُمتَنا يا أم عمران في السُّرى
ونمـتِ، وما لـيـلُ المَـطيِّ بنـائمِ"
أي: منومٍ فيه.
وقولهم:
"دع المكـارم لا تـرحـل لبُغـيـتِـها
واقعد فإنك أنت الطاعمُ الكاسي"
أي: المطعوم المكسوّ.
وقولهم:
"أبعـين مفـتقرٍ إليك نظـرتَني
فأهنتَني وقذفتَني من حالقِ؟"
أي: محلوق، وهو الجبل الذي لا نبتَ فيه.
وورد ذلك على لسان النبي ﷺ في عدة مواضع، منها قوله للخُرّاصِ إذا بعثهم: «احتاطوا لأهل الأموال في النائبة والواطئة»، أي: الموطوءة، وهي سقاطة التمر وما يقع منه على الأرض فيوطأ ويُداس.
وورد ذلك في كتاب الله سبحانه في مواضع كثيرة، منها قوله: ﴿في عيشة راضية﴾، أي: مرضيّة.
وقوله: ﴿لا عاصمَ اليوم﴾، أي: لا معصوم.
وقوله: ﴿عاملة ناصبة﴾، أي: مُنصِبة مُتعَبة.
وقوله: ﴿حرماً آمِناً﴾، أي: مأموناً.
وقوله: ﴿ماءٍ دافق﴾، أي: مدفوق.
وقوله: ﴿في الحافِرة﴾، أي: المحفورة.
ويجيء كذلك على لسان العرب عكس ذلك، فيُطلقون المفعول ويُريدون به الفاعل، وهو أقول من الأول.
فيقولون: مشؤوم، أي: شائم.
ويقولون: ميمون، أي: يامن.
وورد هذا في كتاب الله كذلك، كما في قوله: ﴿حجاباً مستوراً﴾، أي: ساتراً.
وقوله: ﴿إنه كان وعدُه مأتيّاً﴾، أي: آتياً.
والله أعلم، وصلى الله وسلّم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أروى أبا الخيل
أصل المقالة مقطع سجلته قبل أكثر من ست سنوات، في العشرين من ذي الحجة سنة ١٤٤٠هـ، ثم حرّرته اليوم ٥ شعبان ١٤٤٧هـ.
https://t.me/t_elm3
(لا حدّ لفضل الله)
بسم الله الرحمن الرحيم
من عظيم فضل الله سبحانه أن عطاءه لا يُحد، ونعمتَه لا تُعد، فلا يجيء ذكر تحديد فضل في الكتاب والسنة إلا ويأتي بعده ما يدل على أن هذا التحديد لا يمنع زيادة فضل الله سبحانه، وأمثلة ذلك كثيرة:
-فمنها قول الله تعالى: ﴿مثل الذين يُنفقون أموالهم في سبيل الله كمثَل حبةٍ أنبتت سبع سنابل في كل سنبلةٍ مئة حبة﴾.
فلما ذكر سبحانه تحديد فضله بهذا العدد قال بعده: ﴿والله يُضاعف لمن يشاء﴾.
-ومنها قول النبي ﷺ: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك، فمن همّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمئة ضعف».
فلما ذكر تحديد فضل الله تعالى بهذا العدد قال بعده: «إلى أضعافٍ كثيرة».
-وكل ذكر تحديد فضلٍ في غير ذلك يرجع إلى قول الله تعالى: ﴿ليُوفّيهم أجورهم ويزيدهم من فضله﴾ وأمثال هذه الآيات.
-ومن ذلك حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حسابٍ ولا عذاب، اختلف العلماء في المراد بهذا العدد، وعلى كلا القولين لا حدّ لفضل الله:
١.فقال بعض العلماء: المراد بالعدد التكثير لا التحديد، فكثيرٌ من أمة محمد ﷺ يدخلون الجنة بفضل الله تعالى دون حساب ولا عذاب، وهذا من أساليب لغة العرب عند التكثير، بذكر العدد (سبعين) للمبالغة في الكثرة دون مفهومٍ للعدد، كما في قول الله تعالى: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرةً فلن يغفر الله لهم﴾.
٢.وقال بعضهم: بل المراد بالعدد التحديد، ومع ذلك فقد وردت رواية أخرى للحديث دالةٌ على أصل سعة فضل الله وعدم تحديده، فورد عند الإمام أحمد رحمه الله قول النبي ﷺ: «وعدني ربي أن يُدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً بغير حساب ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفاً، وثلاث حثَيَات من حثَيَات ربي»، وحثَيَات الله سبحانه لا يعلم مقدارها إلا هو.
فنسأل الله ألا يحرمنا سعة فضله ورحمته، وأن يصلي ويسلم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أروى أبا الخيل
أصل المقالة مقطع سجلته قبل ست سنوات يوم ١٦ جمادى الأولى ١٤٤١هـ، ثم حررته اليوم ٢٨ رجب ١٤٤٧هـ.
https://t.me/t_elm3
(سلوة الحزين والمهموم، بمدح البكاء عند تكالب الغموم)
بسم الله الرحمن الرحيم
مما أنعم الله به على قلوب عباده الضعيفة: أن خلق لهم الدمع والبكاء، ليُنفّسوا به عما في نفوسهم، ويبثّوا شيئاً من حرّ قلوبهم.
فالدمع يغسل الحزن والشّجَن، كما يغسل المطرُ الوسَخ والدرَن، ويُذهب حرّ ما في القلب، كما يُذهب المطرُ القحط والجدب.
ولله ابن الرومي حين قال:
"لم يُخلق الدمعُ لامرئٍ عبثاً
الله أدرى بـلـوعـة الـحَــزَن"
وقال أبو إسحاق الصابي: "إن في إسبال العَبرة، وإطلاق الزَّفرة، والإجهاش والنشيج، وإعلان الصياح والضجيج، تنفيساً من بُرَحاء القلوب، وتخفيفاً من أثقال الكروب".
