4 134
المشتركون
لا توجد بيانات24 ساعات
لا توجد بيانات7 أيام
-1930 أيام
أرشيف المشاركات
4 134
وكذلِك ثبَت في الحَديث عَن أبي حَفَص - عُمر بن سَلمَة بن عَبد اللهِ بن عبد الأسَد ، رَبيب رسول اللهِ - صلّى اللُه عَلَيْه وسَلَّم - قال: كُنْتُ غُلامًا في حُجرِ رَسولِ اللَّهِ - صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، وكانَتْ يَدِي تَطِيشُ في الصَُّحفَةِ -الصُحفة وهيَ القِصعَة - ، فَقالَ لي رَسولُ اللَّهِ - صَلّى اللهُ عليه وسلَّمَ : يا غُلامُ ، سَمِّ اللَّهَ ، وكُلْ بيَمِينِكَ ، وكُلْ ممّا يَلِيكَ." قال : فَما زالَتْ تِلكَ طعمَتي بَعدُ ." والحَديث مُتّفقٌ عَلى صَحَّتهِ ."
فهَا هُوَ النَّبيُ - صلّى اللُه عليه وسَلَّم - يُعَلّم الصّبي ، ويُعَلَّم ربيبه مَسائِل قد يَستهينُ بِهَا كثيرٍ مِن النَّاس ، ألاَ وهيَ في صِفَة الأكِل والشَّرب وغيرهَا ، ولكنَّ النَّبيُّ - صلّى اللُه عَلَيْه وسَلَّم - عَلِمَ عِلمَاً قطعياً ؛ بأنَّ الصَّبي إذا تَعَلَّم وهُوَ صَغيرٍ ؛ استَمَرَّ عَلى مَا تَعَلَّمَ في صُغرِه ." لذلِك قالَ الصَّبي : فمَا زالَت تلِك طعمَتي بَعدُ ." أيُّ ؛ أنَّهُ لَم يَترُكهَا مِن صُغرهِ إلى كُبره ، فهَذا واجبُ الأمرٍ بالمَعروف ، وخَاصَّة للرَّعيَّة - لِمَا عن ابن عُمُر - رضي الله عنهُما - قال : سًمِعتُ رسول اللهِ - صلّى اللُه عَلَيْه وسَلَّم - يقول: كُلُّكم رَاعٍ ، وكُلُّكُم مَسؤولٌ عَن رَعيَّتِه ."
كُلُّكُم : وَ ( كُل ) ؛ معروفةٌ أنَّهَا مِن ألفَاظ العُموم." وأصلُ ألفَاظِ العُمومِ ؛ ( كلُّ ) ." كذا جميعٌ مثلُهُ يَدلُّ ." فكُل : أيُّ ؛ كُلُّكُم رَاعٍ ، لا يُوجَد شَخصٍ يَدَّعي أنَّهُ ليسَ راعٍ ، فَكُلَّنَا رَاعٍ ، وكُلُّنَا مَسؤولٌ عن رَعيَّتهِ ." ثُمَّ بيَّن ذلِك بعد قوله : فالإِمامُ راعٍ ومَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ في أهْلِهِ راعٍ وهُوَ مَسئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ ."
فيَا رَبَّ الأسرة ؛ ويا رَبَّ البَيت ، إنَّك راعٍ ومَسؤولٌ يَوم القِيامَة أمامَ الله عَن هذهِ الرَّعيَّة ؛ ماذا صنعت بِهَا ؟! وماذا فعَلت بِهَا ؟! هل أمَرتَ بالمَعرُوف ؟! هَل نَهِيتَ عَن المُنكر ؟!
يَتبَع إن شَاء اللهَّ ."
4 134
بِسم اللهَّ الرَّحمن الرَّحيم ؛
سِلسِلة شَجَرة الإيمَان "
الحَلَقة الثّالِثة / الجُزء الأوَّل "
الحَمدُ لله ربِّ العَالَمين ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أشرفِ الأنبيَاء والمُرسَلين ؛ سَيَّدِنا مُحَمَّدٍ وعَلى آلهِ وصحبهِ أجمَعين ، ومَن سَارَ عَلى نهجهِ واتَّبَع دَربهِ و هُدَاه إلى يَوم الدًّين ."
السَّلامُ عليكُم ورحمة اللهِ ."
في حَلَقةٍ جَديدةٍ ودَرسٍ جَديد " نتحَدَّثُ فِيه عَن قَضَايَا الأُمَّة ، القَضَايَا المُهمَّة الَّتي تَحتاجُ إلى عَمَلٍ وهِمَّة ، يقولُ اللهَّ - عَزَّ وجَلَّ : ﴿وَتَعاوَنوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقوى ﴾ ." [ المَائِدة : ٢ ] ."
فَالتَّعاونُ عَلى البِرّ والتَّقوى مِن سِمَاتِ أهل الإيمَان ، لِذلِك يَقولُ اللهَّ تعَالى : ﴿ إِنَّمَا المُؤمِنونَ إِخوَةٌ ﴾."
- [ الحُجرات : ١٠ ] ."
فالأخوَّة الإيمانيَّة تحُضّنَا وتُحثَّنَا عَلى التَّعاون ، وعَلى النَّصيحَة ، وعَلى الأمرِ بالمَعرُوفِ والنَّهي عَن المُنكر ، لذلِك أخبَر اللهَّ - تعالى - عَن نُوح - عليهِ وعلى نبيَّنا أفضَل الصَّلاَة والسَّلام - أنَّهُ قَال لِقومهِ : ﴿ وَأَنصَحُ لَكُم ﴾[الأعراف : ٦٢ ] ."
وعَن هُودٍ - عليهِ وعَلى نبيَّنا أفضَل الصَّلاة والتَّسليم ، أنَّهُ قَال لقومِه : ﴿ وَأَنا لَكُم ناصِحٌ أَمينٌ ﴾." [ الأعراف : ٦٨ ] ."
فالنَّصح والنَّصيحَة مِن دِين اللهِ عَزَّ وجَلَّ ، فقَد ثبَت في صِحيحِ الإمامُ مُسلِم - عَن أبي رُقيَّة تميمٍ بن أوس الدَّاريُّ - رضيَ اللهُ عنهُ - أنَّ النَّبي - صلّى اللُه عليهِ وسلَّم - قال : الدِّينَ النَّصيحةُ ." قُلنَا : لِمَن يا رَسولَ اللهِ ؟" قال : للهِ ، ولكتابِه ، ولرسولِه ، ولأئمَّةِ المُؤمنين ، وعامَّتِهم ." الدّين النَّصيحة ."
وقد عُرَّف المُبتدَأ والخَبر بالألف واللاَّم لإفادة الحَصِر ، وذلِك أنَّهُ قالَ ؛ أنَّ الدَّين كُلَّهُ النَّصيحَة ، مُبالَغَةٌ في مَعنى النَّصيحة ، وفي عظمهَا ؛ لأنَّهَا هِيَ الّتي تقومُ بِها الدُّنيَا ." فكذلِك ثبَتَ في صَحيح البُخَاريُّ ومُسلِم - عن جَريرٍ بن عَبد اللهِ - رضيَ اللهُ عَنهُ - قَال : بايَعتُ رَسولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ - على إقامِ الصَّلاةِ ، وإيتاءِ الزَّكاةِ ، والنُّصحِ لِكُلِّ مُسلِمٍ ."