فالبكاء راحة المحزونين، وشفاء المهمومين، ومُستراح العاشقين، كما قال أبو تمّام:
"راحـتي في البكـاء حتى أراكـا
إِن لي منك شاغلاً عن سِواكـا"
وقال علي الحصري القيرواني:
"يا لائمي في بكائي
أَقصِر فإنـك هاذي
تالله ما لـي شِفـاءٌ
إِلا دمـوعيَ هـذي"
وقال امرؤ القيس:
"وإن شـفـائـي عـبـرةٌ مُـهَـرَاقَــةٌ
فهل عند رسمٍ دارسٍ من معوَّلِ؟"
وقالت الخنساء:
"إن البـكـاء هو الشـفـاء
من الجوى بين الجوانح"
وقال الفرزدق:
"ألم تَـرَ أني يـوم جـوَّ سُوَيْـقـةٍ
بكيتُ فقالت لي هُنيدةُ ما ليا؟
فقـلت لها: إن البكـاء لَـراحـةٌ
به يشْتَفي من ظـنَّ ألّا تلاقـيا"
وقال كذلك:
"سأبكيك حتى تُنفِدَ العينُ ماءها
ويشـفيَ منـي الدمـعُ ما أتوجـعُ"
وقال ذو الرمة:
"لعل انحـدار الدمع يُعـقِب راحةً
من الوجد، أو يشفي نجيَّ البلابل"
وقال أبو بكر بن عياش: "كنت إذا أصابتني مصيبة وأنا شاب لا أبكي، وكان يؤذيني ذلك، حتى سمعت أعرابياً ينشد:
لعل انحـدار الدمع يُعـقِب راحةً
من الوجد، أو يشفي نجيَّ البلابل
فسألته لمن الشعر؟ فقال: لذي الرمة، فكنت إذا أُصِبتُ بكيت، فاسترحت"
وقال بعض المتقدمين: "ما أصابني هم قط إلا خلوت بنفسي فبكيت، فاسترحت".
هذا مع علمهم أن البكاء لا يُجدي، فلا هو يُعيد الغائب، ولا يُقرّب المحبوب، ولا يردّ القدَر، ولكن رضوا منه بأن يَشفي بعض ما في القلب، ويُريح شيئاً من ألم الصدر، فقال المتنبي:
"وقـلَّ جِـداءً عَبـرةٌ تسـفـحـانـهـا
على أنها تشفي الحرارة في الصدر"
وقال ابن الرومي:
"بكاؤكما يَشفي وإن كان لا يُجدي
فجودا فقد أَوْدى نظيرُكما عندي"
بل خاف بعضهم الهلاك لولا أن نفّس عن قلبه بالبكاء، كما قال أبو بكر الخوارزمي: "إن الفجيعة إذا لم تُحارَب بجيش من البكاء، ولم يُخفَّف من أثقالها بشيء من الاشتكاء، تضاعف داؤها، وزاد عياؤها، وعز دواؤها".
وقال سليمان بن عبد الملك عند موت ابنه لعمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة: "إني لأجد في كبدي جمرةً لا تطفئها إلا عبرة"، فقال عمر: "اذكر الله يا أمير المؤمنين وعليك بالصبر"، فنظر إلى رجاء بن حيوة كالمستريح إلى مشورته، فقال له رجاء: "أفِضها يا أمير المؤمنين، فما بذاك من بأس، فقد دمعت عين رسول الله على ابنه إبراهيم، وقال: العين تدمع والقلب يوجع"، فأرسل سليمان عينه فبكى حتى قضى أرباً، ثم أقبل عليهما وقال: "والله لو لم أنزف هذه العبرة لانصدعت كبدي".
وقال أبو تمّام:
"فلعـلّ عَـبرةَ ساعـةٍ أذريـتَـهـا
تَشفيك من إرباب وَجدٍ مُحوِلِ"
وقال ابن الفارض:
"وأدمُعٌ همَـلَت لولا التنـفسُ من
نارِ الهوى لم أكد أنجو من اللُّجَجِ"
ولعل سبب ذلك أن القلب إذا اغتمّ وحزن وفُجِع، وأحس صاحبه بحرارته، احتاج إلى تنفيس شيءٍ منها لئلا تُهلكه، ولا يستطيع ذلك إلا بإخراج الدموع التي تحمل معها بعض حرّ القلب، ولذا قالوا: إن دمع البكاء ساخن؛ لخروج حرارة القلب معه، بخلاف دمع الفرح القرير البارد.
فقال أبو تمام:
"نثـرتُ فريـد مدامـعٍ لـم يُنـظَمِ
والدمعُ يحمل بعض ثقل المغرمِ"
وقال شهاب الدين الخفاجي:
"في بُكائِي راحةٌ من شجَنِي
بعد يأْسٍ من أمـانٍ يُطـمِعُ
فكأن الحـزنَ من نار الجـوَى
ذاب حتى اسْتقْطَرتْه الأدْمُعُ"
فنسأل الله أن يُنفّس عن المكروبين، ويخفف عن المهمومين، وأن يصلي ويسلم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أروى أبا الخيل
٢٠ رجب ١٤٤٧هـ
https://t.me/t_elm3
(غلبة حُسن المحبوب على حُسن الشمس والقمر)
بسم الله الرحمن الرحيم
من أساليب الشعراء في الغزل والمدح: تشبيه المحبوب والممدوح بالشمس والقمر؛ لحُسن طلعته وبهائه، وقوة نوره وضيائه.
إلا أن مما بالغ فيه بعضهم: تفضيل حُسنه على حُسن الشمس والقمر، وهو معنىً يُظهر كمال الحُسن الذي لا يفوقه شيء، ووصف به بعضُ الصحابة النبيَّ ﷺ، فقال جابر بن سمرة رضي الله عنه: "رأيتُ رسول الله ﷺ في ليلة إضحيان وعليه حُلَّة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو عندي أحسن من القمر".
وتتبعتُ شيئاً من الشِّعر في ذلك، فوقفتُ على عشرة أوجه للتفضيل:
-فالأول: انقطاع نور الشمس والقمر بالغروب، وعدم انقطاع نور المحبوب.
فقال ابن الأبار البلنسي:
"قد أخجلَ الشمسَ أن الشمس غاربةٌ
ومُذ تـطـلَّـعـتِ لـم يغـرُب مُحـيّـاكِ"
وقال حارثة الغداني:
"هو الشمس إلا أن للشمس غيبةً
وهذا الفـتى لَعَـمري ليس يغيبُ"
وقال البحتري:
"كالبـدرِ إلا أنها لا تُـجتَـلى
والشمسِ إلا أنها لا تَغرُبُ"
وقال محمود المخزومي:
"رأيـتُك في الشمس المنـيرة غُـدوةً
فكنتَ على عينيّ أبـهى من الشمسِ
لأنـك تــزهــو إن بــدا الـلـيـل بـهــجـة
وشمسُ الضحى ليست تُضيء إذا تُمسي"
-والثاني: عدم طلوع الشمس والقمر إلا من مطالعهما، وطلوعُ المحبوب من كل محل.
فقال ابن أبي حصينة:
"أوجهُكِ أم بدرٌ من الغـربِ لائحُ
وريّاكِ أم نشرٌ من المسكِ فائحُ؟
وما لِبدورِ التِمِّ في الغربِ مَطلَعٌ
ولا لذكيِّ المسكِ هذي الروائـحُ"
-والثالث: بُعد الشمس والقمر، وقُرب المحبوب.
فقال ابن منقذ:
"بدرٌ، ولكـنه قريبُ
ظبيٌ، ولكنه أنيسُ"
-والرابع: غلبة نور المحبوب في عين المحب على نور الشمس والقمر.
فقال محمود المخزومي:
"رأيـتُك في الشمس المنـيرة غُـدوةً
فكنتَ على عينيّ أبهى من الشمس"
وقال البحتري:
"أضرَّت بضوء البدرِ والبدرُ طالعٌ
وقامـت مقـام البـدرِ لـمّـا تغـيّبا"
وقال عبد الله بن أبي خبيص:
"وإن أضـاءت بلـيلٍ
تفـوق نـور الأهـلّـة"
-والخامس: استمداد الشمس والقمر من نور المحبوب.
فقال خالد الكاتب:
"الشمسُ تَقبِس نورَها من نورهِ
والـبـدرُ يَحـكـيـه لعـزِّ نظـيـرهِ"
وقال ابن المعتز:
"البدرُ من شمس الضحى نورُه
والشمسُ من نـورِكَ تستـملي"
وقال صفي الدين الحلي:
"كان بدرُ السـماء يَكتسب النو
رَ من الشمس كـي يحوز البهاء
فهو اليـومَ يستـعير ضيا وجـ
ـهكَ إذ فُـقـتَـه سنـاً وسـنـاء
وإذا ما رآك صدَّ عن الشمـ
ـسِ ووافاكَ يستمد الضياء"
-والسادس: اشتراك المحبوب مع الشمس والقمر في النور، وزيادة أوجه حسنٍ فيه ليست فيهما.
فقال إبراهيم النظام:
"هـو البــدر إلا أن فــيـه رقــائــقـاً
من الحُسن ليست في هلالٍ ولا بدرِ"
وقال قيس بن الملوح:
"أقيـمي مكـانَ البـدر إن أفَـل البـدرُ
وقومي مقام الشمس قد أمّها الفجرُ
ففيكِ من الشمسِ المنيرةِ نورُها
وليس لها منـكِ التبـسمُ والثـغرُ
بلى لكِ نـورُ الشمسِ والبدرِ كـلُّه
ولا حملت عينيكِ شمسٌ ولا بدرُ
لكِ الشرقةُ اللألاءُ والبدرُ طالعٌ
وليس لها منكِ الترائبُ والنحرُ
ومن أين للشمسِ المنيرةِ بالضحى
بمكحـولةِ العينـينِ في طـرفها فـترُ
وأنّـى لها مـن دَلٍّ ليـلى إذا انثـنَت
بعينَي مهاةِ الرملِ قد مسها الذعرُ"
وقال الآخر:
"ما أنت مـادحُـها يـا مـن تشبـهها
بالشمس والبدر لا بل أنت هاجيها
من أين للشمس خالٌ فوق وجنتها؟
بل أين للبدر طعمُ الشهد في فيها؟"
-والسابع: اعتراف الشمس والقمر بحسن المحبوب.
فقال صفي الدين الحلي:
"شمس النهار بحُسن وجهك تُقسِم
إن المـلاحـةَ من جمـالـك تُقـسَـم"
وقال أبو نواس:
"تتيهُ الشمس والقمرُ المنيرُ
إذا قـلـنـا كـأنـكـمـا الأمـيـرُ"
وقال صفي الدين الحلي:
"كفى البدرَ حُسناً أن يُقال نظيرُها
فيـزهـى، ولكـنّـا بذاك نَـضـيـرُها"
-والثامن: تنقل البدر بين النقص والكمال، ودوام كمال المحبوب.
وهذا معنى قول الأعرابي مادحاً امرأة: "كاد القمر يكونها، لولا ما تم منها ونقص منه".
فقال إبراهيم الصولي:
"لـئـن شـبّـهـوكِ البدرَ ليـلـةَ تَـمِّـه
لقد قارفوا الشّنعاءَ واحتَقَبوا الوزرا
أيُـشـبـهُ بـدرٌ آفِـلٌ نِـصفَ شـهـرِه
ضِياءً مُنيراً يَطلُع الشَّهر والدَّهرا؟"
-والتاسع: أن تمام نور البدر ليلة في الشهر، وتمام نور المحبوب أبد الدهر.