فهَذا الّذي نَفتَقِدهُ ، ألاَ وهُوَ النَّصيحة لكُل مُسلِم ، لا تنصح فقط جَارِك وقَريبك وأبَاك وأمَّك وأخَاك وغيرهم ، لاَ ، بَل النَّصيحَة يَنبغي أن تكونُ عامَّة ، تكونُ لُكِلّ مُسلِم ، لذلِك بَايَع عَلى النَّصح لِكُلَّ مُسلِم ." والنَّصيحَة مُنطَلِقة ، وتخرُجُ أيضاً مِن المَحَبَّة الّتي تكونٌ للمُؤمِنين ." لذلِك ثبَتَ في البُخَاري ومُسلِم - عن أنس - رضيَ اللهُ عنهُ - أنَّ النَّبيُّ - صلّى اللُه عليهِ وسلّم - قال : لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ ، حتّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ." لذلِك أنَا أنصحُ لكُم وأبيَّنُ لكُم قَضَايَا مُهمَّةٍ جِدَّاً وهِيَ قَضَايَا تَمُسُّ بِعقيدة المَرء ودينهِ ." لا نُريد أن نتَحدًّثَ عَن قَضَايَا فَرعيَّةٍ ومَسائلَ إجتهَادِيَّة وغيرها ، بل نتَحدَّث في قَضَايَا تدخلُ في حَياتنا اليَوميَّة ، لا بُدَّ أن نُنَبَّهُ علَى قَضايَا مُهِمَّة جِدَّاً جدَّاً جدَّاً ."
نَبتدئ بِقضَايَا تَمُسُّ بِعقيدَة المُسلٍم ، هذهِ القَضايَا ؛ يَنبغي لكُل وَليُّ أمرٍ ؛ أن يُنبَّه عَليهَا أبنَاءَه ، فأوليَاء الأمُورِ الَّذين هُم مَسؤولونَ عن الرَّعيَّة هُؤلاء يَنبغي لهُم أن يأمُروا أبناءهُم بِكُل ما يُصلِحُ أحوالهِم ، وأن يُحَذَّروهُم مِن كُلَّ ما يُفسدهُم ويُسيء أحوَالهِم ، لذلِك يُقول اللهَّ - عَزَّ وجل : ﴿ وَأمُر أَهلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصطَبِر عَلَيها ﴾." [ طه : ١٣٢ ] ، فيَنبغي لكَ أن تأمُر أهلَك بالمَعروف ." وكذلِك قالَ تعالى : ﴿ يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا قُوا أَنفُسَكُم وَأَهليكُم نارًا ﴾." [ التَّحريم : ٦ ] ."
فَنَحنُ مُطالَبونَ بِأن نأمُرُ أهلينَا بِكُلّ مَا يُباعِدَهُم مِنَ النَّار يَوم القَيامَة ، لذلِك كانَ النَّبيُّ - صلَّى اللهُ عليهِ وسلّم - يُعلَّم أحفَادَهُ ." فقد كانً كمَا قال أبو هُريرَة - رضيَ اللهُ عنهُ ؛ أخَذَ الحَسَن بن عليَّ - رضىَ اللهُ عنهُ - تَمرةٍ مِن تَمر الصَّدَقَة ؛ فجعلهَا في فيهِ ، فقال رسول اللِه - صَلَّى اللَّه عَلَيْه وسَلَّم : كِخ كِخ ."وفي روايةٍ : كِخٍ كِخٍ كِخٍ ." وهذهِ الكَلمة هيَ للزَّجر يُزجَرُ بِهَا الصَّبي ، فالنَّبيُ صلّى اللُه عَلَيْه وسَلَّم - قال للحَسَن: كِخٍ كِخٍ ، أرمِي بِهَا ؛ أمَا عَلِمتً أنَّا لا نأكُل الصَّدقة ؟! والحَديث في البُخاريُّ ومُسلِم ، فكانَ النَّبيُّ صلّى اللُه عَلَيْه وسَلَّم - حَريصاً عَلى ألاَّ يأكلُ الحَسن طعَامَاً مُحرَّمَاً ، وفي روايةٍ قال : إنَّا لا تَحلَّ لنَا الصَّدَقَة ." لأنَّ الصَّدقَة لا تَحل لأهل البَيت ."
4 134
وَنَحنُ ضَرَبنَا النَّاسَ حَتّى تَتابَعوا
عَلى دينِهِ بِالمُرهِفاتِ الصَّوارِمِ
- حسّان بن ثابت - رضيَ اللَّه عنه ."
4 134
خالِد بن الوَليد والإرهَاب ، في مُرتدَّة الأعرَاب ."
قال الحَافظ ابن كثيرٍ القُرشيّ الدَّمِشقي - رحِمهُ الله تعالى - في تاريخهِ : البِدايةَ والنَّهاية - المُجلّد التاسِع / الصفحة ٤٦۲ في خبر مالِك بن نُويرَةَ اليَربوعي التَّميمي :
استدعى خالِدٌ - رضي الله عنهُ - مالِكَ بن نُويرةَ - سيَّد من سادات قبيلة تميم ومن رؤوس الرِدَّة ، فأنَّبَهُ على ما صدِرَ منهُ - من مُتابعَةِ سُجَاح - سُجاح بنت الحارِث ، امرأةٌ نجدية من بني تميم ، التفَّ حولها بعض قومها ، وقد عزموا على غزو أبي بكر الصدَّيق ، وعلى منعهِ الزَّكاة ، وقال : ألم تعلم أنَّهَا قرِينَةُ الصَّلَاةِ ؟ فقال مالِكُ: إنَّ صاحِبَكُم كان يزعُمُ ذلك ! فقال : أهو صاحِبُنَا وليسَ بِصَاحِبِكَ ؟! يا ضِرَارُ ، اضرِب عُنُقَهُ ." فضرَبَ عُنُقَهُ ، وأمرَ برأسِهِ فجُعِلَ مع حَجَرينِ ، وطُبِخَ على الثلَّاثَةِ قِدرًا ، فأكلَ مِنهَا خَالِدٌ تِلكَ اللّيلة ليُرهِبَ بذلِكَ الأعرابَ مِن المُرتدَّةِ وغيرهِم ." ويُقال : إنَّ شَعْرَ مالِكٍ جعلتِ النَّارُ تعمَلُ فيه إلى أن نضِجَ لحم القِدر ، ولم يفرُغَ الشَّعرُ لِكثرَتِهِ." وقد تكلَّمَ أبو قتادةَ مع خالدٍ فيما صنِعَ ، وتقاولا في ذلك ، حتَّى ذهب أبو قتادةَ فشكاهُ إلى الصّدّيق ، وتكلَّمَ عُمَرُ مع أبي قتادة في خالدٍ ، وقال للصَّدِيق: اعزلهُ ، فإنَّ في سيفِهِ رهقًا." فقال أبو بكر : لا أشيَمُ سيفًا سَلَّهُ اللهُ على الكُفَّار ."