فقال أبو ذؤيب الهذلي:
"البدر يكـمُل كلَّ شـهرٍ مرةً
وهلالُ وجهك كلَّ يومٍ كاملُ"
وقال علي بن الجهم:
"يا بدرُ كيف صنعتَ بالبدرِ
وفضحته من حيث لا يدري
الدهـرَ أنت بأسـره قمرٌ
ولذاك ليلتُهُ من الشهرِ"
-والعاشر: ندوب القمر، وصفاءُ المحبوب.
فقالت الخنساء:
"أغـرُّ أزهـرُ مثـل البـدر صـورته
صافٍ عتيقٌ فما في وجهه نُدبُ"
وقال ابن عفالق:
"هو البدر إلا أن في البدر كلفةً
وهـذا نـقـيٌ صـافـيٌ متـواسِ"
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أروى أبا الخيل
١٣ رجب ١٤٤٧هـ
https://t.me/t_elm3
(طلب الكمال للنفس، وقدر الفرض للناس)
من الحِكَم التي ربّى عليها النبي ﷺ أصحابه: أن يتحرَّوا لأنفسهم الكمال، ويطلبوا لها أرفع الأعمال، ولا يُلزِموا به مع ذلك غيرهم، بل يقبلون منهم قدر الفرض، ولا يلومونهم على ترك الزيادة عليه.
فإن النبي ﷺ لم يكن يرضى من صلاته إلا بالقدر الذي تتفطر منه قدماه، وقال لما كلمته عائشة رضي الله عنها في ذلك: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟».
ولم يحمل الناس على هذا، بل أمر أئمتهم بالتخفيف، فقال لهم: «إذا صلى أحدكم للناس فليُخفف، فإن منهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى لنفسه فليُطوّل ما شاء».
وغضب على معاذٍ رضي الله عنه لما أطال الصلاة بالناس وقرأ بهم سورة البقرة، وقال له: «أفتّانٌ أنت يا معاذ؟ لولا صليت بسبح اسم ربك، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة».
ولما جاءه الأعرابي يسأله عن الواجب عليه من الصلاة قال له: «خمسُ صلوات في اليوم والليلة»، فقال الأعرابي: هل عليّ غيرُها؟ قال: «لا، إلا أن تطّوَّع»، فلما أدبر قال عنه النبي ﷺ بياناً لعدم دخول الخلل عليه بتركه للفضل، ولئلا يُنكِر عليه أحد: «أفلح إن صدق».
ولما سافر ﷺ بأصحابه، كان منهم الصائم الطالب للكمال، والمفطر الآخِذ بالرُّخصة، ولم يُنكر النبي ﷺ على أحد، فلما نزلوا منزلهم وقام المفطرون -لنشاطهم- فضربوا الأبنية وسقوا الرِّكاب وقاموا بالخدمة، فقال النبي ﷺ مبيِّناً عدم انتقاصهم بترك الصيام: «ذهب المُفطِرون اليوم بالأجر».
وهذا من حكمة الداعي والآمِر بالمعروف، أن يطلب من عامة الناس قدر الفرض، ولا يحملهم على الكمال، فالإثقالُ بأمرهم وإلزامهم منفِّر، وهو غيرُ مطّلعٍ على قدرتهم وأحوالهم، إلا أن يُبيِّن لهم الفضل دون إلزام.
ومع ذلك فإن من تمام الحكمة أن يخصّ بالحثّ على الفضائل من رأى منه علوّ القدر والهمة، وعلم منه القوة والقدرة، فيرغّبه فيما زاد على القدر الواجب، ويأمره أمرَ حريصٍ ومُحِب، كما قال النبي ﷺ لمعاذ رضي الله عنه: «يا معاذ، والله إن لأحبك، فلا تدعنّ دبر كل صلاةٍ أن تقول: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: "أوصاني خليلي ﷺ بثلاثٍ لا أدعهن: صومِ ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاةِ الضحى، ونومٍ على وتر".
وقال ﷺ عن ابن عمر رضي الله عنهما: «نِعم الرجلُ عبدُ الله لو كان يقوم من الليل»
فنسأل الله أن يُجمّلنا بالعلم والحكمة، ويُكمّلنا بعلو الفضل والهمة، وأن يصلي ويسلم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أروى أبا الخيل
٦ رجب ١٤٤٧هـ
https://t.me/t_elm3
(اترك ما كرِهت ولا تحرّمه)
بسم الله الرحمن الرحيم
مِن دقيق خِصال كامل العقل، وليّن الطبع، وحسَن الملفَظ والمَعشر، الذي يألَف ويُؤلَف، ويسَع الناس بجميل خُلُقه: أنه إذا كره شيئاً -غير محرم- وامتنع عنه، لم يُنكر على غيره إتيانه، ولم يُظهر له استقباحه، ولم يُعبّس وجهه ويقطّبه، ويحمله معه على تركه؛ لعلمه أن الأطباع مختلفة، وأن النفوس متفاوتة، وأن كراهته هذه بالنسبة إلى ذوقه ونظره، لا إلى حقيقة الشيء في نفسه.
فإن من الجهل الرجوعَ إلى الذوق في الأمر والإنكار، وهو مما ينفّر ويرفع شيئاً من الأُلفة والود، فإن الإنسان إذا أتى أمراً مباحاً وأراد التمتع به، آذاه استقباح غيره له، فربما تركه منزعجاً، أو أتاه منقبضاً.
ونبّه النبي ﷺ أصحابه على ذلك، فلمّا عدد ما لا يجوز في الأضاحي، قال له البراء بن عازب رضي الله عنه: إني أكره أن يكون في السنِّ نقص، فقال له النبي ﷺ: «ما كرهتَ فدعه، ولا تحرِّمه على أحد».
وكان ﷺ كذلك، فعن عائشة رضي الله عنها أن جاريتين كانتا عندها تضربان بالدف أيام مِنى، ورسول الله ﷺ مضطجعٌ محوِّلٌ وجهَه متغشٍّ بثوبه إعراضاً عنهم كراهةَ الإصغاء، وإن لم يكن محرماً، فدخل أبو بكر رضي الله عنه وانتهرهما، فكشف النبي ﷺ عن وجهه وقال: «دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد».
وقال عنه أبو هريرة رضي الله عنه: "ما عاب النبي ﷺ طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه".
فلمّا وُضع الضب له ﷺ رفع يده عنه كراهة أكله، فاجترّه خالد بن الوليد وأكله، ورسول الله ﷺ ينظر.
ولما نهى ﷺ عن دخول المسجد لمن أكل الثوم قال لهم: «أيها الناس، إنه ليس بي تحريم ما أحل الله لي، ولكنها شجرة أكره ريحها».
فنسأل الله أن يُكمّلنا بالعقل ويُجمّلنا بالخُلُق، وأن يصلي ويسلم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أروى أبا الخيل
٢٩ جمادى الآخرة ١٤٤٧هـ
https://t.me/t_elm3
(حفظ الشريعة لعزة نفس المؤمن)
بسم الله الرحمن الرحيم
من محاسن الشريعة حفظُها لعزة أنفس أصحابها، ودفع الذلة والمهانة عنهم، فهي تربيهم على ذلك، وتأمرهم بما يحفظ عزتهم، وتنهاهم عما يؤدي إلى ذلتهم.
وقد صرّح النبي ﷺ بذلك في قوله: «لا ينبغي للمؤمن أن يُذل نفسه».
وتعوذ من الذلة معلّماً هذا الدعاء أمته بقوله: «اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقِلة والذِّلة».
وكثير من فروع الشريعة وأصولها تظهر فيها الدلالة على هذا المقصد العظيم، وجمعت منها عشرة أمثلة:
-الأول: الأمر بكمال التوحيد، وتخليص النفس من عبودية أي مخلوق، وإخلاص الخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة وغيرها لله تعالى وحده دون ما سواه، فتتنزّه نفس المؤمن عن ذلّها لغير الله.
وكتبت في هذا المعنى مقالة، هذه هي:
https://t.me/t_elm3/92
-والثاني: النهي عن التشبه بالكفار، كما قال النبي ﷺ: «خالفوا اليهود والنصارى»، وقال: «من تشبّه بقومٍ فهو منهم»؛ لما في التشبه من تبعيّةٍ وذِلةٍ للمتشبَّه به.
-والثالث: الأمر برد المعروف، كما قال النبي ﷺ: «من صنع إليكم معروفاً فكافئوه»؛ لما في المعروف من تقييدٍ ومنةٍ يستحي بها من صُنع إليه، حتى لا يستطيع -إذا عظُم المعروف- أن ينظر إلى صاحبه حياءً، ولا ينزع ذلك عنه إلا برد المعروف.
-والرابع: الأمر بالأكل من كسب اليد، كما قال النبي ﷺ: «ما أكل أحدٌ طعاماً قطُّ خيراً من أن يأكل من عمل يده»؛ لخلوص هذا المال من منّة أحدٍ عليه.
-والخامس: النهي عن سؤال الناس، وهذا قد شددت فيه الشريعة، فقال النبي ﷺ: «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم»، وقال: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خيرٌ له من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه»، وقال: «من تكفّل لي ألا يسأل الناس شيئاً وأتكفّل له بالجنة؟»؛ لما في السؤال من مذلةٍ ظاهرة.
-والسادس: النهي عن الدخول على السلاطين وأهل الوجاهة، كما قال النبي ﷺ: «إياكم وأبواب السلطان»، ووردت في النهي عن ذلك نصوص كثيرة عن السلف؛ لما تؤديه كثرة الدخول عليهم من الاضطرار إلى التزلف والتملق والتقرب وقبول الهدايا المُذلة لصاحبها، فيصير كالعبد عند السلطان قد قيّده بالتقريب والعطايا.
-والسابع: الأمر بالاستغناء عما عند الناس، كما قال النبي ﷺ: «ازهد فيما عند الناس»، وقال: «من يستغنِ يُغنِه الله»؛ لما في مد النظر إليهم والتشوف إلى ما عندهم من صَغار النفس وذلتها.
-والثامن: النهي عن تكليف النفس ما لا تطيق، كما قال النبي ﷺ: «لا ينبغي للمؤمن أن يُذل نفسه»، قالوا: يا رسول الله، وكيف يُذل نفسه؟ قال: «يتعرّض من البلاء لما لا يطيق»؛ لما في مآل ذلك من إذلاله نفسه واحتياجه إلى غيره وسؤالهم إعانته.
-والتاسع: النهي عن المبالغة في التبجيل والتعظيم، كما قال النبي ﷺ: «من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار»، وقال: «إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التراب»، وقال: «أخنع اسمٍ عند الله رجلٌ تسمَّى ملك الأملاك»؛ لما في مبالغة التبجيل من إذلال النفس وتصغيرها.
-والعاشر: عدم إلزامه قبول الهبة لأداء ما وجب عليه، كقبوله هبة المال ليقضي دينه، أو هبة السترة، أو قبول النفقة من غير الواجب عليه، وهذا نص عليه الفقهاء.
فقال ابن أبي عمر في الشرح الكبير: "أما قبول الهدية والصدقة فمضرةٌ تأباها قلوب ذوى المروءات؛ لما فيها من المنّة".
وقال في المفلس: "ولا يُجبر على قبول صدقة ولا هدية ولا وصية ولا قرض".
وقال: "إن بذلت له سترة لزمه قبولها إذا كانت عارية؛ لأن المنة لا تكثر في العارية، فيكون قادراً على ستر عورته بما لا ضرر فيه، وإن كانت هبة لم يلزمه قبولها؛ لأن المنة تكثر فيها".