4 134
الْمَلَائِكَةِ ، يَعنِي الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ إِبلِيسَ ، الَّذِينَ خُلِقُوا مِن نَارِ السَّمُومِ ، وَقَالَ لَهُم : { أَنْبِئُونِي بِأَسمَاءِ هَؤُلَاءِ } ." [ البقرة: ٣١ ] ." يَقُولُ : أَخبِرُونِي بِأَسمَاءِ هَؤُلَاءِ { إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ } ." [ البقرة: ٣٢ ] ." إِن كُنْتُمْ تَعلَمُونَ أَنِّي لَم أَجعَلْ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً ." قَالَ : فَلَمَّا عَلِمَتِ الْمَلَائِكَةُ مُؤَاخَذَةَ اللَّهِ عَلَيهِم فِيمَا تَكَلَّمُوا بِهِ مِن عِلْمِ الْغَيبِ الَّذِي لَا يَعلَمُهُ غَيرُهُ الَّذِي لَيسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ ، قَالُوا : سُبحَانَكَ." تَنزِيهًا لِلَّهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ يَعلَمُ الْغَيبَ غَيرُهُ ، تُبنَا إِلَيْكَ ، لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمتَنَا ." تَبَرِّيًا مِنْهُم مِنْ عِلْمِ الْغَيبِ ، إِلَّا مَا عَلَّمتَنَا كَمَا عَلَّمْتَ آدَمَ." فَقَالَ : { يَا آدَمُ أنبِئهُم بِأَسمَائِهِم } [البقرة : ٣٣ ]." يَقُولُ : أَخْبِرهُم بِأَسمَائِهِم ، { فَلَمَّا أَنْبَأَهُم بِأَسمَائِهِمْ قَالَ أَلَم أَقُل لَكُم } ." [ البقرة: ٣٣ ] ؛ أَيُّهَا الْمَلَائِكَةُ خَاصَّةً ؛ { إِنِّي أَعلَمُ غَيبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرضِ } ." وَلَا يَعلَمُهُ غَيرِي ؟ {وَأَعلَمُ مَا تُبدُونَ } ." [ البقرة: ٣٣ ] ." يَقُولُ : مَا تُظْهِرُونَ { وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } ." [ البقرة: ٣٣ ] ." يَقُولُ : أَعلَمُ السِّرَّ كَمَا أَعلَمُ الْعَلَانِيَةَ ، يَعنِي مَا كَتَمَ إِبلِيسُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْكِبرِ وَالِاغْتِرَارِ ." وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ؛ تُنْبِئُ عَنْ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَإِذ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } ." [ البقرة : ٣٠ ] ؛ خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لِخَاصٍّ مِنَ الْمَلَائِكَةَ دُونَ الْجَمِيعِ ، وَأَنَّ الَّذِينَ قِيلَ لَهُم ذَلِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ؛ كَانُوا قَبِيلَةَ إِبْلِيسَ خَاصَّةً ، الَّذِينَ قَاتَلُوا مَعَهُ جِنُّ الْأَرضِ قَبلَ خَلْقِ آدَمَ ." وَأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا خَصَّهُم بِقِيلِ ذَلِكَ امتِحَانًا مِنْهُ لَهُم ، وَابْتِلَاءً لِيُعَرِّفَهُم قُصُورَ عِلْمِهِم ، وَفَضلَ كَثِيرٍ مِمَّنْ هُوَ أَضْعَفُ خَلْقًا مِنْهُم مِن خَلْقِهِ عَلَيهِم ، وَأَنَّ كَرَامَتَهُ لَا تُنَالُ بِقِوَى الْأَبدَانِ وَشِدَّةِ الْأَجسَامِ ، كَمَا ظَنَّهُ إِبلِيسُ - عَدُوُّ اللَّهِ ." وَيُصَرِّحُ بِأَنَّ قِيلَهُمْ لِرَبِّهِمْ : { أَتَجعَلُ فِيهَا مَنْ يُفسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } [البقرة : ٣٠ ] ." كَانَتْ هَفْوَةً مِنْهُم وَرَجمًا بِالْغَيبِ ، وَأَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَطلَعَهُمْ عَلَى مَكرُوهِ مَا نَطَقُوا بِهِ مِن ذَلِكَ ، وَوَقَّفَهُمْ عَلَيهِ حَتَّى تَابُوا وَأَنَابُوا إِلَيهِ مِمَّا قَالُوا وَنَطَقُوا مِن رَجمِ الْغَيبِ بِالظُّنُونِ ، وَتَبَرَّءُوا إِلَيهِ ؛ أَنْ يَعلَمَ الْغَيبَ غَيرُهُ ، وَأَظْهَرَ لَهُم مِنْ إِبلِيسَ مَا كَانَ مُنطَوِيًا عَلَيهِ مِنَ الْكِبرِ الَّذِي قَد كَانَ عَنْهُم مُستَخْفِيًا." إنتهى ."
- تفسير الطَّبري / جَامِع البَيان ٤٨٢/١
4 134
آدَم الطَّين ، وإبليسَ اللَّعين .."
عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ إِبلِيسُ مِن حَيٍّ مِنْ أَحيَاءِ الْمَلَائِكَةِ ، يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ ؛ خُلِقُوا مِن نَارِ السَّمُومِ مِنْ بَيْنِ الْمَلَائِكَةِ ، قَالَ : وَكَانَ اسْمُهُ الْحَارِثَ." قَالَ : وَكَانَ خَازِنًا مِن خُزَّانِ الْجَنَّةِ ." قَالَ : وَخُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُم مِن نُورٍ غَيرِ هَذَا الْحَيِّ." قَالَ : وَخُلِقَتِ الْجِنُّ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْقُرآنِ ؛ مِنْ مَارِجٍ مِن نَارٍ ، وَهُوَ لِسَانُ النَّارِ الَّذِي يَكُونُ فِي طَرَفِهَا إِذْ أَلْهَبَتْ." قَالَ : وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ طِينٍ ، فَأَوَّلُ مَن سَكَنَ الْأَرضَ الْجِنُّ ، فَأَفْسَدُوا فِيهَا ، وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ ، وَقَتَلَ بَعضُهُمْ بَعضًا." قَالَ : فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيهِم إِبلِيسَ فِي جُنْدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، وَهُم هَذَا الْحَيُّ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمُ الْحِنُّ فَقَتَلَهُم إِبلِيسُ وَمَن مَعَهُ ، حَتَّى أَلْحَقَهُم بِجَزَائِرِ الْبُحُورِ وَأَطرَافِ الْجِبَالِ ." فَلَمَّا فَعَلَ إِبلِيسُ ذَلِكَ ؛ أَغْتَرَّ فِي نَفْسِهِ ، وَقَالَ : قَد صَنَعتُ شَيئًا لَم يَصنَعُه أَحَدٌ ." قَالَ : فَاطَّلَعَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَلْبِهِ ، وَلَم تَطَّلِعْ عَلَيهِ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ ." فَقَالَ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ مَعَهُ : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } [البقرة: ٣٠ ]" فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ مُجِيبِينَ لَهُ : { أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا وَيَسفِكُ الدِّمَاءَ }." [ البقرة : ٣٠ ] ." كَمَا أَفْسَدَتِ الْجِنُّ وَسَفَكَتِ الدِّمَاءَ ؟! وَإِنَّمَا بُعِثنَا عَلَيهِم لِذَلِكَ ." فَقَالَ: { إِنِّي أَعلَمُ مَا لَا تَعلَمُونَ }." [ البقرة: ٣٠ ]." يَقُولُ : إِنِّي قَدِ اطَّلَعتُ مِن قَلْبِ إِبْلِيسَ عَلَى مَا لَمْ تَطَّلِعُوا عَلَيهِ مِن كِبرِهِ وَاغْتِرَارِهِ ، قَالَ : ثُمَّ أَمَرَ بِتُربَةِ آدَمَ فَرُفِعَتْ ، فَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِن طِينٍ لَازِبٍ ، وَاللَّازِبُ : اللَّزِجُ الصُّلْبُ مِنْ حَمَأٍ مَسنُونٍ مُنْتِنٍ ." قَالَ : وَإِنَّمَا كَانَ حَمَأً مَسنُونًا بَعدَ التُّرَابِ." قَالَ : فَخَلَقَ مِنهُ آدَمَ بِيَدِهِ ." قَالَ فَمَكَثَ أَرْبَعِينَ لَيلَةً جَسَدًا مُلْقًى ، فَكَانَ إِبلِيسُ يَأْتِيهِ فَيَضرِبُهُ بِرِجلِهِ فَيُصَلْصِلُ ، أَي؛ فَيُصَوِّتُ ، قَالَ : فَهُوَ قَولُ اللَّهِ : { مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ } " [الرَّحمن : ١٤ ]." يَقُولُ : كَالشَّيْءِ الْمَنْفُوخِ الَّذِي لَيسَ بِمُصمَتٍ ، قَالَ : ثُمَّ يَدخُلُ فِي فِيهِ وَيَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ ، وَيَدْخُلُ مِنْ دُبُرِهِ وَيَخْرُجُ مِنْ فِيهِ ، ثُمَّ يَقُولُ : لَستَ شَيئًا ." لِلصَّلْصَلَةِ ، وَلِشَيءٍ مَا خُلِقتَ." لَئِن سُلِّطتُ عَلَيكَ لَأُهلِكَنَّكَ ، وَلَئِنْ سُلِّطتَ عَلَيَّ لَأَعصِيَنَّكَ ." قَالَ : فَلَمَّا نَفَخَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ، أَتَتِ النَّفْخَةُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ، فَجَعَلَ لَا يَجرِي شَيءٌ مِنهَا فِي جَسَدِهِ ؛ إِلَّا صَارَ لَحمًا وَدَمًا ." فَلَمَّا انْتَهَتِ النَّفْخَةُ إِلَى سُرَّتِهِ ؛ نَظَرَ إِلَى جَسَدِهِ ، فَأَعجَبَهُ مَا رَأَى مِنْ حُسنِهِ ، فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ فَلَم يَقْدِر ، فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ : { وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا } ." [ الإسراء: ١١ ] ." قَالَ : ضَجَرًا لَا صَبرَ لَهُ عَلَى سَرَّاءَ وَلَا ضَرَّاءَ ." قَالَ : فَلَمَّا تَمَّتِ النَّفخَةُ فِي جَسَدِهِ عَطَسَ ، فَقَالَ : الْحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، بِإِلْهَامٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ." فَقَالَ اللَّهُ لَهُ : يَرحَمُكَ اللَّهُ يَا آدَمُ ." قَالَ : ثُمَّ قَالَ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ إِبلِيسَ خَاصَّةً دُونَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ فِي السَّمَوَاتِ : اسجُدُوا لِآدَمَ ." فَسَجَدُوا كُلُّهُمْ أَجمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاستَكْبَرَ لِمَا كَانَ حَدَّثَ بِهِ نَفسَهُ مِن كِبرِهِ وَاغْتِرَارِهِ ، فَقَالَ : لَا أَسجُدُ لَهُ وَأَنَا خَيرٌ مِنْهُ ، وَأَكْبَرُ سِنًّا ، وَأَقْوَى خَلْقًا ، خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ." يَقُولُ : إِنَّ النَّارَ أَقْوَى مِنَ الطِّينِ ." قَالَ : فَلَمَّا أَبَى إِبلِيسُ أَنْ يَسجُدَ ؛ أَبْلَسَهُ اللَّهُ ، وَآيَسَهُ مِنَ الْخَيرِ كُلِّهِ ، وَجَعَلَهُ شَيطَانًا رَجِيمًا عُقُوبَةً لِمَعصِيَتِهِ ، ثُمَّ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسمَاءَ كُلَّهَا ، وَهِيَ هَذِهِ الْأَسمَاءُ الَّتِي يَتَعَارَفُ بِهَا النَّاسُ : إِنْسَانٌ ، وَدَابَّةٌ ، وَأَرضٌ ، وَسَهْلٌ ، وَبَحرٌ ، وَجَبَلٌ ، وَحِمَارٌ ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْأُمَمِ وَغَيرِهَا." ثُمَّ عَرَضَ هَذِهِ الْأَسمَاءَ عَلَى أُولَئِكَ
4 134
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَبَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ عَلَى حُسْنِ الِاسْتِمَاع - والقِراءة - وجزاكمُ اللَّهُ خَيْرًا . "
- يَتبع في سِلسِلة جَديدةٌ - قريباً -
إن شاءَ الله تعالى ."
4 134
نبيّنُ بعضَ الْفُرُوقِ الَّتِي بَيْنَ الشِّركِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصغَرِ بِاخْتِصَار :
الفرقُ الأولُ بَيْن الشركِ الأكبرِ والأصغرِ ؛ أَنَّ الشّركَ الأكبرَ لَا يغفرُ اللهُ لصاحبِه أَبَدًا ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دونَ ذلِكَ لِمَن يَشاءُ وَمَن يُشرِك بِاللَّهِ فَقَدِ افتَرى إِثمًا عَظيمًا ﴾
- [ النساء : ٤٨ ] ."هَذِهِ الْآيَةِ مَحمولةُ عَلَى الشَّركِ الأكبرِ فِي أصحِّ قَولي أهلِ الْعِلْم ، أَيْ إنّْ الشّركَ الأكبرُ لَا يَغفرُ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ مُطْلَقًا ، إلَّا بِالتَّوْبَةِ ، أَمَّا الشَّركُ الأصغرُ ؛ إنْ مَاتَ عَلَيْهِ فَقَد يَغْفِرُه اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - وَقَدْ لَا يغفرُه لَه ، ويدخلُ فِي مُوَازَنَة الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ."
الفرقُ الثَّانِي بَيْنَ الشركِ الأكبرِ الأصغرِ ؛ أَنَّ الشَّركَ الأكبرَ مُحبِطٌ لجميعِ الْأَعمَال ، أَيْ ؛ إنْ الَّذِي يقعُ فِي صورةٍ مِن صورِ الشّركِ الأكبرِ يَحبِطُ جميعَ أعمالِه ؛ مِن صلاةٍ ، وزكاةٍ ، وصدقةٍ ، وجهادٍ ، وحجٍ ، ونحوِه ، أَمَّا الَّذِي يقعُ فِي صورةٍ مِن صورِ الشركِ الأصغرِ فَلَا تُحبَطُ أَعْمَالِه بِذَلِك ."
الْفَرْقَ الثَّالِثَ بَيْنَهُمَا ؛ أَنَّ الشّركَ الأكبرُ يُخرِجُ مِن المِلّةِ - مِن مِلةِ الْإِسْلَام ، الَّذِي يقعُ فِي الشِّركِ الْأَكْبَرِ يكونُ كَافِرًا مُرْتَدًّا عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ ، أَمَّا الَّذِي يقعُ فِي الشَّركِ الأصغرِ فَهَذَا مُسلِمٌ ، وقعَ فِي مَعصيةٍ ويُعامَلُ مُعاملةَ الْمُسْلِمِين ."
الْفَرْقِ الرَّابِعِ بَيْنَهُمَا ؛ أَنَّ الشركَ الْأَكْبَر صاحِبُه خالدٌ مُخلّدٌ فِي النَّارِ ، لايخرجُ مِنْهَا أَبَداً ، أَمَّا الَّذِي يقعُ فِي الشّركِ الأصغرِ فَلَا يُخَلّدُ فِي النَّارِ ، وَإِنْ عذّبهُ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ ؛ يَخْرُجُ مِنْهَا بَعدَ ذَلِكَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ - بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ ."
وَالْفَرْق الْخَامِس وَالْأَخِير بَيْنَ الشِّركِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصغَرِ ؛ أَنَّ الشَّركَ الأكبر يصبحُ الدَمُ والمَالُ غيرَ مَعصُومِين ، الَّذِي يقعُ فِي الشّركِ الأكبرِ لَا يعصمُ دَمُه وَلَا مالُه ، لِحَدِيثِ النَّبِيِّ - صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - أَنَّهُ قَالَ : لا يَحِلُّ دَمُ امريء مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ . . " وَذَكَرَ فِيهِ ؛ كفُرٌ بَعد إسلام ."