وقال البهوتي في الروض المربع فيمن أُعسر عن نفقة امرأته: "(وإذا أعسر بنفقتها فبذلها غيره لم تُجبر) على قبولها من غيره؛ لما يلحقها من المنة".
فنسأل الله أن يحفظ عز نفوسنا ولا يُذيقنا ذلاً، وأن يصلي ويسلم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أروى أبا الخيل
٢٢ جمادى الآخرة ١٤٤٧هـ
https://t.me/t_elm3
(تكرار اسم المخاطَب تخويفاً له)
بسم الله الرحمن الرحيم
من أساليب تنبيهِ المخاطَب وتخويفه وتمهيدِ مكالمته بالأمر العظيم: تكرار اسمه قبل الخطاب؛ استرعاءً لسمعه، وجلباً لانتباهه، وقرعاً لقلبه، وتثبيتاً للمعنى في نفسه.
وقد يكون تكرارُ الاسم عند المخاطَب أبلغَ في تأثره بالخطاب من التفنن والمبالغة في الترهيب والتخويف، فأنت إذا سمعت مخاطِباً لك يكرر النداء باسمك وهو يتهيأ للكلام، اجتمع قلبُك له، وتهيأ لقبول خطابه وتعظيمه، ثم ثبت فيه.
وكان النبي ﷺ ينبّه أصحابه بمثل ذلك؛ حرصاً على كل ما تقدم من تهيئة قلوبهم وتثبيت المعنى في نفوسهم واستجلاب تعظيمه.
فمنه قوله ﷺ لمعاذ بن جبل لما كان رديفه على الرحل: «يا معاذ بن جبل»، فقال معاذ: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار النبي ساعة، ثم قال: «يا معاذ»، فقال معاذ: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار النبي ساعة، ثم قال: «يا معاذ»، فقال معاذ: لبيك رسول الله وسعديك، فقال النبي: «هل تدري ما حق الله على عباده؟» قال معاذ: الله ورسوله أعلم، فقال: «حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً»، ثم سار ساعة، ثم قال: «يا معاذ بن جبل»، فقال معاذ: لبيك رسول الله وسعديك، فقال: «هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه؟»، قال معاذ: الله ورسوله أعلم، فقال النبي: «حق العباد على الله ألا يعذبهم».
ومنه قوله لعبد الله بن عمرو لما سأله عن الجهاد والغزو: «يا عبد الله بن عمرو، إن قاتلتَ صابراً محتسباً بعثك الله صابراً محتسباً، وإن قاتلتَ مرائياً مكاثِراً بعثك الله مرائياً مكاثِراً، يا عبد الله بن عمرو، على أي حال قاتلتَ أو قُتلت؛ بعثك الله على تلك الحال».
ومنه لما نادى عبد الله بن مسعود من خلفه وهو يضرب غلاماً له بالسوط، فقال له وهو يدنو منه: «اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود»، قال ابن مسعود: فلما دنا مني إذا هو رسول الله ﷺ، فألقيت السوط من يدي، فقال النبي ﷺ: «اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام»، فقال ابن مسعود: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً.
ومنه لما ضرب ﷺ بأربع أصابع تحت ركبة عمرو بن زرارة وقال: «يا عمرو، هذا موضع الإزار»، ثم ضرب بأربع أصابع تحت الأربع وقال: «يا عمرو، هذا موضع الإزار».
ومنه لما سأله حذيفة عن الخير والشر وقال له: يا رسول الله، بعد هذا الخير شر؟ فقال ﷺ: «يا حذيفة، تعلم كتاب الله، واتبع ما فيه، يا حذيفة، تعلم كتاب الله واتبع ما فيه، يا حذيفة، تعلم كتاب الله واتبع ما فيه»، فقال حذيفة: يا رسول الله، بعد هذا الخير شر؟ فقال ﷺ: «يا حذيفة، تعلم كتاب الله واتبع ما فيه»، فقال حذيفة: يا رسول الله، بعد هذا الخير شر؟ فقال ﷺ: «فتنة وشر»، إلى آخر الحديث وفيه تكرار ندائه وأمره بتعلم كتاب الله واتباع ما فيه.
ومثل ذلك نداء إبراهيم عليه السلام لأبيه وهو يدعوه، فكرر اسمه أربع مرات راجياً تعظيم الأمر في نفسه وتخويفه، فقال: ﴿يا أبتِ لم تعبد ما لا يسمع ولا يُبصر ولا يُغني عنك شيئاً*يا أبتِ إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدِك صراطاً سوياً*يا أبتِ لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً*يا أبتِ إني أخاف أن يمسّك عذابٌ من الرحمن فتكونَ للشيطان ولياً﴾.
فنسأل الله أن يبصّرنا ويهدينا لما تنفتح به القلوب، وأن يصلي ويسلم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أروى أبا الخيل
١٥ جمادى الآخرة ١٤٤٧هـ
https://t.me/t_elm3
(شدة إذكاء الهوى للفكر والرأي والحيلة)
بسم الله الرحمن الرحيم
أصل الهوى في اللغة الميل، سواء كان إلى خير أو شر، وإن كان قد غلب إطلاقه على الثاني وذمه، غير أن المقصود في المقالة المعنى الأعم، وهو مطلق الميل.
ومن آثار هذا الهوى على صاحبه أنه يُذكي عقله، ويوقد فكره، ويستخرج دقائق حيلته، وتعجب منه بعض الأدباء، فقال: "ما أشد جولة الرأي عند الهوى"!
فإنك واجدٌ بليداً اهتوى أمراً، فاحتال بما يتعجب منه النبهاء، وواجدٌ غبياً اشتهى شيئاً، فانقدح في عقله ما يندهش له الأذكياء.
ولذلك وصفه بعض البلغاء بقوله: "يُصفي ذهن البليد، ويُفصح لسان العيي، وأول باب تُفتق به الأذهان والفطن، وتُستخرج به دقائق المكايد والحيل".