فَهَذَا يصبحُ حَلالَ الدمِ وَالْمَالُ ؛ الَّذِي يَقَعُ فِي الشِّركِ الْأَكْبَرِ ، أَمَّا الَّذِي يقعُ فِي الشّركِ الأصغرِ ، فدمُه ومالُه مَعصُومَان ، وَهُو مُسلِمٌ ، لَه مَالَنَا وَعَلَيْه ماعَلينا ، أَمَّا الَّذِي يَترُكُ الْإِسْلَامِ ؛ فَهَذَا لايصبحُ دمُه مَعصومًا ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - يَقُول : مَن بَدَّلَ دينَهُ فاقتُلوهُ ."
هَذَا باختصارٍ مَسائلُ الشَّركِ الأكبرِ والأصغرِ ، وَأَرَدْنَا فَقَطْ إنْ نفتحَ بابًا للمُستمعِ لِذَلِك ؛ فَلَا بُدّ لكلِّ مُستمعٍ يَسمعُ أو يقرأ عَنْ هَذِهِ المَسائلِ ، وَعَن أهميتِها ، وَإِن يومَ القيامةِ يُحاسبُ عَلَيْهَا الإنسانُ ، فَلَابُدّ لَهُ أَنْ يَبحَثَ عَنْهَا وَإِنْ يَبحَثُ عَنْ تَفَاصِيلِهَا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لاَبُدَّ أَنْ يَعلَمَ يَقِينًا أَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ فِي هَذِهِ الدَّارَ لَعِبًا وَلَا لَهْوًا ، اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ :﴿ وَما خَلَقنَا السَّماءَ وَالأَرضَ وَما بَينَهُما لاعِبينَ * لَو أَرَدنا أَن نَتَّخِذَ لَهوًا لَاتَّخَذناهُ مِن لَدُنّا إِن كُنّا فاعِلينَ ﴾." [ الأنبياء : ١٦ - ١٧ ] ."
وَكَذَلِك يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ سُدًى وَلَمْ يُخْلَقْ عَبَثًا ؛ ﴿ أَفَحَسِبتُم أَنَّما خَلَقناكُم عَبَثًا وَأَنَّكُم إِلَينا لَا تُرجَعونَ ﴾." [ المؤمنون : ١١٥ ] ." ﴿ أَيَحسَبُ الإِنسانُ أَن يُترَكَ سُدًى ﴾." [ القيامة : ٣٦ ]."
فاﻹنسانُ سيحاسبُ يومَ الْقِيَامَة عَمَّا بَدَرَ مِنْهُ فِي هَذِهِ الدَّارَ فَلَابُدّ لَهُ أَنْ يُصلِحُ أعمالَه ، لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ لِلَّعِب وَلَا لِلَهْو وَلَا لِلْأَكْل وَلَا لِلشُّرْب ، وَإِنّمَا خُلِقَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ ، قَالَ تَعَالَى : ﴿ وَما خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلّا لِيَعبُدونِ ﴾ ." [ الذّاريات : ٥٦ ]." الْعِبَادَةِ لَا تُقْبَلُ إلَّا بِالْإِخْلَاصِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَما أُمِروا إِلّا لِيَعبُدُوا اللَّهَ مُخلِصينَ لَهُ الدّينَ ﴾." [ البيُنة : ٥ ] ." لَمْ يُأْمَرُوا بِشَيْءٍ إلَّا بِإِخْلَاص الْعِبَادَةِ للهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَلَا بُدَّ لَنَا أَنْ نخلصُ أَعمَالِنَا مَنْ الشِّركِ الْأَكْبَرِ ، وَالْأَصغَرِ وَالْخَفِيّ -أعاذنا اللَّهِ وَ الْمُسْتَمِعِين والقَارئين مِنْ صُوَرِ الشِّرك ." وَنَسْأَلُ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ عِبَادِهِ الْمُوَحِّدِين ، وَأَنْ يَتَقَبَّلَ أَعمَالِنَا أَنَّهُ
4 134
وَكَذَلِكَ مَنْ الشَّركِ لَبسُ الحَلَقةِ والخَيطِ ونحوِها ، كَمَا قَالَ الشَّيخُ مُحمَّد بنُ عبدِ الْوَهَّاب / بابُ مِنْ الشِّركِ لبسُ الحلقةِ والخيطِ وغيرِهما لرفعِ البلاءِ أَو دفعِه " لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ قُل أَفَرَأَيتُم مَا تَدعونَ مِن دونِ اللَّهِ إِن أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَل هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ ﴾." [ الزَّمْر : ٣٨ ] ."
هَذَا الخيطُ الَّذِي يجعلُ فِي الرّقبَةِ ، وبعضُهم قَد يجعلُه عَلَى شكْلِ سَمكةٍ ! أَو شكلِ كفٍّ ، كلُّ ذَلِك يَظُنُّ أَنَّهُ يدفعُ عَنْه الضُرَّ هَذَا مِنْ الخَللِ فِي العَقيدَةِ ، هَذَا يفعلُه كثيرٌ مِن النّاسِ ، تجدُه يُعلَّقُ بالصُبيانِ بعضَ الأشياءِ يظنُّها ترفعُ عَنْهُم العَينَ ، وترفعُ عَنْهُم الْأَذَى ، هَذَا مِنْ الشِّركِ الْأَصغَرُ - عياذاً بالله - والإنسانُ لاَبُدَّ أَنْ يَجتنبَه ويتركَه ويبتعدَ عَنْه ، لأنَّ الشَّركَ الأصغرَ شِركٌ خطيرٌ فَلَا بدَّ أَن يَجتنبَه الْإِنْسَان ، كَذَلِكَ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - حَدِيث عَبْداللَّه بْنِ مَسْعُودٍ - رضي اللَّه عنه - قَال : سِمعتُ رسولَ اللَّه - صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - يَقُول : إنَّ الرُّقي والتَّمائِمَ ، والتِّولةَ شركٌ ." هَذِه التمائمُ الَّتِي تُعَلَّقُ بالصُبيانِ وغيرِها شِركٌ ."
كَذَلِكَ عَنْ عمرانَ بنِ حصينٍ - رضي اللَّه عنهُما - أَنَّ النَّبِيَّ - صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - رَأَى رجُلًا فِي يدِهِ حَلقةٌ مِن صُفْرٍ فَقَال : مَا هَذَا ؟ فَقَال : مِن الواهنةِ - يعني : يظنُّ أنّها تدفعُ عَنْه الوَهنَ والمَرضَ! - قَال ؛ اْنِزْعها فَإِنَّهَا لَا تزيدُكَ إلَّا وهنًا ، فَإِنَّك لَوْ متَّ وَهِيَ عَلَيك مَا أفلحتَ أبدًا ."
لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي صُورَةِ مِنْ صُوَرِ الشِّرك ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحمَدُ بِسَنَدٍ لابأس بِهِ ، كَمَا قَالَ اﻹمام مُحمَّد بن عَبْدُ الْوَهَّابِ ، وَكَذَلِكَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحمَدُ - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - رضي اللَّه عنه - عَنْ النَّبِيِّ - صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - قَال : من تعلَّقَ تميمةً فَلَا أتمَّ اللهُ لَهُ ، وَمَنْ تعلقَ ودعةً فَلَا ودّعَ اللهُ لَه ." وَكَذَلِكَ قَالَ : مِن تعلَّقَ تميمةً فَقَد أَشْرَكَ ."
الْإِنْسَانَ قَدْ يُعلّقُ هَذِه التَّمائمَ الَّتِي هِيَ عَلَى صورةٍ أَيِّ شَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ ؛ قَرنٍ أَوْ نَحوِهِ ؛ يُعلّقهَا ظَانًّا أَنَّهَا تَدفَعُ عَنْهُ الْبَلَاء وَالْعَيْن ! فَلَا تَزِيدُهُ إلَّا ضَرَرًا وَإِلَّا وَهنَا ، ولايتمُّ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لَهُ مَقْصِدِه ، لِأَنَّ الَّذِي يُقْصَدُ شَيئًا بَاطِلًا لايتمَّهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لَهُ ، بَلْ يُعَامَلُ بِنَقِيضِ مَقصودِه ."وَكَذَلِكَ لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ - عَنْ حُذيفةَ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ خَيْط مِنْ الْحُمَّى فَقَطَعَه ، وَتَلَا قَوْله تَعَالَى : ﴿ وَما يُؤمِنُ أَكثَرُهُم بِاللَّهِ إِلّا وَهُم مُشرِكونَ ﴾." [ يوسُف : ١٠٦ ] ."
وَمِنْ صُوَرِ الشِّركُ الْأَصْغَرُ أَيْضًا الرَّياُء : فَفِي الحديثِ عَنْ مَحمُودِ بْنِ لبيد - رضيَ اللَّه عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - قَال : إنَّ أخْوَفَ مَا أخافُ عَلَيْكُم الشِّركُ الأصغَرُ . قَالُوا : وَمَا الشِّركُ الأصغَرُ يَا رسولَ اللهِ ؟! قَال : الرِّياءُ ، يقولُ اللهُ - عزَّ وجلَّ - لَهُم يَومَ القيامةِ ، إذَا جُزِيَ الناسُ بأعمالِهِم : اذْهَبوا إلَى الَّذِينَ كُنتُم تُراؤونَ فِي الدُّنيا ، فانْظُروا هَل تَجِدونَ عندَهم جَزاء ."
عَنْ أَبِي هُريرةَ - رضي اللَّه عنه - مَرفُوعًا عَنْ النَّبِيِّ - صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - قَال : قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى : أَنَا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّركِ ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فِيه مَعِي غيرِي ، تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ ." لِأَنّ الإنسانَ الَّذِي يعمَلُ عملًا قَد يُصَلِّي صَلَاةَ أَوْ يَتَصَدَّقَ ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا العمَلِ أَنْ يُقَالَ عَنْهُ ؛ أَنَّهُ مُصَلِّي وَأَنَّه مُتصدّقٌ ، وَأَنَّه جَوادٌ وكريمٌ ، فعَمَلُه يُحبَطُ بِذَلِك ، ويكونُ مَرْدُودًا عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِك وجهَ اللَّه ، الإنسانُ قَد يعمَلُ الطَّاعةَ وَلَا يُريدُ بِهَا وجهَ اللهِ ؛ فَلَا تقبلُ مِنْه ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ يَقُولُ اللَّهُ : أنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّركِ ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فِيه مَعِي غيرِي ؛ تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ ."
4 134
سِلْسِلَة شَجَرَة الْإِيمَان "
الْحَلْقَة الثَّانِيَة / الْجُزْءِ الْخَامِسِ وَالْأَخِير :
النَّوعُ الثَّانِي مِنْ أنواعِ الشِّرك : هُو الشَّركُ الْأَصغَر " الشركُ الأصغرُ : كلُّ وسيلةٍ وذريعةٍ يتطرّقُ بِهَا إلَى الشَّركِ الأكبرِ ، هَذِه الوسائلُ الَّتِي يُبَيِّنْهَا النبيُّ - صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - هِيَ مِنْ الشِّركِ الْأَصغَرُ ، وَقَد تَنْتَقِل بِالْمَرءِ إِلَى الشِّركِ الْأَكْبَرِ - عياذاً بالله - ." مِن الشَّركِ الأصغرِ : الحلِفُ بغيرِ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - الحلفُ بغيرِ اللَّه صورةٌ مِنْ صُوَرِ الشَّركِ الْأَصْغَرِ ، كَمَا ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رضي اللَّه عنهُما - أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلا يَقُولُ : لَا وَالْكَعْبَةِ ! فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَا يُحلفُ بغيرِ اللهِ ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - يَقُول : "من حَلفَ بغيرِ اللهِ فَقَد كَفَر أوأشركَ ."
إذَاً ؛ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ - بِالْكَعْبَة وبالأب ، وَالْأُمّ ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ ، وبالنَّبي - صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - كُلُّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فليَحلِفُ بِاَللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَقَط ، إذَا حَلَفَ أَحَدُكُم لاَبُدَّ أَنْ يَحلِفَ بِاَللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَقَط ، لايَحلِف بِغَيْرِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لِأَنّ الحَلف بغيرِ اللهِ مِن الشَّركِ الْأَصْغَر ، يحلفُ بِاَللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وبصفةٍ مِن صفاتِه أَوْ بِاسْمِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ ؛ فالحلِفُ بغيرِ اللهِ مِن الشّركِ الْأَصغَر ، وَكَذَلِك قولُ الرجُلِ ؛ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ ، وَكَذَلِك لَوْلَا اللهُ وَفُلَانٌ ، وَلَوْلَا اللهُ وَأَنْت . . . كلُّ ذَلِكَ مِنْ التَّسويةِ مِن الشَّركِ الأصغرِ كَمَا ثَبَتَ عَنْ ابنِ عَبَّاس - رضي اللَّه عنهما - قَال : قَال رسولُ اللَّه - صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم : إذا حَلَف أحدُكم فَلَا يقلْ مَا شَاءَ اللهُ وشئِتَ ؛ وَلَكِن ليقلْ ؛ مَا شاءَ اللهُ ثُمّ شئتُ ."
فمَشيئةُ العبدِ تَأْتِي تاليةً وَثَانِيًا بَعد مَشيئةِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَلَا يُسَاوِي يقولُ ماشَاء اللَّهُ وَشِئْتَ ، وَلَا يقولُ ؛ لَوْلَا اللهُ وفلانُ ، يَقُولُ لَوْلَا اللهُ ثُمّ فلانٌ ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الشَّركِ - عِيَاذًا بِاللَّهِ ."
طَبْعًا هَذِه الصورُ كالحلفِ بغيرِ اللهِ قَد يكونُ شِرْكًا أكبرَ إذَا كَانَ المرءُ يُعَظَّمُ غيرَ اللهِ ، ويُعظَّمُ المَحلُوفَ تَعظِيمًا كتَعظيمِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَوْ أشدّ ، فَهَذَا يكونُ مِن الشَّركِ الأكبرِ - عياذاً بالله - أَمَّا مُجرَّدُ الحَلفِ ؛ كَذَلِك ماشاء اللَّهُ وَشِئْتَ ؛ فَهَذَا مِنْ الشَّركِ الْأَصغَر ."
وَمَن الشِّرْك الأصغرِ أَيْضًا ؛ التطيَّرُ ، التَّطَيُّر : وَهُو التّشاؤمُ ، كَمَا ثَبَتَ عَنْ عَبْداللَّه بْنِ مَسْعُودٍ - رضي اللَّه عنهُ - قَال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم : الطِّيَرَةُ شِركٌ ، الطِّيَرَةُ شِركٌ - قَالَه ثلاثًا - ؛ وَمَا مِنَّا إلَّا . . . " وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بالتّوكّلِ ."