ومُدِح العشق بذلك، فقال قدامة: "العشق فضيلة، تُنتج الحيلة الجميلة".
وقال شيخٌ لطلابه: "يا بنيّ اعشقوا، فإن العشق يُطلق الغبي، ويفتح جبلّة البليد".
وقال ابن تيمية: "كل من أحب شيئاً محبة شديدة ولَّد له شدةُ المحبة طُرقَ تحصيل المحبوب، وطُرقَ المعرفة به، وكذلك من أبغض شيئاً بغضاً شديداً، ولَّد لهُ شدةُ البغضِ طُرُقَ دفعه وإزالته، ولهذا يُقال: الحب يَفتِق الحيلة، كما يُقال: الحاجة تَفِتق الحيلة، فإن المحتاج محب لما احتاج إليه محبةً شديدة".
وقال ابن قتيبة: "مع الحاجة تقع الفكرة والحيلة، ومع الكفاية يقع العجز والبلادة".
ومن لطيف ذلك جداً قول عبد الرحمن السهيلي:
تقـول لا حيـلـةً في الوصـل أعرفُـها
لو صح منك الهوى أُرشِدت للحِيَلِ!
فنسأل الله أن يُصلح هوانا، ويفتق له أذهاننا، وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أروى أبا الخيل
٨ جمادى الآخرة ١٤٤٧هـ
https://t.me/t_elm3
(التناسب والمشاكلة، سببٌ لامتزاج الأرواح والأفئدة)
بسم الله الرحمن الرحيم
مما فطر الله عليه الخلق: ميلُهم إلى من يُشابههم، وانجذابهم إلى من يُشاكلهم، وتعلقهم بمن يُناسبهم، سواء كانت المناسبة والمشاكلة في الخَلق والصورة، أو الدواخل والأطباع، أو الأفكار والآراء، أو الصفات والأحوال.
فإذا تناسب شيءٌ من ذلك توافقت الأرواح وانجذبت القلوب، وبدونها لا تكاد تقع المحبة، كما قال ابن القيم: "إذا تأملتَ الوجود لا تكاد تجد اثنين يتحابّان إلا وبينهما مشاكلة أو اتفاق في فعلٍ أو حالٍ أو مقصد، فإذا تبايَنَت المقاصد والأوصاف والأفعال والطرائق، لم يكن هناك إلا النفرة والبعد بين القلوب".
وهذا التناسب إما أن يكون عارِضاً، وإما أن يكون لازماً.
-فإن كان عارِضاً، ثبتت المحبة بثبوته، وانتفت بانتفائه، كما قال ابن القيم: "فإنّ من ناسب قصدُك قصدَه، حصل التوافق بين روحك وروحه، فإذا اختلف القصد زال التوافق".
ومِن ذلك وقوع التوافق والمحبة للتناسب في الغُربة، كما قال امرؤ القيس:
أجارتَـنا إنـا غريبـان هـاهنا
وكل غريبٍ للغريب نسيبُ
وقال جمال الدين الأنصاري الكتبي: "من النوادر أن حكيماً رأى غراباً مع حمامة، فعجب من تآلفهما مع مباينتهما في الجنس، فأثارهما، فإذا كلٌ منهما مكسور الجناح، فقال: إنما جمع بينهما العلة".
-وإن كان التناسب لازماً، ثبتت به العلائق، وقويت الوشائج، ولم يكد ينفّر بين المتناسبَين شيء، فتناسبُهما كما قال ابن القيم "شوقُ كل نفس إلى مُشاكِلها، فإنَّ شِبْهَ الشيء يَنجذبُ إليه بالطبع، فتكون الرُّوحان متشاكلتين في أصل الخِلقة، فينجذب كلٌّ منهما إلى الأخرى بالطبع".
ومن ذلك ميل النفوس الزكية لصفات الكمال وعشقها لها والتذاذها بها؛ لمناسبتها لجوهرها، كما قيل للإمام أحمد: تعلمت هذا العلم لله؟ فقال: "أمّا لله فعزيز، ولكنه شيءٌ حُبب إلي ففعلته".
وقال المأمون: "لقد حُبب إلي العفو حتى خشيتُ ألا أؤجر عليه".
وقال الآخر -وأظنه زهير بن أبي سُلمى يمدح هرم بن سنان-:
تـراه -إذا مـا جئـتَه- متـهـللاً
كأنك تعطيه الذي أنت سائلُه
وأورد ابن قتيبة في عيون الأخبار مكتوباً كتبه رجلٌ إلى محمد بن عبد الملك، قال فيه: "إن مما يطمّعني في بقاء النعمة عليك، ويزيدني بصيرة في العلم بدوامها لديك، أنك أخذتها بحقها، واستوجبتها بما فيك من أسبابها، ومن شأن الأجناس أن تتواصل، وشأن الأشكال أن تتقاوم، والشيءُ يتغلغل في معدنه، ويحنّ إلى عنصره، فإذا صادف منبته، ولاقى مغرسه، ضرب بعروقه، وسمق بفروعه، وتمكن من الإقامة، وثبت ثبات الطبيعة".
وإذا مالت النفوس إلى هذه الصفات، مالت إلى من يُشاكلها فيها، كما قال ابن حزم: "لا تجد اثنين يتحابّان إلا وبينهما مشاكلة واتفاق في الصفات الطبيعية، لابد في هذا وإن قل، وكلما كثرت الأشباه زادت المجانسة وتأكدت المودة، فانظر هذا تره عياناً".
وقال بعض الحكماء: "على قدر تشاكل الأجناس تتآلف قلوب الناس، وأقربها مشاكلة أحسنها مواصلة، وأكثرها تنافراً أطولها تهاجراً".
وصدق النبي ﷺ حين قال: «الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف».
وقال بعض الصالحين: "أرواح المؤمنين تتعارَف".