الطّيرةُ قَال شيخُ الْإِسْلَام ابنُ تَيْمِيَّة : وأمّا الطيرةُ بِأَن يكونَ قَدْ فَعَلَ أَمْرًا مُتَوَكِّلًا عَلَى اللهِ ، أَو يعزمَ عَلَيْه ، فيسمَعَ كلمةً مَكروهةً مِثلَ : مَا يتمُّ الأمرُ ، أَوْ مَا يفلحُ الأمرُ أَوْ نَحوِ ذَلِكَ ؛ فيتطيَّر وَيَتْرُك الْأَمْرِ ، فَهَذَا مَنْهِيٌّ عنه ." الإنسانُ قَد يكونُ مُسَافِرًا أَوْ يدخلُ تجارةً مُعيّنةً فَيَأْتِيَه شخصٌ يَقُولُ ؛ هَذِهِ التجارةُ لَن تفلحَ أَنْتَ فِيهَا ، فيتطيَّر وَيَقُولُ لَهُ أَنْتَ ، ويتشاءمُ بِهَذِه الكلمةِ ، فيقولُ ؛ أنا لَنْ أَفعَلَ هَذِهِ التِّجَارَةِ ، وَلَن أُسَافِر ، لِأَنَّك قُلْت هَذِهِ الكلمةَ فسأخسَر ! يتطيّرُ بكلمةٍ ، أَو يتطيّرُ بلونِ شخصٍ ، يَرَى اللَّونَ الأسوَدَ فيتشاءَم ، يقولّك ؛ هَذَا اللَّوْن شُؤْمٌ ! هَذَا اللَّوْنِ إذَا نَظَرْت إلَيْهِ يُصبِح يُومِئ أَسْوَد ! وَيُصْبِح يُومِي وَيُتَشَاءَم بِهَذَا اللَّوْنُ ، أَوْ يَتَشَاءَمَ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ ، يَقُولُ لَك ؛ إذَا جَاءَ فُلَانٌ فَالْأَمْر سيَفشل ! لِأَنّ فلانًا ذَا وجهُه وَجْه شُؤْمٌ ، وَجْهِهِ وَجْهُ شُؤْمٌ ، فَهَذَا تَشَاؤُمٌ وتطيّر لِأَنّ النَّفْعِ وَالضُّرِّ لايكونُ إلَّا مِنْ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ ."
وَعَن عَبْداللَّه بْنِ عَمْرِو - رضي اللَّه عنهُما - قَال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم : مَن رِدَّتهُ الطيَّرةُ مِن حاجةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ ، قَالُوا يَا رسولَ اللهِ ؛ فَمَا كُفَّارةُ ذَلِك ؟ قَال : أَن يقولَ أحدُهم ؛ اللَّهُمَّ لَا خيرَ إلَّا خيرُك ، وَلَا طيرَ إلَّا طيرُك ، وَلَا إلهَ غيرُك ."
4 134
رَّسـأّلَهِ أّلَـى أّلَشٍـرطّهِ وِأّلَـعٌَّسګـر ،
أّلَى أّلَمَـنِـتَّّسبِيِّنِ أّهِلَ أّلَـَّسنِهِ
(إنـما أعـظـكـم بـواحـدة)
4 134
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
حجاب المرأة المسلمة
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي أَرْسَلَهُ رَبُّهُ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، أمَّا بَعْدُ:
فهذه نصيحة موجزة أُقدِّمها لأختي المسلمة الكريمة والمسئول عنها في كل مكان، حول التبرُّج وأثره في المجتمع، ومشروعية الحجاب وفضائلهفأقول وبالله التوفيق:
معنى التبرُّج: التبرج هو إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال من غير محارمها؛ (تفسير الطبري، ج 22، ص 4).
التبرُّجُ معصية للرحمن وطاعةٌ للشيطان
قال تعالى: ﴿ يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 27].
قال ابن كثير: يحذر تعالى بني آدم من إبليس وقبيله، مبينًا لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم عليه السلام في سعيه في إخراجه من الجنة التي هي دار النعيم إلى دار التعب والعناء، والتسبب في هتك عورته بعد ما كانت مستورة، وما هذا إلا عن عداوة أكيدة؛ (تفسير ابن كثير، ج6، ص280).
التبرج مِن أسباب عذاب النساء يوم القيامة
روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((صنفان من أهل النار لم أَرَهُما: قوم معهم سِياط ٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رُؤُوسُهن كأسنمة البُخت المائلة، لا يدخلنَ الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من
4 134
•-قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-:
مـن ظن أن قـيام رمضـان فيـه عـدد موقت عـن النبي ﷺ لا يـزاد فيه ولا ينقص منـه فـقد أخطأ فإن كـانت هذه السعة فـي نفس عدد الـقيام فكيف الظن بزيـادة القيـام لأجـل دعـاء الـقنوت أو تـركـه كـل ذلـك سـائـغ حسـن وقـد يـنشط الرجـل فيكـون الأفضل فـي حقـه تـطويـل العبـادة وقـد لا يـنشط فـيكون الأفضـل فـي حقـه تخفيفهـا وكـانت صـلاة رسـول الله ﷺ معتدلـة إذا أطال القيام أطـال الركـوع والـسجود وإذا خـفف القيـام خفف الركـوع والـسجود هكـذا كـان يفعل فـي المكتوبـات وقـيام الليل وصـلاة الـكسوف وغـير ذلك
📘| مجموع الفتاوىٰ (٢٧٢/٢٢)
4 134
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى :
( سلوا اللهَ العفوَ والعافيةَ والمعافاةَ )
وهذا السؤال يتضمن :
" العفوَ عما مضى ،
" والعافيةَ في الحال ،
" والمعافاةَ في المستقبل بدوام العافية واستمرارها
عدة الصابرين (٢٣٢)
4 134
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
حجاب المرأة المسلمة
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، الَّذِي أَرْسَلَهُ رَبُّهُ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، أمَّا بَعْدُ:
فهذه نصيحة موجزة أُقدِّمها لأختي المسلمة الكريمة والمسئول عنها في كل مكان، حول التبرُّج وأثره في المجتمع، ومشروعية الحجاب وفضائلهفأقول وبالله التوفيق:
معنى التبرُّج: التبرج هو إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال من غير محارمها؛ (تفسير الطبري، ج 22، ص 4).
التبرُّجُ معصية للرحمن وطاعةٌ للشيطان
قال تعالى: ﴿ يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 27].
قال ابن كثير: يحذر تعالى بني آدم من إبليس وقبيله، مبينًا لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم عليه السلام في سعيه في إخراجه من الجنة التي هي دار النعيم إلى دار التعب والعناء، والتسبب في هتك عورته بعد ما كانت مستورة، وما هذا إلا عن عداوة أكيدة؛ (تفسير ابن كثير، ج6، ص280).
التبرج مِن أسباب عذاب النساء يوم القيامة
روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((صنفان من أهل النار لم أَرَهُما: قوم معهم سِياط ٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رُؤُوسُهن كأسنمة البُخت المائلة، لا يدخلنَ الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا))؛ (مسلم، حديث 2128).
4 134
لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللَّهُ ، يَخَافُ مِنْ الْحَيِّ أَنْ يمنعَهُ مِن دخولِ الجنةِ ! أَوْ أَن يُصيبَه بمرضٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لايقدر عَلَيْهَا إلَّا اللَّهُ ، فَهَذَا مِنْ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ الْمُخرِجُ مِنْ الْمِلَّةِ ."
هَذَا الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ وَصُورَه ، وَصُورهُ عَدِيدَة يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يبحثَ عَنْهَا ، وَإِنْ يتفطَّنَ فِيهَا ، حَتَّى لايقعَ فِي شيءٍ مِنْهَا وَيُلْقَى اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يومَ القيامَةِ عَلَى توحيدِ خالصٍ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ ."
يَتْبَعُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ ."
4 134
سِلْسِلَة شَجَرَة الْإِيمَان "
الْحَلْقَة الثّانية/ الْجُزْء الرَّابِع ؛
وَمَن أنواعِ الشَّركِ أيضًا - وَهُو شِركُ الطَّاعةِ والاتّباعِ ، قَال اللهُ تَعَالَى : ﴿ اتَّخَذوا أَحبارَهُم وَرُهبانَهُم أَربابًا مِن دونِ اللَّهِ وَالمَسيحَ ابنَ مَريَمَ وَما أُمِروا إِلّا لِيَعبُدوا إِلهًا واحِدًا لَا إِلهَ إِلّا هُوَ سُبحانَهُ عَمّا يُشرِكونَ ﴾." [ التَّوبة : ٣١ ] ."
هَذَا شِركُ الطَّاعةِ بِأَن تُصرَف الطَّاعةُ لغيرِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مُطْلَقًا ، أَن يُطيعَ العُلماءَ والأحبارَ والرّهبانَ فِي غيرِ طاعةِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ ، لِأَنَّ الَّذِي يُحَلّلُ ويُحرَّمُ ؛ هُو اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، الَّذِي لَهُ حَقُّ التّحليلِ والتَّحريمِ ؛ هُوَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ ، فَمَنْ ادَّعَى لنفسِه حَقَّ التَّحليلِ والتَّحريمِ فَقَدْ ادَّعَى حَقّاً مِن حقوقِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ ، وَهَذَا مِنْ الشَّركِ - أعاذَنا اللَّه وإيَّاكُم - ، بَلْ الَّذِي يَدَّعِي لنفسِه حَقَّ التَّحليلِ والتَّحريمِ قَدْ جَعَلَ مِنْ نفسِه وَنَصَب مِنْ نَفْسِهِ ربَّاً مَع اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ ، وَهَذَا خللٌ عَظيمٌ فِي تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ ؛ أَن يُنصِبُ مِن نفسِه طاغوتاً يُحلُّ مَا حَرَّمَ اللهُ ويحرمُ مَا أَحَلَّ ُّالله ، لِذَلِكَ فِي كثيرٍ مِنْ هَذِهِ القوانينِ الَّتِي يتحاكمُ الناسُ إلَيْهَا ، ويَحكمون بِهَا ، هَذِهِ الْقَوَانِينِ الَّتِي تحَلُّ الحَرامَ ، وتُحرِِّمُ الحَلالَ ، هَذِهِ لَا يجوزُ للإنسانِ أَن يحكُم بِهَا وَلَا أَنْ يتحاكمَ إلَيْهَا ، لَا يجوزُ أَن يحكُم بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ وَمَن لَم يَحكُم بِما أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الكافِرونَ ﴾."
- [ المائدة : ٤٤ ] ."
لَا يحكمُ بِهَذِه القوانينِ المُخالفةِ لَشُرِع اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - ، بَلْ لَا يتحاكمُ إلَيْهَا ، لِأَنَّهَا مِنْ حُكمِ الطَّاغُوت ، فكلُّ حُكمٍ خالفَ حُكمَ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فَهُوَ حُكم الطَّاغوتِ ، لِذَلِك يقولُ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ : ﴿ أَلَم تَرَ إِلَى الَّذينَ يَزعُمونَ أَنَّهُم آمَنوا بِما أُنزِلَ إِلَيكَ وَما أُنزِلَ مِن قَبلِكَ يُريدونَ أَن يَتَحاكَموا إِلَى الطّاغوتِ ﴾ ."
- [ النَّساء : ٦٠ ]
اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - سَمَّى دَعْوَاهُم لِلْإِيمَان أَنَّهَا زعمٌ لاحقيقةَ لَه ( أَلَم تَرَ إِلَى الَّذينَ يَزعُمونَ أَنَّهُم آمَنوا ) ، مُجرّدُ زعمٍ لاحقيقةَ لإيمانِهم ، هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ الإيمانَ فَقَط ." فَلَا بُدَّ ياعبدَ اللَّه وَيَا أمةَ اللهِ ؛ أَن تتبَرَّأَ مِنْ هَذِهِ القَوانينِ المأخوذةِ عَن الغَربِ ، المأخوذةِ مِن فَرَنْسَا وغيرِها مِن دولِ الكفُرِ ، أُخِذَت عَنْهُمْ ، وَتُرِك حُكْمُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَتُرِكُ كِتَابِ اللَّهِ ، وَتُرِكْت سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ (د- صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - وَأَصْبَح الناسُ يَتَحَاكَمُون إلَيْهَا فِي الْمَحَاكِمِ ، فَلَكِي يتبَرَّأَ الإنسانُ مِن الشَّركِ وَمَن الكُفُرِ ؛ لَا بُدَّ أَنْ يتركَ هَذِه المَحاكِم حَتَّى ترجِعَ إلَى حُكمِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَلَو ذَهَبَت دُنياهمْ ومافيهَا ." فالإنسانُ أَغْلَى شيءٍ عِنْدَهُ هُوَ ؛ التَّوْحِيدُ ، فكلُّ ذَلِكَ لَا يُسَاوِي شَيْئًا ، لِذَلِك اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ : ﴿ وَالفِتنَةُ أَشَدُّ مِنَ القَتلِ ﴾." [ البقرة : ١٩١ ] ."﴿ وَالفِتنَةُ أَكبَرُ مِنَ القَتلِ ﴾." [ البقرة : ٢١٧ ] ." والفتنةُ هِي الشَّركُ - كَمَا قَالَ ذَلِكَ أَهْلُ التَّفَاسِير ، الْفِتْنَة هِي الشِّرْك ."
وَمِنْ أَنْوَاعِ الشِّرك أَيْضًا ؛ هُوَ شركُ الخَوفِ قَالَ تَعَالَى :
﴿ إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيطانُ يُخَوِّفُ أَولِياءَهُ فَلا تَخافوهُم وَخافونِ إِن كُنتُم مُؤمِنينَ ﴾." [ آل عِمْرَان : ١٧٥ ] ."
وَهَذَا القسمُ هُو الواقِعُ الْيَوْمَ مِنْ عُبَّادِ الْقُبُور ، فَإِنَّهُم يَخَافُونَ مِنْ الصَّالِحِينَ وَمَن الْمَوْتَى ، وَلِهَذَا إذَا تَوَجَّهَت أَو وِجَِّهْت عَلَى أَحَدٍ ، أَوْ وُجِّهَتْ إلَى أحدِ اليَمينِ بِاَللَّه ؛ أَعْطَاك ماشئِت مِنْ الْإِيمَانِ ، يَحلِفُ بِاَللَّهِ - عزَّ وجلّ - بالحقِّ وَبِالْبَاطِل ، أمَّا أَنْ حُلّفَ بِهَذَا صَاحِبَ الْقَبْرِ ، وَهَذَا الْمَيِّتِ ، مَعَ أَنَّ التَّحلِيف لَا يَجُوزُ ، لَكِنْ إنْ حُلّفَ أَحَدُهُم بِمَيِّت ، يَقُولُ لَك ؛ لاأحلِف ! لِأَنَّهُ يَخَافُ مِنْ الْمَيِّتِ ! يقولُ لك ؛ هَذَا مَيِّت ! وَهَذَا قَدْ يَضُرُّك ! وَقَد يَكْسِر عَظمك ! وَقَدْ يَذْهَبُ مَالُكَ ! وَغَيْرُ ذَلِكَ ، كُلُّ ذَلِكَ خَوفًا مِنْ هَذَا الْمَيِّتِ - عياذاً بالله - ، هَذَا مِنْ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ الْمُخرِجُ مِنْ مِلَّةُ الْإِسْلَامِ ." هَذَا شركُ أكبرُ ؛ هُو خوفُ السِِّر ، الَّذِين يَخَافُونَ مِنْ الْأَمْوَاتِ وَيَخَافُون مِنْ الْأَحْيَاءِ ، مَا