ومن أمثلة ذلك ما حُكي من أن عبد الله بن جعفر جاء مكة ليلاً فبات خارجها، فلما أصبح دخلها، وقال: "يا أهل مكة، عرفنا أخياركم من أشراركم في ليلة واحدة، نزلنا ومعنا أخيار وأشرار، فنزل أخيارنا على أخياركم، وأشرارنا على أشراركم".
وذُكر لبُقراط رجلٌ من أهل النقص يحبه، فاغتم لذلك وقال: "ما أحبَّني إلا وقد وافقتُه في بعض أخلاقه".
وبعكسه قال المتنبي:
وإذا أتتك مَذمّتي من ناقصٍ
فهي الشهادةُ لي بأني فاضلُ
ولذلك كان الصاحب أدل شيء على طبع صاحبه وخلُقه، كما قال ابن مسعود: "ما شيءٌ أدل على شيء، ولا الدخان على النار، من الصاحب على الصاحب".
وقال الآخر:
فاعـتـبِـروا الأرض بأشباهـها
واعتبِروا الصاحب بالصاحب
وإذا كان هذا التناسب والتشاكل بين الزوجين، وقع العشق بتمامه، وهو قدرٌ زائدٌ على مجرد الحسن والجمال، كما قال ابن القيم: "إن العشقَ لا يقفُ على الحُسن والجمال، ولا يلزم من عدمِه عدمُه، وإنما هو تشاكُل النفوسِ وتمازُجُها في الطباع المخلوقة فيها، كما قيل:
وما الحب من حُسنٍ ولا من مَلاحةٍ
ولكـنـه شـيءٌ بــه الـرُّوح تَـكْـلَــفُ
قال هذا القائل: فحقيقتُه أنه مرآة يُبصر فيها المحبُّ طباعَه ورِقَّته في صورة محبوبه، ففي الحقيقة لم يحبَّ إلا نفسه وطباعَه ومُشاكِلَه".
فنسأل الله أن يميل بنفوسنا محبةً إلى أرفع الصفات، ويجعل المُشاكِل لها أعالي النفوس وأزكاها، وأن يصلي ويسلم على عبده ونبيه محمد وعلى وعلى آله وصحبه أجمعين.
أروى أبا الخيل
٣٠ جمادى الأولى ١٤٤٧هـ
https://t.me/t_elm3
(الأفعال المنصوص على جلبها للمحبة)
بسم الله الرحمن الرحيم
مما تشوفت إليه الشريعة وسعت إلى تثبيته وتنميته في نفوس المسلمين: الألفة والمحبة، فوعد الله تعالى على ذلك بالأجور عظيمة، كما قال في الحديث القدسي: «المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم عليها النبيون والشهداء» [رواه مسلم].
وقال نبيه ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، وذكر فيه: «ورجلان تحابّا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه» [رواه البخاري].
وجاءت النصوص بالحث على أفعالٍ جالبةٍ للمحبة، كالرفق واللين والتبسم والعفو والكلمة الطيبة وقضاء الحوائج وتفريج الكربات وستر العورات والإحسان والستر والتواضع، وغيرها كثير.
ومن الأفعال ما وقع النص والتصريح من الله أو نبيه ﷺ بكونها جالبةً للمحبة والمودة، وجمعتُ من شواهد ذلك عشرة أفعال:
-أولها وأعظمها: التقرب إلى الله بالإيمان وعمل الصالحات والتعرض لمحبته، فقال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُدّاً﴾، وقال نبيه ﷺ: «إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً، فأحِبَّه، فيُحبه جبريل، فيُنادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً، فأحِبوه، فيُحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» [رواه البخاري ومسلم].
-والثاني: الإخبار بالمحبة، كما أمر النبي ﷺ الرجل لما جاءه وقال له: إني أحب فلاناً، فأمره بإعلامه، وقال: «إذا أحب أحدكم أخاه في الله فليُعلِمه، فإنه أبقى في الألفة، وأثبَت في المودة» [أخرجه ابن أبي الدنيا في كتابه الإخوان، وحسنه الألباني في صحيح الجامع].
-والثالث: السلام، كما قال ﷺ: «ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» [رواه مسلم].
-والرابع: المصافحة، كما قال ﷺ: «تصافحوا يَذهب الغل عن قلوبكم» [رواه مالك في الموطأ].
-والخامس: التعارف لتوثيق العلاقة، كما قال ﷺ: «إذا آخى الرجلُ الرجلَ فليسأله عن اسمه واسم أبيه وممن هو، فإنه أوصل للمودة» [رواه الترمذي].
-والسادس: التهادي، كما قال ﷺ: «تهادوا تحابوا» [رواه البخاري في الأدب المفرد]، وقال: «تهادوا، فإن الهدية تُذهب وَحَر الصدر»، أي: ضغينته [رواه أحمد والترمذي]، وقال: «يا معشر الأنصار تهادَوا، فإن الهدية تَسُل السخيمة، وتورث المودة» [رواه الطبراني].
-والسابع: مقابلة السيئة بالحسنة، كما قال تعالى: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌّ حميم﴾.
-والثامن: الزهد فيما عند الناس، كما قال ﷺ: «ازهد فيما عند الناس يُحبَّك الناس».
-والتاسع: المناداة بأحب الأسماء إليه.
-والعاشر: التوسعة له في المجلس.
كما قال ﷺ: «ثلاثٌ يُصفّين لك ودَّ أخيك: تسلم عليه إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتناديه بأحب أسمائه إليه» [رواه البخاري في التاريخ الكبير والطبراني والحاكم]، وروي موقوفاً عن عمر رضي الله عنه عند البيهقي وغيره.
فنسأل الله أن يزيد الألفة والمحبة بين قلوب عباده، وأن يصلي ويسلم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أروى أبا الخيل
٢٠ جمادى الأولى ١٤٤٧هـ
https://t.me/t_elm3
متاح الآن! بحث تيليغرام 2025 — أهم رؤى العام 
